البناء الحضاري للإنسان لأحمد الخليلي - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

البناء الحضاري للإنسان لأحمد الخليلي

 





الكتاب : البناء الحضاري للإنسان لأحمد الخليلي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
البناء الحضاري للإنسان
سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي الرسالة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، وبعد؛
فالأمة الإسلامية تمر في هذه الفترة بمنعطف خطير وحاسم، حيث دخلت البشرية حقبة العولمة التي تهيمن عليها سياسة القطب الواحد، والأمة لا زالت غاطة في سبات عميق وسادرة في غفلة وموات، فكان لابد لعلماء الأمة ومفكريها المخلصين أن يلقوا في مسامعها كلمة اليقظة، ويفتحوا أبصارها على مكامن العلل وأدويتها، بغية النهوض بها في عالم لا يسلم قياده إلا لمن يأخذ بناصية السنن الإلهية والقوانين الربانية التي لا تحابي أحداً في هذا الكون.
إن ملاك كل تقدم في هذه الحياة هو إعمال العقل وتفعيله، العقل الذي لا يصم مسامعه ولا يمعي بصائره عن الأخذ بمقتضيات العلم الحديث، وفي نفس الوقت لا يتجاوز وحي الله تعالى؛ قرآناً وسنة ثابتة، إن البشرية الآن في حاجة ملحة إلى عقل يربط مقتضى العلم بمقصد الدين الخالد في قالب من "التخطيط السليم والتنفيذ الأمين".
حول هذه المرامي يبحر بنا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان حفظه الله تعالى في رسالة موجزة الكلمات، لكنها عميقة المعاني وقوية الدلالة، إنها رسالة إلى كل مسلم ينشد عزة دينه وتمكن أمته.
(1/1)
وقبل أن أترككم مع الرسالة ومقاصدها؛ أريد أن أبيّن أن أصل هذه الرسالة محاضرة ألقاها سماحته في مدينة بهلا العريقة في الصيف الفائت، فقمت بإعدادها للنشر، وقد بذلت جهدي لتكون رسالة مقرؤة بعد أن كانت محاضرة مسموعة، ولكن يبقى الفرق قائماً بينهما، فمن اليقين أن إعدادها كتابياً من قبلي لن يرقى إلى الأسلوب الكتابي البليغ لسماحته حفظه الله تعالى، وخاصة أنني حرصت الحرص أشده على بقاء المضمون كما هو، ولتأكيد ذلك عرضت الرسالة بعد الإعداد على سماحته فأقرها.
فأرجو أن أكون قد قمت بجزء من الواجب الذي طوقنا به سماحته جزاه الله خيراً تربية وتعليماً ورعاية وأبوة، وسائلاً الله تعالى أن يرزقني أجر بث الفكر الصحيح في خافقي أرض الإسلام.
والله ولي التوفيق.
خميس بن راشد العدوي
1425هـ - 2005م.
مقدمة
الحمد لله رب العلمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، الحمد لله الذي له الشكر والثناء، ومنه المبدأ وإليه الرجعى، وله الحمد في الآخرة والأولى، أستغفره تعالى من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالطريقة السواء، والشريعة السمحاء، والملة الحنيفية الغراء، فبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛؛؛
فبتحية الإسلام الطيبة المباركة أحييكم أيها المؤمنون؛
فالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
الإسلام كُلٌ لا يتجزأ
(1/2)
إن الإسلام كُلٌ لا يتجزأ، ولا يمكن أن يُفصل جانب منه عن الجانب الآخر، بحيث تعتبر هذه ثقافة، وتلك عقيدة، وهذا فكراً، وذاك منهجاً، لأن الإسلام ما جاء بالنظريات التي تعيش في عالم المثال، وإنما جاء بمنهج رباني، وهو ليس من وضع البشر حتى يُعدّ نظرية من النظريات التي تقبل النقد والتعديل، وإنما هو صراط الله العزيز الحميد، قال تعالى: ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)) (1) ، فكل من حاد عن هذا الصراط خرج عن المنهج الحق، وتوزعته السبل التي تفرق الأمم وتقسمها؛ حتى تكون أوزاعاً؛ ((كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)) (2) .
والنبي صلوات الله وسلامه عليه بيَّن أن هذه السبل على رأس كلٍ منها شيطان يدعو إليه، بينما صراط الله تبارك وتعالى هو سبيل واحد، يشمل العقيدة والأخلاق والعبادات والفكر.
الصراع بين الحق والباطل سنة إلهية
تعرض الإسلام منذ بعث الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لتحديات كثيرة، وهذه هي سنة الله في خلقه، فليس من العجب أن يتحدى الباطلُ الحقَ، وإنما المحنة والمصيبة عندما يكون للباطل أنصار بينما الحق لا أنصار له، وأما عندما يكون هناك صراع بين حق وباطل مع وجود أنصار للحق كوجود أنصار للباطل؛ فلا ريب أن الحق هو الذي يزهق الباطل؛ ((بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)) (3) ، ذلك بأن الحق من عند الله، وهو ناصره، ولكن يبتلي الله تعالى من يشاء من عباده بما يشاء من بلائه، فلذلك نرى الحق في فترات كثيرة لا أنصار له، وهنا تكون المحنة على العباد بسبب فقدان الحق للأنصار.
الإسلام والتحديات المعاصرة
__________
(1) الأنعام: 153.
(2) الروم: 32.
(3) الأنبياء: 18.
(1/3)
إن التحديات المعاصرة التي يواجهها الإسلام منها داخلية وآخرى خارجية، وعلينا أن نتصدى لها بالأسلوب السليم والطريقة الصحيحة، ممتثلين في ذلك المنهج الرباني والهدي النبوي، وفق مقتضيات العلم الذي يبحث في سنن الله الكونية.
? التحديات الداخلية:
أما التحديات الداخلية لأمة الإسلام، فمنها الخلخلة الحاصلة في صفوفها، والانهزام الواقع في نفوس أفرادها، والانحراف عن المجرى الصحيح، وهذا كله انعكس أثره على الإسلام.
فرض الله تبارك وتعالى على الأمة الإسلامية أن تتلقى منه سبحانه وتعالى وحده، وأن لا تتلقى من غيره، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله، فكل ما خرج عن هذا المنهج فهو خارج عن صراط الله وداخل ضمن السبل، ولكن بسبب ما حصل في الأمة من الخلخلة، وعدم الاعتصام بحبل الله المتين والتمسك بهداه المستقيم، واجهت الأمة تحديات كثيرة، فالأمة لم تنكب اليوم بسبب قلتها، فهي من الكثرة بحيث تشكل مجموعة كبيرة في الأرض، فقد جاوزت المليار والثلث، ومع هذا كله فهي ضعيفة، وهذا الضعف لا يرجع إلى فكرها ومبادئها؛ وإنما يرجع إليها بنفسها.
هزائم الأمة بسبب البعد عن منهج الله
(1/4)
أمرت الأمة المسلمة أن تتلقى من الله سبحانه وتعالى بوساطة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا)) (1) ، ولكن بسبب ما أصابها من هزائم نفسية أصبح منهجها بعيداً عن منهج الله، فالنظام الاقتصادي في الأمة لم يعد نظاماً إسلامياً، وكذلك النظام التربوي أصيب حتى صار بعيداً عن المنهج الرباني، والإعلام غُزي من قبل أعداء الإسلام وانحرف به عن سواء الصراط، وهكذا بقية جوانب الحياة انحرف بها عن النهج المستقيم، مما أدّى بالأمة إلى الضعف، وصارت تتلقى ما يقذفه إليها أعداؤها، فتُفرض عليها مناهج الحياة من قبلهم، وهذا بدوره انعكس أثره على ثقافة الأمة، حتى أصبحت ضعيفة يصدق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها) قالوا: أمن قلة يا رسول الله؟. قال: (لا، إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن الوهن في صدوركم) (2) .
التراكمات التاريخية
__________
(1) الأحزاب: 36.
(2) أبو داود (4297)، أحمد (22450).
(1/5)
أصيبت الأمة منذ أمد بعيد بتراكمات تأريخية خطيرة؛ انحرفت بها عن سواء الصراط من بعد عهد الرسالة والخلافة الراشدة، فحُكِّمت الأهواء في كثير من قضايا المسلمين، حتى صار الظلم مبرراً، وعدّ الميل إلى الظالمين ومساندتهم ومعاونتهم على باطلهم من صميم الإسلام، وهذا ما يرفضه الإسلام كل الرفض، فالله تبارك وتعالى يقول: ((وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)) (1) ، فمجرد الركون -وهو أدنى ميل من النفس- إلى الذين ظلموا يؤدّي بالإنسان إلى أن تصيبه النار، فكيف إذا قيل أن الظالم يجب شرعاً أن يطاع ويذعن له ما دامت ناصية الأمر بيده، وأن طاعته من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن كل من عارض ظلمه ووقف في سبيله خارج عن منهج الحق؟!.
إن هذه التراكمات من الانحراف الفكري الذي أصيبت به هذه الأمة بسبب ما أصاب السياسة من الانحراف بعد عهد الخلافة الراشدة؛ أدّت بها إلى الكثير من الاضطراب والضياع.
التمزق والخلاف
وعانت الأمة أيضاً من مشكلة الخلاف والتمزق؛ مع أن الله تبارك وتعالى فرض عليها أن تكون أمة متحدة مترابطة، ومتناصرة متآزرة، يشد بعضها أزر بعض، ولذلك جمع الله تبارك وتعالى بين إفراده بالعبادة وبين وحدة هذه الأمة، ومعنى ذلك أن اتحاد الأمة قرين توحيد الله سبحانه، وذلك واضح في قوله سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ)) (2) .
__________
(1) هود: 113.
(2) آل عمران: 102-103.
(1/6)
إن الله سبحانه وتعالى بيّن براءة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين تفرقوا واختلفوا عندما قال: ((إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ)) (1) ، ثم بيّن سبحانه وتعالى أن التفرق هو شأن المشركين الذين بعدوا عن المنهج الحق: ((وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)) (2) .
وذلك كله تحذير لهذه الأمة من الافتراق والاختلاف، ومع ذلك فقد وقعا فعلاً؛ رغم تحذير الله تعالى البالغ لها من أن تقع فيما وقعت فيه الأمم من قبل؛ كما قال الله سبحانه وتعالى: ((وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) (3) ، هذا التفرق والاختلاف أدّيا بالأمة إلى الضعف والهزال، يقول الله تعالى: ((وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) (4) ، فالنزاع سبب للفشل وذهاب للريح.
وقد تأصل التفرق والخلاف في فكر الأمة وثقافتها حتى أصبح لكل نوع من أنواع هذا الفكر المختلف المتمزق أنصار وأتباع يدعون إليه، ويكرسون جهودهم من أجل نشره ضد النوع الآخر من الفكر، مما أدّى إلى أن تكون ثقافة هذه الأمة ثقافة تخلف وافتراق وتمزق.
تلك صور من التحديات الداخلية.
? التحديات الخارجية:
__________
(1) الأنعام: 159.
(2) الروم: 31-32.
(3) آل عمران: 105.
(4) الأنفال: 46.
(1/7)
أما التحديات الخارجية فهي أيضاً كثيرة وخطيرة جداً، وقد بدأت كذلك منذ أمد بعيد؛ منذ أن تغلغل الغزو الفكري في هذه الأمة، وأصبحت ترضى أن تتلقى من أعدائها، ودخل في تصوراتها كثير من المفاهيم الباطلة التي لا علاقة لها بالإسلام الحنيف، ولا يقرها أبداً، ومع مرور الزمن وتقهقر الأمة ورجوعها إلى الوراء، وكون بأسها بينها شديداً، وتغلغل أعدائها في صميمها؛ سواءً فيما يتعلق بالجانب السياسي أو الفكري أو الجوانب الأخرى من حياتها، أصبح هذا التحدي من الخارج تحدياً عميقاً.
ومع ظهور الاستعمار الحديث وفرضه مناهجه وثقافته على هذه الأمة، أصبحت في ضياعٍ من أمرها، لا تفرق بين نافعها وضارها، ولا بين ما فيه عزتها ومهانتها، وما فيه سعادتها وشقاؤها، لأنها صارت تتلقى كل شيء مما يفد إليها من فكر ومنهج وثقافة، ونظرت إليه نظرة إكبار وتقدير واحترام، مع أنها فرض عليها أن تكون أمة مستقلة عزيزة في فكرها وتصوراتها وعباداتها وعاداتها ومنهجها وسلوكها، فيجب عليها أن تأخذ بأسباب العز، لا أن تستجيب وتدين لأعدائها عندما يفرض عليها فكر أو تدعى إلى سلوك أو توجه إلى جهة، بل عليها أن تكون مؤثرة لا متأثرة، وقائدة لا منقادة، وقوية لا ضعيفة، وأنّى لها أن تكون أمة قوية وهي أمة تابعة لغيرها؟!.
التربية على الاستقلال
(1/8)
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربي الأمة على الاستقلال في الفكر والسلوك والأخلاق والمعاملات، حتى أنه كان يحرص كل الحرص على أن لا تتأثر بغيرها، بل ربما ترك أمراً كان من قبل سنة متبعة عنده صلوات الله وسلامه عليه إلى أمر مخالف له؛ حذراً من أن تتأثر الأمة بغيرها من الأمم، فقد كان عليه الصلاة والسلام عندما يحضر دفن ميت يقف، وكان أصحابه يعملون بذلك، حتى مر بهم حبر من أحبار اليهود فقال: هكذا نصنع. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه أن يجلسوا وقال: (خالفوهم، خالفوهم) (1) ، وذلك حتى لا تتأثر هذه الأمة.
ونجد كثيراً من التوجيهات النبوية فيها الأمر بمخالفة الكفرة، فكثيراً ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خالفوا المشركين) أو (خالفوا اليهود) أو (خالفوا اليهود والنصارى) أو (خالفوا المجوس) فكان يأمر بمخالفتهم لئلا تتأثر الأمة بمناهجهم.
وقد وقعت الأمة في هذا التأثر وانساقت وراءه واندفعت إليه اندفاعاً لا يقف عند حدّ، حتى أصبحت أمة هزيلة، بلغ بها الحال أنها صارت تفاخر بأن تكون تابعة لأولئك، تسير على منهجهم حتى في رذائل الأمور، وأصبحت عندما تعرض قضايا معاصرة تفاخر بأنها أخذت من النهج الغربي، وأصبحت ثقافتها ثقافة رقص وموسيقى وخلاعة وتعرٍّ وتجرد من الأخلاق والفضائل، ذلك لأجل اتّباع الآخرين؛ مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع؛ حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) (2) .
وحرص أعداء الإسلام على أن يصرفوا هذه الأمة عن الأخذ بأسباب القوة والعز والكرامة والتقدم في مجالات الحياة، فأصبحت تقنع بالقشور الزائفة والمفاسد والانحطاط بدلاً أن تأخذ بأسباب القوة، وصارت في مؤخرة الأمم لا يسمح لها أن تتقدم، بل يفرض عليها أن تكون تابعة ذليلة دائماً.
__________
(1) أبو داود (3176)، الترمذي (1020)، ابن ماجه (1545).
(2) البخاري (3269)، مسلم (2669)، أحمد (10649).
(1/9)
تضييع الطاقات والهبوط الحضاري
آتى الله تبارك وتعالى هذه الأمة الخيرات العظيمة، ومنحها من أرزاقه ما حرم منها الكثيرون، ولكن مع ذلك بسبب التخلف العقلي أصبحت تعيش تحت الوصاية، فأهملت هذه الخيرات والثروات والنعم.
فقد حباها الله تعالى بكثافة سكانية؛ حيث أصبح عددها الآن مليار وثلث مليار، والعدد في ذاته ليس عبئاً كما يتصور، بل نعمة من نعم الله تبارك وتعالى عندما يُحسن استغلاله، إذ الكثرة إنما هي قوة، فلذلك نجد الله سبحانه وتعالى يحكي عن شعيب عليه السلام في خطابه لقومه أنه قال: ((وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ)) (1) ، فالكثرة نعمة من الله تبارك وتعالى، ولكنها يجب أن تكون عزيزة حميدة، آخذة بأسباب القوة، لا أن تكون تابعة للآخرين.
وكذلك يقول الشاعر العربي: ... وإنما العزة للكاثر..
فالأمة كثيرة من حيث العدد؛ ولكنها غير منتجة، بل مستهلكة، وأريد لها أن تعيش هكذا، وأن تقنع بما يصلها من قبل الآخرين من القشور والسفالات، والانحدار بثقافة التعري والرقص والمجون والخلاعة، وأن تقنع أيضاً بتقليد الآخرين والإمعان في اتباعهم، هكذا أريد لها، وهكذا سارت في هذا السبيل، بينما لم يحصل لها الأخذ بأسباب القوة.
والأمة أيضاً من حيث الرقعة الجغرافية في الأرض هي أمة وسط، آخذة برقعة لا يستهان بها، فيها الكثير من الخيرات والموارد الطبيعية التي يحتاج إليها الآخرون، ففيها مساحات زراعية هائلة، ومعادن أرضية كثيرة، ولكن مع ذلك كله لم تستغل هذا الخير.
العقل سبب صعود الأمم
__________
(1) الأعراف: 86.
(1/10)
نرى الأمم لعنايتها بالعقل البشري وبتنميته واستغلاله، وبإعداد الإنسان إعداداً يتلاءم مع ما تطمح إليه؛ قد تغلبت على مشكلات الحياة بما فيها المشكلات الطبيعية، يكفيكم مثالاً أن اليابان رقعة أرضها صغيرة محدودة، وليس بها موارد كالنفط والمعادن والزراعة، وهي أيضاً معرضة للكوارث كالزلازل، ومع ذلك أصيبت في الحرب العالمية الثانية ونكب فيها أهلها، ولكن بسبب إعداد العقل البشري وحسن استغلاله استطاعت أن تتغلب على هذه المشكلات، لأن الثروة البشرية إن استغلت أصبحت أعظم ثروة في الحياة، فلذلك أصبح اقتصاد اليابان رمز القوة في العالم اليوم، بينما الأمة الإسلامية بخلاف ذلك، فنجد الاقتصاد الياباني عشرة أضعاف اقتصاد الدول الإسلامية، ومعنى ذلك أن اقتصاد اليابان هو عشرة أضعاف اقتصاد مليار وثلث المليار من سكان الأرض.
وبجانب المثال السابق هناك مثال آخر عرفته منذ أمد قريب، وهو أن رئيس المكتب التجاري والثقافي التايواني زارني وأعطاني فكرة عن تايوان، وتايوان هذه مساحتها ستة وثلاثون ألف كيلومتر مربع، أي أنها تُسع مساحة سلطنة عمان أو أقل، وسكانها اثنان وعشرون مليون نسمة، أي أكثر من عشرة أضعاف سكان السلطنة، وهي مثل اليابان ليست لها موارد طبيعية كالزراعة والنفط والمعادن ونحوها، ولكن بسبب إعداد العقل البشري أصبحت -هذه الدولة الصغيرة- الدولة التاسعة عشر في العالم في ترتيب الدول الصناعية، ودخلها القومي في كل عام 350 ملياراً، وصادراتها إلى العالم الخارجي 300 مليار، ورصيدها الاحتياطي في الخارج 220 ملياراً.
وهذا يعود إلى التخطيط السليم والتنفيذ الأمين، فنحن بحاجة إلى هذين العنصرين اللذين فقدناهما، لسنا بحاجة إلى أي شي آخر بجانب عقيدتنا وديننا وقيمنا.
طمر العقول والانحطاط الحضاري
هل عقل الإنسان المسلم متخلف، بحيث كتب عليه أن يعيش وراء الأمم دائماً؟.
(1/11)
يكفينا لو أننا أخذنا بالقرآن الكريم لكنا في مقدمة الأمم جميعاً، فأولئك قوم وثنيون لا يستمسكون بكتاب سماوي، ولا برسالة جاءت من عند الله تعالى، ولكنهم بسبب تنميتهم لعقولهم في حدود أفكارهم استطاعوا أن يتوصلوا إلى ما توصلوا إليه، والله تبارك وتعالى يخاطبنا بقوله: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)) (1) ، وبقوله: ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ)) (2) ، فلماذا إذاً نعيش في هذا التخلف العجيب الرهيب؟!.
يوجد بيننا عقول متفوقة ومبتكرة، لكن لم يسمح لها بالابتكار والعطاء، بل تكبت وتطمر وتردم لتعيش دائماً تحت الأنقاض ولا تتمكن من العطاء.
هذا ما فرض على العقول عندنا.
نشرت إحدى الصحف المحلية؛ أن خسارة الأمة العربية وحدها – فضلاً عن الأمة الإسلامية ككل- من هجرة العقول إلى الخارج 200 مليار في كل عام، وذكرت لبعض ذوي الاختصاص هذا الكلام فقال: هذا بالنسبة إلى الخسارة من هجرة العقول، أما بالنظر إلى الخسارة من حيث طمرها ودفنها تحت الأنقاض فإنها تصل إلى 800 مليار.
هذه خسارة العرب وحدهم، فكيف بالأمة الإسلامية كلها؟!.
إذاً مشكلة الأمة من قبل نفسها وأعدائها معاً، فأعداؤها يفرضون عليها التخلف، وهي تستجيب لتوجيهاتهم، وترضى أن تعيش دائماً في التخلف وتحت الأنقاض، ولا تريد أن ترفعها عنها وتظهر منها.
حلول للأزمة
انعكس ذلك التخلف على المسلم فرداً وأسرة ومجتمعاً، وهذا يعني أن الأمة محتاجة إلى أن تكتشف هويتها، وتعرف رسالتها في الحياة، وتقوم بواجبها الذي بينها وبين ربها سبحانه وتعالى، ثم تسعى إلى رفع هذه الأنقاض عنها، وأن تخرج من تحت هذا الطمر الذي فرض عليها، وتسلك المنهج الذي يؤدي بها إلى شرف الدنيا وسعادة الآخرة.
__________
(1) البقرة: 29.
(2) الجاثية: 13.
(1/12)
لو رجعت الأمة من جديد إلى أسباب العز والكرامة والخير، واعتصمت بحبل الله تعالى المتين، واتبعت نوره المبين، وسلكت صراطه المستقيم، لانعكس خير ذلك على نفسها وعلى الإنسانية بأسرها.
العالم اليوم مع ما يزخر به من تقدم مادي مذهل فإنه في ضياع، وذووا العقول في هذا العالم يصرحون بذلك ويعترفون بأنهم فقدوا أعزَّ ما يمكن أن تعتز به الأمم، فهم يعترفون بأنهم فقدوا القيم والأخلاق، وأن الكارثة عظيمة، وأن المنقلب إلى ما يدمر هذه الحضارة كما تدمرت حضارات الأمم السابقة من قبل؛ لأن الحضارة عندما تكون مادية لا روح لها فإنها إلى زوال، إذ الجسم الميت يظل ميتاً لا أثر له ولا حراك، ويؤدّي به موته إلى الانحلال والتعفن، فكذلك شأن الحضارات، وقد قال بعض المفكرين: إن الحضارة المعاصرة تحمل في طياتها أسباب دمارها وانتهائها.
هذا ما أدركه العقلاء من أبناء هذه الحضارة، فلذلك هم يتطلعون إلى ما ينقذهم.
ولكن أين المنقذ؟.
المنقذ هو الإسلام، ولكنه لا يأتي في صور مثالية تعيش في عالم المثال لتنقذ هذا الإنسان الحائر، بل لابد أن يكون واقعاً يحيى في أبنائه عقيدة وفكراً وأخلاقاً وسلوكاً ومنهجاً؛ سواء فيما يتعلق بالجانب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأخلاقي، هذا الإسلام الذي يجب أن يحيى في الأمة وينقذ العالم، ولذلك فعلى الأمة الإسلامية أن تدرك هويتها.
جهل المسلمين بالسنن الإلهية
مما يؤسف له أننا نعيش في تخلف من كل ناحية من النواحي، لو جئنا إلى الأمية في الأمة لوجدناها ضاربة بجذورها، وهذه مصيبة ليست بعدها مصيبة، فلو قسنا ما تقرأه الأمة الإسلامية إلى تقرأه أقل أمة، لوجدنا أن الأمة الإسلامية في منتهى التخلف، ولو تتبعنا المكتبات والمؤسسات العلمية لما وجدناها أحسن حالاً.
ما الذي يفرض عليها هذا التخلف؟!.
(1/13)
إن اليهود والنصارى فكرتهم الدينية عن العلم مجانبة للحقيقة كل المجانبة، فاليهود يعتقدون أن الشجرة التي أكل منها الإنسان وأبعدته عن الله تبارك وتعالى هي شجرة العلم، وأن العلم هو أساس انحراف الإنسان وضلاله.
والنصارى يقولون: إن سعادة الإنسان أن يغمض عينيه ويسد أذنيه ويغلف عقله لئلا تصل الحقيقة إليه فتنحرف به عن الدين.
هذه هي معتقداتهم.
بينما الإسلام بخلاف ذلك، فهو يبيّن لنا أن أساس تكريم الإنسان هو العلم، يقول سبحانه: ((وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)) (1) .
يبيّن الله تبارك وتعالى هنا -عندما آذن بخلق الإنسان- أن سبب تشريفه وتكريمه هو ما جعل سبحانه وتعالى فيه من خصائص العلم.
فإذاً كيف تكون الأمة الإسلامية مع ذلك متخلفة؟!.
والإسلام أيضاً يبيّن لنا أنه لا يمكن أن يستوي مَن عَلِمَ ومَن جَهِل، يقول تعالى: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)) (2) .
__________
(1) البقرة: 31-33.
(2) الزمر: 9.
(1/14)
ويبني الإسلام فكره وعقيدته على أسس العلم لا على أسس الوهم، فالله تبارك وتعالى عندما يقرر في كتابه أهم حقيقة من حقائق الوجود وهي وحدانيته سبحانه عندما يقول: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)) (1) ، يتبع ذلك بذكر الآيات الكونية الدالة على وحدانيته سبحانه بقوله: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) (2) ، فكيف مع ذلك يصبح الإنسان المسلم متخلفاً؟!.
بل يقرر الإسلام أن المسلم عندما يكتشف الحقائق الكونية يدفعه هذا الاكتشاف إلى أن يخشى الله تبارك وتعالى ويتقيه، فالله سبحانه وتعالى بعدما ذكر طائفة من الحقائق الكونية المتعلقة بما يحصل من الإنبات؛ وخلق هذه الطبيعة كالجبال وغيرها، وتفاوت الناس وتعدد أحوالهم، يتبع ذلك بقوله: ((كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) (3) ، ومعنى ذلك أن العلم هو الذي يورث الخشية من الله تبارك وتعالى؛ عندما يكون هذا العلم ليس علماً شكلياً ظاهراً ؛ بحيث لا ينفذ الإنسان من خلاله إلى روح العلم وأسراره، كما هو الواقع في عالم اليوم؛ عند أولئك الذين برعوا في مجالات العلوم المختلفة، ولكنهم فقدوا روحها، وإنما ذلك عندما يقترن العلم بالإيمان، فيؤدي إلى الخشية من الله تبارك وتعالى.
تلازم التدافع الحضاري والعمل الديني
__________
(1) البقرة: 163.
(2) البقرة: 164.
(3) فاطر: 28.
(1/15)
يجمع الإسلام بين العمل الديني والعمل الدنيوي ويقرن بينهما، فيقرن بين أقدس عبادة وهي الصلاة وبين الضرب في الأرض والابتغاء من فضل الله، يقول تعالى: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كثيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) (1) .
فكيف مع ذلك يبقى المسلم جاهلاً بأحوال هذه العبادة الربانية التي تنتظم أمور الدين والدنيا معاً؟!.
وجوب الأخذ بسنن الله الكونية
كذلك يدعو الإسلام إلى السير في الأرض والاعتبار بما فيها، والتفكر في أحوال الأمم، والتأمل في سنن الله تبارك وتعالى في خلقه: ((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ)) (2) ، كم من آية يأمر الله تبارك وتعالى فيها بالسير في الأرض والنظر في الأحوال والتدبر في آيات الله تعالى: ((أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)) (3) .
وهكذا يدعو القرآن دائماً إلى الاعتبار بهذه السنن الكونية والنواميس الربانية، ومع هذا نجد الأمة الإسلامية متخلفة.
__________
(1) الجمعة: 10.
(2) العنكبوت: 20.
(3) الأنعام: 6.
(1/16)
رغم كل ذلك؛ يجب أن لا يدعونا هذا إلى التشاؤم بل علينا أن نتفاءل؛ ونرجو بمشيئة الله تبارك وتعالى أن ينبلج من هذا الليل البهيم صبح مسفر، وأن تعود الأمة إلى رشدها، وتتبوأ المكانة التي تليق بعقيدتها وخصائصها ومواريثها الفكرية، ولكن لابد من الجد والعمل، فالإنسان لا ينقلب من حال إلى حال بين عشية وضحاها، وإنما عليه أن يأخذ بأسباب التقدم والنجاح، وهي وإن لم تكن تفضي إليهما ذاتياً، إلا أن الله تبارك وتعالى ناط المسببات بأسبابها، ومن جدّ واجتهد فالله كفيل بأن يوفقه: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) (1) .
التحرر من أفكار التخلف
يقتضي الأمر أن تكوِّن الأمة نفسها، وأن تفك الأغلال التي كبلتها وقيدت حركتها، وأن تتحرر من الأفكار التي قعدت بها عن التقدم وأَخْذ مكانها بين الأمم، فالأمة إنما تقدمت عندما اعتصمت بحبل الله المتين، وتبعت نوره المبين، وحرصت على أن لا تفرط في أي جزئية من جزئياتها فضلاً عن كلياتها، وعرفت أسرار الله تبارك وتعالى في خلقه، وأدركت حِكَمَهُ في أحكامه، واعتصمت بحبله، واستمسكت بهداه، واتبعت نوره، وعند ذلك أورثها الله سبحانه وتعالى السيادة في الدنيا والسعادة في الأخرى.
خاتمة
هذا؛ ونرجو بفضل الله تبارك وتعالى وتوفيقه وبطموح الطامحين واجتهاد المجتهدين أن تتقدم هذه الأمة خطوات وخطوات إلى الأمام.
والله هو المسؤول أن ينعم علينا بالتوفيق، وأن يحفظنا من كل سوء، وأن ينهض بنا من هذه العثرة، وينتشلنا من هذا الضياع، إنه تعالى على كل شي قدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________
(1) العنكبوت: 69.
(1/17)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *