الأسئلة والأجوبة النثرية نثر فتاوي السيابي للبكري - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

الأسئلة والأجوبة النثرية نثر فتاوي السيابي للبكري

 





الكتاب : الأدلة في دحض ما نسب إلى الأباضية لبدر اليحمدي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
الأدلة في دحض ما نسب إلى الأباضية
بدر بن هلال بن حمود اليحمدي
المصدر: الندوة نت
إن هذا البحث الذي يراه القارئ بين يديه ، هو في الحقيقة وليد سبب اضطرني إلى ، فهو لم يكن في الحسبان ، ولم أكن أفكر فيه من قبل ، ذلك لأنه ليس بحثا اختياريا انتقيته من بين مواضيع لعلم ، وإنما هو بحث اضطراري دفعني إلية الواجب الذي يفرض علي كل مسلم أن يبين الحق ، ويرد شبة
الذي يحاولون تشويه الحقائق ويصرفون الناس عن الاتجاه إليها،وعمن يتمسك بها، فإن هذا الموقف يحتم على كل أحد أن يجند نفسة ويشد عزيمته مستخدما ما آتاه الله من المنح ــــ وإن كانت ضعيفة
في سبيل إظهار الحق وبيانه للناس ،ولا يتواهن في هذا ،لأن في التواهن مدعاة لنشر الباطل من قبل أتباعه مما يؤدى في النهاية إلى طمس الحقائق بسبب هذا التواهن.
ولكي لا استطرد في هذا الاتجاه أريد أن أبين هذا السبب الذي دعاني إلى كتابة هذا البحث ،فهو سبب يستحق أن يكتب من أجله صفحات و صفحات من الحجج والبراهين لرد الافتراءات التي قيلت
عن الاباضية ، وهي ليست من الحقيقة في شيء.
ذلكم السبب: هو أنني اطلعت في أحد الأيام على أحد الكتب الفقهية التي كتبت حديثا، والذي يعده البعض مرجعا من مراجع الفقه الإسلامي،هذا الكتاب هو كتاب ((الفقه الإسلامي وأدلته)) تأليف الدكتور وهبة الزحيلي ، وهو كتاب يتألف من ثمانية أجزاء كبيرة ، وبدأت أول اطلاعي عليه بقراءة
المقدمة التي تعد مفتاح للكتاب ،ومبينة لمنهج وطريقة مؤلفه ، وقد وجدت فيها في البداية ما يدعوني إلى ما يقوله المؤلف ، وإلى ما ينقله عن الكتب الأخرى ومذاهبها . ولكنني فوجئت ـــ بنص تكلم عن الاباضية كلاما مختلفا، ليس له من الواقع ولا من الصحة مكان أبدا.
(1/1)
ودهشت بهذا الكلام الذي يناقض النهج الذي وعد المؤلف أن يلتزمه ، ويهدم القاعدة التي أسسها عليها دعائم الكتاب ، مما دعاني إلي الاستغراب والتعجب ، واحذ دافع الغيرة على الحق يدب في قلبي وعقلي ، لأن هذا بهتان عظيم يلصق بجماعة مسلمة فيظهرها بمظهر مخالفة السنة النبوية وإجماع المسلمين في مسائل فقهية ليست محلا للخلاف ، فتأثرت وأخذت أفكر في الموضوع
حتى أشير إلي بأن أرد على هذه التهم ، فوجدتني لا مناص لي عن الأخذ بالمشورة،وحاولت أن أبذل جهدي في سبيل الحصول علي الحجج التي أستطيع بها دفع الشبه التي أضفيت على لحجبها عن الأبصار.
ويعلم الله انه لولا واجب إظهار الحق الذي يدعو إلية الإسلام لما اكترثت بالرد . ولكن ضاعف من اهتمامي بالموضوع غيرتي على ما اشمل علية الكتاب من آيات قرآنية وأحاديث شريفة وأقوال للصحابة والتابعين ، فإن الحق أجل من يلزم مع الباطل في قرن ، والصدق أنزه من أن يصب مع الكذب في وعاء.
ولولا ما أشرت إلية لتغاضيت عن أمر قد يثير القيل بين المسلمين ، ولكن ما هي حيلتي والواجب فوق كل شئ، وثم أقلام محسوبة علي الإسلام تتدفق منها سموم التفرقة بين الأمة .
وألا يجب إيقاف هؤلاء عن هذا النهج الذي اختطوه لأنفسهم بأية طريقة كانت ؟.... بلي ، لابد من ذلك ، وإنني أشد جميع المسلمين أن لا يدعوا لمثل هولاء مجالا لبذر الأحقاد في المجتمع الإسلامي ، لأنهم بتساهلهم معهم يشايعونهم على طريقتهم المؤذية بزيادة التشتت بين الأمة ونمو الظغائن والأحقاد في صدورها ، ولن يكون الربح في النهاية ألا عدوها المتربص بها الدوائر.
والى القارئ الكريم نقلا حرفيا لنص كلام الدكتورالزحيلي الذي ادعى قال في الجزء الأول (29)
تحت عنوان:
المطلب الثاني ــ لمحة موجزة عن فقهاء المذهب :
((
(1/2)
وسأذكر هنا لمحة موجزة عن أئمة المذاهب الكبرى الثمانية لأهل السنة، وأهل الشيعة ، وبعض الخوارج المعتدلة الذين ما يزال أتباعهم موجدين ما عدا الظاهرية الذين فقدوا الأشياع والاتباع .))
ثم اخذ يذكرهم واحدا واحدا مبتدئا بابي حنيفة مؤسس المذهب الحنفي، وتلاه بمالك بن أنس مؤسس المذهب المالكي ، ثم بأحمد بن حنبل الشيباني مؤسس المذهب الحنبلي ، ثم بأبي سليمان دواد بن علي الأصفهاني الظاهر مؤسس المذهب الظاهري ، ثم يزيد بن علي زين العابدين إمام الشيعة الزيدي ، ثم بابي جعفر محمد بن الحسن الصفار مؤسس مذهب الشيعة الأمامية في الفقه ، واخيرا في المرتبة الثانية ذكر عبد الله بن اباض التميمي المتوفى 80 هـ في عهد الخليفة عبدا لملك بن مروان مؤسس
مذهب الاباضيبة .
ثم أردف قائلا عن الاباضية ما نصه :
((والاباضية اكثر فرق الخوارج اعتدالا،أقربهم إلى الجماعة الإسلامية رأيا وتفكيرا ، فهم لا يرون مخالفيهم من المسلمين مشركين ،وانما كفار نعمة ، ويحرمون دماء مخالفيهم في السر لا في العلانية
ودارهم دار توحيد ألا معسكر السلطان .ولا يحل من غنائم مخالفيهم إلا الخيل والسلاح ، وكل ما فيه قوة في الحرب ، وتجوز وشهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم.
ولا تزال هذه الفرقة قائمة في بلاد طرابلس الغرب وفي زنجبار و عمان ، ويسمون من اجل خروجهم على إجماع المسلمين ( الخوامس ) لخروجهم عن المذاهب الأربعة .
وعمدة كتبهم في الفقه ((شرح النيل وشفاء العليل )) للشيخ محمد بن يوسف اطفيش، في عشرة مجلدات,المطبعة السلفية بمصر 1343هـ.
ومصادر فقههم : القران والسنة والإجماع والقياس ألا إن المراد بالإجماع عندهم هو إجماع طائفتهم،
ولا يأخذون بالسنة المعارضة للقران .
ومن مخالفيهم الفقهية : إنكارهم حد الرجم للزاني المحصن ، لانه يتبض بالنسبة للعبيد ،ولانهم لا يأخذون بفعل الرسول صلى الله علية وسلم لمعارضته القران الأمر فقط بجلد الزناة.
(1/3)
وقولهم بجواز الوصية للوارث عملا بآية (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خير الوصية للوالدين والاقربين) [1]
والوالدان وارثان علي كل حال ,لا يحجبهما أحد عن الميراث . وقولهم بجواز الجمع بين المرأة وعمتها لعدم ذكره في القرآن . وبأن المحرم من الرضاع هو الأم والأخت فقط لأنه المذكور في القرآن , ويقولون بتخليد العصاة في النار لأن لأيمان عندهم قول وعمل . وهم الآن يرفضون تسميتهم
بالخوارج ))(2 )....انتهى كلامه.
هذا النص ما إلا مزج بين الحق والباطل , وهو في أغلبة أفك وافتراء لا يرضاه الله ولا رسوله أبدا.
وكان يجب علي هذا الدكتور أن يربأ بنفسه عن الانزلاق في هذا الاتجاه الذي يؤدى ألي تمزيق الأمة المسلمة ,والتحزبات بين المسلمين ,وهذا هو مطلوب أعداء الإسلام .
وأنني لأتعجب من هذا الدكتور كيف ارتضي لنفسه إن يضمن هذا الكتاب الذي تناول فيه موضوع الفقه الإسلامي الذي يجب أن يؤخذ بكل صدق وتحقيق , كيف ارتضى لنفسه أن يضمنه هذه الأكاذيب التي تتهم طائفة من المؤمنين بأشياء لا يرضاها الله ولا رسوله . مع أنهم يتبرأ ون من كل ذلك ؟
ولكن التعجب عندما يصل الإنسان ألي الحقيقة وهى أن الحق لابد له من أن يصطدم بالباطل وان يلاقى من قبل أصحاب الأهواء مقاومة عنيفة , وماء علية ألان يثبت أمامها ويواجه جميع التحديات بكل قوة وعزم مظهرا الحجة التي تدمغ كل شبهة فما يملك الباطل ألان ينهد أمام صدعة الحق لا تبقى له من باقية .(وقل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زوهوقا) (3)
وما أدل علي ذلك من سيرة الرسول علية الصلاة السلام التي تخبرنا عما عاناه من محن وما الصق به من افتراءات , فثبت وصبر وجاهد في الله حق جهاده من حتى نصره الله , واعزه بدولة الإسلام وأظهر الحق و كبت الذين كانوا يناوثون الإسلام و أهله, وتفتحت عقول الناس للحقيقة التي ليس فيها مراء ولا ريب.
(1/4)
وهكذا شأن كل دعوة صادقة , وكل حقيقة ثابتة لابد أن تواجه لفترة من الزمان , بل في كل وقت من الآويات ما يحاول أن يشل حركتها , ويشوه جوهرها , وليس أمامها حل سوى أن تنافح عن نفسها , وتدحض شبه المغرضين بالبراهين القاطعة وألا لهوت أمام أي تيار مواجه لها ولو بلغ من الضعف غايته .
كما أن الحق لابد أن ينصره الله ويظهره , ويدمغ به الباطل ويزهقه (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق )(1)
ولابد أن يهيئ له الأجيال القادرة المتفتحة بعقولها لكي تعرفة أولا , وثم لتنشره ثانيا بين جميع البشرية .
وأنني لأهيب بهذا الدكتور وبغيره ممن يسيرون على نهجه أن لا يسلكوا هذا المسلك الذي يتجاهل الحقيقة ولا يريد صاحبة أن يكلف نفسه عناء البحث عنها , بل يغمض عينية عن معرفتها , كما أهيب به أن يسارع إلي إلغاء هذا الكلام من كتابه لأنه هذا الجيل الناشئ هو جيل الشباب الباحث عن الحقيقة الذي لا يرضى أن يقلد التقليد الأعمى ولا يندفع وراء تيار التعصب والأهواء ,وكذلك شان الأجيال القادمة إن شاء الله .
فكيف تكون قيمة كتاب هذا الدكتور والكتب المماثلة له عندما يجد الباحثون عن الحقيقة المطلعون على الإباضية أن فيها خلاف ما يقال عنهم ويفترى عليهم ؟...لا ريب أنة سينزرع في نفوسهم الشك في معلومات هذا الكتاب ,كما ينزعون من أنفسهم الثقة العلمية بمؤلفه في سائر مؤلفاته ,وكذلك
شأن أي مؤلف يسلك سبيل الراحة في البحث وعدم الاجتهاد في طلب الحقيقة ممن ليس لهم هم سوى تجميع الآراء والأقوال ,وشحن صفحات الكتب ليقال عنهم أنهم ألفوا المجلدات الكثيرة ,وأعدوا البحوث والمقالات.
(1/5)
وكذلك كان يجب على أي باحث أن لا يقول ما لا يعلم , وإذا أراد أن يتحدث بقولة فعلية أن يفتح عينية , ويشمر عن ساعديه , ويسهر الليالي في سبيل الحصول على النتيجة الصائبة التي يرتاح إليها في النهاية , ويرضى عنها جميع الناس لما تنطوي علية من أدلة واضحة وحجج مقنعة لا يمكن ردها ,وأن لا يكون هدفه ناتج عن هوى أو غاية شخصية ليرضى بها مجموعة من الناس ,بل يكون هدفه إرضاء الله أولا ,ثم إظهار الحق ثانيا.
وقبل أن ا تعرض للرد على كل قضية أوردها الدكتور , أود أن نقف معا على بعض الأخطاء التي وقع فيها والتي كان يجب أن يلاحظها , ويحرص على تجنبها , لكي لا يقع في التناقض , ومن هذه الأخطاء:
أولا:مناقضة المؤلف لما قاله في مقدمة كتابه , في معرض حديثه عن بيان منهجه في تأليف كتابه هذا,وأورد لك نص قولة لكي تحكم بنفسك على تناقض هذا الدكتور مع نفسه لأنه وقد وضع لنفسه خطة لم يتبعها وقال كلام لم يطبقه , وقد قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون.2. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(2)
وإليك نص قوله: (( وهو ليس كتابا مذهبيا محدودا،وإنما هو فقه مقارن بين المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية و الشافعية و الحنابلة) وبعض المذاهب الأخرى أحيانا,
بالاعتماد الدقيق في تحقيق كل مذهب على مؤلفاته الموثوقة لدية ,والإحالة على المصادر المعتمدة عند أتباعه , لأن نقل حكم في مذهب من كتب المذاهب الأخرى لا يخلو من الوقوع في غلط في بيان الرأي الراجح المقرر , وقد عثرت على أمثلة كثيرة من هذا النوع آثرت عدم الإشارة إليها, حرصا على الموضوعية والإيجابية فيما يقرره ,وبعدا عن المغالاة في تقديس كل جزئيات الكتب الفقهية ))(1) .... انتهى كلامه.
(1/6)
لا شك أن القارئ عندما يجد مثل هذا الكلام في البداية يحصل في نفسه شئ من الطمأنينة إلى آراء الكاتب , ولكن للأسف الشديد أن هذه الطمأنينة لا تلبث أن تزول بسرعة عندما يواصل قراءة هذه المقدمة فيجد التناقض قريبا منه , ويدخله الشك في معلومات الكتاب , لأنه لم يجد ما كان قراه حقيقة كتابه .
وسرعان ما يرى القارئ نقيض هذا القول عندما يواجه بافتراءات ليست لها حقيقة , ألصقت بفرقة مسلمة مؤمنة بالله ورسوله وجميع أركان الإيمان , وتنتهج نهج الرسول علية الصلاة والسلام ,وتأخذ في فقهها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس .
فأين الموضوعية وأين الإيجابية التي ادعاها , وما هي المؤلفات الموثوقة والمصادر المعتمدة عند اتباع المذهب الإباضي التي رجع إليها هذا الدكتور فنقل عنها هذه المعلومات , وأين البعد عن التفسيرات الفجة والعصبيات المذهبية الضيقة . وأين التنزه الذي ادعاه عن المغالاة في تقديس كل جزئيات الكتب الفقهية التي نقل عنها...؟!
أسئلة وجيهة تطرح على الدكتور ,أظنه يعثر على جواب يكافئها ,إلا أن يقول : أنني قد
أحسنت الظن نقلت عنهم ولم أحسب أنهم لم يدققوا فيما قالوا !
وإنه ليبدو جوابا مقنعا لمن ليس له قلب ,ولكنة في الحقيقة لا يستطيع الثبات أمام ثلاث حجج ينبغي ملاحظتها:
(الأولى): ألم يكن جديرا بالدكتور وقد بلغ من درجة البحث ما بلغ , ولا ريب أنه تولى مناقشة رسائل في الماجستير وغيرها.
وكثيرا ما أحرج الطلام بأسئلته لعدم موضوعيتهم ,ألم يكن جدير به أن يتحقق من هذا الكلام الذي نقلة والذي ينافي الموضوعية الحقة , وينافي طريقة البحث العلمي ؟
ثم ما هي حيلته عندما يلاحظه طلابه أنه لا يلتزم بهذه الموضوعية التي طالما ناشدهم بها؟
(
(1/7)
الثانية): إن نقل هذا الدكتور لهذا الكلام دون أن يعلق عليه بما يدل على رفضه له , لهو دليل على تبنيه هذا الآراء المزيفة , وأنه يعتقد صحتها فيمن اتهموا بها , ولما تبين عدم صحتها تبين عدم صحة نهج الدكتور فيما زعم ,فهو يتحمل مسئولية هذا التبنى عند الله سبحانه وتعالى وكفى بالله حسيبا.
(الثالثة):إذا نقل إحسان الظن فيمن ينقل عنهم عذرا للناقل عما قالوه في كل شئ ,فإن هذا يؤدى ألي عدم التشجيع على العلم الحقيقي القائم على البحث الدقيق في المسائل , والذي إلى التوصل ألي نظريات و حقائق لم تكن معروفة من قبل عند الناس.
وإذا إحساس الظن في كل شئ ـ خصوصا في مثل هذه الافتراءات خطأ كبير قد وقع فيه كثير من السابقين وليس أقل منهم في المحدثين ذلك أن كل واحد ينقل عمن أحسن الظن فيه , وهذا الثاني قد نقل عن غيره وهكذا , والعبارات والنظريات التي لا تقوم على أساس , وبالتالي يصبح الناس يعتقدون صحتها كأنها حقائق ثابتة لا يشوبها شائب من ريب فيجب التسلم بها .
ولكن العاقل من استخدم فكره في تمحيص الشبه حتى لا يقع في دائرة المغفلين الذين لا يملكون سوى ترديد الكلام بدون وعى ولا فهم , بل يجب عليه أن يفكر ويبحث عن الحقيقة مهما كلفته من العناء.
(1/8)
ثانيا:ـ ألا يكفى هذا الدكتور حرجا أن ينقل ويكتب كل ما قرأ وسمع ،وقد قال عليه السلام ((كفى بالمرء كذا أن يحدث بكل ما سمع))(1) فإنه ليس كل ما يسمع ويقرأ يعد صحيحا , فكثير من الكلام يتناقله الناس وهو معصية من المعاصي , كأن يكون بهتانا أو زورا أو نميمة أو غيبة أو فحشا , حتى وإن كان صحيحا مادام في مضرة بالدين , على المؤمن أن يتورع عن هذا كله, أيرضى هذا الدكتور لنفسه أن يحسب من النقالين لكل ما يسمع؟ فإن كان يرضى بهذا فكفاه زورا وإلا فان كتب الاباضية منذ بداية القرن الثاني وإلى الآن لا تزال بين أيدينا ولا يوجد فيها أي شئ من هذا المفتريات التي لا يراد بها أن ينفر الناس عن مذهب أهل الحق والاستقامة وعن قراءة كتبه .كم أيراد بها أن تزيد من التباعد بين فرق المسلمين في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى الاتحاد أمام أعداء الله من المشركين والملحدين واليهود والنصارى الذين لا يفتأون يحيكون المؤامرات ليل نهار لهدم صرح هذا الدين الحنيف , فمن يرضى أن يكون عونا لأعداء الله شفى تفكيك أمة محمد صلى الله علية وسلم ؟!.
(1/9)
وألان لنتجه إلى هذا الافتراءات التي قيلت عن الاباضية في كتاب الدكتور الزحيلى ,لنبدا في الرد عليها واحدة بعد أخرى ,لنبين الحق ونرده إلية , وليعلم ما علية الاباضية منذ تأسس مذهبهم في القرن الأول وعلى الآن ,وحتى يعرف كل أحد من المسلمين أن ما قيل في حق هذا المذهب أو نسب أليه لم يختلق إلا لأجل طمس الحقائق الواضحة ,ولأجل تشكيل الناس في المذهب الإباضي وفى فقهه لئلا يطلعون على مؤلفاته ومصادره الرئيسية التي ينبغي الرجوع إليها , بل يكتفون بماء يقال عنهم في كتب المذاهب الأخرى ,وهذه هي طريقة الضعيف الذي يشعر بعدم استطاعته لمواجهة الحق لأنه يخاف أن لو اطلع كتب الاباضية الفقهية وغير الفقهية وغير, سواء القديمة او الحديثة لوجد فيها والتأثر به , وهو لا يريد أن يأخذ به ويترك الافتراءات العصبية التى توافق رغبات النفس وأهواءها , ونحن نعرف صعوبة ترك هذه الأهواء على النفس البشرية ما لم تكن الطاقة الإيمانية تسيطر عليها.
فمثلا نجد هذا الدكتور يذكر أن من أمهات الكتب عند الإباضية كتاب ((شرح النيل))
للشيخ محمد بن يوسف اطفيش , وهو يدل أنه على علم به , فما الذي منعة من أن يطلع علية لير ما نسب ألي الاباضية هل هو صدق أو زور؟
لا شك أنه لم يكلف نفسه مشقة الاطلاع على الحق ولم يرد أن يخالفهم أو يكون عقله مسئول عن التحكم على عاطفته , و لا أظنه نقل شيئا من الأقوال الفقهية الاباضية في كتابة كما زعم , فكان من الأحرى له عدم ذكر المذهب الاباضي أصلا في كتابة , لما كان هذا هو الأحرى و الأفضل اتضح السبب الذي دفعه إلى ذكره. وهو سبب ناتج عن مرضى نفسي وهو التعصب وإن واراه تحت ستار التوسع في البحث الفقهي فدس السم في الدسم .
(1/10)
فهو ذكر المذهب الاباضى ليقال إنه اعتد به وذكره في المذاهب الإسلامية الكبيرة الباقية , وإنه أورد أقوالا عنه في كتابه , ولكن المذهب الاباضى وأتباعه غنى عن مثل هذا الاعتداد , وغنى عن مثل هذا الذكر , وهذه المواربة لا يمكن أن تخفى على ذي البصيرة أبدا. وقد كان من الأفضل للدكتور الزحيلي أن يكون متجها في الطريق الصحيح الصريح الذي ليس فيه اعوجاج.
وقبل أن نبدأ في تناول كل قضية على حدة , نود أن نستعرض جميع هذه القضايا بصورة مجملة , حتى يكون القارئ على بينة منها , فهي وأن كانت مذكورة فى نص الدكتور, إلا أن هناك من لا يعرفها بل يعرف بعضها, وقد يظن أن البعض الآخر هو صحيح ثابت عن الاباضية , فلهذا أحببت أن أعرضها بالترتيب , ثم نبدأ فى تخريجها واحدة بعد أخرى.
وإليكها كالتالي:ـ
1ـ ذكر الدكتور في بداية حديثه أن مؤسس المذهب الإباضى هو عبد الله بن إباض التميمى ,مع العلم أن المؤسس الحقيقي للمذهب هو الأمام التابعي الكبير جابر بن زيد الأزدي , وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله .
2ـأنه اعتبر الاباضية فرقة من الخوارج , مع أن هناك فروقا واضحة بينهم وبين الخوارج , في النهج والمبادئ , وسنبين هذه الفروق.
3ـ قال عن الاباضية إنهم يجعلون المخالفين كفار نعمة, وأنهم يحرمون داءهم في السر لا في العلانية , والاباضية يحرمون دماء مخالفيهم في السر والعلانية ماداموا موحدين غير مقارفين لما يوجب حكما بالقتل ولا فارق في ذلك بين إباضى وغيره.
4ـ ذكر أن الاباضية يعتبرون دارهم دار توحيد إلا معسكر السلطان و الحقيقة أن الاباضية يعتبرون معسكر السلطان العادل المستقيم معسكر إيمان وأما معسكر السلطان الظالم فهو عندهم معسكر بغي ,و لا ينفون عنه صفة التوحيد , فلا يقولون انه ليس معسكر توحيد .
(1/11)
5ـ اختلق على الاباضية قولا بأنه لا يحل من غنائم مخالفيهم إلا الخيل و السلاح وكل ما فيه قوة في الحروب , والاباضية لا يقولون بهذا , بل يقولون لا يحل من غنائم المخالفين شئ أبدا.
6ـ أظهر لقبا جديدا للاباضية لم نكن نسمع به من قبل فقال : أن الإباضية يسمون من أجل خروجهم على إجماع المسلمين (بالخوامس) لخروجهم عن المذاهب الأربعة.
7ـ زعم أن الإجماع المقصود عند الاباضية هو إجماع طائفتهم فقط وهذا غير صحيح لأن الاباضية يقصدون بالإجماع إجماع الأمة كلها , و لا يحصرونه في طائفتهم.
8ـ أورد عبارة مجملة عن الإباضية , وهى ((أن الإباضية لا يأخذون بالسنة المعارضة للقرآن)) ولم يفصل القول في المسالة , بل تركها سائبة تمهيدا لأمور أخرى , ولكن التفصيل أتى من غيره بحمد الله.
9ـ نسب إليهم أنهم ينكرون حد الرجم للزاني المحصن وأورد شبهات من عنده , زعما أن الإباضية يحتجون بها , وهذا منكر من القول والإباضية منه براء , فهم يحكمون على الزاني المحصن بالرجم كما سيأتي .
10ـ قال عنهم أنهم يجوزون الوصية للوارث عملا بآية {الوصية للوالدين } وهم لا يقولون بهذا(لا وصية لوارث)كما جاء في الحديث , سنذكر أقوال علماء المذهب عندما نأتي إلى دراسة الموضوع.
11ـ أتى ببهتان عظيم حينما قال إن الاباضية يجوزون الجمع بين المرأة وعمتها وأدلى بشبهة من عنده على لسان الاباضية , وهى عدم ذكر التحريم في القرآن وسيأتي الرد علية إن شاء الله.
12ـ ومن الافتراءات البينه ما نسبه إلى الاباضية ((أن المحرم من الرضاع هو الأم ولأخت فقط, لأنه المذكر علية في القرآن ))و الاباضية بحمد الله بما آتاهم الله من العلم يعلمون أنه (( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )) ولا يقولون بخلافه كما سيأتي.
(1/12)
13ـ أما قوله أن الاباضية يقولون بتخليد العصاة في النار , فهذا لا ننكره , ولكن العصاة المعنيين هم الذين ماتوا على غير توبة من معاصيهم الكبيرة , ولهذا القول أدلة من الكتاب والسنة إن شاء الله .
1ـ مسألة مؤسس الذهب الاباضي
علمنا مسبقا أن الدكتور ذكر أن مؤسس مذهب الاباضية هو عبد الله بن إباض ,وهذه المقولة تدل حسب الظاهر على الجهل بالحقيقة أن لم نقل على تجاهلها.
فمسألة نسبة الاباضية ألي عبد الله بن إباض , هى مسالة واضحة بالنسبة للاباضية , لا يعتورها شئ من الغموض . ذلك لأن هذه النسبة لم تكن من أنفسهم , وإنما هي مستحدثة, أطلقها عليهم المخالفين , لما رأوا عبد الله بن إباض التميمي ينافح عنهم بحججه , فكان هو لسان المذهب أمام الناس , فظنه كثير منهم أنه هو المؤسس الحقيقي لهذه الحركة .
والحقيقة التي يعلمها الآباضية منذ البداية أن المؤسس الحقيقي لمذهبهم هو التابعي الكبير والمحدث الشهير جابر بن زيد الأزدي ((رضى الله عنة )) الذي كان يقول عن نفسه (أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر) أي عبد الله بن عباس.
وقد كان طلبه للعلم متجها إلى النبع الأصيل الذي يتحتم الرجوع إلية ,وهو منهل الصحابة الكرام. فمن أهم علماء الصحابة الذين أخذ عنهم الإمام جابر : عبد الله بن عباس , وعبد الله بن عمر , وعبد الله بن مسعود , وأنس بن مالك وغيرهم , إلا أنه
كان أكثر ملازمة لعبد الله بن عباس من غيره , وكان من أنجب تلاميذه.
(1/13)
وكان عبد الله بن عباس يقول عنه ((لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علمان عما في كتاب الله )), وفي رواية أخرى أنه كان يحيل سائليه إلى تلميذه جابر ويقول : اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه , وعندما كان يسأله أناس من البصرة كان يبادرهم ويقول : كيف تسألوني وفيكم جابر بن زيد (أو أبو الشعثاء ) . وقد وصفه عبد الله بن عمر بن الخطاب بأنه من فقهاء أهل البصرة البارزين .
بينما قال عنه قتادة بن دعامة السدوسي بأنه عالم العرب وأعلم أهل الأرض
وقال عنه عمرو بن دينار: ما رأيت أحد أعلم بالفتيا من جابر بن زيد , أما إياس بن معاوية قاضي البصرة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز فكان يقول :أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان , أما الحسن البصري فيثني على جابر وعلمه الغزير ويصفه بالفقيه العالم (1)
ولهذه المكانة جعله أتباعه إمام لهم , ومنظما لحركتهم , وقد اقتضت السرية في وقته أن يظهر بشكل بارز كمؤسس لهذا المذهب لئلا يبطش به الأمويون , خوفا من القضاء على الدعوة في مهدها , ولذلك أقاموا عبد الله بن إباض نبيا للناس المبادئ السمحة لهذى الدعوة, حتى لا يفهمها الناس على غير حقيقتها , ولكن الناس فهموا أن عبد الله هو رئس هذه المجموعة وقائدها , لذلك نسبوها إلية , وأطلقوا عليها هذا الاسم الذي نعرفه اليوم أما الاباضية أنفسهم فقد كانوا يسمون أنفسهم بأهل الدعوة أو الشراة المسلمين , وقد ظهرت هذه التسمية عند الاباضية في وقت متأخر من نشأتهم , فقبلوها لأنهم لم يروا فيها ما يشينهم.
(1/14)
أما قضية المؤسس فهي معروفه من قبل عند الاباضية ولذلك يقول العلامة الرقيشي :(وقد بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير رحمه الله وغير من أئمة المسلمين لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم جابر بن زيد العماني ومشورته , ويحبون ستره عن الحرب لئلا تموت دعوتهم ليكن رداء لهم )). كما يقول الشيخ قاسم بن سعيد الشماخي رحمه الله :(كان ابن إباض) المجاهد علنا , المناضل علنا في سبيل تحقيق الحقائق , وتصحيح قضايا العقول , فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من الزور والافتراء في شريعة ربنا,وكان شديدا في الله تعالى , وله مناظرات مع أهل التلطس والتفلسف.كان الحجة الدامغة التي يخنس أمامها كل ثرثار,وله كلام مع عبد الملك بن مروان يضم نفس كل جائر جبار تغلب على المسلمين ,أصحابه الذين يقولون بقوله الاباضية , وتسمى المذهب باسمه على هذا المعنى وانما كان الإمام القائد , والوسيلة الراشد , أس المذهب وحاميه مرجع الفضل في تدينه وتشييد مبانيه,إنما كان جابر بن زيد رضى الله عنه (2)
وقد عبر عن هذا الموضوع بدقة العلامة السالمي(3) في منظومته (كشف الحقيقة ) فقال:
فما الإباضيون إلا علما الخلفاء الحق منا فاعلما
أن المخالفين قد سمونا بذاك غير أنا رضينا
وأصله أن فتى اباض كان محاميا لنا وماض
مدافعا أعداءنا بالحجة وحاميا إخواننا بالشوكة
قد كان في المنعة من عشيرته ولا يطاق بأسه لسطوته
فأظهر الحق على رغم العدى والكل من أعدائه قد شهدا
قد كان في أيام عبد الملك مع شدة الأمر وضيق المسلك
ناقشه وبين الصوابا ولم يكن لباسه قد هابا
وكان لا يدعوه إلا باسمه تعززا بحقه وعلميه
فصار معرفا مع الجميع لما حوى من شرف رفيع
ونسبوا من كان في طريقته أليه لاشتهار حسن سيرته
ونحن الأولون لم يشرع لنا نجل إباض مذهبا يحملنا
من ذاك لا تلقى له في المذهب مسالة نرسمها في الكتب
(1/15)
من المناسب أيضا في هذا الموضوع أن أنقل إليك أخي القارئ بعض العبارات التي قالها بعض الباحثين الذين قاموا بدراسات وبحوث عن مذهب الإباضية , حتى وجدوا ضالتهم المنشودة التي تمثلت في الحقيقة الصائبة والتي توافق ما عند الاباضية حول هذا الموضوع , ومن بين هولاء الدكتور عوض محمد خليفات , والأستاذ مهدي طالب هاشم , فقد قام الأول بدراسة عن المذهب الاباضي وضمنها بين دفتي كتاب سماه ((نشأة الحركة الاباضية )),وقام الثاني بدراسة عن المذهب وجعلها في كتاب سماه ((الحركة الاباضية في المشرق العربي)), لذلك رأيت من المستحسن أن أنقل إليك هذه العبارات الكاشفة عن الحقيقة التي توصلا إليها بعد الدراسة والتأكد, فهما أقوى حجة لأنهما ينتميان ألي المذهب الاباضية , ولكن ما منعهما ذلك عن إظهار الحقيقة , لما رأياها واضحة , فأظهراها على الملأ , ولم تغلبهما العاطفية المذهبية على ذلك بل تجردا من الهواء والنزعات المعاكسة.
فنجد الدكتور يقول(إن جابرا كان الأمام الروحي وفقيه الأباضية ومفتيهم, وكان بالفعل هو الشخص الذي بلور الفكر الاباضي بحيث أصبح متميزا عن غيره من المذهب الإسلامية , وكان ابن اباض المسؤول عن الدعوة والدعاة في شتى الأقطار)(1)
ثم قال عن الأمام جابر(وقد اكتسب ثقة أقرانه لعلمه ودينة و فكانوا لا يصدرون في شيء إلا بعد مشورته , ولكن ذلك قد خفي على مخالفيهم ولم يعرفوا له هذا الدور , ولذا نسبوا الفرقة ألي ابن اباض , وهو الشخص الذي قدموه ليناظر أعداءهم ويتكلم باسمهم علنا , وكان بذلك هو المعروف لدى عامة الناس , فغلب اسمه على من اتفق معه في الرأي,كما أن مراسلاته مع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قد أقنعت كثيرا من معاصريه بأنه هو أمام الإباضية ومؤسسها )(2) فهذا الكلام نجده يطابق ما قرره العلامة السالمي رحمة الله في منظومته السالفة الذكر.
(1/16)
ثم نجد الدكتور خليفات يقول في موضع آخر :(وإذا تفحص الباحث المصادر الإباضية الأولى فإنه لا يجد فيها هذا الاسم , أي الاباضية , بل غالبا ما يجد لفظ جماعية المسلمين أو أهل الدعوة للتدليل على أتباع الفرقة , وإذا رجعنا إلى هذه المؤلفات التي كتبها أئمة الإباضية مثل مدونة أبي غانم الخراساني , وكتاب الزكاة الأبي عبيدة, والآثار الأخرى الباقية المنسوبة إلى جابر بن زيد , فإننا لا نعثر فيها على كلمة إباضية
ولكن يبدو انهم مع مرور الزمن وإصرار مخالفيهم على كلمة تسميتهم بهذا الاسم قد قبلوا به و خاصة أنهم لم يجدوا فيه ما يؤذيهم أو يسيء إلى سمعتهم . وقد ظهر الأول مرة في المؤلفات الأباضية المغربية في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري)(3)
ولما ذكر جملة من المعلومات الموثوقة حول شخصية عبد الله إباض نجده يقول في المعلومة رقم(8): ((إن المصادر الإباضية تجمع عبد الله إباض لم يكن إمامهم الحقيقي ومؤسس دعوتهم إن كان من علمائهم ورجالهم البارزين في التقوى والصلاح ))(4)
ثم ذكر أن المؤسس الحقيقي هو الإمام جابر بن زيد ولم يكن ابن اباض إلا واحد من أتباع فرقته , ولم يصدر في شيء من أفعاله وأقواله إلا بأمر ذلك الإمام وإرشاده))(1)
وفي موضع آخر نجده يقول عن الاباضية انهم (( اتفقوا على أن يتولى جابر ابن زيد أمرهم وتنظيم دعوتهم منذ المراحل الأولى لتطور الدعوة في البصرة أيمانا منهم بذكائه واعتمادا منهم على اطلاعه الواسع وتحصيله العميق في العلوم الدينية و خاصة ما يتعلق بالتفسير وعلم الحديث ))(2)
ويقول معللا ظهور ابن اباض على الساحة كان ((الاباضية يقدمون أحد أعلامهم لينطق باسمهم ويناظر أعداءهم وكان يختار عادة من ذوي العلم والمنطق والحجة , ممن لهم عصبية حتى لا يبطش به الولاة , وكان ابن اباض أحد هؤلاء المقدمين ولذلك ظن معاصروه انه زعيم الاباضية وأمامهم )) (3)
(1/17)
وننتقل ألي الأستاذ مهدي طالب هاشم لنرى إلى ماذا توصل ؟ لقد قرر هذا الباحث الحقيقة التي لا تحتمل النقاش فقال في كتابه الآنف الذكر تحت عنوان : بداية التنظيمات السرية في البصرة: بعدما تحدث عن سرية الاباضية (وبهذا يكون الأمام جابر بن زيد واضعا للأسس التنظيمية للدعوة)(4) ثم قال ك(و مما يؤكد أن جابر بن زيد كان المسؤول عن التنظيم السري الاباضى النص الذي رواه أبو سفيان عندما اعتقل أحد مشايخ الدعوة الاباضية المسمى أبو سفيان قنبر ( وكان شيخا كبير أخذ وجلد أربعمائة سوط على أن يدل على أحد من المسلمين فلم يفعل , وقال جابر بن زيد : وكنت قريبا منه , وما كنت أنتظر إلا أن يقول هذا هو فعصمه الله )(5)
وقال في موضع آخر بعدما قام بدراسة كبيرة حول هذا الموضوع نصه :(من هذا العرض , واستقرائنا للنصوص السابقة , ويتضح لنا الدور الكبير الذي قام به جابر بن زيد في مرحلة الكتمان انه المؤسس للنظام السري في الدعوة الاباضية في البصرة في العقد السادس من القرن الأول الهجري )(6)
وأخيرا فهذا الذي سردناه هو لمقتضى الموضوع الذي يحتم ذكر هذه الحقائق لدرء المقولة التي تقول أن مؤسس المذهب الاباضية هو عبد الله ابن إباض , والتي أوردها الدكتور في حديثه عن الاباضية , وإلا فهي معروفة من قبل عند أتباع المذهب ,
وتبينها كثير من الباحثين من غير الاباضية فيما بعد.
وأريد أن أشير إلى أن قول الاباضية بنفي عبد الله بن أباض عن كونه مؤسسا لمذهبهم , لا يعني هذا التقليل من قيمته العلمية أو من صلاحه وتقواه أو ضعفا في قيادته , فهو كما عرفنا اختير لدفاع عن المذهب لما يختص به من المميزات التي أهلته من القيام بهذه المهمة , مما جعلت الآخرين يفهمون أن ه هو المؤسس الحقيقي لهذه الدعوة.
وهو كما علمنا من أكبر أعلام الاباضية وأئمتهم , الذين خملوا لواء الدعوة الإسلامية لنشر المبادئ التي أتى بها الرسول "علية أفضل الصلاة والسلام" .
(1/18)
كما أريد أن أبين أيضا أن عدم وجود أية مسالة فقهية مرسومة في الكتب الاباضية عن ابن اباض لا يدل قط عل عدم فقهه أو على عدم اعتماد الاباضية على آرائه , ولكن مكانته الدعويه استدعت الكثير من الإعمال التي اقتضتها التنظيمات الاباضية في ذلك الوقت , مما أدت ألي عدم وجود الفرصة السانحة له بأن يهتم بمسالة التأليف كثيرا. فجزاه الله خيرا على جهاده وجمعنا وإياه في مستقر رحمته.
2ــ مسألة الفرق بين الاباضية و الخوارج
لقد وقع الدكتور في تيار الذين يزعمون أن الاباضية فرقة من فرق الخوارج حينما قال (و الاباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا) و أسلم نفسه له فجره إلى حيث جرهم , ولم يحاول أن يبدي أية مقاومة ضد هذا التيار الجارف , فشاركهم في خلط الاباضية بالخوارج دون أي مراعاة.
(1/19)
نعم دون مراعاة , فهو لم يراع حتى شعور الاباضية نحو هذا الخلط , بغض النظر عن عدم بحثه عن الحقيقة , أولم يراع حتى شعور الاباضية يرفضون هذا الخلط البغيض؟...بلى لقد علم وصرح بذلك في نهاية كلام حيث قال (وهم الآن يرفضون تسميتهم بالخوارج ) ولكنه أبى إلا الإيذاء والإصرار على التعصب . وزعم أن الإباضية لم يرفضوا هذه التسمية إلا حديثا, ولا شك أن هذا تجاهل للحق , فمتى قبل الاباضية هذا الاقتران الممقوت ؟... والاباضية منذ بداية تأسس مذهبهم لم يكونوا منضمين ألي الخوارج في شيء , ولم نجد أحدا من الاباضية يترضى عنهم أو يؤيد طريقتهم على مر القرون . بل لقد جرت بينهم مناقشات وحروب تدل على عدم الارتباط بهم منذ البداية , وإنما هذه تهمة ألصقت بالأباضية من قبل السياسة الأموية , لكن تنفر الناس عن مذهبهم لما رأوا فيه الحق الذي خافوا منه , فلم يجدوا إلا أن يلصقوهم بالخوارج وتقبل كثير من المتعصبين والعامة أيضا هذا الإلصاق , فأثبتوه في كتبهم مع علمهم بالحقيقة, ولكن الهوى يعمي ويصم , ثم جاء من بعدهم قوم أمثالهم وأخذوا يتناقلون هذا البهتان و يقيدونه في مؤلفاتهم بدون تمحيص أو بحث عن الحقيقة , وهذا هو عين ما وقع فيه الدكتور النبيه من غير أن يشعر قلبه خوفا من يوم يقف فيه بين يدي الله وتوفى كل نفس ما كست .
(1/20)
ومع أني لا أشك في معرفة هؤلاء بما يفرق بين الإباضية والخوارج ــ لولا التعصب المقيت والهوى لاعمى الذي صدهم عن بيان الحق ــ فإني بالخوارج نتأتا , وذلك لكي يبقى مثقال ذرة من شك في قلب أي باحث عن الحقيقة , ولا أتجه بهذه الفروقات قات إلى المستكبرين الذين غطى عليهم الهوى فلم يبصروا للحق شبحا ولم يعرفوا للحقيقة صورة فمثل هؤلاء لا فائدة من إقناعهم , مهما كانت خاطئة , لأنهم ورثوها من آبائهم ويرون واجب المحافظة عليها لزاما على كل فرد منهم . وما أوضح صورة ذلك في شيوخ قريش الذين عارضوا الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام في دعوته , وقد اتبعه الشبان الذين وفقهم الله للهداية وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده , وفي هذا يقول الشاعر : ــ
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
ولكن هذا بالطبع لا ينطبق على الجميع ,فهناك من رحمه الله ودخل الإيمان قلبه , فتفتح للحقيقة الصائبة.
وإنني أحذر كل من أحب لنفسه السلامة من مغبة الوقوع في العناد والإصرار على الباطل , لأن هذا مرتع عواقبه وخيمة , كما ألفت نظره ‘إلى عدم الوقوف في مثل مواقف الكثير من الشيبة الذين لا يرجعون للحق مهما رأوا آلته , بسبب اقتناعهم بفكرتهم الخاطئة .
ولا نبعد كثيرا عن الموضوع , ولنرجع إليه مبينين الفروقات المهمة التي وعدنا بذكرها , حتى يتضح عدم مزج الإباضية بالخوارج الخاطئة .
وفي الكتب الاباضية القديمة والحديثة أخبار وأقوال كثيرة تدل على المفارقات الجمة بين الاباضية والخوارج . زمن أحسن هذه الكتب التي اهتمت بهذا الموضوع كتاب ((الفرق بين الاباضية والخوارج )) للشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش رحمه الله , والذي قدم له الشيخ أحمد بن سعود السيابي , لأن هذا الكتاب جاء موجزا ومفيدا , قد تناول أهم المواقف الاباضية تجاه الخوارج .
وإليكم هذه الفروقات الواضحة نقلا من هذا الكتاب .
(1/21)
يقول السيابي في مقدمته:(قد كثر الخلط والتهريج حول نسبة الاباضية إلى الخوارج , ويظهر التكلف سافرا في جعل الاباضية فرقة من فرق الخوارج ، وإطلاق لفظ الخوارج على الاباضية أهل الحق والاستقامة من الدعايات الفاجرة , التي نشأت عن التعصب السياسي أولا ثم عن المذهبي ثانيا على أنه ليس ثمة علاقة تربط الاباضية بالخوارج (الأزارقة و الصفرية و النجدية ) وغيرها من فرق الخوارج , وإنما هي دعاية استغلتها الدولة لتنفير الناس من الذين ينادون بعدم شرعية الحكم الأموي , كما جعل (أهل النهروان) الذين هم سلف للاباضية وليسوا سلفا للأزارقة والصفرية والنجدية من الخوارج , وهم من صنع الواضعين , من صنيع أرباب الأقلام المغرضين مع أن الخوارج يسيرون في خط معاكس مع الاباضية . يتضح ذلك من خلال المبادئ والأسس التي يقوم عليها مذهب كل من الفريقين . وللإباضية العديد من المواقف ضد الخوارج ) ثم يذكر العديد من المواقف التي لم يتعرض لها الشيخ أبو إسحاق رحمه الله , فرأيت من المناسب أن أجمع الفروقات التي ذكرها كلا من الشيخين بشكل عام موحد , لأنها وردت في كتيب واحد , ثم إن هذا الكتيب لصغره لا يستدعي الإحالة إلى الصفحات لأن القارئ يستطيع أن يقراه كلة في ظرف نصف ساعة على الأكثر, فيخرج منه بحصيلة كبيرة يتبين بها الحق الذي حاول أن يطمسه الكثيرون من متعفنة المذهبية .
وإليك أخي القارئ هذه الموقف والمفارقات:ــــ
أولا: قتال القائد الشهير المهلب بن أبي صفرة لأزدي العماني للخوارج , والمهلب وإن كان مواليا للأمويين ــ وهو بالطبع عمل لم يرضه الإباضية ــ فإن من الثابت تاريخا أن أسرة آل المهلب كانوا إباضية . وكانوا على اتصال وثيق بالإمام جابر بن زيد الأزدي رضي الله عنه , ولم يبذل المهلب في قتال الخوارج والقضاء عليهم إلا لعلمه بعدم العلاقة بينهم والاباضية.
(1/22)
ثانيا: كان الإمام عبد الله بن اباض شديدا الآراء والأفكار التي ينادي بها نافع بن الأزوق , وكان يعلن بطلانها بصراحة تامة , ويحذر منها الناس .
ثالثا: كان المحدث الأمام الحجة الربيع بن حبيب الفراهيدي الإباضي , صاحب المسند الصحيح يبرأ من الخوارج, وكان يقول فيهم ((دعوهم حتى إن تجاوزوه القول إلى الفعل , فإن بقوا على قولهم فخظوهم محمول عليهم وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا فيهم الله ))
رابعا:ــ قتال الأمام الجلندى بن مسعود العماني الإباضي لشيبان الخارجي ــ هو من الصفرية ــ عندما قدم في جيش الى عمان هاربا من السفاح ـ الحاكم العباسي ـ ودارت معركة بين الامام الجلندي وبين شيبا وأصحابه , وأسفرت المعركة عن مقتل شيبان وجنوده .
خامسا :ــ كان البطل المغوار هلال بن عطية الخرساني رحمة الله الذي صار القائد الأول في جيش الامام الجلندي بن مسعود . كان على مذهب الصفرية ثم اعتنق المذهب الاباضي . ولم يقبل منه الإباضية الانضمام إليهم الا بعد أن يرجع الى الذين دعاهم ألي مبادئ الخوارج , ويعلمهم ببطلان تلك المبادئ والآراء التي دعاهم أليها , ثم عاد الى عمان فكان قائدا ووزيرا للامام الشهيد الجلندي بن مسعود رضي الله عنه .
سادسا : ـ أن الاباضية لم يسلمو السيف على احد من أهل التوحيد قط , ولم تقع منهم حرب ضد احد من المسلمين , وإنهما كانت مواقفهم أغلبها دفاعية , أي بقصد دفع الضرر عن انفسهم تجاه أي عدوان يواجههم , فهم لم يبدأوا بقتال قط , كما فعل الخوارج . (( بل سلكو سبيل البيان معرضين عن السنان لأنهم يرون عصمة الدم بالتوحيد لا إله إلا الله وعصمة المال كذلك )) فبان عنهم الخوارج بما ذكرنا , ولم تكن لهم صلة بالاباضية حتى يقال إنهم خوارج.
(1/23)
سابعا:ــ الاباضية يجيزون ألمنا كحة بيتهم وبين سائر الموحدين والخوارج لا يجيزون التناكح مع غيرهم لأنهم يرون سواهم مشركين كمل بينا وعلى هذا لا يجوز أيضا التوارث بينهم وبين من يخالفهم بطبيعة الحال , لان الشرك الذين منع ألمنا كحة والمصاهرة يمنع الموارثة .
ثامنا:ــالاباضية اتجهوا ألي خدمة الإسلام علما وعملا منذ ابتدأت الفتنة , فاشتغلوا بالتدوين فكانوا أول من دون الحديث فأمامنا جابر بن زيد أول من دون الحديث وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه بأنه وقر بعير , ثم تلاميذه من بعده وهم حملة العلم ألي المشرق والمغرب , والخوارج جنحوا ألي إراقة الماء وإخافة السبل وتعطيل الأحكام , ولم يذكر عن أحد من الخوارج ألف كتابا , والذين يذكرون المؤلفات للخوارج إنما يذكرون الاباضية وهم دون شك يريدون بهم التشنيع والتشغيب , أما الصفرية والازارقة والنجدية فلم تذكر لهم رواية ولا تدوين , ولو انفرد نجدة بن عامر برواية حديث ونافع بن الازوق بأسئلة سألها ابن عباس ليس هذا محلها , وأريد أنهم جنحوا ألي الحروب لا ألي التأليف ورواية العلم , وكل من ذكره قومنا (*)من رجال العلم ونسبوه للخوارج ليسوا الإباضية .
تاسعا:ـ أن الخوارج حكموا على مرتكبي الكبائر من المسلمين بالشرك , بينما ال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *