الاقتصاد في تكاليف الزواج لأحمد الخليلي - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

الاقتصاد في تكاليف الزواج لأحمد الخليلي

 





عنوان الكتاب:: الاقتصاد الاسلامي أسس ومبادئ
المؤلف: محمد بن صالح حمدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
الاقتصاد الإسلامي
مبادئ و أسس
الدكتور: محمد صالح حمدي
أستاذ الاقتصاد الإسلامي
كلية العلوم الإسلامية
جامعة باتنة
(1/1)
6
(1/2)
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، و الصلاة و السلام على خير الأنام، محمد الهادي الأمين، الذي بلّغ الرسالة، و أدى الأمانة، و جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، و على آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبع هديه إلى يوم الدين. وبعد:
فهذه الطبعة الثانية من كتابي الذي حمل عنوان "مدخل إلى الاقتصاد الإسلامي"، و الذي كان في أصله مجموعة محاضرات، أُلقيت على طلبة العلوم الإسلامية بجامعة باتنة، في مقياس: "مدخل إلى الاقتصاد الإسلامي" على مدى أكثر من عشر سنوات، و كان إلحاحُ الطلبة بإعطاء خلاصات مكتوبة، وراء ظهور الطبعة الأولى منه، و قد نفدت في مدة قياسية، رغم أنها كانت على عجل، و تحمل في ثناياها أخطاءً مطبعية و لغوية و شكلية، أفرزها طابع العجلة.
لما فكرت في إعادة طبع الكتاب، و بإلحاح من الطلبة مرة أخرى، رأيت تصحيح تلك الأخطاء أولاً، وإضافة بعض الأفكار إليها، و تذييلها بخاتمة. و أخترت له عنوانا آخر: "الاقتصاد الإسلامي، مبادئ و أسس"، لكوْن العنوان الأول يوحي أنه موجه فقط للطلبة في الجامعة، كمِقياس ومادة دراسية، فأردت أن يستفيد منه الجميع: الطلبة و الباحثون، و
(1/3)
رجال الأعمال، و التجار الذين يبتغون الحلال في كسبهم، وكل من يريد أن يطلع على هذا الفرع الهام من العلوم الإسلامية، والذي طالما زهد عنه المسلمون، ظنًّا منهم أن الاقتصاد شأن من شؤون الدنيا، لا علاقة له بالدين.
و الكتاب يضم أربعة مباحث رئيسة؛ يتضمن الأول: مدخلا عاما لمفهوم الاقتصاد، و الدراسات الاقتصادية، و عن ضرورته و علاقته بالعلوم الأخرى، و منهج البحث و شروط الباحث فيه، مستعرضا في نهايته المشكلة الاقتصادية من وجهة نظر الاقتصاد الوضعي و الإسلامي.
أمّا المبحث الثاني فتناول الاقتصاد الجزئي؛ و هو تقسيم أكاديمي، يقصد به الدراسات الجزئية للظواهر الاقتصادية، و يضم أربعة محاور: الإنتاج، و الاستهلاك، و التداول، و التوزيع، محاولا شرح المفاهيم المصطلحية و إبراز وجهة النظر الإسلامية فيها، بالمقارنة أحيانا مع الاقتصاد الوضعي.
أما المبحث الثالث: فيتناول الاقتصاد الكلي، و يُعنى بالقضايا العامة للاقتصاد منها، الدخل القومي، و النقود، مع توسع وتفصيل أكثر في النقود.
وأما المبحث الرابع: فتناول المالية العامة و السياسة الماليةـ وخصصت لها مبحثا مستقلا لأهميتها، متناولا الإيرادات العامة، و النفقات العامة، و بيت المال في المفهوم الإسلامي وما يقابله في الوضعي.
(1/4)
حرصت من خلال هذه الإطلالة على مبادئ الاقتصاد الإسلامي و أسسه، سلْكَ الأسلوبِ البسيط، و اللغة الواضحة، و المنهج الوصفي، المقارن، مبرزا الوجه الشمولي للإسلام في تناول القضايا الاقتصادية، و عمق الفكر الاقتصادي الذي أبدعه المسلمون، مستنيرين بالوحي الإلهي و الشريعة الغراء.
ختاما أتقدم بالثناء الجميل و الشكر الجزيل، لإبنيَّ الباحثين: حمدي صالح بن محمد، و علواني اسماعيل بن ابراهيم، على جهدهما في المراجعة اللغوية و تخريج الأحاديث، والإخراج التقني والشكلي، كما لا أنسى فضل مؤسسة "كتابك" الفتية للنشر و التوزيع، على طبع الكتاب و إخراجه في وجه يليق بأهمية الموضوع.
وصلى الله و سلم على سيدنا محمد الأمين هاتم الأنبياء و المرسلين، و الحمد لله رب العالمين.
القرارة، يوم: الإثنين 19 جمادى الثانية 1437هـ
يوافقه 28 مارس 2016م
(1/5)
مقدمة الطبعة الأولى
إن الدين الإسلامي عقيدة وشريعة ومنهج حياة ارتضاه الله لعباده في هذه الحياة في جميع شؤونها بدون تحيز أو ميل لجانب دون آخر، وهذا ما فهمه المسلمون الأوائل بدءا بالصحابة الكرام الذين نهلوا هذا الفهم من هدي الرسول (صلى الله عليه وسلم) وسيرته الغراء فأسسوا مجتمعا إسلاميا، وحضارة إنسانية راقية، فنعمت البشرية في ظلالها الوافرة بحياة مستقرة، وتقدم بارز في الجانب الروحي والمادي. وقد أصيب المسلمون بالنكسة والجمود لما تخلوا عن رسالة ربهم واقتصروا على النظرة الضيقة للدين وأهملوا الجانب المعيشي، وزهدوا عن اكتشاف سنن الكون وعمارة الأرض، فتقدمت أمم من حولهم لما اقتبسوا وأخذوا منهم المشعل، فتواصلت مسيرة الإنسانية في درب النمو والازدهار، غير أنها أنتجت حضارة عرجاء لما فصلت الدين عن الدنيا فتقدم الإنسان ماديا وانتكس روحيا واجتماعيا، فكانت حضارة مادية خاوية من روح التعبد لله.
إن الجانب الاقتصادي والمادي للإنسان أساس هامّ من رسالة الإنسان في الحياة بخلافته في الأرض وعمارتها، ولا يتأتّى ذلك إلا بمعرفة سنن الكون والطبيعة ودراسة الظواهر الاقتصادية للبشرية في إنتاجه، واستثماره، واستهلاكه، ذلكم هو موضوع علم الاقتصاد -الذي وضع أسسه وقواعده المفكرون والفقهاء والعلماء- القائم على التوحيد الخالص لله
(1/6)
والالتزام بشرعه ونهجه الذي سطره في كتبه المنزلة، وطبقّه الأنبياء والرسل في حياتهم وجسدوه في سيرتهم الغراء، وعلى رأسهم سيد المرسلين محمد بن عبد الله الذي وضع أسس الاقتصاد في الأموال والأسواق والنقود، كما رسم مسؤولية الدولة الاقتصادية، وحثّ الأفراد والمجتمع على الإنتاج وحسن التوزيع، وطوّرها الخلفاء من بعده لما توسعت الدولة وتعدّدت حاجاتها وتنوعت إيراداتها، واعتنى الفقهاء والمفكرون بالجانب الاقتصادي وصنفوا المصنفات الاقتصادية من أمثال الخراج لأبي يوسف، والأموال لأبي عبيد، والكسب لأبي محمد بن الحسن، وغيرهم كثير.
ولإن كان ميلاد الاقتصاد كعلم له قواعده ونظرياته على يد المفكرين الغربيين في القرن الثامن عشر للميلاد، إلا أن الإسلام قد وضع أسس ذلك العلم قبل ذلك بقرون، وتضمنت نصوصه من كتاب وسنة أهم تلك المبادئ، وجسدت الحضارة الإسلامية التي بناها المفكرون والفقهاء والعلماء تلك المبادئ في الواقع، مما يتطلب من المفكرين المعاصرين الغوص في أعماق تلك النصوص واستقراء التاريخ الاقتصادي للمسلمين من أجل صياغة علمٍ للاقتصاد، يستمد أصوله ومبادئه من تلك النصوص، وقد ساهم الكثير ممن آمن بخصوصية الإسلام؛ في البحث والكتابة في سبيل تصور نظرية اقتصادية.
(1/7)
الفصل الأول: مدخل و منهاج
تعريف علم الاقتصاد
الاقتصاد لغة: من القصد وهو التوسط وطلب الأسدِّ، ويقال: هو على قصد، أي رشد، وطريق قصد أي سهل. (1)
ثار جدل واسع حول تحديد مفهوم علم الاقتصاد لدى علماء الاقتصاد، فعرفه البعض بأنه دراسة النشاط الاقتصادي للإنسان بدافع من المصلحة الذاتية المنطوية على الموازنة بين الكسب المادي وبين الخسارة المادية في كل ناحية من نواحي هذا النشاط، وقد أورد الكثير تعريفات مختلفة، فمنهم من قال بأن علم الاقتصاد هو علم الثروة، وقيل: إنه علم المنفعة، وقيل: إنه علم المبادلة. وقد استقر القول على أن علم الاقتصاد هو: ذلك الفرع من العلوم الاجتماعية الذي يتوافر على البحث في تأثير الندرة على سلوك الأفراد والجماعات، حينما تكون هناك حرية الاختيار في تخصيص الموارد النادرة ذات الاستعمالات البديلة بين الأهداف المتعددة. (2)
وفي البداية أطلق المصطلح على طريقة تنظيم شؤون الأسرة وإدارتها، ثم شمل مجموع العلاقات المادية الداخلية والحارجية للأمم.
وقد ساد في المجتمعات البدائية الاقتصاد الطبيعي الذي يهتم بالإشباع المباشر للحاجات، فالإنتاج ضمن هذا الاقتصاد لا يتحول إلى سلعة، وبالتالي فهو ليس بحاجة إلى سوق؛ أي أن المنتج لا ينتج من أجل التبادل بل من أجل الاستهلاك، فهو اقتصاد غير سلعي، ولا تبادلي، ولا نقدي. (3)
الدراسات الاقتصادية، تطورها وأقسامها:
بدأت الدراسات الاقتصادية، وبحث المشاكل المرتبطة بالحياة الاقتصادية منذ وجود الإنسان على هذه الأرض، وقد حفظ لنا التاريخ بعض الأفكار الاقتصادية للحضارات القديمة،
__________
(1): نزيه حماد: معجم المصطلحات، ص: 72.
(2): حسين عمر: موسوعة المصطلحات الاقتصادية، ص: 39.
(3): محمد البشير علية: القاموس الاقتصادي، ص: 59.
(1/8)
المتعلقة بالنقود والأسعار والاحتكار و الربا، وكان أغلب المهتمين من الفلاسفة ورجال الدين والحكماء، فكانوا يدرسون هذه المسائل من وجهة نظر دينية، أو أخلاقية، أو سياسية، وتلا ذلك الاهتمام بمالية الدولة وتنظيم شؤونها، وتدبير الإيرادت لتغطية نفقات الدولة وما يرتبط بها من مؤسسات مالية، فضلا عن التجارة الخارجية وتنظيماتها. إلا أنه لم يكن هناك علم مكتمل متميز، يعرف باسم علم الاقتصاد.
وقد بدأت المحاولات الأولى لنشأة علم الاقتصاد خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي، بما صدر من كتابات كل من الاقتصادي الانجليزي "وليام بيتي" و"كيناي" الفرنسي أحد مؤسسي المدرسة الطبيعية. ويُعد ظهور كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث ـ لدى كثير من الاقتصاديين ـ هو البداية الفعلية لنشأة علم الاقتصاد.
وقد شاع لعلم الاقتصاد في ذلك الوقت مسمى الاقتصاد السياسي لاهتمام الاقتصاديين في ذلك الوقت، بالدراسات الاقتصادية في إطار العوامل السياسية والاجتماعية، ولخدمة أغراض سياسية واجتماعية معينة.
وفي القرن التاسع عشر حاول بعض الاقتصاديين عزل المسائل والقضايا الاقتصادية عن السياسة والاجتماع، وتحقق أيضا الفصل التام بين الاقتصاد من جهة والفلسفة والأخلاق من جهة أخرى، على يد مؤسسي المدرسة الحديثة التي برزت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وما إن أتى القرن العشرون إلا وقد تغلب مفهوم الاقتصاد البحت. (1)
تنقسم الدراسات الاقتصادية إلى قسمين: يتعلق أولهما بعلم الاقتصاد أو النظرية الاقتصادية، والقسم الثاني يختص بالنظام الاقتصادي.
فالنظرية الاقتصادية يقصد بها تلك الدراسة العلمية التي تهدف إلى الكشف عن القوانين والروابط التي تحكم العلاقات والظواهر الاقتصادية المختلفة، والتي تهدف كذلك إلى تحديد التأثير الذي يباشره كل عامل من العوامل التي تبنيها تلك القوانين على العلاقة أو الظاهرة موضوع البحث. ومهمة الاقتصاد في هذا الفرع من الدراسات الاقتصادية لا تخرج عن كشف تلك القوانين، وتحديدها دون أن يصدر أي حكم عليها، من حيث كونها حسنة أو سيئة،
__________
(1): مج أساتذة: مبادئ الاقتصاد الإسلامي، ص: 10.
(1/9)
فدور الاقتصادي هنا كدور عالم الطبيعة والكيمياء، ومن أمثلة التحليل الاقتصادي دراستنا للأثمان وبيان كيف تتحدد، ودراستنا لآثار فرض الضريبة على الاستهلاك مثلا.
أما النظام الاقتصادي أو السياسة الاقتصادية فهو يختلف عن علم الاقتصاد، في كونه لا يمثل دراسة تحليلية، ولا تفسيرا للحياة الاقتصادية، فموضوعه هو دراسة خير السبل والوسائل التي يجب اتباعها للوصول إلى هدف معين أو غاية محددة، ويرتبط بفلسفة ونظرة تجاه قضايا أساسية يختص بالملكية ووسائل التملك والحرية بأنواعها المختلفة، تنطلق من أيديولوجية يتبناها الأفراد والمجتمع، فميزة هذا الفرع من الدراسات هو أنه غائي، أي أنه يرمي إلى تحقيق غاية معينة، ويدرس أحسن الطرق لتحقيق هذا الهدف، ومن أمثلة موضوعاته بحث ما إذا كان يستحسن ترك الحرية الاقتصادية للقطاع الخاص، أم قيام الدولة بالتدخل لتحقيق إشباع الحاجات الإنسانية.
إن التباين بين النظرية الاقتصادية والنظام الاقتصادي لا يعني انفصال قوانين علم الاقتصاد عن النظم الاقتصادية؛ إذ أن القوانين العلمية تفسر الحياة الاقتصادية في المجتمعات ذات النظم المختلفة. لذا فإن بعض هذه القوانين ينطبق على بعض المجتمعات دون الآخر. كقوانين العرض والطلب مثلا، والتي تعمل في إطار حرية السوق، إذ يقتصر عملها على المجتمعات الرأسمالية دون المجتمعات الاشتراكية التي تكاد تنعدم فيها حرية السوق.
علم الاقتصاد له صلات وثيقة بغيره من العلوم الاجتماعية، لكونها جميعا تهتم بدراسة السلوك الإنساني في المجتمع، فهي وثيقة الصلة ومترابطة فيما بينها، فلا يمكن تجاهل أي منها عن دراسة هذا السلوك الإنساني، رغم تخصّص كلٍّ منها في جانب دون الآخر، فلا يمكن دراسة ظاهرة اقتصادية بعيدا عن الآثار النفسية والقانونية والاجتماعية عليها.
كما أن لعلم الاقتصاد صلةً وثيقةً ببعض العلوم الأخرى كالرياضيات والإحصاء، إذ إن الدراسة الاقتصادية المتقدمة تعتمد إلى حد بعيد على الأساليب الرياضية والإحصائية في معالجة الظواهر الاقتصادية.
(1/10)
تعريف علم الاقتصاد الإسلامي:
الاقتصاد عند الفقهاء:
يستعمل الفقهاء كلمة الاقتصاد بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط، حيث إن له طرفين هما ضدان له: تقصير ومجاوزة. فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل بين الطرفين. قال العز بن عبد السلام: الاقتصاد رتبة بين رتبتين ومنزلة بين منزلتين، والمنازل ثلاثة: التقصير فيجلب المصالح، والإسراف في جلبها، والاقتصاد بينهما. (1)
الاقتصاد اصطلاحا:
هناك محاولات عديدة لبعض الكتَّاب في الاقتصاد الإسلامي لوضع تعريف محدد لعلم الاقتصاد الإسلامي، ولا غرابة في هذا التعدد والتباين، فقد عايش الاقتصاد الوضعي لفترة طويلة هذه الحالة، ليس فقط من حيث المفهوم، بل أيضا من حيث المصطلح.
1 - عرفه الأستاذ باقر الصدر بأنه: "الطريقة التي يفضل الإسلام اتباعها في الحياة الاقتصادية" (2) ونلاحظ أنه اعتبره طريقة أو سياسة أو منهجا، مغفلا أن الاقتصاد الإسلامي مذهب أو نظريات وقوانين.
2 - عرفه الدكتور شوقي الفنجري بأنه: "الذي يوجه النشاط الاقتصادي وينظمه وفقا لأصوله وسياسته الاقتصادية" (3) وهو ينحو منحى باقر الصدر في المذهب والمنهج.
3 - عرفه الدكتور أحمد صفي الدين عوض بأنه: "العلم الذي يبحث في طرق الكسب والإنفاق على ضوء الأحكام والآداب التي تضمنتها شريعة الإسلام" (4) ونلاحظ أنه أبرز صفة العلمية.
__________
(1): نزيه: معجم المصطلحات، ص: 72.
(2) محمد باقر الصدر: اقتصادنا، ص:341
(3) محمد شوقي الفنجري: المذهب الاقتصادي في الإسلام، ص:18
(4) أحمد صفي الدين الحلي: أصول الاقتصاد الإسلامي بين النظرية و التطبيق، ص:11
(1/11)
4 - عرفه الدكتور عبد المنعم عفر: "علم الاقتصاد الإسلامي هو العلم بالأصول والمبادئ التي تنظم سلوك المسلم والفعاليات الاقتصادية لسد حاجة المجتمع وفقا لأحكام الإسلام" (1)
5 - عرفه الدكتور حسن الشاذلي بأنه: "العلم الذي يبحث في نشاط الإنسان في المجتمع من حيث حصوله على الأموال والخدمات حسب المنهج الذي رسمته الشريعة الإسلامية للحصول عليها". (2)
وأيا كان التعريف الذي نرتضيه لعلم الاقتصاد الإسلامي فلا بد أن يشتمل على (3):
أ ـ دراسة سلوك الإنسان "المسلم" في حالة تدبير معاشه.
ب ـ الاستعمالات البديلة للموارد المتاحة واستخدامها.
ج ـ مراحل إنتاج الثروة واستهلاكها واستثمارها واستبدالها.
ونلاحظ أن بعض هذه التعريفات التي قدمت ركزت على الجانب المذهبي، والبعض منها نصّ على علمية الاقتصاد الإسلامي.
والتعريف الشامل الذي نختاره هو تعريف الأستاذ حسن غانم:
"العلم الذي يبحث في سلوك الإنسان الفرد والمجموع، في سعيه نحو الوفاء بحاجات التوازن البيولوجي والحضاري باستخدام الموارد المتاحة" (4) في إطار قواعد وأحكام الشريعة الإسلامية. وما يتميّز به هذا التعريف أنه:
1 - يُوسع من مفهوم الموارد ويدخل ضمنها الموارد المتاحة التي تشمل الموارد المحدودة (الموارد النادرة) والموارد الحرة على حد سواء.
2 - حدد الغاية من النشاط الاقتصادي وهي الوفاء بحاجات الإنسان، أي إشباع الرغبات التي تنبثق عن حاجات حقيقية.
__________
(1): محمد عبد المنعم عفر وغيره: مبادئ في الاقتصاد الإسلامي، ص: 26.
(2) شوقي دنيا: النظرية الاقتصادية في الإسلام
(3): محمد عبد المنعم جمال: موسوعة الاقتصاد الإسلامي، ص: 25، دار الكتاب المصري.
(4) حسين غانم: مجلة الاقتصاد الإسلامي، دبي، مج: 5،ص:506
(1/12)
3 - يؤكد التعريف على الجمع بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة معا دون تغليب جانب على آخر من خلال عبارة: "الإنسان الفرد والمجموع"
4 - التأكيد على المصدر الأساس في التصور والتطبيق وهو قواعد وأحكام الشريعة.
هل من حاجة وضرورة إلى الاقتصاد الإسلامي؟
يرى بعض الاقتصاديين أنه ليس هناك حاجة إلى وجود علم للاقتصاد الإسلامي، بل إن الأمر ليصل إلى القول بعدم إمكانية ذلك، فلدينا علم الاقتصاد قائم منذ قرون فلا داعي للبحث وإنفاق الجهد في بديل عنه.
إن وجوه الحاجة إلى علم الاقتصاد متعددة، منها ما يرجع إلى اعتبارات دينية، ومنها ما يرجع إلى اعتبارات علمية، ومنها ما يرجع إلى اعتبارات عملية واقعية. (1)
أ ـ الاعتبارات الدينية:
انطلاقا من أن الدين الإسلامي عقيدة وشريعة ومنهج حياة يشمل كل مناحيها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، وقد سبق لنا أن الاقتصاد هو ذلك الفرع من العلوم الاجتماعية الذي يدرس الظاهرة الاقتصادية في شتى أوجهها: الإنتاج، الاستهلاك، الاستثمار. لذا فالإسلام يصبغ هذا السلوك بصبغته الإيمانية، ويجعله يتحرك في اتجاه هدف الإنسان من هذه الحياة وغايته القصوى، فلا يمكن لنا أن نعزل هذا النشاط ونبعده عن التشريع السماوي. لذا يغدو علم الاقتصاد بهذا المنظور للهدي الإسلامي هو فرض شرعي شأنه شأن بقية الفرائض الشرعية، فقد قسم الفقهاء هذه الفروض الشرعية إلى نوعين: فروض أعيان وفروض كفاية، والمقصود بفروض الأعيان تلك الواجبات الواقعة على عاتق كل فرد بعينه مثل الصلاة والصوم والحج، والمقصود بفروض الكفاية هي تلك الأمور والواجبات التي يتعين وجودها على مستوى الجماعة بدون تعيين فرد بذاته للقيام بها، بحيث إذا قام بها البعض كان ذلك نيابة عن المجتمع وأجزى ذلك عن البقية من أفراد المجتمع، وإذا تخلى عنها الجميع أثمت الأمة بأكملها.
ومن الأمثلة البارزة لفروض الكفاية كل مهنة أو صنعة أو حرفة لا يستغنى عنها المجتمع مثل الزراعة والتجارة والصناعة، وما يتفرع عنها من أنواع وفروع، وكذا كل علم يحتاجه المجتمع لصلاح الدين وصلاح الدنيا وسياستها مثل علوم الطب والحساب وعلوم الزراعة والصيدلة. إذ لا يستقيم أمر حياة الناس وتوفير معاشهم إلا بقيام هذه الصنائع بعلومها وفنونها.
وتأصيلا للمسألة نذكر ببعض من أقوال العلماء في ذلك.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "أما فروض الكفاية فهو علم لايستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب، فهو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات، وهذه العلوم التي لو خلا بلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد" (2)
ويقول ابن عابدين: "وأما فروض الكفاية من العلم فهو كل علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، والحساب، واللغة، وأصول الصناعات، كالفلاحة، والحياكة والسياسة" (3)
ويشدّد الغزالي على ضرورة توفير العلوم بقدر توفر الِحرَف والعمال، حيث لكل عمل جيد علم بأسراره، "ويجب على التاجر تَعلُّم النقد ـ العلم بمكونات النقود ـ لا ليستقصي لنفسه لكن لئلا يسلِّم إلى مسلم زيفا، وهو لا يدري، فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم، فكل علم؛ به يتم نصح المسلمين يجب تحصيله" (4)، ويصل به المقام في ذروته القصوى في اهتمامه بوجود العلوم المطلوبة في المجتمعات الإسلامية فيقول: "لو كان عند غير المسلمين علم أو اختراع ليس عند المسلمين أحسن منه وأفضل، فإن المسلمين آثمون محاسبون على تقصيرهم" (5).
إن العلماء لم يقولوا ذلك من فراغ وإنما استنادا إلى العديد من النصوص الشرعية التي تُحتّم توفر العلوم والمعارف. وانطلاقا من كون الإسلام عقيدة وشريعة ونظاما يغطي كل جوانب الحياة والعلاقات بهديه وتوجيهاته. ونحن مطالبون لنكون مسلمين بحق بالقيام بثلاثة
__________
(1): شوقي دنيا: المدخل الحديث، مرجع سابق، ص: 7.
(2): الغزالي: إحياء علوم الدين، ج: 1، ص: 15.
(3): ابن عابدين: الحاشية، ج:1، ص: 42.
(4): الغزالي: مرجع سابق.
(5): نفسه: ج:2، ص: 67.
(1/13)
أمور، أولاً: أن نؤمن بوجود هدي إسلامي في المجال الاقتصادي، وثانيا: أن نشتق ونؤسس من ذلك الإيمان معرفة علمية سليمة، وثالثا: أن نطبق ما توصلنا إليه من علم في حياتنا، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122)، ومعنى ذلك أنه لا مناص من استنفار جماعة من المسلمين ليتفقهوا في الدين من الناحية الاقتصادية، ثم يحيلوا ذلك إلى عمل تعيشه الجماعة كلها.
والقرآن الكريم يصوّر لنا صورة حية لتطبيق هذه الخطوات الثلاثة، وما أنتجته من آثار في أرض الواقع، إذ لا يكفي التصور والشعور الإيماني إذا لم يترجم إلى معرفة علمية مطبقة مجسدة في الميدان. فهذا سيدنا يوسف عليه السلام أدرك من خلال تأويله رؤيا الملك؛ حقيقة الهدي الإلهي في مواجهة أزمة غذائية ماحقة تحل بأرض مصر وما حولها، فوضع لها خطة محكمة متصلة الحلقات تُعبّئ كل الطاقات المادية والبشرية، ثم شرع في تنفيذها بإشراف من سياسة مالية اقتصادية تتناسب مع كل مرحلة، إلى أن وصل في النهاية إلى بر الأمان، فأنقذ الأمة من كارثة كادت تحل بها لولا تلك الخطة ذات خمس عشرة سنة، فادخر في السنين السِّمان للسنين العجاف. قال الله تعالى: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَاكُلُونَ ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} (يوسف:47 - 49).
فقد آمن سيدنا يوسف بالهدي الإلهي في حل الأزمة، ولم يتوقف عند هذا الشعور بل أعد لذلك معرفة علمية بوضع خطة لتسيير هذه الأزمة، ثم قام بالإشراف عليها وتطبيقها إذ قال عارضا خبرته وعلمه على الملك الذي نال إعجابه وتقديره: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الاَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف:55). فقد أدرك أن هذه المعرفة العلمية لا جدوى منها إذا لم تطبق وفق آليات محددة، فآنس من نفسه القدرة على تنفيذها، فتقدم للملك بذلك الطلب.
ومثال آخر من القرآن القرآن الكريم لبيان أهمية ترجمة الهدي القرآني إلى معرفة اقتصادية وترجمتها إلى واقع علمي، يقول الله تعالى في شأن أهمية المال: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي
(1/14)
جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} (النساء:5)، في الآية الكريمة نجد التوجيه بعدم ترك الأموال في أيدي السفهاء، كما نجد الحكم بكون المال قواما وعصبا للحياة، فنحوّل هذا الهدي إلى معرفة اقتصادية بتعريف السفه، وحدوده، وأبعاده، ووضع سياسات اقتصادية تحول دون تدمير الأموال وضياعها من خلال قيام السفهاء عليها. وبالتالي فنحن أمام ضرورة المعرفة الاقتصادية في مجال النظريات وفي مجال السياسات.
وبالجملة فقد بيّن لنا القرآن الكريم سننًا إلهية في المجال الاقتصادي، وقدم لنا أمثلة منها، والمطلوب منا إعمال عقولنا وحواسنا للتعرف على هذه السنن، ودراستها دراسة علمية، بهدف الاستفادة منها في حياتنا من خلال جعل سلوكنا يتلاءم معها، وهكذا فنحن مطالبون إسلاميا بالمعرفة العلمية الاقتصادية المستمدة من الهدي القرآني، ولا يكفي في ذلك أن نجلس لنتعرف وندرس ما صنعه الآخرون من معارف، وما أنتجوه من علوم.
ب ـ الاعتبارات العلمية:
انتهينا في الفرع السابق إلى كون الاقتصاد الإسلامي فرض ديني كفائي على المجتمع المسلم، وأن العلم الاقتصادي القائم حاليا لا يشبع الحاجة إلى ذلك. وفي هذا الفرع سوف نوضح هذه المقولة، فهل صحيح أن علم الاقتصاد الإسلامي القائم لا يفي بالغرض المطلوب؟
إن الإجابة على ذلك تقتضي النظر إلى القضية من زاويتين:
1 - الاقتصاد المعاصر من حيث كونه علما له مضمونه ومقولاته ومرجعياته.
2 - الاقتصاد المعاصر من حيث كفاءته العملية ومقدرته على مواجهة المشكلات المعاصرة.
أولاً ـ من المعروف أن الاقتصاد المعاصر نشأ وترعرع في ظل النظام الرأسمالي، وتشكلت قوانينه في ظل ثقافته، وقيمته، ونظرته للإنسان والكون، ومن ثَمّ كانت وما زالت مهمته وصف وتفسير سلوك الناس الاقتصادي داخل هذا النظام، وكذلك البرهنة على صلاحية ما ذهب إليه النظام من مواقف.
يقول الدكتور رفعت المحجوب: "ويمكن أن نرجع اختيار المدرسة التقليدية لنموذج دراستها إلى الواقع الذي نشأت فيه، فاختيار هذا النموذج يجد ما يبرره في عصر الثورة
(1/16)
الصناعية وفي سيطرة تعاليم المذهب الحر، فقد غيّرت الثورة عقلية العصر، وضخّمت في الأذهان فرصة الربح ورسّخت الفلسفةَ النفعية، ومهّد كل ذلك للنظرية الاقتصادية أن تقصر دراستها على الجانب النفعي للإنسان، لأنه الجانب الذي ميَّز فلسفة العصر، وبالإضافة إلى ذلك فإن الثورة الصناعية وما جرته من فلسفة أكدت في الإنسان العقلية المنفعية، وأكدت فيه أيضا العقلية الحسابية" (1).
هذا اعتراف بالغ الصراحة في تمحور النظرية الاقتصادية حول النظام الذي نشأت وترعرعت في ظله. ومن المعروف أن خصائص ومقومات النظام الرأسمالي، وكذلك فلسفته، ومرجعيته، تُغاير إلى حد كبير خصائص ومقومات ومرجعية ومذهبية النظام الاقتصادي الإسلامي. وبالتسليم بذلك لا يسعنا إلا التسليم بضرورة وجود علم الاقتصاد الذي يتولّى وصف وتفسير السلوك الاقتصادي للأفراد والجماعات والمؤسسات التي تعمل داخل إطار هذا النظام، حيث إن علم الاقتصاد العلماني لا يتمكن من القيام بذلك. وليس ذلك من مهامه، ولما كانت ثقافتنا مختلفة، كانت قوانينها مختلفة، وبالتالي فنحن في حاجة إلى معرفة علمية توصلنا إلى هذه القوانين. فإن علم الاقتصاد هو الذي يبحث في السلوك الاقتصادي للإنسان، ومن المعروف لدى علماء الاجتماع أن التصورات الدينية هي إحدى المحددات الرئيسة للسلوك الاقتصادي، ومعنى ذلك أن إحدى محددات سلوك المسلم الاقتصادي هي على الأقل: عقيدته وقيمته وثقافته، وما يحكمه من تشريعات إسلامية، وهي بغير جدال مخالفة تماما لما عليه الإنسان الغربي، فالمسلم يؤمن بالإله الخالق الحكيم الرازق، ويؤمن بالآخرة، وبالحساب والثواب والعقاب عن كل ما قدمه في حياته الدنيا من أعمال وأقوال، وكذلك يعتقد أنه مستخلف في الأرض من قِبَل الله تعالى لإعمارها، وأنه مسؤول عن ذلك.
كل ذلك ينتج لا محالة منطلقات ومسلّمات تقوم عليها العلوم المختلفة، كما ينتج أدوات تحليلية تستخدم في وصف، وتفسير هذا السلوك. كما يترتب عليه وجود العديد من القيم كمحددات لتفسير السلوك الاقتصادي لدى المسلم.
__________
(1):د، شوقى دنيا، المدخل الحديث لعلم الاقتصاد.
(1/17)
وربما قد يتشكك البعض في مدى تأثير القيم الدينية والثقافية في السلوك الاقتصادي، وهل نظام الحياة في الغرب يضع لذلك أدنى اعتبار في منظومة قيمه وثقافته؟
نسوق مثالا من واقع حياة الصحابة للتدليل على أثر العقيدة والإيمان باليوم الآخر في السلوك الاقتصادي للمسلم، فقد قدمت قافلة محملة بالسلع إلى المدينة من الشام تعدادها ألف بعير لسيدنا عثمان بن عفان وضي الله عنه، فأقبل عليه التجار للشراء، وكلما عرضوا له سعرا رفضه، وظلوا يرفعون في الأسعار وهو يرفض، وأخيرا قال لهم: هناك من عرض ثمنا تجاوز 100 % من ثمن الشراء، فأثار ذلك دهشتهم فأزالها بقوله: إن الذي عرض عليَّ ذلك هو الله تعالى، الذي قال إن الحسنة بعشر أمثالها، وقام بتوزيع السلع تبرعا على المحتاجين في المدينة. فكيف يفسر الاقتصاد العلماني هذا السلوك؟ أليس هو تأثير العقيدة والإيمان الراسخ في القلب بمضاعفة الأجر عند الإنفاق في سبيل الله، فسيدنا عثمان بن عفان يعتقد جازما أنه قام بصفقة رابحة رغم أنها في مظهرها المادي الدنيوي هي خسارة بالمفهوم المحاسبي. وهكذا ندرك الدور الإيجابي الفعّال للإسلام في تغيير مجرى الحياة الاقتصادية وقوانينها، تغيير الإنسان نفسه، وخلق شروط روحية فكرية جديدة له، وكذلك نعرف مدى الخطأ في إخضاع مجتمع يتمتع بهذه الخصائص والمقومات لنفس القوانين التي يخضع لها المجتمع الرأسمالي.
ومما يعزز الاتجاه إلى ضرورة قيام علم اقتصادي إسلامي، أن لدينا نصوصا إسلامية، قرآنية ونبوية، تُعَدُّ الأصل الثابت والراسخ تتعامل مع الجوانب الاقتصادية، وهي تمثل أعلى درجة من الصدق، ومن ثم فمن الأهمية بمكان الاستعانة بها والاحتكام إليها عند قيامها بوضع النظريات والقوانين الاقتصادية، للتأكد من صحة وسلامة الفروض التي تقوم عليها هذه النظريات، وفي ذلك تصويب كبير لعلم الاقتصاد، ووضعه في الاتجاه الصحيح.
ج -الاعتبارات الواقعية العملية: ومن منطلق عملي نفعي محض نطرح هذا التساؤل: هل الاقتصاد المعاصر القائم على النظام الرأسمالي حقق الهدف منه المتمثل في كفاءة التخصيص وعدالة التوزيع؟
لو نظرنا إلى واقع الاقتصاد المعاصر لمسنا إخفاقه الواضح في مجالي الإنتاج والتوزيع، ولسنا بحاجة بالتذكير بالعديد من المشكلات المعاصرة المستعصية في المجتمعات ذات النظام الرأسمالي
(1/18)
مثل استفحال البطالة ومشكلة سوء التوزيع ومشكلة تدهور البيئة، ومشكلة عدم الاستقرار النقدي والاقتصادي الناجم عن الأزمات المالية الحادة، الأمر الذي جعل الكثير يتبرّم من علم الاقتصاد، وهناك دعوات متكررة ملحة إلى ممارسة المراجعة الجادة لكل مكونات النظرية الاقتصادية القائمة من داخل النظام الرأسمالي تحث في النظر في تلك المعطيات من خلال التفكير النظري العلمي من جهة ومن خلال الواقع والتجارب العملية من جهة أخرى.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه حريٌّ بنا نحن المسلمين مع ما نعانيه من مشاكل اقتصادية قاسية ومتنوعة بناء نظرية اقتصادية بحكم ما لدينا من هدي إسلامي قيّم في المجال الاقتصادي، إذا ما فهمناه جيدا وفقهناه ثم طبقناه في حياتنا، فإنه كفيل بإزالة هذه المشكلات أو على الأقل التقليل من حدتها بدلا من أن نلزم أنفسنا باقتصاد غريب عن عقيدتنا وقيمنا أثبت إخفاقه في إيجاد الحلول للمشكلات القائمة وعدم تحقيقه للأهداف التي رسمها منظروه، وهكذا نصل إلى أن علينا من منطلق ديني وعلمي وعملي أن نقيم اقتصادا قائما على ما لدينا من مصادر للعلم والمعرفة، بما فيه الوحي وما قدمه من هدي في هذا المجال مستفيدين من تجارب غيرنا ومن الدعوات العالمية لمراجعة معطيات علم الاقتصاد الراهن.
خصائص الاقتصاد الإسلامي: (1)
إن لكل نظام اقتصادي خصائصَه التي تميزه عن النظم الأخرى، والنظام الاقتصادي الإسلامي له هويته الفريدة المستقلة التي تميزه عن النظام الرأسمالي والاشتراكي، حيث يقوم على عقيدة واضحة المعالم يستمد منها خصائصه ومقوماته وأهدافه، ويرتكز على تشريع إلهي يضبط هذه الخصائص والمقومات، ولما كان الاقتصاد الإسلامي جزءا من النظام الإسلامي فقد أخذ هذه الخصائص من خلال نظرة الإسلام إلى الكون والحياة والإنسان، ومن المفاهيم الإسلامية والمصادر الشرعية المختلفة، ومن ثمَّ، فإنه ينظر إلى هذه الخصائص على أنها ركائز ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتبدل الزمان أو المكان، ولا تخضع للبحث والمناقشة لبيان صحتها أو بطلانها؛ لأن
__________
(1): صالح حميد العلي: معالم الاقتصاد الإسلامي، ص: 33.
(1/19)
الاقتصاد الإسلامي بأركانه ومقوماته وخصائصه تحكمه التعاليم الإسلامية والقيم الأخلاقية المستمدة من مصادر التشريع التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
والاقتصاد الإسلامي له خصائص عدة منها: أنه اقتصاد ربّاني، عقدي، أخلاقي، واقعي إنساني وعالمي، يوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، وأنه فريد في نوعه مستقل عن غيره، وهو اقتصاد موجه بارشادات ربانية، والمال فيه وسيلة وليس غاية، وذو طابع تعبدي، والملكية فيه لله تعالى، والإنسان مستخلف فيه، ويمكن أن نذكر ببعض هذه الخصائص، وأهمها ما يلي:
أ – الاقتصاد الإسلامي اقتصاد إلهي رباني وعقدي:
إذا كانت النظم الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية تقوم على القوانين التي وضعها البشر فتستمد منها تشريعها ومبادئها، وخصائصها التي تنظم الحياة الاقتصادية للفرد والمجتمع فإن الاقتصاد الإسلامي إلهي، يستمد قواعده وأصوله ومبادئه وخصائصه من مصادر التشريع الإسلامي التي شرعها الله تعالى، وقد تضمنت آيات قرآنية عديدة وأحاديث نبوية كثيرة العديد من هذه المبادئ الاقتصادية.
إن الأسس العقدية التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي، وينبثق منها، ويرتبط فيها لتوجيه النشاط الاقتصادي الوجهة الصحيحة التي تنسجم مع توجيهات العقيدة وتترتب عليها نتائج اقتصادية طيبة.
فالعقيدة الإسلامية تهدف إلى ربط قلب المسلم بالإيمان بالله عزّ وجل، المالك الأصلي والحقيقي لكل ما في الكون، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب فيه كل امرئ على ما قدم وأخّر، ومراقبة الله -سبحانه وتعالى- في كل نشاط يقوم به الإنسان لها أثر عظيم في تصحيح مسيرة الاقتصاد والنشاط الاقتصادي الفردي والجماعي، حيث يعتقد المسلم أن الله عز وجل خلقه لعمارة هذا الكون، وأن ما فيه من خيرات ونعم إنما سخرها الله تعالى له، وإن ملكية الإنسان هي ملكية مؤقتة، والمالك الحقيقي هو الله عز وجل، فهو الذي يهبها لمن يشاء وينزعها ممن يشاء، فهو الذي فضّل بعض الناس على بعض في الرزق، فإن لهذه المعاني نتائج اقتصادية هامة، إذ تجعل الإنسان قانعا برزقه، وبما قسمه الله له، دون أن ينفي ذلك الجهد الإنساني من أجل تحصيل رزقه واتخاذ سبل توسيعه وتنميته. ثم إن الإيمان بالملكية المؤقتة للإنسان وتفاوت
(1/20)
العباد في الرزق من شأنه أن يقضي على مشكلة طالما شغلت أهل الاقتصاد، وهي مسألة الصراع الطبقى الذي ينشأ بين الأفراد بسبب الفقر المدقع والغنى الفاحش، لأن هذا الإيمان يحرر صاحبه من الخوف من مستقبل حياته؛ لأن الله عز وجل قد كفل له رزقه وما عليه إلا أن يسعى ويكدَّ.
إن الإيمان بالله عز وجل يدفع الإنسان إلى الخوف منه ومراقبته في كل عمل يقوم به، وهذا ينعكس على سلوك الفرد وتصرفه، فيمتنع عن مزاولة الأنشطة الاقتصادية المحرمة، كالربا والاحتكار والرشوة، وإنتاج المحرمات، واستهلاكها، والاستثمار فيها.
ب – الاقتصاد الإسلامي ذو طابع تعبدي أخلاقي:
من فضل الله على خلقه أنه لم يجعل العبادة محصورة فيما فرض عليهم، بل وسع من دائرتها لتشمل كل عمل خير نافع، يفيد الفرد والمجتمع، بشرط إخلاص النية فيه لله تعالى، وقد جعل النبيء صلى الله عليه وسلم الأعمال التي يقوم بها الإنسان لمعيشته وكفاية نفسه وأهله ومجتمعه عبادة يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، فالزارع في حقله، والعامل في حرفته، والتاجر في متجره، إذا قام بعمله وأتقنه مع إخلاص النية لله والتزامه حدود الله؛ فلا يغش ولا يخون، تَحوّل كل ذلك إلى عبادة يُثاب عليها، ويغفر له بها من ذنوبه، فالنبيء صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد مزاولة النشاط الاقتصادي عبادة فحسب، بل جعل الهمَّ الذي يصيب الإنسان أثناء عمله، أو حين طلبه للعمل، أو الحرفة، أو الوظيفة، التي يقتات منها الإنسان -وما أكثر المشاكل والعقبات التي تعترض العامل والموظف والحرفي في هذا العصر - جعلها من مكفرات الذنوب (1).
تقوم النظم الاقتصادية المعاصرة على الفصل بين الاقتصاد والإخلاق، وهي لا تميز بين ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي في أي سلوك اقتصادي؛ إذ العالم الاقتصادي لا يهتم إلا بالوسائل التي تشبع رغبات الإنسان، بغض النظر عن طبيعة هذه الرغبات ودوافعها وأهدافها،
__________
(1): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من الذنوب ذنوبا لا تكفّرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة " قالوا: فما يكفّرها يا رسول الله؟ قال: " الهموم في طلب المعيشة ". المعجم الأوسط للطبراني - باب الألف، من اسمه أحمد - حديث: 101.
(1/21)
أما الاقتصاد الإسلامي فلا يفرق بين الاقتصاد والأخلاق بل يربطهما برباط وثيق، إذ أن الأحكام الشرعية مرتبطة بالأخلاق، ولا سيما المعاملات المالية الاقتصادية التي تتميَّز بالمكايسة والمساومة، وتبادل المنافع؛ فكل طرف يسعى أن يجلب النفع لنفسه أثناء إبرام العقود مع غيره، لذا يستلزم أن تسود أخلاق المسامحة والإيثار إلى جانب الصدق والأمانة والوفاء لإزالة كل خلاف أو خصام بين المتعاقدين، فالأخلاق في المعاملات المالية بمثابة صمام أمان لزرع الثقة والطمأنينة والائتمان بين مختلف الأطراف، وبدونها تغدو المعاملات المالية فرصة لاستغلال النفوذ والابتزاز وتسلط القوي على الضعيف. وفي القرآن الكريم والسنة النبوية شواهد كثيرة على قيمة الأخلاق، وقد حصر نبيء الإسلام صلى الله عليه وسلم رسالته في إتمام مكارم الأخلاق، ودعا الأنبياء والرسل أقوامهم إلى التحلي بمكارمها، وقرنوها بعبادة الله، إذ يقول الله تعالى على لسان سيدنا شعيب: {أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُواْ بِالْقُسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الاَرْضِ مُفْسِدِينَ} (الشعراء: 181 - 183)
ج ـ الاقتصاد الإسلامي إنساني عالمي واقعي:
1 - اقتصاد إنساني عالمي:
لما كان الإسلام دينا عالميا إنسانيا أبديا (1)، فإن كلّ ما يتصل به يأخذ هذه الصفة، لذا يكون الاقتصاد الإسلامي اقتصادا إنسانيا عالميا. ومما يدل على إنسانية الاقتصاد الإسلامي وعالميته أنه لم يفرق بين فرد وآخر وشعب وآخر، أو بين أمة وأخرى، فالناس كلهم عباد الله، ومن ثم فإن الإسلام شرَّع تعاليمه للناس كافة، ولم يقتصر فيها على المسلمين فقط، وقد بيّن الله تعالى أنه خلق الناس جميعا وجعلهم شعوبا وقبائل من أجل أن يتعارفوا ويتعاونوا على البر والتقوى.
وبعد هذا البيان الإلهي لعالمية الاقتصاد الإسلامي وصلاحيته لكل زمان و مكان، فإننا نرى ضرورة وأهمية تطبيق المجتمعات الإنسانية كافة للاقتصاد الإسلامي والسير على منهجه، من أجل القضاء على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البشرية.
__________
(1): {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107}، {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (سبأ:28)
(1/22)
2 - الاقتصاد الإسلامي واقعي:
الاقتصاد الإسلامي اقتصاد واقعي، لأنه يراعي في نظرته الاقتصادية واقع الفرد والمجتمع؛ فيرى متطلباته من خلال الواقع الذي يعيش فيه، فينظر إلى إمكاناته وظروفه، وبيئته وطبيعته وفطرته، فلا يحمِّله من التكاليف ما لا يطيق، ولا يفرض عليه ما لا يستطيع. فلا يحرم الفرد من سلوكه وتصرفاته الاقتصادي التي تنسجم مع طبيعته الإنسانية وفطرته البشرية، لذلك أعطاه كل ما ينمّي هذه الطبيعة ويعزّز هذه الفطرة، فشرع له حق الملكية الخاصة، والحرية الاقتصادية، لكنَّه قيّد هذه الحقوق نظرا لواقع الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه. إن واقعية الاقتصاد الإسلامي تتجلّى في نظرته إلى الإنسان على أنه أساس الوجود، والأصل الذي تقوم عليه التكاليف الاقتصادية، وأن ما في الكون مسخَّر له، وجعل الأوضاع الاقتصادية محكومة بواقع الإنسان وقدرته على التعامل معها، فمثلا: الغني في ذمته حق للفقراء، والفقير لا يقعد عن السعي ما دام قادرا عليه.
(1/23)
الأنظمة الاقتصادية المعاصرة:
من أجل إدراك حقيقة النظام الاقتصادي الإسلامي، نلقي نظرة عامة حول الأنظمة الاقتصادية التي سادت العالم المعاصر، لنقف على الفروق الجوهرية بينها، على الرغم أنها تشترك في دراسة الظاهرة الاقتصادية.
ساد في العالم في القرون الأخيرة نظامان اقتصاديان هما النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، ولكل منهما منطلقاته الفلسفية وتحليله الاقتصادي ومدارسه الفكرية. غير أن النظام الاشتراكي انهار في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي بانهيار الاتحاد السوفياتي، وبقي النظام الرأسمالي هو المهيمن على اقتصاديات العالم، فإليك نظرة حول هذين النظامين.
أولاً ـ الرأسمالية: (1)
قامت الرأسمالية على الإيمان بالفرد إيمانا لا حد له، وبأن مصالحه الخاصة نفسُها تكفل -بصورة طبيعية- مصلحةَ المجتمع في مختلف الميادين، وأن فكرة الدولة إنما هي تستهدف حماية الأفراد ومصالحهم الخاصة، فلا يجوز لها أن تتعدى حدود هذا الهدف في نشاطها في مجالات عملها، ويتلخص النظام الرأسمالي في إعلان الحريات الأربع: ا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *