البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية لفرحات الجعبيري مبوب - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية لفرحات الجعبيري مبوب

 





الكتاب : البعد الثقافي لمفهوم العولمة وأثره على الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية لناصر السابعي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
البعد الثقافي لمفهوم العولمة وأثره على الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية
الكاتب : الشيخ ناصر بن سليمان السابعي
الفهرس
الصيغة الصرفية
معنى العولمة
تفسير ظاهرة أو نظام العولمة
مجالات العولمة
عولمة الثقافة
مرتكزات العولمة الثقافية
أهداف عولمة الثقافة
ضمانات نجاح المواجهة الإسلامية لنظام العولمة
تعقيب الدكتور : علي جمعة
الرد على التعقيب
أسئلة الجمهور
الصيغة الصرفية
العولمة ترجمة لكلمة فرنسية تعني الشيء على مستوى عالمي أي نقله من المحدد المراقب إلى غير المحدد الذي ينأى عن كل رقابة وهي أيضا ترجمة لكلمة (Globalization) الإنجليزية التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعني تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل(1).
ويرى د. محمد عابد الجابري أن المصطلح العربي " عولمة " مرحلة ثانية في سلسلة الترجمة للكلمة الأصلية، إذ يرى أنه ترجمة للمصطلح الفرنسي الذي هو بدوره ترجمة للمصطلح الإنجليزي الإمريكي(2).
وقد شاع في الأوساط والأدبيات مصطلح العولمة ليكون هو الصيغة المحددة لهذه الظاهرة أو لهذا النظام العالمي وهناك صيغ أخرى عبر بها عن دلالة لفظ عولمة، وهي صيغة "كوكبة " التي فضلها كل من د.إسماعيل صبري عبدالله(3)، ود. محمود الإمام(4).
وهناك محاولة لإدخال مرادفة ثالثة في هذا المعنى وهي لفظ " الكونية " أو "الكوننة " التي يبدو انها لا تنافس الصيغتين الأوليين.
وإذا كانت الغلبة لمصطلح " عولمة " في الأدبيات والمجامع والمؤثرات فهي إذن إحدى الاستعمالات الحادثة التي صيغت من الأسماء الجامدة شأنها شأن كثير من المصطلحات مثل "أسلمة" المشتق من "إسلام " ومثل " قولبة، وبلورة، وحوسبة".
(1/1)
ويحاول د. الجابري الربط بين صيغة عولمة وبين صيغة ذات دلالة مغايرة أو مضادة لها وهي ترجمة المصطلح الأوربي المعبر عنه باللغة الإنجليزية الذي يعني نقل ملكية الدولة إلى الخواص جمع خاصة، فقد ترجم إلى خصخصة وتخصيص وتخاصية وخوصصة والاختلاف في تحديد مصطلح معين أمر طبيعي، غير أن الرجوع تجذير الكلمة يسعفنا كثيراً إلى الوصول إلى لفظ محدد، ويختار د. الجابري من بين تلك الصيغ صيغة ((خوصصة )) معللا ذلك بأن اشتقاق خوصصة إنما هو من خاص لا من خص وأما خصخص فليس له أصل في اللغة لا في الأسماء ولا في الأفعال، وأيضا فإن صيغة فوعلة استحدثت لتدل على تحويل الشي إلى صيغة أخرى فكما أن العولمة هي وضع الشيء على مستوى العالم فالخوصصة _كما يقول _ هي وضعه على مستوى الخاص أو الخواص ويخلص من هذا الحوار الصرفي إلى أن العلاقة اللفظية اللغوية تعززها علاقة في الدلالة والماهية، فالخوصصة خطوة نحو العولمة أو شرط من شروطها(5).
ومن هذا القبيل مصطلح المحلية ( ) وهو محاولة الدولة الانكماش داخل حدودها القومية والتمسك بالذات الموجودة في المجتمع.
-------------------------------------
(1) الجابري ( قضايا في الفكر ) ص 136
(2) المرجع السابق
(3) ( العرب والعولمة ) ص 361
(4) المرجع السابق ص 253
(5) الجابري ( قضايا في الفكر ) ص 135
معنى العولمة :
لا يزال من الصعوبة بمكان تحديد صياغة تعريفية دقيقة للعولمة، فهي ظاهرة غير مكتملة الملامح والقسمات كما يقول د. السيد يسين وذلك عائد إلى تعدد الاتجاهات التي تتنازع الباحثين الذين تناولوا قضايا العولمة وحاولوا صياغة تعريف لها فمن جهة ليست العولمة نظاماً يعبر عن تطلعات البشر المختلفة، ولا هو موضع اتفاق على سيادته المستقبلية ومن جهة أخرى تختلف المنطلقات التي تتناول هذه الظاهرة بالتعريف فلكل باحث وجهة هو موليها..
(1/2)
ويشير السيد يسين إلى أن هناك أوصافا عامة للعولمة تعطي فكرة بدائية عنها، منها أن العولمة تصف مجموعة من العمليات التي تشيع على مستوى العالم، وهذا يمثل البعد المكاني للعولمة، ومنها أن العولمة تتضمن تعميقا في مستويات التفاعل المختلفة(1).
أما (روزناو) أحد أبرز علماء السياسة الإمريكيين فيعطي صورة أكثر وضوحاً من أجل وضع تعريف واضح للعولمة حيث يقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة هي الاقتصاد والسياسة والثقافة والايديولوجيا وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول ونتائج الصراع بين المجموعات المقيمة.
ثم يعقب روزناو بمجموعة من الأسئلة من خلالها ومن خلال محاولة الحصول على إجابات بشأنها يمكن الوصول إلى فكرة نيرة عن العولمة فيقول : ما هي العوامل التي أدت إلى بروز ظاهرة العولمة في الوقت الراهن؟ وهل هذا يرجع إلى انهيار نظام الدولة ذات الحدود المستقلة ؟وهل العولمة تتضمن زيادة التجانس أم تعميق الفوارق والاختلافات ؟وهل الهدف هو توحيد العلم أم فصل النظم المجتمعية عن طريق الحدود المصطفة ؟ وهل العولمة تنطلق من عوامل اقتصادية وإبداع ثقافي أم من خلال الأزمة الايكولوجية ؟ وهل هي عبارة عن اتحاد لكل هذه العوامل أم أنه لا تزال هناك أبعاد أخرى ؟ وهل العولمة تتميز بوجود ثقافات عامة أم مجموعة من الثقافات المحلية المتنوعة؟ وهل العولمة غامضة أم أنها تحول بارز على المدى الطويل بين لعام والخاص وبين المحلى والخارجي وبين المغلق والمفتوح؟ وهل هي استمرار لنمو الفجوة بين الفقراء والأغنياء على جميع المستويات ؟ وهل العولمة تتطلب وجود حكومة عالمية؟.(2)
هذا ومن أجل تسليط الضوء على جوانب هذه الظاهرة يقرر روزناو تقسيم المواد والنشاطات التي تعد مفردات لحركة ظاهرة العولمة إلى ست فئات هي :-
-البضائع والخدمات
-الأفراد
-الأفكار والمعلومات
(1/3)
-النقود
-المؤسسات
-أشكال السلوك والتطبيقات
ويضيف روزناو سؤالاً رئيسياً هو كيف تحدث العولمة ؟ أو ما هي القنوات التي تمر تلك المواد من خلالها عبر الحدود؟
ويجيب بأن عملية الانتشار تتم من خلال أربع طرق متداخلة ومترابطة هي :-
1- ... التفاعل الحواري عن طريق تقانة الاتصال
2- ... الاتصال أحادي الاتجاه من خلال الطبقة المتوسطة
3- ... المنافسة والمحاكاة
4- ... تماثل المؤسسات(3)
هذا ولا بد من الإشارة هاهنا إلى أن ظاهرة العولمة حلت في بداية نشأتها مجال الاقصاد والمال والثروات وقامت على هذا الأساس وطرحت النظريات وفسرت مظاهرها ووضعت النظم لخدمة هذا الجانب فحسب وعليه فإن الاتجاه الغالب في تعريف العولمة اصطبغ بهذه الصبغة وهذه هي وجهة الباحثين والمفكرين الذين ينتمون إلى المجتمع والدول فهو نظام العولمة الذي تدور عليه الجوانب الآخرى سواء منها السياسية والاجتماعية والتقنية والثقافية وغير ذلك.
ونظراً إلى عدم وضوح ملامح هذه الظاهرة الجديدة في طرحها وصيغتها آثر عدد من الباحثين والمحللين العدول عن إعطاء تعريف محدد للعولمة واكتفوا بمحاولة إبراز بعض مظاهرها وآثارها والحديث عن خصائصها ومجالاتها أو رسم هيكل العولمة أو إعطاء تفسير للظاهرة نفسها، كالقول عن العولمة بأن العالم قرية واحدة تهاوت معها الحدود القومية ليسود مركز عالمي علمي وتقني واقتصادي.
بينما حددت بعض التحليلات وصفاً شاملاً لهذه الظاهرة من خلال تعريف جامع لأطرافها، ففي تقرير (( جوارنا الكوني )) المقدم حول ( حاكمية قيادية كوكبية )) في 1994 عرفت العولمة بأنها :-
" تحرك متسارع نحو عالمية متكاملة عززه إلغاء القيوم التنظيمية والتفاعل مع التغيرات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصالات والحاسب(4)".
كما عرفها الأستاذ جلال العظم بأنها " حقبة النمو الرأسمالي العميق للإنسانية في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافيء "(5)
(1/4)
------------------------------------------------------
(1) العرب والعولمة ص 25،26
(2) المصدر السابق ص 26
(3) العرب والعولمة ص 27
(4) العولمة والهوية ص 186
(5) العرب والعولمة ص 28
تفسير ظاهرة أو نظام العولمة
العولمة باعتبارها ظاهرة تعد في نظر البعض حركة تلقائية لسقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي قبل عشر سنوات فهي مميزات المرحلة الراهنة من تطور الرأسمالية بمعنى أن تاريخها يبدأ فقط من طغيان الطبقة المالية من الرأسمالية (1).
بينما تذهب كثير من الدراسات إلى أن العولمة توزع لمسلسل من التطور والتوسع الاقتصادي ويرجع إلى القرن الخامس عشر زمن النهضة الاوروبية الحديثة، فالظاهرة عمرها خمسة قرون بداية من ظهور البوصلة وحتى الأقمار الصناعية(2).
وقد اقترنت الفكرة ببزوغ ظاهرة الدولية القومية حيث تطلب التقدم الثقافي (التكنولوجي ) وزيادة الإنتاجية في ذلك الوقت توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها بعد أن كان محدودا بحدود المقاطعة فحلت الدولة محل الإقطاعية والملك محل السيد الإقطاعي. كما تطلب التقدم الثقافي وزيادة الإنتاجية غزو أسواق خارجية الأمر الذي تطلب أن يكون للدولة جيش قوي يمكنها من منافسة الدول الآخرى في الحصول على هذه الأسواق الخارجية الحديثة أي المستعمرات.
ولكن النمو في حجم السوق هو الذي حتم أخيراً بداية التضاؤل في قوة الدولة فقد أصبحت القوى الاقتصادية المركزية تفوق سلطاتها سلطات القوى المركزية للدول القومية وبالتالي حلت الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة.
هكذا فسرت هذه الظاهرة التي صارت ميزة هذه المرحلة الراهنة وفي ظل هذا التفسير الأخير فإن عناصر الطفرة الواضحة للعولمة خلال الفترة المتأخرة أي خلال الثلاثين عاما المنصرمة تتعدد إلى ما يلي:
1- ... انهيار الحدود بين الدول وتكسر الحواجز المانعة من سهولة الأنشطة الاقتصادية وغيرها.
2- ... الزيارة الكبيرة في نسبة تنوع السلع والخدمات.
(1/5)
3- ... ارتفاع كبير في نسبة زيادة عدد السكان المتفاعلة مع العالم الخارجي.
4- ... استبدلت المعلومات والأفكار بالسلع ورؤوس الأموال التي كانت أساس التبادل والعلاقات.
5- ... أصبحت الشركات المتعددة الجنسيات هي الوسيلة ذات الفعالية العظمى لتبادل السلع والمعلومات.
6- ... إلغاء الحدود القومية للدولة واضمحلال السيادة الجزئية لتحل محلها القوى متعدد الجنسيات
وعلى هذا الأساس أي ظهور الدولة القومية الموحدة بنى بعض المحللين النشأة الأولى لنظام العولمة، فقد تتبع زولاند روبرتسون البعد الزمني التاريخي لظاهرة العولمة بناء على المراحل التالية:-
الأولى: المرحلة الجنينية:
وهي الممتدة منذ بواكير القرن الخامس عشر الميلادي حتى منتصف القرن الثامن عشر وفيها شهدت أوروبا نمو المجتمعات القومية.
الثانية: مرحلة النشوء:
وهي من منتصف القرن الثامن عشر حتى عام 1870م وفيها تطورت فكرة الدولة المتجانسة الموحدة التي ظهرت في صور مثل زيادة الاتفاقيات الدولية والمؤسسات الخاصة بتنظيم العلاقات بين الدول.
الثالثة: مرحلة الانطلاق:
... التي ابتدأت منذ عام 1870م حتى عقد العشرين من القرن العشرين.
الرابعة: الصراع من أجل الهيمنة.
... وقد استمرت من عقد العشرين حتى منتصف الستين من القرن الحالي وفيها بدأت الخلافات والحروب الفكرية وركز فيه على القضايا الإنسانية لا سيما بعد إلقاء القنبلة الذرية على اليابان.
الخامسة: مرحلة عدم اليقين.
وهي المرحلة التالية التي ابتدأت من عقد الستين إلى الوقت الراهن وقد تم فيها إدراج العالم الثالث في المجتمع العلمي وشهدت نهاية الحرب الباردة وازدادت المؤسسات العالمية(!).
هذا، وهناك من يفسر ظاهرة العولمة على أنها مبادرة تقدم بعض المنظرين في الولايات المتحدة عام 1965م طرحوا فيها ثلاث قضايا جعلوا فيها برنامج عمل يضمن للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة والسيادة على العالم وهي:
(1/6)
الأولى: تتعلق بالسوق العالمية، كأداة لإخلال التوازن بالدول القومية.
الثانية: تخص الإعلام.
الثالثة: تتعلق بالسوق كمجال للمنافسة، انطلاقا من نظرية " اصطفاء الأنواع " " أو " البقاء للأصلح"(3).
وهذا القضايا الثلاث فسرها د. الجابري بما يلي:
- ... شل الدول الوطنية.
- ... توظيف الإعلام.
- ... التعامل مع أفراد العالم بمبدأ البقاء للأصلح(4)
-------------------------------------------------------------
(1) الجابري ( قضايا في الفكر ص 139
(2) المرجع السابق ص 139 / العرب والهولمة ص 153، 155
(!) العرب والعولمة ص 30-32
(3) قضايا في الفكر المعاصر ص 144
(4) المرجع السابق ص 144
مجالات العولمة :
للعولمة مجالات متعددة، اقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية وغيرها
فالاقتصادية: تظهر في عمق الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصاديات القومية وفي وحدة الأسواق المالية وفي عمق المبادلات التجارية في إطار لا حماية فيه ولا رقابة وأبرز شئ في ذلك إنشاء منظمة التجارة الدولية وهنا تثار مشكلة " أزمة الدولة القومية " ودور الدولة في العولمة الاقتصادية.
السياسية: تتجلى في سقوط الشمولية والسلطة والنزوع إلى الديمقراطية والتعددية السياسية والمشكلة حول الديمقراطية أهي نظرية غربية خالصة أم لثقافات المجتمعات العالمية تأثير عليها؟، وهل هناك إجماع على احترام مواثيق حقوق الإنسان؟.
والعولمة الثقافية تكمن في أن الثقافة العالمية قضاء على الهوية والخصوصية الثقافية.
والعولمة الإعلامية تدور حول البث التلفزيوني من خلال الأقمار الصناعية وحول شبكة الانترنت التي تربط البشر في كل أنحاء المعمورة.
عولمة الثقافة:
وقد تقدم أن مجال الثقافة أحد مظاهر العولمة وجوانبها، وهي ما أطلق عليه البعض بنظام التحكم الاجتماعي في سوق المجتمعات(1).
(1/7)
وتتفق كلمة عدد من الباحثين على أن الثقافة من اخطر الأوجه الحضارية المتأثرة بظاهرة العولمة، ويقول د. سيار الجميل " ولم ينحصر الأمر في الاقتصاديات المعولمة بل طالت وبسرعة شديدة ونسبية عالية هذه العولمة ثقافات الشعوب وقيمها وعاداتها وتقاليدها"(2).
ويعدها د. طلال عتريس أكثر صعوبة وتعقيداً، ذلك أن الثقافة -كما يقول – محصلة التفاعل بين ثلاث علاقات مع الله ( العقيدة والذات ) ومع الآخر ( المجتمع والطبقية ) ومع الذات ( الرغبات والغرائز والحاجات )(3).
ولتحديد معنى واضح لعولمة الثقافة نعرج أولاً على تعريف الثقافة.
... يعرفها دافيد روتكوبف بأنها " نموذج كلي لسلوك الإنسان ونتاجاته المتجسدة في الكلمات والأفعال وما تصنعه يداه، وتعتمد على قدرة الإنسان على التعليم ونقل المعرفة للأجيال التالية "(4).
ويراها د. محمد عابد الجابري " ذلك المركب المتجانس الذكريات والتطورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحفظ لجماعة بشرية تشكل أمة أو ما في معناها، بهويتها الحضارية، في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء"(5).
ومن خلال هذه التعريفات يمكن تحديد المعالم الآتية للثقافة :-
أولاً : أن الثقافة لا تقتصر على مجرد المعلومات والتصورات الذهنية لدى كل فرد، بل تطال مجموع الشخصية الإنسانية ومدى تفاعلها مع البيئة والكون..
ثانياً: أنها لا تعكس تصوراً فردياً محضاً، بل هي صورة لمجتمع كامل وأمة بأسرها.
ثالثاً: أن الثقافة تعبر عن الخلفية الإنسانية التاريخية، وهي في الوقت ذاته إحدى طموحات النفس البشرية.
(1/8)
وإذا كانت العولمة في معناها البسيط تعميم الشئ وتوسيع دائرته فشأن الثقافة أوغل في هذا الميدان لأن التأثير الثقافي أسرع من أي تأثير آخر، وذلك بحكم تفاعل النفس البشرية مع الغير، ولذا يعد دافيد روتكويف أن طغيان ثقافة واحدة وعالمية وتهديد ثقافة المرء يصبح تهديداً لدينه وأسلافه، ومن بعد تهديداً لجوهر هويته(6).
وإذا كانت عالمية الشيء هي قابليته للتعميم والانتشار فإن العولمة قمة تلك العالمية لأنها نتاج الحركة التفاعلية التي تنعكس آثارها على الآخر وتتوغل في ذاته وكيانه ورصيده الفكري، ولذا يعبر د. الجابري عن عولمة الثقافة _ببساطة _ بأنها الاختراق الثقافي(7).
وقد طرح الدكتور الجابري عدة أطروحات في جانب العولمة الثقافية، منها فيما يختص ببيان مدى الأثر من جراء عملية الصراع الثقافي العالمي الآتي:
1- ... الهوية الثقافة ومستويات ثلاثة: فردية وجمهورية ووطنية قومية والعلاقة بين المستويات تتحدد أساسا بنوع الآخر الذي تواجهه. فالفرد داخل الجماعة الواحدة، الجماعات داخل الأمة والأمة إزاء الأمم فهناك ثلاثة مستويات ثقافية: فردية،وجماعية، ووطنية.
2- ... لا تكتمل الهوية الثقافية إلا إذا كانت مرجعيتها مجموع الوطن والأمة والدولة، الوطن بوصفه الأرض والأموات أو الجغرافيا والتاريخ وقد أصبحا كياناً روحياً واحداً يعمر قلب كل مواطن : الجغرافيا وقد أصبحت معطى تاريخياً والتاريخ وقد صار موقعاً جغرافياً والأمة بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة وقوامها ذاكرة تاريخية وطموحات تعبر عنها الإرادة الجماعية التي يصنعها حب الوطن، والدولة بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة، إذن فكل مساس بالوطن أو الأمة أو الدولة هو مساس بالهوية الثقافية والعكس صحيح.
3- ... ليست العولمة مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالية بل هي أيضا وبالدرجة الأولى إيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم.
(1/9)
4- ... العولمة شئ والعالمية شئ آخر، العالمية تفتّح على العالم والثقافات الأخرى واحتفاظ بالخلاف الايديولوجي، أما العولمة فهي نفي للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الايديولوجي.
فإن الصراع الايديولوجي صراع تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل، أما الاختراق الثقافي فيستهدف الأداة التي يتم بها التأويل إذ يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم (( الإدراك ))
5- ... ثقافة الاختراق تقوم على جملة أوهام هدفها " التطبيع " مع الهيمنة وتكريس الاستتباع الحضاري، وهذه الأوهام هي:-
- ... وهم الفردية.
- ... وهم الخيار الشخصي.
- ... وهم الحياد.
- ... الاعتقاد في الطبيعة البشرية التي لا تتغير.
- ... الاعتقاد في غياب الصراع الاجتماعي.
6- ... نظام الاختراق يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى ويدفع إلى التفتيت والتشتيت لربط الناس بعالم لا وطن ولا أمة ولا دولة أو يغرقهم في أتون الحرب الأهلية.
7- ... العولمة وتكريس الثنائية والانشطار في الهوية الثقافية العربية ثنائية التقليدي والعصري(8)
هذا وإذا انتقلنا إلى مجالات التأثير المباشرة للعولمة الثقافية نجد أنها تنال -من حيث كونها أداة لتحقيق السيادة – ضربت بعمق في أهم مكونين للسياسة الثقافية الفردية والجماعية وهي التربية والتكوين وقد كان التأثير مباشراً في الأسرة والمدرسة(9)، وقد ساعد على تمهيد الكنف للاختراق الثقافي المذهل في هاتين المؤسستين ضعف البنية التحتية لهما في مجتمعاتنا العربية فيما عبر عنه عبد الإله بلقزيز : إخفاق النظام التعليمي، وتفكك بينة الأسرة.
ولنعد قليلا إلى أحد مظاهر العولمة الاقتصادية وهي إلغاء الحدود القومية لنتساءل : ما مدى قوة الأثر لذلك الاختراق الثقافي؟.
(1/10)
يرى بعض المحللين أن العولمة لا تزيل فقط الحواجز الثقافية بل تزيل العديد من الأبعاد السلبية الثقافية فهي " خطوة حيوية نحو عالم أكثر استقراراً ونحو حياة أفضل للشعوب، لأنها تنشأ عن احترام منهجي حثيث لعادات وتقاليد منتقاة" كما يقول دافيد روتكويف(10).
وهذه النظرة المتفائلة للعولمة الثقافية ناشئة عن النظرة الحتمية إلى استسلام القوى العالمية لظاهرة العولمة وطغيانها على سائر الثقافات البشرية لذلك فإن دافيد روتكويف يرى أن للغة والمعتقدات والأنظمة السياسية والقانونية والأعراف الاجتماعية أرت المنتقدين وأبناء السوق على الأفكار عبر التاريخ الشعبي، ويمكن النظر إليها بحق باعتبارها نتاجات حتمية (11).
لكننا إذا فرقنا بين عالمية الثقافة وعولمة الثقافة عرفنا البون الشاسع بين مجرد الانفتاح الثقافي العالمي وبين فرض الهيمنة على العقلية الاجتماعية البشرية، فعالمية الثقافة تجسدها تكنولوجيا الاتصالات والحواسب والتشابك الاقتصادي، بينما تشكل العولمة الثقافية فرض نهج بذاته ومصالح وقيم ثقافية بذاتها، وكل ما تراه القوة ذات الهيمنة أمراً نافعاً وضرورياً لها وفاء لمصالحها(12).
-----------------------------------
(1) شوقي جلال ( العربي ) عدد481 ص 30
(2) العرب والعولمة ص 38
(3) المصدر السابق ص 46
(4) الثقافة العالمية عدد 85 ص 27
(5) العرب والعولمة ص 298
(6) الثقافة العالمية عدد 85 ص 27
(7) العرب والعولمة ص 301
(8) العرب والعولمة ص 298-305
(9) المصدر السابق ص 312
(10) الثقافة العالمية عدد 85 ص 27
(11) المرجع السابق ص 27
(12) العربي عدد 481 ص 30
مرتكزات العولمة الثقافية
تتلخص هذه المرتكزات كلها فيما عبر عنه د. عبد الإله بلقريز بالنظام الثقافي الجديد الذي قال عنه بأنه نظام إنتاج وعي الإنسان بالعالم.
(1/11)
لكننا يجب ألا نغفل عن النشأة الأساسية لهذه الظاهرة وهي النشأة الاقتصادية، لان العولمة أصبحت نظاماً متكاملاً وآثاره شاملة لا يختص بها جانب دون آخر، وأن كان ذلك إلى الآن بنسب متفاوتة، وربما كانت الشمولية في مرحلة قادمة عامة طاغية بحيث يقوم كل مجال على نفس الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي، ولا يخامر الشك أحداً أن الأثر الثقافي والفكري والايديولوجي المستقبلي هو الذي يقود ظاهرة العولمة، وإذا عرفنا ذلك فإن كثيراً مما ترتكز عليه العولمة الاقتصادية هو في الحقيقة مرتكز ثقافي عالمي:
1- ... الثورة العلمية المتمثلة في وفرة المعلومات وتراكمها وإتاحتها للاستعمال عبر أوعية المعلومات من أهمها الحاسب الآلي، ومن المهم الاعتراف بأن " المعرفة سلطة وأداة هيمنة، وأن من يملك المعرفة وأدوات توزيعها والقدرة على توضيفها يملك سلطة التحكم في العقول التابعة "(1)وعلى سبيل المثال نصيب أمريكا من السوق العالمية من برامج الكمبيوتر سابقة التجهيز سنة 1994م 60%، ونصيبها من سوق الكتب العالمية سنة 1995م 32%(2).
2- ... المركزية العالمية : وهي إحدى أقوى عوامل عولمة الثقافة، فقد أصبحت القوى العظمى العالمية هي مصدر كل أوجه الثقافة سواء على صعيد الإنتاج أو على صعيد الإبداع أيضا، ولا ريب أن هذا انعكاس للمركزية العالمية الشاملة أو أحد مظاهره، فالمركزية الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنولوجية وامتلاك وسائل وطاقات التحكم في جميع هذه الأوجه لها المركزية الثقافية بشكل تلقائي، وإذا كان كل من الثقافة والفكر راجعين إلى العامل النفسي في مدى التفاعل مع القوى فإن أيدي القوى العالمية من التقانات واساليب التأثير ما لا ينكر مداه.
وقد تعددت هذه المركزية العالمية فيما يرى أنه صراع على السيادة وتمثلها عدد من الكيانات السياسية كالاتحاد الامريكي والاتحاد السوفياتي والاتحاد الاوروبي، والاقتصادية كمنظمة التجارة الدولية.
(1/12)
3- ... إلغاء حدود الدولة القومية : وتعني عدم الاكتراث بالحدود المحلية للدولة، مما يسهل حركة التنقل بين دولة وأخرى سواء في ذلك السلع والخدمات والقوى البشرية ولعل من أهم ما يميز ذلك إلغاء نظام الرقابة على مختلف الأوجه الثقافية الكتب والصحف والمجلات والأشرطة وغيرها مما له عظيم الصلة بهذا المسار.
4- ... وسائل الإعلام : وتتخذ هذه الركيزة ثلاث وجهات:-
الأولى : تكنولوجية الوسيلة ذاتها بحث تؤدى عملها على أوسع نطاق.
الثانية : المادة التي تنشرها وتبثها هذه الوسائل، وما يمكن أن نسميه بعولمة الإنتاج الفني وقد تجاوزت وسائل الإعلام الصحف والمجلات والأشرطة إلى القرص الفضائي وشبكة الانترنت العالمية.
الثالثة : عولمة الإعلام ذاته والمتمثلة في الوكالات العالمية للأنباء إذ نجد مثلا أن أربع وكالات أنباء عالمية غربية تحتكر وحدها الخبر وتصوغه بكل حرية وهي:-
1. ... الوكالة المشتركة للصحافة (( أسوسايتد برس )) الأمريكية وهي أعظم وكالة أنباء عالمية.
2. ... الوكالة المتحدة للصحافة (( يونايتد برس )) الأمريكية
3. ... رويتر الانجليزية
4. ... فرانس برس الفرنسية
يقول عبد الهادي بوطالب " وإذا عرفنا أن أكثر من خمس سكان العالم أميون أي لا يحسنون القراءة والكتابة وأن الأغلبية الساحقة من سكان العالم أميون حضاريون أي لا يعلمون شيئا عن تطورات الحضارة التكنولوجية والمعلوماتية، إما لأنهم لا يستعملونها بالمرة، وإما لأنهم يكتفون باستعمالها في الحدود الدنيا، علمنا أن عولمة العالم في مجال الإعلام لا يستفيد منها إلا القادرون على اكتسابها أي أقلية نادرة بين البشر وهو ما لا يزعج العولمة التي تقوم على حرية التنافس وتمكن الأفضل والأقوى من ربح رهانها، ومما دفع بعضهم إلى أن يطلق عليها اسم الداروينية الاجتماعية"(3)
(1/13)
5- ... اللغة : فإنها أداة التفأهم والتواصل وهي وعاء للفكر وقالبه الحي ولذلك فإن حفاظ القرآن الكريم على لغة العرب ساعد كثيرا في نقل جزء عظيم من حضارة العرب إلى الجناح الغربي خاصة من الكرة الأرضية ولا تزال آثاره حتى الآن، وما نراه اليوم من طغيان الثقافة الغربية تشكل اللغة نسبة عالية من المسأهمة في نقلها ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن 88% من معطيات الانترنت باللغة الانجليزية و 9% بالالمانية و2% بالفرنسية و1 % يوزع على بقية اللغات الغربية(4).
6- ... التفاعل البشري وهو الاحتكاك بين المجتمعات بمختلف صوره سواء ما يتم عن طريق الاستعمار وما يتم عن طريق السياحة والسفر وإرسال البعثات العلمية الدراسية ونحوها.
7- ... القوانين والأنظمة العالمية التي تتحكم في كيفيات التعامل مع الواقع والبيئة، وتقيد مدى التفاعل مع الصراع الخارجي والتدخل الأجنبي.
وهناك مرتكزات أخري للعولمة مثل مناهج التعليم ومرتكزات الأبحاث العلمية، ودعوات التنصير وغير ذلك مما يسهم في بناء هذه العملية التكاملية.
---------------------------------------
(1) المرجع السابق عدد481 ص 31
(2) الثقافة العالمية عدد 85 ص 30
(3) العولمة والهوية ص 125
(4) المراجع السابق ص 125
أهداف عولمة الثقافة:
يمكن تلخيصها فيما يلي :-
1- ... خدمة السيادة المركزية، والمهنية العالمية، وتوطيد معاني العولمة الاقتصادية والسياسية، ونقل الحضارة العالمية إلى الشعوب الدنيا.
2- ... توحيد الثقافة العالمية، وصهرها في ثقافة واحدة، وإلغاء التعددية الثقافية وحق التنوع الثقافي.
3- ... نزع الخصوصية الفردية ومحو الهوية الذاتية، ولذلك نرى أن أنصار العولمة لا يعترفون بالهوية الشخصية سواء هوية الفرد الواحد أو المجتمع الواحد أو الدولة الواحدة.
4- ... تحطيم كل الثوابت الدينية والفكرية والأخلاقية للوصول إلى بناء إنسان هامشي يذوب في بحر المادية.
ضمانات نجاح المواجهة الإسلامية لنظام العولمة:
(1/14)
يرى عدد من الباحثين أن العولمة صارت نظاماً حتمياً تنصهر فيه كل الاتجاهات وتذوب فيه كل الفوارق، وما على العالم إلا أن يتقبل الأمر الواقع بكل رحابة صدر، ويذوب فيه ذوبان الملح في الماء.
إن هذه الفكرة هي إحدى أهداف النظام العالمي الجديد، وإحدى معالم السياسة الجديدة وهو منطق العولمة ذات الطابع السيادي، وعالمنا الإسلامي هو أول المتضررين بهذا النظام وأول الواقعين في أشراكه لأنه يمثل رقعة واسعة من العالم من جهة، ولأنه ليس لديه من مقومات العيش ما يراه بنفسه كفيلاً بالذاتية والاستقلالية من جهة ثانية، ولكن ضمانات العيش الكريم وضمانات السعادة الحقيقة لا يمكن في حضارة يموت فيها الإنسان وتحيى فيها المادة، لان الهدف الحقيقي لكل حضارة إنسانية هو الارتقاء بمستوى الإنسان وتنمية قدراته الذاتية ومواهبه العقلية والفكرية ورفع مستواه النفسي وتحسين مشاعره التي تجعله بحق جديراً بأن يكون لبنة في جدار الحضارة.
ولتحقيق هذا الهدف النبيل لعالمنا الإسلامي فهناك طرح متكامل يتمثل فيما يلي:-
أولاً :- الوعي بظاهرة العولمة :ويتم هذا الضمان بعدة أمور :-
1- ... الوعي بحقيقة الرسالة الإسلامية وعالميتها وشموليتها وأنها تختلف شكلاً وجوهراً ومقصداً عن كل الحضارات الأخرى، فإن عالمية الإسلام تعني قابليته لاستيعاب كل الاتجاهات وكل المتغيرات والمستجدات ويتأتى هذا الفهم الصحيح بتصحيح المسيرة التي ينتهجها الغالب الأعم من أبناء الإسلام والمنتمين إليه في صور منها:-
- ... رسم الخط الفارق بين الإسلام كما يفهمه ويمارسه مئات الملايين مكونين التيار العريض للإسلام وحضارته ونظامه وبين ما سماه الغربيون " الأصولية ".
- ... تصحيح فهم عالمية الإسلام باعتباره دعوة إنسانية موجهة للكافة.
- ... ممارسة الاجتهاد والإقبال على التجديد في الموائمة بين الواقع والنص الشرعي بشكل يضمن للنص حقه وللحياة نصيبها المقدر من التنزيل الشرعي
(1/15)
إعادة قيم الحرية والشورى إلى مكانهما الصحيح من التصور الإسلامي(1)، والربط بين هذا الضمان وبين فهم ظاهرة العولمة يفتح لنا الآفاق لانطلاقة كبرى، فإن العولمة تعكس لنا السنة الكونية في قدرة الإنسان على تحقيق آماله وطموحاته، فكيف والإسلام إنما جاء رحمة للعالمين، فإذا انضم إلى ذلك الرصيد التاريخي الطويل في سيادة الإسلام حقبة طويلة من الزمن كان ذلك أدعى إلى الإيمان بفكرة العالمية والسعي نحو تحقيقها.
2- ... إدراك خطورة العولمة المتمثلة في كونها طوفاناً لا يمنع منه إلا سد منيع مبني على أسس متينة لا يتأثر معها بعوامل الزمن والبيئة وهذا أيضا يستلهم من أمور أهمها مناداة الغربيين أنفسهم بإدراك خطوة العولمة وما ظهور التكتلات السياسية بين الحين والآخر والاتفاقيات الاقتصادية إلا نوع من الشعور العميق بخطر هذا النظام وسعي إلى الوقوف في وجهة والتصدي له.
(1/16)
ولا أدل على خطورة العولمة من الأدبيات التي تكشف عن الوجه الحقيقي لهذه الظاهرة أو هذا النظام العالمي مثل كتاب " فخ العولمة - الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية" الذي ألفه هانس بيتر مارتين وهارالد شومان الذين ينتميان إلى إحدى كبريات دول العالم وهي ألمانيا التي استعادت قوتها المعنوية والمادية بتوحيد الألمانيتين وقد أطال المؤلفان النفس في بيان حقيقة العولمة وتكهناتها المستقبلية فكان من أهم الطروحات التي شملها الكتاب " ان العولمة من خلال السياسات الليبرالية الحديثة التي تعتمد عليها إنما ترسم لنا صورة المستقبل بالعودة للماضي السحيق للرأسمالية، فبعد قرن طغت فيه الأفكار الاشتراكية والديموقراطية، ومبادئ العدالة الاجتماعية، تلوح الآن في الأفق حركة حضارة نقتلع كل ما حققته الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من مكتسبات، وليست زيادة البطالة وانخفاض الأجور وتدهور مستويات المعيشة وتقلص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة وإطلاق آليات السوق وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي، وحصر دورها في "حراسة النظام " وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين وهي الأمور التي ترسم الآن ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في غالبية دول العالم كل هذه الأمور ليست في الحقيقة إلا عودة لنفس الأوضاع التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي إبان مرحلة الثورة الصناعية ( 1750-1850) وهي أمور سوف تزداد سوءاً مع السرعة التي تتحرك بها عجلات العولمة المستندة إلى الليبرالية الحديثة.(2)
(1/17)
3- ... الاستفادة من الإيجابيات التي يحملها نظام العولمة استفادة موجهة بقدر ما يتيح لنا كسب المهارات الحضارية والاطلاع على عوامل القوة وأسبابها، يقول د. محمد الرميحي بعد عرضه كتاب (فخ العولمة ): " وبرغم أنني استعرت زاوية نظر الكتاب لإكمال عرضه فهذا لا يعني أنني أتبنى موقفاً سلبياً من العولمة كما أنني لا أتبنى موقفاً إيجابياً صرفاً تجاهها بل هو موقف أقرب إلى البحث عن الحقيقة الممكنة في هذه اللحظة المبكرة من عمر عالم يفترض كونه جديداً، لهذا أود أن أفتح ثغرة مناقضة في جدار الرفض لصيغة العالم الجديد، ثغرة يتسلل منها بعض الضوء على الإيجابيات المحتملة في مسار العولمة فبموازاة اقتصاد السوق الذي لا يعرف الحدود والعابر للقارات وللأقطار يمكن أن تنشأ شبكة تنظيمية من الفعاليات عابرة الحكومات ومتواصلة مع المؤسسات الشعبية، ومن ثم توافر مزيد من الرعاية والمتابعة الفاعلة لحقوق الإنسان وقضايا البيئة التي لا تعرف الحدود، وكما تسير عولمة الاقتصاد تنتشر عولمة الديموقراطية وتصبح هناك نقاط التقاء مهنية منها -كمثال- تفاعل القضاة الوطنيين مع القضاء الدولي لإنشاء عدالة ( عالمية ) جديدة وبالتالي محاصرة أفضل لسلبيات عالمية كالإرهاب وتهريب المخدرات وغسيل الأموال وانتهاك حقوق الإنسان ... ... ..الخ " (3).
4- ... عدم الإقرار بالقبول العالمي للعولمة أو بقدرتها على الهيمنة فإن من مخاوف خبراء الاقتصاد العالمي مثلا تأكيدهم على أن إزالة الحدود أمام السوق يعيد الطرق أمام العالم الثالث للخروج من مأزق الفقر والتخلف ليلحق بركب البلدان الصناعية(4).
(1/18)
وفي مجال الثقافة كتب " دمويس الفرنسي " مقالاً بعنوان " أساطير قرية المعلومات الكونية " بين فيه وجهاً مماثلاً من واقع الثقافة الموزعة كالقول بأن الانترنت أصبحت ملاذاً لعدد وافر من الأقليات المنعزلة عن بقية العالم، كما ضرب أمثلة عدة للوصول إلى ظاهرة العولمة في بعض المجالات قصيرة المدى ضئيلة التأثير، ومن ذلك أن شبكة سي أن أن العالمية تحتفظ فقط ب 35 مراسلاً خارجياً لها يعملون في 23 مكتباً خارجياً في حين تحتفظ كل من وكالات الأنباء السلكية الرئيسية الأخرى بحوالى 500 مراسل في 100 مكتب يقول: "وينبغي ألا نصدق أيضا الزعم بأن كل الجنس البشري على وشك أن يقتسم المعرفة من خلال شبكة كونية للاتصالات، فهذه الإمكانية ليس لها وجود مثل القرية الكونية ولن يكون لها وجود أبداً، فإرسال شبكة سي أن أن العالمية لا يصل إلا إلى 3 % فقط من سكان العالم الذين لا يملك أربعة أخماسهم أصلاً أجهزة تلفزيون،أما عدد الناس الذين باستطاعتهم الاشتراك في الانترنت من خلال أجهزة الكمبيوتر الخاصة التي يمتلكونها فقد يزداد في آسيا لكن الأمر المؤكد أن عددهم سيظل ضئيلاً جداً من الستة بلايين إنسان الذين سيقطنون الأرض مع حلول نهاية هذا القرن "(5)،
ويقول صمويل هنتجنون " تواجه الثقافة الغربية تحديات من قبل جماعة داخل المجتمعات الغربية، ويأتي أحد هذه التحديات من المهاجرين من حضارات أخرى والذين يرفضون الاندماج في النسق القيمي الجديد ويواصلون التمسك بقيم وعادات وثقافات مجتمعاتهم الأصلية، ويعملون على نشرها ... ... . ولقد هاجموا باسم التعددية الثقافية توحد الولايات المتحدة مع الحضارة الغربية وأنكروا وجود ثقافة امريكية مشتركة ورفعوا لواء هويات ثقافية عنصرية وعرقية وهويات ثقافية وتجمعات فئوية أخرى"(6).
[64.247.62.9115110]تابع الموضوع >>>
------------------------------
(1) العولمة والهوية ص 210-211
(2) فخ العولمة مقدمة د.رمزي زكي ص 8-9
(
(1/19)
3) العربي عدد 484 ص27
(4) المرجع السابق ص 27
(5) الثقافة العالمية عدد87 ص 20
(6) الثقافة العالمية عدد 85 ص 47
تابع موضوع / ضمانات نجاح المواجهة الإسلامية لنظام العولمة
ثانياً: تعزيز الهوية الذاتية الإسلامية وذلك عن طريق :-
- ... تنمية الشعور الذاتي بامتلاك أدوات الحضارة بكل أوجهها.
- ... السعي إلى امتلاك المهارات الحضارية بما فيها من التكنولوجيا والثقافات.
- ... ربط الهوية بالتاريخ والأرض والوطن.
- ... تقوية الصلة بالله سبحانه وتعالى واليقين بتمكينه عندما يتخذ المسلمون أسباب ذلك، والثقة بأن كل حضارة لا وجود للإيمان بالله فيها ولا احترام للعقيدة والدين فيها إنما هي حضارة زائفة لا تلبث أن تنهار كما انهارت كل القوى العظمى السابقة، ولنا في كتاب الله ما يوقظ القلب من غفلة الاغترار بالقوى المادية الخاوية من معاني الإيمان والإنسان أليس يقول الله عز وجل " ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد"، وهكذا شأن كل حضارة ليس أساسها قائماً على الصلة بالله والقصد إليه والخضوع له سبحانه يقول عز وجل " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً "
ثالثا :وضع القيود والضوابط على السلع الثقافية :-
وإذا كانت كثير من الدول الاوروبية والآسيوية قد حدّت من دخول كثير من النتاجات الثقافية الأمريكية حفاظاً من التقلب من نمط معيشة إلى نمط معيشة أخرى فحسب، فإن الحفاظ على الدين والأخلاق والقيم أول واجباتنا، ومن الأمثلة على ذلك:-
- ... أصدرت فرنسا وكندا قوانين تحظر نشر كثير من المواد الأمريكية ونقلها وأصدرت ذلك كل من إيران والصين وسنغافورة (1).
(1/20)
- ... رفضت فرنسا التوقيع على الجزء المتعلق بالسلع والمواد الثقافية في اتفاقية الجات
( ) وندد وزير الثقافة الفرنسي ووزير الثقافة اليوناني بموقف الولايات المتحدة لنشر المواقف الأمريكية(2).
رابعا : إيجاد طرح عالمي إسلامي بديل:-
وقد حذت بعض الدول الكبرى هذا الحذو في سبيل الصراع الإعلامى أو ما يسمى بصراع الحضارات، وهو أمر بديهي يعكس طبيعة البشر في رفض التبعية المطلقة ورفض القيود على الحرية.
وختاماً فإني أقدم للقاريء بعض الرؤى حول العولمة ولمن ستكون السيادة من وجهة نظر صاحب كل رؤية
- ... من الوجهة الأمريكية هناك أربع أطروحات لميشيل كلوغ:-
الأولى : أن العولمة لا توحد العالم.
الثانية : أن العولمة الأمريكية تختلف عن عولمة غيرها من البلدان.
الثالثة : الامريكيون لا يعرفون جيداً ما إذا كانت العولمة شيئا إيجابياً أم سلبياً.
الرابعة : أمريكا لن تكون القوة العظمى (3)
من وجهة النظر الصينية:
يقول لاوسي:
... "بالنسبة لنا نحن الصينيين، فالظاهرة التي يسميها الغربيون بالعولمة أو الكونية لا تعني شيئاً غير الأهمية المتنامية لآسيا في التجارة العالمية، وبالمحصلة تؤكد وضعها المركزي في قلب العلاقات الدولية، فنحن نشهد اليوم عودة لآسيا وللصين بصفة خاصة"(4)
من وجهة النظر اليابانية
"من جانبنا نحن اليابانيين لا تهمنا كثيراً مشكلة العولمة، فلدينا اقتصاد كوني هو في القلب من الاقتصاد العالمي، وهذا التوجه يتنامى بمرور الأعوام"(5)
وهناك شعور متنامٍ بصعود كل من تايلند والقارة الافريقية لتلحق بالركب وتشترك في معركة صدام الحضارات.
---------------------------------
(1) مجلة الفيصل عدد 269 ص 16
(2) العولمة والهوية ص 60
(3) الثقافة العالمية عدد 85 ص 56-59
(4) الثقافة العالمية عدد 85 ص67
(5) المرجع السابق ص 60
تعقيب الدكتور : علي جمعة
(1/21)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبة ومن والاه ، الباحث قدم لنا جهداً طوف بنا تقريباً على كل ما كتب في شأن العولمة ، والذي أريد ان أضيفه إلى ما قاله هو أنه ومن المعرفة الخلفية لذلك كله ، العولمة كلمة حديثة لم تدخل بعد ، وإلى أواخر العام الماضي إلى حقل الدراسات الأكاديمية ومعنى عدم دخولها إلى حقل الدراسات الأكاديمية ، أنها لم يؤلف فيها كتاب جامعي إلى اليوم ولم تدخل في المناهج الجامعية وفي أي عالم في أي جامعة من الجامعات ولم تدخل أيضاً كبند من بنود أي منهج في أي جامعة كانت ، إنما هو مصطلح نشأ في الصحافة والإعلام ، ثم تناقله كثير من المفكرين ثم صار قومياً ، وما دام المصطلح صحفي نشأ في إطار الأكاديميات بل اكتفي حتى الان في كثير من الجامعات بالسيمينارات والندوات والمؤتمرات بالإضافة إلى بعض الكتب التي كتبها بعض المفكرين المتأملين في هذا المصطلح ، فقد أصبح مصطلحاً هلامي المعنى ، ما العولمة ؟ والعولمة فيما قيل حولنا في العالم كله ، ترتد إلى ثلاثة أقسام ، قسم منها وصفي ، فالعولمة معناها وصف لحالة تعيشها الأرض ، وحينئذ فهو مصطلح وصفي وليس هو مصطلحاً معيارياً ولا يدعو إلى شيء ، إنما يصف الحالة الكونية التي تعيشها الأرض ، هذه الحالة تتمثل في أن الأرض بمجموعة الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة أصبحت قضية عاهثة ، وأصبح الناس فيها يعيش بعضهم مع بعض في عالم الأشخاص وعالم الأشياء وعالم الأحداث وعالم الأفكار ،هذه يومه ،هذا المدخل الأول .
المدخل الثاني : الذي دخله بعضهم لدراسة العولمة يتكلم عن الآثار التي تترتب على هذه الحالة ، وعن أسب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *