البربر والإسلام لمحمد ناصر بوحجام - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

البربر والإسلام لمحمد ناصر بوحجام

 





الكتاب : البرامج التعليمية و مشكلة غياب الانسجام بين المواد في معاهد العلوم الإسلامية لعبد الرحمن بابكر
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
الملتقى الدولي حول طرق تدريس العلوم الإسلامية
ـ الواقع والآفاق ـ
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية
قسنطينة
- -
عنوان المحاضرة
البرامج التعليمية و مشكلة غياب الانسجام بين المواد في معاهد العلوم الإسلامية
الأستاذ عبد الرحمن صالح بابكر
أستاذ مساعد في جامعة العلوم /معهد الحقوق والعلوم الإدارية.بومرداس
وأستاذ باحث في المعهد الوطني للبحث في التريبة.الجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
أولا: الدوافع إلى تحرير الموضوع
ثانيا: إشكالية البحث
ثالثا: أهداف البحث ...
رابعا: مضمون البحث وعناصره.
الفصل الأول: الأهداف التربوية في المناهج التعليمية
أولا: من البرنامج أو المقرر إلى المنهاج
ثانيا: غايات المنظومة التربوية والمنهاج التربوي
ثالثا: تعريف الهدف التربوي
... ... ... ... 1 ـ الغايات
... ... ... ... 2 ـ المقاصد (المرامي أو الأغراض)
... ... ... ... 3 ـ الأهداف العامة
4 ـ الأهداف الخاصة
... ... ... 5 ـ الأهداف الإجرائية (أو العملية)
رابعا: سلبيات وإيجابيات العمل بالأهداف
الفصل الثاني: واقع العلوم الشرعية في الجامعة الجزائرية
المبحث الأول: حاجات المنهاج التعليمي والتربوي
المبحث الثاني: الانسجام بين محتويات المنهاج وغيابه في المعاهد الإسلامية
المبحث الثالث: المحاذير والمحترزات عند تصميم المناهج التربوية
المبحث الرابع: الأنماط التمييزية وواقع العلوم الإسلامية في الجزائر
نتائج البحث
الخاتمة
المقدمة
الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويدفع نقمه ويكافئ مزيده، وأشهد ألاّ إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، شهادة ندّخرها ليوم البعث والنشور وهو راض عنا.
(1/1)
أولا وقبل كل شيء أشكر جزيل الشكر جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة على اهتمامها وعقدها لهذا المؤتمر الدولي، فبفضل هذا المؤتمر جادت قريحتي بهذا المنتوج، كما أشكرها على تخصيص المعهد الوطني للبحث في التربية بدعوة، دون أن أنسى إدارة المعهد التي وضعت ثقتها فيّ، وطلبت مني تلبية الدعوة والمشاركة في الملتقى، كما أخص بالذكر أخي وزميلي في المعهد، "بدر الدين بن تريدي"، الذي قدّم لي يد المساعدة في تحرير الفصل الأول من المحاضرة.
وأحاول أن أتناول في هذه المقدمة أربع نقاط أساسية:
أولا: الدوافع إلى تحرير الموضوع.
ثانيا: إشكالية البحث.
ثالثا: أهداف البحث.
رابعا: مضمون البحث وعناصره.
الدوافع إلى تحرير الموضوع
أولاً: إن الدافع إلى تحرير الموضوع هو كون الساحة العامة وجد فيها من سبقني إلى نشر علمه وثقافته وفكره بما عرفه الله عز وجل، وبما فتح عليه من فهم وإدراك في موضوع الدعوة إليه، سواء تعلق ذلك بما ينشره من حق، أو محاربة ما يراه من باطل وفساد وضلال، وهو في ذلك مأجور على اجتهاده وإخلاصه وحسن نيته وبذل جهده.
إلا أنني لاحظت حسب قناعتي الخاصة، أن هناك الكثير من الأخطاء ترتكب في حق العلم وفي حق الشرع، وفي حق الدعوة إلى الله - عز وجل - ، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الطريقة التي بها يتم عرض الأفكار، أو بالنسبة إلى مضمونها أو بالنسبة إلى نتائجها وآثارها.
(1/2)
وإني على يقين بأن كل واحد منا إذا أدرك ذلك سيشعر بثقل الأمانة، وخطورة الموقف، وجسامة المسؤولية، خاصة وهو يعلم الحديث الذي أخرجه كل من الإمام أبي داود والترمذي وابن ماجه وأحمد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ النَّارِ" (1) .
فلاحظت أن مصدر الكثير من الأخطاء التي تسربت إلى الساحة العامة هي الجامعة، والكثير ممن فيها يقاسمني الرأي نفسه، سواء كان ذلك على مستوى الأساتذة الزملاء، أو الإدارة، أو حتى الطلبة، إلا أنه تباينت آراؤهم حول معالجة المشكل والقضاء عليه.
والموضوع أحوج ما يحتاج إلى شجاعة وجرأة ومقدرة في الطرح، والحلقة المفقودة فيه تتجسد في تشخيص الداء أولاً، ثم التصدي إلى دراسة طرق علاجه لتداركه ثانيا.
ثانياً: محاولة القضاء على ثقافة الخطاب غير المسؤول، لأن معظم المصلحين والسياسيين عندنا في الجزائر لا يكتبون، ولا يشعرون بخطورة ما يتلفظون به من قول أو تصريح، فهم بذلك يستطيعون التنكر لأقوالهم وتصريحاتهم في أي وقت، يحاولون استقلال ما صدر عنهم من قول أو تصريح خطير، بدعوى حسن النية وعدم قصد الإيذاء، أو عدم تخيل خطورة التصريح، أو أي شيء من هذا القبيل.
__________
(1) ـ أخرجه ابن ماجة عن أبي سعيد الخذري في كتاب المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه، رقم:261.
(1/3)
فاستهوتنا جميعاً ثقافة الكلام والخطاب غير المسؤول، في الوقت الذي حذّرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من خطورة اللسان، ومغبة الخطاب غير المسؤول، وما ينجر عنهما من نتائج وآثار خطيرة، فقال عليه السلام فيما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - أَنَّ الرَسُولَ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" (1) وفي رواية عنه أيضا "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ" (2) .
ثالثا: الإيمان العميق بأن منهج الحوار وعرض الأفكار بكل نزاهة وصدق، هو السبيل الوحيد للنهوض بالمجتمعات وتطورها ورقيها الحضاري، ولا يكون ذلك إلا في ظل تعدد الرؤى، والتنوع الفكري ... لأن الحقيقة العلمية دائما هي واحدة، وعملية الاختلاف لا تضر في حد ذاتها، طالما نملك قواسم مشتركة نجتمع حولها، ومبادئ أساسية نحتكم إليها.
كما أومن أيضا بأن الكتاب يصححه كتاب آخر، والفكرة تخطئها أو تصوبها فكرة أخرى، ووجهة نظر تعدّلها نظرة إنسان ثان، وثالث، ورابع ... وفي خضم الصراع الفكري، وتلاقح الآراء وتصادمها، تتولد الحقائق وتتطور المعارف، ويزدهر البحث العلمي، شريطة الالتزام بأخلاقيات العلم، وأدبيات الحوار، بعيدا عن أي تعصب للرأي، وتنكر للخصم، أو انتصار للذات، أو للمذهب أو للحزب، على حساب الحق أو المبدأ، وقديما قال الإمام أبو حامد الغزالي: "يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال".
__________
(1) ـ اللفظ لمسلم، أنظر كتاب الزهد والرقائق، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار، رقم 5303.
(2) ـ أخرجه الترمذي كتاب الزهد عن رسول الله، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس، رقم 2236.
(1/4)
وأما شعاري ومبدئي في هذا الموضوع فهو شعار ومبدأ الإمام الشافعي رحمه الله حين قال: "ما جادلت أحدا إلا رجوت الله أن يظهر الحق على لسانه فأذعن له".
إشكالية البحث
... إذا انطلقنا من المسلّمة القائلة بأن الإسلام هو رسالة السماء الوحيدة التي يتعين عليها إنقاذ البشرية جمعاء، وأن علماء هذه الأمة هم ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورّثوا درهما ولا دينارا وإنما ورّثوا علما، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ـ فإذا انطلقنا من هذا كله ـ فيكون العهد الذي أخذه الله على العلماء هو نفسه الذي أخذه على الأنبياء والرسل، وهو الميثاق الغليظ الذي ذكره الله عزّ وجلّ في القرآن الكريم: "وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا" (1) .
... ولا أحد يجهل أن الجامعة في الدولة هي المؤسسة الأولى التي يتعين عليها تخريج المسؤولين وكذا الإطارات الذين تناط بهم مسؤولية قيادة الأمة، وذلك في كل فرع ومجال تخصصه؛ وأن جامعة العلوم الإسلامية هي بدورها المسؤولة الأولى التي يتوقف عليها قيادة وريادة هذه الأمة باعتبارها حاملة لرسالة السماء وأمانة الأنبياء كما رأينا.
... إلا أننا إذا أخذنا عيّنة من الطلبة الجامعيين المتخصصين في العلوم الإسلامية وأخضعناهم للتحليل النفسي فإننا نجد فيهم من هو معاق ذهنيا، فهم أحرى أن لا تسند إليهم مهمة التدريس في المرحلة الثانوية أو الأساسية أصلا، فضلا عن أن تسند إليهم تلك الرسالة الثقيلة والأمانة العظمى، والتي هي الميثاق الغليظ.
__________
(1) ـ سورة الأحزاب، الآية: 07.
(1/5)
... أول مشكلة تواجه العديد من الطلبة المتخرجين من الجامعة تتمثل في عملية التباين في تحديد وجهات النظر بين بعضهم البعض، و منهم لا يعي واقعه ولا يعيش مشكلاته ولا يساير عصره، والكثير منهم يفتقدون أسلوب الحوار والمناقشة الهادفة التي هي وسيلة هامة لتطوير المعارف وتصحيح الأخطاء وتوضيح الرؤية، فترى الواحد فيهم يتمتع بذاتية مفرطة، يترتب عليها تعصب في الرأي، وجمود في الفكر، وإقصاء للغير، ربما رافق ذلك تسرّع في إصدار أحكام خطيرة.
... وإذا شخصنا تلك الإعاقة تعيّن لنا أن نتساءل عن أسبابها: هل هي راجعة إلى الأستاذ؟ الذي هو بدوره يفتقد وضوحا في الرؤية ويجهل الكثير من الأساليب البيداغوجية والطرق التربوية؟ أو تعود إلى الخلفية الفلسفية والفكرية التي يحملها الأستاذ، وهي بدورها فلسفة عقيمة؟ أو تعود إلى برنامج الجامعة نفسه، والذي هو بدوره مرآة وانعكاس لما يتضمنه من حقائق علمية؟ ولا أحد يجهل ما للبرنامج من دور في تحديد الرؤية وتوضيح للخطة التي يسير على ضوئها كل من الأستاذ والطالب على حدّ سواء، علما بأن صياغة ووضع أي برنامج تعليمي ليس بالأمر الهيّن، فهو يخضع لكثير من المقاييس والمعايير العلمية، وهنا يمكن لنا أن نتساءل:
ـ على أي أساس يتم بناء وتخطيط أي برنامج تعليمي وتربوي؟
ـ ما هي مركبات البرنامج التعليمي ومكوناته؟
ـ ما هي الحاجات الأساسية التي يقوم عليها البرنامج التعليمي؟
ـ ما هي عملية الانسجام في أي برنامج تربوي؟
ـ ما هي المحترزات التي يجب التنبّه لها عند صياغة وتصميم أي برنامج تربوي؟
... سنحاول أن نجيب في حدود الإمكان عن هذه الأسئلة المطروحة حول البرنامج التعليمي بصفة عامة، ثم نحاول إسقاطه على المرحلة الجامعية في تخصص العلوم الإسلامية، ولعلنا بذلك نستطيع تشخيص الداء الذي منه تعاني الجامعة، وبالتالي يمكن أن يكون هذا التشخيص بداية لدراسة المشكلة ومحاولة علاجها في المستقبل القريب إن شاء الله.
(1/6)
أهداف البحث
... ينتظر من هذا البحث أن يحقق الأهداف الدنيا التالية:
ـ الاطلاع على الدراسات المعاصرة لعملية تصميم وتخطيط المناهج والبرامج التعليمية.
ـ أهمية التخطيط في حياة الإنسان المعاصر بناءً على الأهداف والقدرات المتاحة، وهي خطوط هامة في البناء الحضاري التي على ضوئها تتم الدراسات الاستراتيجية المستقبلية.
ـ تجاوز الإنسان للمرحلة التقليدية في عملية تصميم البرامج التعليمية، واعتباره فهرسا للمحتويات والموضوعات، إذ هو مبني على أهداف وغايات ومقاصد قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى.
ـ الاطلاع على حاجات المنهاج التربوي التعليمي وأنه نابع من حاجات المجتمع، ولكل مجتمع أعراف وتقاليد، وثقافة خاصة به.
ـ تصميم وهيكلة البرنامج التعليمي بناءً على سياسة الإدماج والاحتواء ومحاربة التمييز والتهميش والإقصاء وفق المفهوم الجديد للصور النمطية التمييزية.
ـ الإحاطة بمادة العلوم الإسلامية ووجوب إعادة النظر فيها وفي طرحها وطرق تدريسها وصياغتها صياغة جديدة حتى تستجيب لمتطلبات العصر.
ـ الاطلاع من خلال البحث على أن الكثير من أسباب التخلف الذي أصاب المسلمين يعود إلى مسؤولية الجامعة لعدم مواكبتها للعصر، وأن الفلسفة الفكرية عند بعض الأساتذة وكذا الكثير من المناهج وطرق التدريس فيها، تحمل بذور الصراع أكثر من بذور للوفاق.
ـ ترشيد الصحوة الإسلامية بغية دراسة أخطائها، لتداركها، حتى لا تتكرر ثانية وثالثة،لأنها مسؤولية وأمانة.
مضمون البحث وعناصره
(1/7)
أما عن مضمون البحث فهو تربوي ودعوي في آن واحد، وقد قسّمته إلى فصلين، يتعرض الفصل الأول منه إلى الأهداف التربوية في المناهج التعليمية، وهو ما يعرف اليوم ببيداغوجية الأهداف، أما الفصل الثاني، فهو يتعلق بصلب الموضوع المراد علاجه، والذي هو واقع العلوم الشرعية في الجامعة الجزائرية، وهو مقسم إلى أربعة مباحث، يتعلق المبحث الأول منه بحاجات المنهاج التربوي والتعليمي، أما الثاني فبالانسجام بين المواد وغيابه عن الجامعة الإسلامية، أما الثالث فيتعلق بالمحاذير التي يجب التنبه لها عند صياغة أو تصميم أي برنامج تربوي، ومضمون هذا المبحث الأخير يتعلق بالصور النمطية التمييزية ومحاولة تعريفها، وهو موضوع يحاول أن يتفادى التمييز والإقصاء والتهميش على أساس من العنصر أو الجنس أو الجهة، إضافة إلى تجاهل الأقليات، وهي فلسفة تربوية مقتبسة من المدرسة الغربية، حاولت إسقاطها على الواقع التربوي في الجزائر، وهو موضوع هام وحديث النشأة في المنظومة التربوية التي تتبنى المنهج الديموقراطي في التفكير، علما بأني أخذت الجانب المتعلق بالفكر الإسلامي دون غيره، أما المبحث الرابع فيتعلق بواقع العلوم الإسلامية في الجزائر، إزاء المفهوم الجديد لكل من الإقصاء والتهميش والتمييز، ثم تعرضت في الأخير إلى نتائج البحث وخاتمته.
وحسبي من هذا العمل المتواضع سلامة القصد وحسن النية وبذل الجهد، وأسأله تعالى أن يتقبله مني، وينفع به هذا الوطن العزيز، إنه أعظم مأمول، وأكرم مسؤول.
الفصل الأول
الأهداف التربوية في المناهج التعليمية
أولا: من البرنامج أو المقرر إلى المنهاج
(1/8)
... قبل الدخول في موضوع الأهداف التربوية وتعريفها يجدر بنا أن نتعرض إلى الفرق بين المنهاج والمقرر فنقول: كانت ولا تزال الكثير من البرامج في الوطن العربي فهرسا للموضوع والمحتويات والتي غالبا ما يجسدها كتاب معين. وعملية الانتقال من مفهوم المقرر إلى البرنامج لم يغير شيئا ذا بال، فبعض البرامج المتداولة ما تزال تقليدية، وإن بدا بعضها يشتمل على بعض التجديد.
إن كلمة "المنهاج" التي بدأت في بعض الاستعمالات عندنا أصبحت تتميز شيئا فشيئا عن الاستعمال التقليدي الذي يعني البرنامج الدراسي أو المقرر ـ أصبحت تتسع لتشمل كلا من الأهداف و الحاجات و المحتويات و نشاطات التعليم والتعلم، و الطرق البيداغوجية والدعائم، والكتاب المدرسي، ودليل المعلم، والوسائل والأجهزة، وتدابير التقييم، والموارد البشرية والمواقيت وغير ذلك (1) .
وسنحاول في بحثنا هذا التركيز على الأهداف لتربوية مارين على الحاجات التعليمية
و التربوية،أي المحتويات ومنها نتعرض إلى عملية الانسجام بين النشاطات التعليمية، ومن ثم نتطرق إلى الخلل الذي يعيق عملية الانسجام وهي عبارة عن محترزات يجب التنبه لها وتجنبها.
ثانيا: غايات المنظومة التربوية والمنهاج التربوي
إن الأسس التربوية الحديثة مبنية على الأهداف التي هي بمثابة العمود الفقري للنظام التربوي لأية دولة تحاول أن تضع مخططا استراتيجيا لمنظومتها التربوية، ويطلقون على البيداغوجية المنبثقة من المناهج التي تعتمد الأهداف أسلوبا للتخطيط في العمل التربوي اسم"بيداغوجية الأهداف".
__________
(1) 1 - DICTIONNAIRE ACTUEL DE LEDUCATON P 289.
(1/9)
إن دراسة الأهداف لا تقتصر على النظام التربوي فحسب، بالنسبة إلى الدول المتقدمة بل هي شاملة لجميع الدراسات الاستراتيجية المستقبلية، فإن دولة كأمريكا مثلا، تحاول أن تضع مخططا تريد من ورائه التحكم في العالم بعد سنة ألفين، ومثل هذا المخطط يجب أن يخضع إلى دراسات عميقة ودقيقة، وتدخل فيه الدراسات النفسية للشعوب وللمجتمعات بصفة عامة، فتدرس جميع خصائصها ومميزاتها وقدراتها الفكرية والبشرية والاقتصادية، والديانات التي يعتنقونها، ونقاط القوة والضعف فيها، ويوظف لذلك عامل الجوسسة والإعلام وغير ذلك مما هو معروف، وعلى ضوء تلك الدراسات توضع مخططات محكمة ودقيقة يسمح لها بالتحكم في المستقل القريب والمتوسط والبعيد في العالم كله، ومشروع "هرتزل" الإسرائيلي الذي انعقد في مؤتمر "بال" بسويسرا سنة 1897 و الذي كان الهدف منه تحقيق دولة إسرائيل الكبرى أكبر دليل على ذلك.
وإذا عدنا إلى النظام التربوي وحللنا عملية استراتيجية الأهداف فإن دولة مثل كندا أو أمريكا تطرح على نفسها السؤال التالي: ما هي مواصفات المواطن الذي تطمح في إيجاده وتكوينه إلى خمسين سنة مثلا؟ و الإجابة على هذا السؤال هي التي تفرض على الدولة بناء مخطط علمي دقيق يخضع لسياسة الأهداف.
ثالثا: تعريف الهدف التربوي
يرى "جون ديوي" بأن الهدف يدل على نتيجة،أي عمل طبيعي على مستوى الوعي، وبعبارة أخرى إنه يعني تدبّر العواقب من حيث نتائجها المحتملة والمترتبة على تصرف ما، في موقف معين، بطرق مختلفة، والإفادة مما هو متوقع لتوجيه الملاحظة والتجربة (1) ".
أما العالم C. Berzia فقد عرف الهدف في الحقل التربوي بأنه "التخطيط للنوايا البيداغوجية ونتائج مسار التعليم (2) ".
__________
(1) ـ محمد شارف سرير ونور الدين خالدي / التدريس بالأهداف وبيداغوجية التقويم ص11.
(2) - نفس المرجع السابق.ص11
(1/10)
وعملية تصميم الأهداف مبنية على شكل هرمي، تتجسد في أعلاه الغايات وتأتي المقاصد (المرامي والأغراض) في الدرجة التي تليها، ثم الأهداف العامة ثم الخاصة وأخيرا الأهداف الإجرائية التي تكون على مستوى التلميذ والأستاذ في وسط القسم.
الغايات
المقاصد
الأهداف العامة
الأهداف الخاصة
الأهداف الإجرائية
وسنحاول بإيجاز التعرض إلى تحليل البناء الهرمي للأهداف.
1 ـ الغايات:
تنبثق الغايات من السياسة التربوية لأية دولة، ويعرفها LE THAN KOI بأنها تلك القيم والمعايير التي يحددها فلاسفة ومربو مجتمع ما، وهي مرتبطة بعصرهم وظروفهم التاريخية وحياتهم الاجتماعية التي تؤكدها السلطة السياسية لنظامها التعليمي (1) .
يمكن أن تظهر الغايات في أي سياسة تربوية على نوعين: صريحة وضمنية؛ أما الصريحة فيعلن عنها في الدساتير والخطب السياسية والتشريعات، والنصوص القانونية، أما الضمنية فهي مستنتجة من ملاحظات الواقع والممارسات الميدانية، مثال ذلك قول وزير التربية والتعليم: "على الدولة أن تمحو الفوارق الاجتماعية في المجتمع" أو قول رئيس دولة: "على التربية أن تغرس في أبنائها القيم الأخلاقية، والمثل العليا، وحب الوطن،ومبادئ الديموقراطية" وغير ذلك ...
وغايات التربية مستخلصة من المقومات الأساسية لقيم المجتمع، ويعتبر الدين الإسلامي وأخلاقه السمحة من أكبر الروافد لقيم المجتمع الجزائري مثلا، إضافة إلى العامل التاريخي والوطني.
__________
(1) ـ محمد شارف سرير ونور الدين خالدي / التدريس بالأهداف وبيداغوجية التقويم ص13.
(1/11)
وغايات أي مجتمع من المجتمعات نابعة من الفلسفة الأخلاقية والمبادئ الأساسية التي يؤمن بها هذا المجتمع أو ذاك، وكل مجتمع ينتظر من مؤسساته التربوية إيجاد نمط من المواطنين يتماشى وفلسفة ذلك المجتمع وأخلاقه ومبادئه ومعتقداته، وفق نظامه السياسي والثقافي وهي غالبا ما تكون محل اتفاق بين جميع الناس لارتباطها بالمثل العليا والأخلاق السامية لأي مجتمع، وهي غير مرتبطة بزمان ولا مكان، ومن خصائص صيغها أيضا أنها فضفاضة، غير محددة وغير دقيقة.
إلا أن هناك نقطة هامة يجب التعرض إليها وهي عملية التفريق بين أهداف وغايات النظام التربوي و أهداف وغايات منهاج أو برنامج ما يراد تحقيقه وتجسيده في الميدان.
إن أي منهاج أو برنامج تعليمي يستمد اختياراته وغاياته من أهداف وتوجيهات المنظومة التربوية في شكل توجيهات عامة، أما الأهداف التي تندرج ضمن توجيهات البرنامج فهي كل من غايات المنهاج ومقاصد المنهاج والأهداف العامة للمنهاج وكذا الأهداف الخاصة، وهو ما نقصده في هذه المداخلة. بذلك تكون غايات المنهاج محددة بشكل إجمالي وفق ما ينبغي أن يحققه تطبيق برنامج ما.
ومن أمثلة الغايات في النظام التربوي وفي مادة العلوم الإسلامية:
ـ تكوين نشء مؤمن بالله - عز وجل - ويدرك رسالته ووظيفته في الأرض.
2 ـ تربية جيل يتميز بالأخلاق النبيلة وعفة اللسان والجوارح.
3 ـ تمجيد الماضي والاعتزاز بالانتماء الحضاري والقيم الوطنية.
4 ـ تنمية الاستقلالية عند المتعلمين.
5 ـ غرس قيم التضامن الأسري وصلة الرحم بين أفراد المجتمع الواحد.
6 ـ ترسيخ مبدأ التعاون بين جميع الناس.
7 ـ التنمية المنسجمة لجميع إمكانات الإنسان، على شكل يتيح استقلالية النمو والتفكير والتصرف.
(1/12)
8 ـ بعث روح المنافسة والتحدي لمواجهة الصراع المستقبلي على الصعيد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي (1) .
2 ـ المقاصد (المرامي أو الأغراض)
... أما مقاصد المنهاج فهي مشتقة من غايات المنهاج ومتفرعة عنها،وتقوم بذكر ما يهدف إليه المنهاج بشكل عام،وبيان بعض التوجيهات التي يندرج ضمنها.
ذكر الأستاذ "دينو" أن عبارات وصيغ المقاصد (المرامي) أقل عمومية وأكثر دقة ووضوحا من الغايات، حيث تظهر على مستوى التسيير التربوي (2) .
وتعتبر المقاصد الجانب التطبيقي لما حددته الغايات التي هي معبرة عن السياسة الرسمية للدولة، لذلك كانت أقل شمولية من الغايات كما رأينا، وغالبا ما تترجم في مخطط عمل وبرامج ومقررات، محددة أنواع الشعب والتخصصات ومميزات اتجاه ملمح التلميذ.
... تتميز المقاصد في أغلب البلدان بنوع من التغيير والتطور، فمقررات التعليم مثلا وشروط القبول، والحصول على شهادة ما، هي قضايا تتغير بتغير مصالح الدولة ومؤسساتها التربوية، لأنه غالبا ما تتعرض السياسة التعليمية إلى إصلاحات وتغييرات متتالية حتى تتمكن الدولة من مسايرة التطورات الداخلية والخارجية.
ومن أمثلة المقاصد:
1 ـ اكتساب ملكة القراءة والفهم.
2 ـ القدرة على النقد والتحليل.
3 ـ بعث روح الاجتهاد والبحث والمبادرة عند التلميذ.
4 ـ تنمية روح العمل الجماعي والمشاركة عند الطالب.
3 ـ الأهداف العامة
ويعرفهاR.F. MAGER على أنها وصف لمجموعة من السلوكات التي سيبرهن المتعلم من خلال القيام بها على قدرته (3) .
__________
(1) ـ أ. بدر الدين بن تريدي / كتاب الدليل العملي إلى صياغة وتحليل الأهداف البيداغوجية، ص17.
(2) ـ محمد شارف سرير ونور الدين خالدي / التدريس بالأهداف وبيداغوجية التقويم ص15.
(3) ـ محمد شارف سرير ونور الدين خالدي / التدريس بالأهداف وبيداغوجية التقويم ص16.
(1/13)
ويعرفه "نادو" NADEAU بأنه نص يصف بشكل إجمالي ما يريد أن يذهب إليه التعليم (1) .
ويرى "لوجاندر" أن الهدف العام هدف تربوي يحتل مرتبة الصدارة ويستعان به دليلا لصياغة مجموعة من الأهداف المتعلقة بالمحتويات أو الكفاءات في مادة أو مجموعة من المواد الدراسية لصالح مجموعة خاصة من المعنيين (2) .
والهدف العام يتخذ نقطة انطلاق لتحديد الأهداف الخاصة. ما يمكن استخلاصه من التعاريف السابقة هو أن الأهداف العامة عبارة عن جمل تصف النتيجة الفعلية التي تظهر عند المتعلم في شكل قدرات ومهارات، يحققها مقرر دراسي خلال فترة تكوين محددة؛ دورة، أو فصل ... .
وغالبا ما يعلن عن الأهداف العامة في بداية وضع برنامج أو مقرر دراسي ويتمكن المدرّسون من الاطلاع عليها في مقدمة الكتاب، أو المناهج الرسمية التي تصدر عن وزارة التربية لأنهم مسؤولون عن تطبيقها.
أهداف عامة لمقرر أصول الفقه مثلا:
تعزيز الجانب المعرفي، والتكوين الذهني و التجريد و التعميم و الاستنتاج و الاستخلاص والقدرة على التصرف و اكتساب الملكة الأصولية واستعمالها في استنباط الأحكام، وغير ذلك.
4 ـ الأهداف الخاصة
إذا كانت الأهداف العامة لا تتحقق إلا بمقرر أو جزء منه خلال فترة تكوينية محددة، قد تكون أسبوعا أو فصلا، فإن الأهداف الخاصة على درجة عالية من التحديد، وهي تمثل المستوى الذي يتعامل الأستاذ فيه مع التلميذ أو الطالب في قاعة الدرس، وتظهر هذه الأنواع من الأهداف في نهاية درس معين أو جزء من موضوع قد ينجز في حصة أو أكثر.
__________
(1) 3ـ MARC ENDRE NADEAU /EVALUATION DES PROGRAMMES / P420.
(2) ـ أ. بدر الدين بن تريدي / كتاب الدليل العملي إلى صياغة وتحديد الأهداف البيداغوجية، ص 28.
(1/14)
وقد عرف "بوفام" الهدف الخاص بقوله: "هو ما ينبغي أن يعرفه التلميذ، أو يكون قادرا على فعله أو تفصيله أو اعتقاده عند نهاية تعليم معين، لذا فهو يتعلق بتغيير يريد الأستاذ إحداثه لدى التلميذ، والذي سيوصف بصفة سلوك يمكن قياسه" (1) .
وقد عرف "لوجاندر" الهدف الخاص بقوله: "هو هدف يقرن ـ يجمع ـ بين المحتوى والكفاءة، يقوم ببيان ما ينبغي أن يفضي ـ يصل ـ إليه المتعلم أثناء أو إثر وضعية بيداغوجية معينة؛ ثم شفّع "لوجاندر" تعريفه بتعريف G. DE. Landsheere الذي يرى: أن كل قران بين كفاءة نرغب في تنميتها وبين محتوى، يمثل هدفا خاصا (2) .
هدف المحتوى + هدف الكفاءة = هدفا خاصا.
ـ هدف المحتوى هو هدف يتعلق مباشرة بالمادة الدراسية والمفاهيم في برنامج دراسي معين.
ـ هدف الكفاءة هو هدف قصده الأول تنمية حسن التصرف وإجادة الممارسة، في حين هدف المحتوى يتعلق بتحصيل المعارف فقط.
أما "نادو" فيقول: "إن الهدف الخاص نص يصف ما ينبغي أن يقدر الطالب على إنجازه إثر تنفيذ مقرر أو برنامح في شكل سلوكات قابلة للملاحظة (3) .
أمثلة ذلك:
ـ عقب حصة القياس يصبح الطالب قادرا على تعيين أركان القياس بين نصين جامعين لعلة الحكم.
ـ بعد حصة التجويد في قراءة ورش يصبح الطالب مميزا لجميع أحكام ـ الراء ـ من حيث التفخيم والترقيق.
5 ـ الأهداف الإجرائية (العملية)
تأتي في آخر سلسلة الأهداف التربوية، وهو كل تغيير عند التلاميذ يكون قابلا للملاحظة والقياس في نهاية درس معين.
__________
(1) ـ محمد شارف سرير ونور الدين خالدي / التدريس بالأهداف وبيداغوجية التقويم ص20.
(2) ـ بدر الدين بن تريدي، المرجع السابق ص34.
(3) 1ـ MARC ENDRE NADEAU /EVALUATION DES PROGRAMMES / P420.
(1/15)
ويرى "ماجر" بأنها صياغة تصف نتيجة مقصودة للتعلم وتوضح ما سيملكه حين يبين بوضوح تحقيقه للهدف، بذلك يكون الهدف الإجرائي هو هدفا خاصا أضيف إليه شرطان يتعلقان بإجابة المتعلم في وضعية تطبيقية إثر حلقة من حلقات الدرس.
إن المحتوى في الهدف الإجرائي أكثر تخصيصا من غيره، أي يتناول جزءا خاصا جدا من المادة، ومن ثم فهو غير قابل للتفريع، ويتميز الهدف الإجرائي عن الهدف الخاص بزيادة عنصرين هما:
ـ شروط إنجاز السلوك (المدة والوسائل المسموح باستعمالها).
ـ تحديد النتيجة وتعيين النجاح أو عدمه.
ويرى R. Amigues أن الهدف العملي يمثل آخر مرحلة في مسار تفريع الأهداف، وأكثر الأهداف دقة من حيث صياغة النية البيداغوجية، وبهذه الصفة يلعب الهدف دورا حاسما
في مسار التقييم (1) .
رابعا: سلبيات وإيجابيات العمل بالأهداف
أهم المطاعن التي وجهت إلى بيداغوجية الأهداف كما يرى E. DE. Corte وزملاؤه الباحثون الذين لا يؤيدون وجهة النظر القائلة بأن بيداغوجية الأهداف تسهم في بلوغ أفضل النتائج في حقل التعلم. ولكن لا أحد منهم يعارض استعمال الأهداف الإجرائية كأحسن وسيلة للتقييم (2) .
وأهم الطعون التي وجهت لبيداغوجية الأهداف هي:
1 ـ تجزئة التعليم بسبب تعدد الأهداف الخاصة.
2 ـ تجاهل النتائج غير المتوقعة وغير المنتظرة.
3 ـ التأثير الذي يكبح الاستقلالية والإبداعية لدى مصمّمي المناهج من جهة، والأساتذة من جهة ثانية، بحيث يصبح الإنسان وكأنه "روبو" أمام فلسفة الأهداف، وبذلك تكون بيداغوجية الأهداف قد ركزت عملية بناء المناهج على الأهداف، دون التركيز على الواقع كقاعدة انطلاق (3) .
__________
(1) ـ بدر الدين بن تريدي، المرجع السابق ص40.
(2) 2 – E. DE. CORTE Les fondements de l action didactique p.54.
(3) 3 – E. DE. CORTE Les fondements de l action didactique p.54.
(1/16)
هنالك اتجاهات تعتمد تناول المناهج عن طريق الكفاءات والمهارات. وقد عرف المنجد التربوي الكفاءة بأنها "مجموعة المعارف وحسن التصرف تسمح بإنجاز مهمة أو مجموعة من المهام بشكل مكيف" (1) .
فإنه لا يمكن التغاضي عن قدرات الطالب وكفاءاته لبناء أي برنامج تربوي أو تعليمي. إن أفضل طريقة في بناء البرامج هو الجمع بين الطريقتين ـ طريق الأهداف والكفاءات ـ غير أن لبيداغوجية الأهداف محاسن كثيرة أهمها:
ـ إن الأهداف تسمح للأساتذة أن يبلغوا نياتهم البداغوحية بأكبر قدر من الوضوح، كما تسمح للمتعلمين أيضا أن يعرفوا ما هو مطلوب منهم على وجه التحديد.
ـ إن المعارف تقدم وفق منهج عقلاني، انطلاقا من البسيط إلى المركب، بناء على التصنيف المتدرج وفق سلم الأهمية "المصنفات" لتغطية المجالات الثلاث: الجانب المعرفي، والوجداني، والحس الحركي.
ـ إن تخطيط حلقات التعلم المتتالية يتيح الاستيعاب المتدرج.
ـ التركيز على المتعلم وليس على المحتويات.
ـ تيسير عمليات التقييم بنوعيه التكويني والتحصيلي.
ـ التثبت الفوري من تحقق الأهداف.
ـ بناء أسئلة الاختبار بناءً صحيحا ودقيقا (2) .
الفصل الثاني
واقع العلوم الشرعية في الجامعة الجزائرية
المبحث الأول: حاجات المنهاج التربوي والتعليمي
إن حاجات أي منهاج تربوي أوتعليمي نابعة من حاجات المجتمع، وحاجات المجتمع بدورها نابعة من حاجات الأفراد في نفس المجتمع، وقد سبق وأن رأينا في موضوع الأهداف والغايات بأن المنظومة التربوية جزءا لا يتجزّأ عن المجتمع، فكل مجتمع ينتظر من المؤسسة التعليمية السعي لإيجاد نمط من المواطنين يتماشى ومتطلبات ذلك المجتمع ويلبي حاجاته الأساسية.
__________
(1) 4 - Dictionnaire actuel de leducaton P 223.
(2) 1 – E. DE. CORTE Les fondements de l action didactique p.55.
(1/17)
... إن موضوع "الحاجة" في المنظومة التربوية هي أشبه شيء بـ"الحاجة" في الفكر الاقتصادي، باعتبارها متطورة ومتجددة ونسبية، تختلف باختلاف الأشخاص والظروف والمجتمعات، ومن خصائصها أيضا أنها غير قابلة للإشباع، فهي تطلب المزيد من حين لآخر، كلما تطوّر المجتمع تطوّرت حاجاته، وتعقّدت أكثر فأكثر، والعامل المحرّك لعامل التطور دائما هو الحاجة، فما كان ثانويا في وقت من الأوقات أصبح ضروريا في الظرف الراهن.
... وإذا عدنا إلى النظام التربوي وجدنا مسألة الحاجة بدورها المحرّك الأول لعملية التطور وإعادة النظر في المناهج والمقرّرات التعليمية، لأن الاكتشافات العلمية والبحوث التجريبية والدراسات التاريخية، والتغيرات الاجتماعية في السياسة والاقتصاد وعلم الإحصاء والتخطيط والعمران ... وغيرها من المعارف، يستحيل أن تبقى مستقرّة وجامدة، فإن تصوّر عدم التغيير فيها وجمودها واستقرارها يعني ذلك انعدام الحياة وتوقفها.
... ويجب أن نعرف أيضا أن لكل مجتمع حاجات تختلف عن حاجات ومتطلبات غيره من المجتمعات؛ ما يمكن طرحه في هذا المجتمع لا يشترط سلامة طرحه في مجتمع آخر، لأن حاجات أي منهاج نابعة من التراث الحضاري والثقافي والإرث التاريخي لذلك المجتمع، بما في ذلك التراث العلمي للتشريع الإسلامي.
... فإن دولة شقيقة مثل السعودية أو المغرب أو تونس تختلف في طبيعتها ونمط معيشة أهلها، وتاريخها وعاداتها وثقافة أهلها وسياسة دولتها عن الجزائر، وبالتالي ما يمكن طرحه من مقررات ومناهج في دولة مثل السعودية أو سوريا أو الأردن أو تونس ليس من الضروري طرحه في الجزائر، لأننا إن فعلنا ذلك أحدثنا تشنجا واضطرابا في فكر الطالب، فنمدّه بحاجات لا تتماشى وبيئته ومحيطه، وبالتالي لا يتفاعل معها، اللهمّ إلا إذا حاولنا ذلك تكلّفا وتصنّعا، وبالتالي سنحدث شرخا واضطرابا في المجتمع، سواء على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد.
(1/18)
وإذا كان الأمر لا يؤثر كما يرى البعض، فما هو الشيء الذي جعل علماء الشريعة الإسلامية يتعرضون إلى موضوع "العرف" ويعتبرونه من المصادر الهامة في التشريع؟ وبالتالي تصبح أحكامه مؤثرة على كثير من النصوص التشريعية والأحكام الفقهية، سواء من حيث التفسير أو التقييد أو التخصيص؟
... إضافة إلى ذلك فإن علاقة الطالب ومدى تفاعله مع المنهاج والمحيط، علاقة جدلية بحتة، علاقة تأثير وتأثر، كلما حاول الطالب كشف أسرار محيطه وتفسير ظواهره، ودراسة أعراف مجتمعه وعاداته واطلع على أوجهه الثقافية، وطريقة معاملاته الاقتصادية والسياسية ـ ساهم في التغيير والتأثير ـ وهذا بدوره يؤدي إلى تطوير معارفه و قدراته ومواهبه، وهو في الوقت نفسه إثراء وإغناء للمنهاج ذاته شكلا ومضمونا، وهو ما سيجعل من المحيط استمرارا وامتدادا للمنهاج، في حين تعتبر عملية الفصل بين المحيط والمنهاج عملية بتر بين مستلزم ولازمه، فهي عملية تقضي على مواهب الطالب وطموحه وتحوّله من طاقة متحركة فاعلة إلى أداة جامدة وخامدة.
... وعند تحديد مركبات المنهاج ومحتوياته يجب الأخذ بعين الاعتبار العناصر التالية (1) :
... 1 ـ الاستقلالية:
وهي من الأمور الهامة التي تحاول الغايات تجسيدها في الميدان من خلال المنظومة التربوية، سواء تعلق ذلك بالمحتويات أو النشاطات وكذا طرائق التدريس أو غيرها، فإنها جميعا تحث المتعلّم على التخلّص من التبعية حتى لا يكون الفرد إمّعة ... والاستقلالية تكون في التفكير و التصرف، والتوجيه والنقد والطرح وغير ذلك، وهي التي تمنح الثقة للطالب وتكوّن فيه روح الإبداع والمبادرة، فتجعل منه الشخصية المتّزنة والمتكاملة.
__________
(1) 1 – M. PLOURDE Formation a une methodologie d evaluation et d elaboration de programe de formation. P259.
إن جميع هذه المعايير التي ذكرها "ميشال بلورد" حاولت إسقاطها على الواقع وعلى مادة العلوم الإسلامية.
(1/19)
... إن النزعة إلى الاستقلالية مرهونة بالأخلاق والتقدير واحترام الآخرين، فهي لا تعني الانفلات أو التمرّد والتطاول وتسفيه آراء الغير.
... 2 ـ الدلالية:
ينبغي أن تكون المحتويات ذات دلالة واضحة سواء عند الأستاذ أو الطالب، ويؤكذ المختصون في التربية بأن الأستاذ يجب أن يعرف تمام المعرفة ما سيقدمه للطالب، والطالب بدوره يعرف الأهداف المسطّرة للمقررات وأبعادها.
... ويجب على البرامج التعليمية أن تستجيب لحاجات دقيقة وواضحة وبطريقة منهجية وصارمة بعيدة عن أي غموض.
... 3 ـ الصدق:
إن أول مفهوم يتجلى فيه الصدق هو الإخلاص لله عزّ وجلّ، والإيمان بشرف المهنة والرسالة التي يؤديها الأستاذ، ثمّ تليها درجة الصدق في صحّة المعلومات، حيث يجب أن تكون المعارف صحيحة وصادقة، غير مبنية على الارتجال أو التخمين، سواء فيما يتعلق بالنظريات العلمية أو الأحكام الفقهية أو غير ذلك.
... ويتجلى الصدق أيضا في اعتراف الأستاذ بالعجز والقصور أمام طلابه وعدم تلبيته جميع رغباتهم، وهو عامل كبير في كسب الثقة والألفة والمحبة والتقدير.
... 4 ـ إثارة الاهتمام:
يجب في المحتويات أن تثير الاهتمام لدى المتعلّم وتبعث فيه الرغبة للاستزادة من المعارف وتحيي فيه الأمل والطموح، ووجود الأستاذ إزاء الطالب وجود ترشيد وتوجيه، وتوفير مناخ من الثقة والطمأنينة وتمكين الطالب من مفاتيح البحث والمعرفة.
... 5 ـ الحداثة:
ونعني بالحداثة "العصرنة والتفتح على الثقافات العالمية" وهي من المعايير الهامة أيضا التي على ضوئها تنتقى المحتويات، وهي آخر ما وصلت إليه يد الإنسان بالبحث والتنقيب.
... إن الفقه الإسلامي لا يزال بعيدا عن واقعه، منعزلا عن محيطه، فضلا عن كونه بمنأى عما وصل إليه البحث والاكتشاف العالمي، وذلك بابتعاد الفقيه عن محيطه وغفلته عما يجري في ميدان البحث.
(1/20)
... إن اعتماد الباحث على مصادر قديمة، دون إجراء عملية تحوير وإسقاط الماضي على الحاضر، ودون تأويل أو تحديث، ربما أوقع الباحث في تناقض ومتاهات هو في غنى عنها.
... كما قد يقع الباحث في فتاوى خطيرة قد انقرضت بانقراض أهلها، ثم يعمد إلى إحيائها وعرضها دون شعور منه، وبدون دراسة لأبعادها وما تنطوي عليها من مخاطر، لا شك أنه بعمله ذلك سيخلق جوّا من التوتر والصراع المفتعل المُستغنَى عنه.
... 6 ـ التكيّف:
يجب أن تكيّف المحتويات سواء كانت مفاهيم أو معارف على حسب مستوى المتعلّم، ويراعى فيها تكوينه القبْلي وقدراته ودرجة نموّه العقلي حتى يكون هناك انسجام بين تكوينه القبلي وما ينتظر تحقيقه في المستقبل.
... 7 ـ قابلية الإنجاز:
ونعني بذلك مراعاة العوائق الاقتصادية والموارد المالية والخبرات المتوافرة عند اختيار المحتويات.
... 8 ـ الاعتدال:
ينبغي تجنّب تكثيف المادة، بحيث يصبح المنهاج ثقيلا يثبط من عزائم المتعلّم، أو خفيفا إلى درجة عدم تلبية حاجاته إضافة إلى مراعاة الحجم الساعي للمواد والمقررات.
... هذه هي بعض المعايير التي نرى ضرورة عرضها ضمن محتويات المنهاج للعلوم الإسلامية أو غيره من المناهج.
المبحث الثاني: الانسجام بين المحتويات وغيابه في الجامعة الإسلامية
... إن عملية الانسجام بين المحتويات مرتبطة ارتباطا عضويا بالمنظومة التربوية، فإن أي خلل في المنهاج ينعكس سلبا على تعليمية المواد وعلى الطالب نفسه. إن عملية الانسجام تأتي في الدرجة الثانية بعد تحديد وتعيين حاجات المتعلمين، وهي مبنية على مستويين عمودي وأفقي بالنسبة إلى المنهاج العام، فإذا كانت على المستوى العمودي فتسمى بالانسجام الداخلي، وأما على المستوى الأفقي فتسمى بالانسجام الخارجي للمنهاج.
... أ ـ الانسجام العمودي:
(1/21)
... إن مادة الرياضيات مثلا، أو اللغة العربية، أو غيرها من المواد، ينبغي أن تكون منسجمة انسجاما عموديا من السنة الأولى إلى القسم النهائي في البكالوريا، وحتى الجامعة، حيث يجب أن يكون هناك تناسق منطقي في بناء المعارف لدى المتعلّم، وذلك بحسن التدرج والتسلسل في تقديم المعارف للتلميذ، حسب قانون الانسجام الداخلي للمادة، وذلك بالانتقال به من الملموس إلى المجرّد، ومن السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركب، وغير ذلك مما يقتضي سلّم التدرّج في بناء المعارف.
إضافة إلى مراعاة الانسجام في دراسة المستوى العقلي لدى التلميذ أو الطالب، وما يقدمه البرنامج من محتويات ومعارف، وينبغي أن يكون هناك تناسقا كليا بين المعارف داخل المحتويات والقدرات العقلية التي يتمتع بها الطالب، من حيث السن من جهة، والقدرات العقلية من جهة ثانية والمعارف من جهة ثالثة.
... ب ـ الانسجام الأفقي:
... أما بالنسبة إلى الانسجام الأفقي فإنه يكون خارج المواد، حيث يستوجب تلاحما وتداخلا وتكاملا بين المواد التعليمية، فعلى مستوى السنة الثانية الثانوية مثلا، لا بدّ أن يوجد تلاحم وتداخل وانسجام بين جميع المواد مهما تصورنا تباعدها عن بعضها، فالعلوم الطبيعية مثلا، يجب وجوبا أن تتفاعل وتتناسق مع الرياضيات والفيزياء والفلسفة واللغة العربية والتربية الإسلامية وحتى مع حصة الرياضة البدنية وغير ذلك من المواد، لأن جميع المعارف تلتقي عند نقطة واحدة، وهي الحقيقة العلمية، بل يستحيل أن يكون بينها تناقض.
... إذا تحدثنا عن قانون الجاذبية في مقرر الفزياء مثلا، فيجب أن يتعرض إلى هذا القانون كل من أستاذ العلوم الطبيعية إضافة إلى أستاذ مادة الرياضة البدنية، وكذا أستاذ الفلسفة وأستاذ العلوم الإسلامية وغيرهم، فيتناولون نفس الموضوع،ولكن كلّ وتخصصه ومعالجته للموضوع.
(1/22)
... وعملية الانسجام هذه تحكمها أربعة قوانين يمكن اختصارها فيما يلي (1) :
ـ قانون التكرار.
ـ قانون الارتباط.
ـ قانون الاستمرار.
ـ قانون اللاتناقض.
... هذا هو الانسجام الأفقي والعمودي اللذان يجب أن تخضع لهما كل المنظومة التربوية من الحضانة إلى الجامعة.
... وإذا كانت عملية الانسجام هذه مفروضة على المرحلة الثانوية مثلا، فإنها أوكد بكثير على المستوى الجامعي، لأن التخصص أصبح ضيقا ومحصورا في جزء معين من المنهاج العام للنظام التربوي والتعليمي على مستوى الدولة، وهو الشريعة بالنسبة إلى قسم أو كلية أصول الدين، أو غير ذلك من التخصصات.
فإنه لا يمكن أن نتصور معهد الحقوق مثلا بدون التعرض إلى مادة "المدخل للعلوم القانونية"، أو "الشريعة الإسلامية"، بما فيها كلّ من مادة أصول الفقه، والأحوال الشخصية، والوصية، والأهلية، والتركات، إضافة إلى القانون الدستوري، والدولي، والإداري، ونظرية الالتزام، وغير ذلك مما هو بديهي ومعروف عند العام والخاص، وذلك لأن جميع هذه الروافد تصبّ في مجرى نهر واحد وتخدم هدفا معينا وهو تكوين القاضي أو المحامي أو الموثق.
... وكذلك الأمر بالن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *