الإمام أبو عبيدة لسيف البوسعيدي - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

الإمام أبو عبيدة لسيف البوسعيدي

 





الكتاب : الإقرار بالايمان
منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية سلسلة دارسات - 8
الإقرار بالإيمان
دراسة مقارنة في عقيدة الجنّاوني
تأليف: روبيرتو روبيناتشى
ترجمة: لميس الشجني
أعدها للنشر وقدم لها: موحمد ؤمادي
هذا الكتاب هو ترجمة لبحث نشر في: [مجلة الدراسات الإسلامية Revue des Etudes Islamiques]، في عددها الصادر سنة (1935م)، بعنوان: [La Professione di fede di al-Gannawuni.] تأليف المستشرق الإيطالي: [روبيرتو روبيناتشى Roberto Rubinacci]. ترجمة: لميس الشجني.
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية سلسلة دارسات – 8
الإقرار بالإيمان
دراسة مقارنة في عقيدة الجنّاوني
تأليف: روبيرتو روبيناتشى
ترجمة: لميس الشجني
أعدها للنشر وقدم لها: موحمد ؤمادي
هذا الكتاب هو ترجمة لبحث نشر في: [مجلة الدراسات الإسلامية Revue des Etudes Islamiques]، في عددها الصادر سنة (1935م)، بعنوان: [La Professione di fede di al-Gannawuni.] تأليف المستشرق الإيطالي: [روبيرتو روبيناتشى Roberto Rubinacci]. ترجمة: لميس الشجني.
T
مقدمة الناشرT
ضمن أهداف مؤسسة تاوالت الثقافية التي وضعتها على عاتقها هو: ترجمة ونشر الأعمال المهمة والمتعلقة بالتاريخ الشمال الإفريقي على العموم، والتاريخ الليبي على وجه الخصوص، ومن الأولويات التي وضعتها على عاتقها كذلك هو: ترجمة أعمال بعض المؤلفين المرموقين في هذا المجال، والتي لم يتسن لمقالاتهم أن تجمع وتنشر بين دفتي كتاب - وكانت قد صدرت على شكل مقالات متفرقة. ومن أهم من كتب في تاريخ شمال إفريقيا في العصر الوسيط هو: المؤلف والمتمزغ البولندي [تادايوش ليفيتسكي]، الذي على الرغم من أهمية أعماله، فلم يتسن لأحد أن جمعها ونشرها بين دفتي كتاب، إلا لحظة كتابة هذه المقدمة. بالرغم من هذا، فلقد تم نشر بعض الأعمال المفردة للمؤلف في كتاب مستقل من أمثال: (المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية)، والذي ترجمه كل من: ريما وماهر جرّار، ونشر من قبل دار الغرب الإسلامي؛ وكذا كتاب: (تسمية شيوخ جبل نفوسة وقراهم – دراسة لسنية في الطوبونوميا والأنوميا الأمازيغية) ترجمه الأستاذ عبدالله ژارو، ونشر من قبل مؤسسة تاوالت الثقافية.
(1/1)
تكمن أهمية أعمال [ليفيتسكي]، في كونها مركزة ومتخصصة وذات طابع علمي منهجي في البحث والمقارنة، ويعتبر [ليفيتسكي] من القلة القليلة من المستشرقين المتخصصين في المذهب الإباضي، وتاريخه في إفريقيا الشمالية، والبحوث التي ننشرها بين يدي القارئ، تتنوع من بحوث تاريخية صرفة كبحث: "وثيقة إباضية لم تنشر حول هجرة أهل جبل نفوسة"، أو بحث " مملكة إباضية مغمورة - دولة بني مسالة"، أو بحث في مونوغرافيا(1) بحد ذاتها كالتي خصصها ل " كتاب السير لأبي العباس أحمد الشماخي - مع بعض الملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل شماخ"، وتشمل المقالات المنشورة بحث الجغرافيا الاجتماعية، كالذي خصصه في مقاله المطول والمعنون: "التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية بشمال إفريقيا خلال العصر الوسيط"، أو بحثه المعمق في الفرقة المنشقة "النكار".
نرجو أن تضيف هذه التراجم إلى المكتبة التاريخية لشمال إفريقيا مزيداً من الفائدة، وخصوصاً لغير الناطقين باللغة الفرنسية التي كتبت بها هذه المقالات، وسوف ننشر من ضمن هذه السلسلة المعنونة: "دراسات شمال إفريقية" مقالات متنوعة ومتعددة ذات أبعاد: تاريخية ودينية ولغوية واجتماعية، وبعدة لغات: كالإيطالية والفرنسية والألمانية والإنجليزية.
يندرج هذا العمل الطموح في ترجمة كل الأعمال المنجزة عن تاريخ الشمال الإفريقي والتاريخ الليبي، ضمن برنامج متوسع تقوم به مؤسسة تاوالت الثقافية في برنامجها البعيد المدى للبحث في الجذور، والتعمق بدراسات علمية رصينة في موروث الأجداد.
الناشر
مؤسسة تاوالت الثقافية
الولايات المتحدة الأمريكية
المؤلف في سطور
روبيرتو روبيناتشي(2)
__________
(1) TP PT _ المونوغرافيا (Monographic): متعلق ببحث مختص (بناحية واحدة أو بموضوع واحد). راجع المغني الكبير، لحسن سعيد الكرمي مادة Mono. (الناشر)
(2) - تأبين نشر في ذكرى وفاته بقلم فرانشيسكو جابريلي ؟؟؟
(1/2)
نابولي 1936. يلاحظ أحد المدرسين المستجدين فور إرساله لتدريس "اللغة العربية القديمة" بالمعهد الشرقي Orientale من بين المتقدمين لدارسة اللغة العربية في الجنوب الإيطالي، شابين كان قد تخرجا بالفعل في علوم أخرى وكلاهما كان يبدي، فيما يتعلق باللغة العربية وبالحضارة الإسلامية بشكل عام، استعداد كبيرا وكانت لديهم رغبة جادة في تحقيق تقدماً في هذا المجال. أحدهما كان أليسّيو بومباتشي Alessio Bombaci وكان دارساً للحضارة التركية ثم خلف معلمه بونيللي Bonelli في المعهد الشرقي، ولقد إخطتفته براثن الموت مبكراً من دراساته وأصدقائه منذ بضعة أعوام. أمّا الآخر فهو روبيرتو روبيناتشي Roberto Rubinacci والذي نحتفل اليوم بهذه الهدية العلمية بعيد ميلاده السبعين. انقضت خمسون عاماً منذ قابلته للمرة الأولي، حقق فيها روبيناتشي صفة ومواصفات دارس اللغة العربية والدين والحضارة الإسلامية التي كان يرنو إليها عندئذ، وترقى فيها بكل شرف السلم الوظيفي الأكاديمي حتى بلغ أعلى درجاته، وساهم بدرجة كبيرة في تطوير وتنظيم الدراسات العربية-الإسلامية في نفس المعهد والذي شهد لقائنا الأول في الثلاثينات.
ولقد ربط روبيناتشي اسمه في مجال الدراسات العربية، الذي افتتحته أو جددته لاورا فيتشا فاليري Laura Veccia Valieri ، على الأخص بموضوعين: الإنشقاق الإسلامي القديم (الخوارج والشيعة في تشعباتهم ومعتقداتهم)، والنشر النقدي للإدريسي، فخر المستعربين المعاصرين الأوروبيين: وهو عمل جاء نتيجة مجهود شاق من التعاون الدولي، لعبت فيه إيطاليا وبالأخص نابولي دوراً رئيسياً، ربما لم يأخذ حقه من التقدير بعد. وهنا كان روبيناتشي معاوناً، محرراً ومنسقاً؛ وعندما سيذكر التاريخ هذا العمل الثري بالمبادئ والرغبة الصادقة الدولية، سوف يعرف الجميع القدر الذي يدين به هذا العمل للعزيمة الصادقة وحسن التنظم الذي قام به صديقنا النبوليتاني.
(1/3)
فإلى عميد المعهد الجامعي الشرقي بنابولي (ولكم هو عزيز علينا جميعاً، بالأخص للحفاظ والتأكيد على تلك التسمية: المستشرق، أن يكون المستعرب روبيناتشي هو من يشغل هذا المنصب) يقدم اليوم زملائه، تلاميذه وأصدقائه هذه الباقة الثرية من الدراسات التي كان الجانب الأكبر منها للغة العربية ولكن هناك أيضاً عن الدين والحضارة الاسلامية، الإفريقية والعِراقة.
وإن استعراضاً سريعاً لعناوين هذه الباقة لسوف يظهر اتساع الاهتمامات التي ألهمتها، بدأ من الدراسات في اللغة العربية والإسلام الكلاسيكي إلى المعاصر منها، والتي يبدو وأنها تجتذب الأجيال الشابة. وتعطينا أسماء المؤلفين إطاراً عريضاً حول الدراسات العربية والتي كانت كلها لإيطاليين، والتي شهدت، كما كان متوقعاً، تواجداً جليلاً لنابولي. ولقد وجد مدرس ذلك الوقت المستجد، والذي أصبح شيخاً هرماً، بين هؤلاء؛ أيضاً أسماء رفاق قدامى حتى وإن كانوا أقل منه سناً، لطلاب وزملاء لصديقنا المحتفى به بجانب بعض الأسماء الجديدة في معهدنا مما يدل على استمرار الزمن الذي لا يفنى، وعلى تمرير الشعلة من يد إلى يد في محراب العلم. وإن مُحدثكم المتقدم في السن اليوم، والذي يعتقد أنه قد سلم شعلته، لهو سعيد بأن يقدم لزميله وصديقه شهادة عرفان وتضامن ومحبة.
فرانشيسكو جابريلي
بيبليوغرافيا كتابات روبيرتو روبيناتشي(1)
عن دراسة القانون الإسلامي في إيطاليا، في "منشورات الندوة الإقليمية الأولي للدراسات الاستعمارية، نابولي 1939، ص761-770".
مؤسسة الإيداع (البنك) في القانون الاسلامي، في "مجلة قانون الاستعمار، روما 1939، العدد الرابع، ص539-586".
عن بعض جوانب نظام الوصاية في القانون الإسلامي، في "المرجع السابق، روما 1939، العدد الرابع ص630-632".
مجتمع البلاد العربية وليبيا، في "منشورات ندوة الدراسات الاستعمارية، فلورنسا 1947، ص89-94".
__________
(1) - فقط ما يتعلق منها بموضوع دراستنا
(1/4)
أنباء عن بعض مخطوطات الإباضية الموجودة لدي المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الثالث، نابولي 1949، ص431-438".
كتاب الجواهر للبرّادي، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الرابع، نابولي 1949، ص95-110".
الخليفة عبد الملك بن مروان والإباضية، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الخامس، نابولي 1953، ص99-121".
التطهر عند الإباضية في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء السادس، نابولي 1954، ص1-41".
"الكتاب بين يدينا" وثيقة قديمة عن حياة نُسّاك الصوامع في الإسلام، في "منشورات المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للمستشرقين، موسكو 1960، الجزء الثاني، ص72-73".
الجريدة، في "الموسوعة الإسلامية، الجزء الأول، ليديا-باريس، 1960، ص213".
البرّادي، المرجع السابق، ص1085.
"لكتاب بين يديك" وثيقة قديمة عن حياة نُسّاك الصوامع في الإسلام، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء العاشر، نابولي 1960، ص37-78".
عقيدة الجناوني، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الرابع عشر، نابولي 1964، ص553-595".
توجيهات في الأبحاث حول إباضية الشمال الإفريقي، في "منشورات المؤتمر الدولي الأول لدراسات الشمال الإفريقي، كاليري 1965، ص217-223.
جابر بن زيد، في الموسوعة الإسلامية، ليديا-باريس 1965، ص369.
الإباضية، في الديانة في الشرق الأوسط؛ الإسلام، الجزء الثاني، كامبردج 1969، ص302-317.
عدن عند الإباضية، في فوليا أورينتاليا Folia Orientalia ، العدد الثاني عشر، 1970، ص279-290.
كارلو ألفونسو ناللينو وإسلام الخوارج، في ليفانتيه Levante، الجزء العشرين، روما 1973، ص33-41.
(1/5)
الدم في الإسلام، في الدم والأنثروبولجية التوراتية، الجزء الأول، روما 1981، ص151-158.
ليبيا عند الجغرافيين العرب في العصور الوسطي، في الإسلام، 7، روما أبريل-يونيو 1984، ص89-93.
الرهبانية في الإسلام، في منشورات الندوة الدولية، مقارنة بين المسيحية والإسلام: التصوف المسيحي والتصوف الإسلامي، باليرمو 1984، ص27-32.
إشارات عربية-إسلامية في أرض كامبانيا Campania، في منشورات الندوة الثانية حول "الوجود الثقافي الإيطالي في البلاد العربية: التاريخ والآمال المستقبلية"، روما 1984، ص23-24.
الأبيات السياسية-الدينية لكثير عزة، في على شرف فرانشيسكو جابريلي في عيد ميلاده الثمانين، الجزء الثاني، روما، 1984، ص661-665.
عجائب الدنيا عند الغزالي، في منشورات الندوة الدولية الثالثة، مقارنة بين الإسلام والمسيحية: الله، الإنسان، الطبيعة، باليرمو 1985، ص19-21.
مصير البشرية في المفهوم الإسلامي، في منشورات الندوة الدولية الرابعة. مقارنة بين المسيحية والإسلام: الإنسان ومصيره، باليرمو 1986، ص13-16.
دراسات في اللغة العربية والدين والحضارة الإسلامية، في منشورات ندوة "الدراسات المتأفرقة في إيطاليا منذ الستينات إلى اليوم" (روما، 25-27 يونيو 1985)، المعهد الإيطالي-الإفريقي، روما 1986، ص195-203.
القرآن والعلم، في "مقدس ومُدنس" Sacro e profano، منشورات المؤتمر الدولي الخامس. مقارنة بين المسيحية والإسلام: العلم، التطور، الدين. باليرمو 1987، ص1923.
إباضية الشمال الإفريقي، في منشورات المؤتمر الدولي حول "الأقليات وعمليات الاستقلال الإقليمي في أسيا وإفريقيا. مقارنة مع سردينيا"، كاليري.
صاحب الوثيقة في سطور
يحيى بن الخير الجناوني (أبو زكرياء) (ق: 5هـ/11م) من العلماء الأعلام بجبل نفوسة بليبيا، من قرية إجنَّاون. وهو حلقة في سلسلة نسب الدين، التي تعتبر نوعا خاصًّا من الإجازة لدى علماء الإباضيَّة.
(1/6)
أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون، وغيره من المشايخ، إذ مكث في التعلُّم اثنتين وثلاثين سنة، فصار شيخًا عالمًا فقيهًا.
أخذ عنه بشر كثير، منهم: أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو زكرياء يحيى بن أبي بكر صاحب السيرة، وأبو سليمان داود ابن هارون.
من آثاره العلميَّة مجموعة من النفائس، زوَّد بها المكتبة الإسلاميَّة، منها:
1.«عقيدة نفوسة»، (مط).
2.«كتاب الأحكام»، (مخ) بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب. وللشيخ أبي يعقوب يوسف المصعبي حاشية عليه. حقِّقه الباحثان عمر بازين وأحمد كروم، وهو تحت الطبع.
3.«كتاب الصوم»، (مط).
4.«كتاب النكاح»، (مط) بمصر، قدَّم له وعلَّق عليه الشيخ على يحيى معمَّر.
5.«كتاب الوضع»، وهو مختصر في الأصول والفقه، حقَّقه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وطبع عدَّة مرَّات. وللمحشِّي الشيخ أبي ستَّة محمَّد ابن عمر حاشية عليه (مخ). وله عنوان آخر: «اللمع».
كان أهل نفوسة يعتمدون على كتبه حفظا وفتيا، لسلاسة أسلوبه، لأنَّها كتب مفيدة في التوحيد وفقه العبادات والأحكام، أودع فيها الراجح من الأقوال(1)
__________
(1) - مصادر ترجمته *أبو زكرياء: السيرة (ط.ت) 1/205، 244 (ط.ج) 218، 255 *الدرجيني: طبقات، 470، 489-490 *الجيطالي: قناطر الخيرات، 1/65 *البرادي: تقييد كتب أصحابنا، ملحق بالموجز لأبي عمَّار عبد الكافي، 2/288 *الشمَّاخي: السير (مط) 435، 535 (ط.ع) 2/100، 178-179 *القطب: الرسالة الشافية، 126 *غلى معمَّر: الإباضيَّة في موكب، ح2/ ق2/ ص93-95 *جهلان عدُّون: الفكر السياسي، 51 *الجعبيري: البعد الحضاري، 117 *الجعبيري: دور المدرسة الإباضيَّة، 34-35 الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، 95 *جمعيَّة التراث: دليل المخطوطات: -فهرس القطب، أو4، أز4، أع3، و3/9، ز6 -فهرس متياز: مج41، 72 -فهرس الحاج سعيد، 30. معجم أعلام الإباضية رقم994.
Smogorzewski: Abdel-Aziz ses ecrits, 14 *Lewicki: Encyclopedie de l'Islam, 2ed, vol 1, 171 *Fekhar: Les communautés, 27, 204, 407index.
(1/7)
.
الإقرار بالإيمان "عقيدة" الجنّاوني
عكفت [لاورا پيتشا پاليّرى Laura Veccia Vaglieri] على الاهتمام بالأبحاث التي تناولت المتون الإباضية فجاء اهتمامها مثمرا بنتائج أصيلة. وبناء على ذلك دفعني يقيني من أن هذا الموضوع سوف يروق لهذة الدارسة الجليلة للدين والحضارة الإسلامية، إلى أن أنشُر، بهذه المناسبة، تلك الدراسة التي كنت أنشُد الإعداد لها منذ زمن بعيد، حول أحد الوثائق القديمة عن العقيدة الإباضية بعنوان العقيدة من تأليف الشيخ أبو زكريا الجنّاوني.
(1/8)
ففي نظام مثل الإسلام، حيث لا توجد سلطة بابوية، فكما هو معروف، يكون تحديد الموقف العقدي، بشكل أساسي على يد كُتب العقائد (أو كُتب الجهر بالعقائد)، والتي عبّر من خلالها على مر القرون بعض رواة الأحاديث، القضاة، المتصوفون وعلماء الدين، على اختلاف حظوظهم كبيرة كانت أم صغيرة، ووفقا لمكانتهم الأدبية والعلمية، وعن وجهة نظرهم الخاصة أو وجهة نظر مدارسهم إزاء أهم مشاكل علم الكلام والمذاهب. ولقد قام [أ.ج. وينسينك A. J. Wensinck] بدراسة أهم عقائد أهل السُنّة، في إطار تطورها التاريخي، في عمل مُتقن تحت عنوان (عقيدة المسلم)(1). كما توجد أيضا تراجم أخرى لعقائد فردية ودراسات مركزة حول مشاكل خاصة(2). أمّأ فيما يختص ب"كُتب العقائد" الإباضية فلقد ذاع صيت عملين فقط إستند إليهما، في الغالب، دارسي الحضارة الإسلامية. ينسب أحدهما إلى مؤسس المذهب الإباضي ذاته، عبد الله إبن إباض التميمي والذي وُلِدَ على عهد خلافة معاوية (41-60هـ / 661-680م) وألّف كتاباته إبّان خلافة عبد الملك (65-86هـ / 685-705م)؛ يرويه لنا صاحب كتاب كشف الغُمّة، وهو عمل ألّفه أحد شيوخ الأباضية العُمانين أواخر حياته وهو ما يزال مخطوطا قام بترجمته [ساشاو Sachau](3). والثاني للشيخ المغاربي عمرو بن جميع والذي عاش في القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي. ولقد قام بنشرها وترجمتها [أ. دي سي. موتيلينيسكي A. de C. Motylinski] تحت عنوان [العقيدة الإباضية(4)
__________
(1) - كامبريدج 1932.
(2) - انظر ثبت مراجع W. Montgomery Watt, "عقيدة" في الطبعة الجديدة لموسوعة الإسلام (Encyclopedie de l'Islam).
(3) - Ueber die religi?sen Anschauungen der Ibaditischen Muhammedaner in Oman und Ostafrika in Mittheilungen des Seminars f?r Orientalischen Spracehn, 1899, Westas. St., II, 1899, p. 62-69
(4) - - انظر Recueil e memoires et de texts الذي نُشر بمناسبة le XIVe Congres des Orienlstes per les professeurs de l'Ecole superieure del Lettres et des Medersas, الجزائر 1905، ص505- 545.
(1/9)
L'aqida des Abadhites].
وال "عقيدة" التي نحن بصددها نجدها ضمن كتاب "الوضع": أهم أعمال أبو زكريا يحي بن الخير ابن أبي الخير الجنّاوني أحد علماء الإباضية من جبل نَفّوسة (طرابلس Tripolitania)؛ عاش في النصف الأول من القرن السادس الهحري، الثاني عشر الميلادي(1). ويوجد من هذا العمل طبعة حجرية نُسخت لذكراه وتعود للعام 1303هـ، 1886م(2). وهناك أيضا طبعة حجرية لجزء من هذه العقيدة في الجزائر طُبِعت في عام 1325هـ، 1907م تحت عنوان "عقيدة نفوسة". واحتوت كلتا الطبعتين على حواشي هامشية للمغاربي محمد أبو ستّة القصبي(3).
__________
(1) - حول الكاتب وأعماله انظر "La purita' rituale secondo gli Ibaditi" "طهارة الطقوس عند الإباضية" في Annali dell'Istituto Universtario Orientale di Napoli, N.S. VI, 1957,ص 2.
(2) - تحتفظ مكتبة المعهد الجامعي للدراسات الشرقية بمدينة نابولي بنسخة محفوظة بعناية فائقة من كتاب "الوضع" ولاتختلف كثيرا عن النص الموجود في الطبعة الحجرية. انظر ر.روبيناتشي "Notizia di alcuni manoscritti ibaditi esistenti presso l'Istituto Universitario Orientale di Napoli, A.I.U.O.N, N.S. III" لعام 1949، ص436 – 437.
(3) - توفي عام 1088 للهجرة، 1677 للميلاد. عن حياته وأعماله انظر ر.روبيناتشي "Notizia…"مرجع سابق، ص431 – 434، و "La Purita'…" مرجع سابق ص7.
(1/10)
وكان الجنّاوني أول من وضع ترتيبا نظريا للتعاليم المتوارثة، من خلال حلقات "سلسلة نسب الدين"(1) والتي تعود حتى أيام أبو زجير اسماعيل بن درار الغدامسي، أي أحد حملة العلم الخمسة المشاهير، والذين ما أن تلقوا علومهم في البصرة بمدرسة العالِم الشهير أبوعبيدة التميمي حتى عادوا إلى المغرب في النصف الأول للقرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي(2).
وتعالج "عقيدته" باستفاضة كل الأوضاع العقدية الإباضية-الوهبية في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي. وهي تسمح لنا، من ناحية أخرى، أن نحدد زمن ال"عقيدتين" الأخرتين المذكورتين أعلاه، والذي لم يُحدد زمنهما بعد؛ وأن ندرس المشكلة التي طرحتها ناللينو (Nallino) حول العلاقات بين الأصول العقائدية عند المعتزلة وعند الإباضية في الشمال الإفريقي(3).
وكان الفكر اللاهوتي الذي جاءت بها التيارات المختلفة والتي بدأت مع صدر الإسلام، وقبل مجئ الجنّاوني، كان قد قطع شوطا طويلا.
وطالما كان النبي (ص) على قيد الحياة لم تكن هناك صياغة للمبادئ الأساسية للدين الجديد خارج مضمون الشهادة والتي كانت تعتبر الإقرار بعقيدة الإيمان الإسلامية.
__________
(1) - "سلسلة نسب الدين" بالنسبة للإباضية هي تلك المنظومة المستمرة غير المنقطعة للقائمين غلى نشر عقيدتهم.
(2) - ر.روبيناتشي "La Purita'…" مرجع سابق ص2.
(3) - سي. أ. نالليني "علاقات بين الأصول العقائدية عند المعتزلة وعند الإباضية في شمال إفريقيا" من مجلة الدراسات الشرقية – العدد السابع – روما 1916-1918 ص455 – 460، وأعيد نشرها في "Raccolta di scritt editi e inediti" - العدد الثاني – روما 1940 – ص170 – 175.
(1/11)
ولقد بات الانشغال بشرح العقائد ضروريا قرابة منتصف القرن الأول الهجري، عندما كان أهل السنّة والجماعة مجبرين على شرح موقفهم الخاص إزاء العقائد المخالفة التي جاءت بها الفرق الدينية، وذلك من خلال مناقشات كانت في بعض الأحيان حامية الوطيس. وما أن صفا الجو قام أئمة أهل السنة والجماعة بوضع حلولهم المتعلقة بكل نقاط الجدل في ملخصات عقائدية عُرفت باسم الفقه. ومن أقدم هذه الملخصات العقائدية: ما يُعرف بـ "الفقهه الأكبر1" الذي نُسب للإمام الشهير أبو حنيفة (الذي توفي في عام 150هـ، 767م) والذي يتصدره مقالا وُجِه ضد الخوارج، وكذلك "الوصية" والتي نُسبت هي الأخرى لأبي حنيفة، ولكنها بكل تأكيد ليست له نظرا لميولها الحنبلية، والتي تعارض بالأخص القدرية والمعتزلة الأول. ويعتبر "الفقه الأكبر2"، والذي نُسب هو الآخر لأبي حنيفة، هو أقدم عقيدة تم وضعها بشكل منظم ولكنه لا يمكن أن يعود إلى ما قبل القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، لأنه يمثل الوضع النهائي لأهل السُنّة والجماعة إزاء المعتزلة، والذي تم التوصل إليه من خلال جهود الأشعري (توفي عام 324هـ، 935م). ويُفتتح الفقه بلمحة مختصرة عامة عن الإيمان، ارتكزت على السنة. ثم تلى ذلك عدة مقالات تعالج ذات الله وصفاته، الملائكة وبالأخص البعثة النبوية لمحمد (ص). لكن الجدل ظلّ قائما بيد أنه لم يعد يحتل مكانا بارزا.
وتمثل الوصية والفقه الأكبر2، بشكل أوسع، أقدم مراحل علم الكلام عند المسلمين، وينصب تفكيرها على قضايا ذات الله وصفاته. وفي الفقة الأكبر2، تكشف مصطلحات مثل (جوهر) و(عَرَض) عن أولى تأثيرات الفلسفة الأرسطوطاليسية.
(1/12)
وفي أثناء القرنين الرابع والخامس الهجريين، العاشر والحادي عشر الميلاديين، برزت عملية تنظيم وعقلنة (ردها إلى مبادئ عقلية) العقائد، على غرار الفكر الأرسطوي، فظهرت، وإن كان بشكل متقطع، مقولات (واجب)، (ممكن أو جائز) و(مستحيل). ويرجع الفضل في التحول الحاسم، والذي أعّد له فلاسفة مثل الفارابي (توفي في العام 339هـ، 950م) و إبن سينا (توفي في العام 428هـ، 1037م)، إلى عبد القاهر البغدادي (توفي في العام 429هـ، 1037م)، والذي كان له السبق، على ما يبدو، في إدخال مبدأ العلم في علم الكلام. ولقد ارتكز اثبات صفات ذات الله على نظرية العلم والتي تمثل أول أحجار بيت اللاهوت. وأقدم الأعمال الدالة على ذلك هو الفقه الأكبر3 والذي، وإن كان قد نُسب للإمام الشافعي، لا يمكن أن يكون سابقا لأوائل القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي. ويُعرّف الفقهُ العلمَ ويطبق هذه الأداة الجديدة، على العالم، ويُظهر، ليس الأشياء فحسب، ولكن خالقها (بارئها) وصفاته. وبالتالي وجدت سلسلة من المقالات توضح العلاقة بين الله والإنسان، بعثة النبي (ص)، قيمة الإيمان، إحساس الجماعة، وللمرة الأولي في كُتب "العقيدة"، شروط الإمامة. ولم يكن الفقه الأكبر3 على نفس بساطة كُتب "العقيدة" السابقة، ولكن كان له طابع كتب التربية الدينة، ذلك الطابع الذي سوف يبرز أكثر فأكثر فيما بعد، في المشرق، في عقيدة أبا حفص "عمر النَصَفي" (توفي في العام 537هـ، 1142م) وفي الغرب في عقيدة ابن تومرت، المتلقب بالمهدي زعيم دولة "الموحدين" (توفي في العام 537هـ، 1142م).
وتحت هذا النوع من كتب العقيدة أو كتب التربية الدينية تندرج أيضا عقيدة الجنّاوني.
(1/13)
3. فلقد أعطى الجنّاوني، وفقا للترتيب التقليدي، الأسبقية لمفاهيم الفلسفة السكولاستية على العلم. فأفضل الطرق للوصول إلى الحقيقة هي معرفة الأشياء الموجودة (الموجودات) والفصل بين الأشياء المعلومة (المعلومات). فالأشياء إمّا موجودة منذ القدم (قديمة)، أو استُحدثت على مر الزمان (مستحدثة). الله أبدي (باق). والأشياء التي استحدثت على مر الزمان هي (الجسم) و(العَرَض). ولايوجد عند الإباضية ذلك الاختلاف الذي تفترض به كأساس استدلال مدرسة الأشاعرة بين (الجوهر) القِِوام المادي غير-المنقسم، و(الجسم) تلك المادة الجسدية المركبة وبالتالي فهي قابلة للإنقسام. وكما يتضح لنا من تعليق القصبي، فليس هناك اختلاف بين الجوهر والجسم، لأن كلاهما محدود (مُتَحيّز).والشئ المحدود لا يمكن اعتباره (غير منقسم). حقيقة الأمر أن كل مادة محدودة، قابلة للإنقسام لأن (جهة) الغرب تختلف عن (جهة) الشرق. ويطابق هذا الرأي ما جاء به إبراهيم النظّام (توفي في العام 231هـ، 845م) والذي كان الوحيد بين المعتزلة الذي رفض مبدأ الذريّة وأيّد أن "كل ذرة يمكن تقسيمها إلى عدد لانهائي من الأجزاء، حتى لو لم يكن ذلك ممكنا في الواقع، فعلى الأقل يمكن القيام به باستخدام مَلَكة الخيال (بالتخيل)"(1).
__________
(1) - الأشعري (مقالات) ed, Ritter اسطانبول 1929 ط 1،ص 319. أنظر أيضا عبد القاهر البغدادي "كتاب أصول الدين" – اسطانبول 1928 ص36 مع دحض لنظرية النّظّام؛M. Morten , Die philosophinschen system der spekulativen Theologen in Islam, بون 1912، ص227A.N. Nader, Le system philosophique des Mu'tazila, بيروت، 1956، ص55.
(1/14)
وبتقسيمه ل(العَرَض) إلى (سكون) و(حركة) وتلك الأخيرة إلى (ضرورية) و(كسبية)، أعطى الجنّاوني تصنيفا للمادة الجسدية (جسم). وتطابق نموذجه هذا لحد بعيد مع نموذج بورفيريوس (Porfirio). ونقول "لحد بعيد" نظرا لأنه ألغى مفهوم (الجوهر)، وتحول التمييز الذي يتطلبه (الجوهر) بين (جسدي) و(غير-جسدي) إلى (مرأي) و(غير-مرأي)، وأصبح يخص (الجسم).
وبدوره أصبح التمييز الذي يتطلبه (الجسم) بين (حي) و(غير-حي) يتميز بين (حيواني) و(مواتي) أصبح يختص بالـ (مرائي)؛ وذلك التمييز بين (حيواني) و(مواتي) أصبح يختص بالـ (مرائي)؛ وذلك التمييز الذي يطلبه الحي بين (مدرك) و(غير-مدرك) أصبح تمييزا بين (روحي) و(مائي) وأصبح يختص بالـ (حيواني).
تخطيط هيكلي
على أية حال، فكما هو واضح من هذا الجدول التوضيحي، فإن غالبية المصطلحات لها نفس قيمة المصطلحات عند بورفيريوس، بيد أنها طرأ عليها عملية نقل عن مواضعها.
فلقد وضع الجنّاوني تحت رتبة الكائن الحي العاقل: الإنسان، الجن (الثقلان) والملائكة على حد سواء. إذا فهو لم يقف عند نفس الصعوبة التي جعلت تقسيم بروفيريوس غير مقبول بالنسبة لإبن سينا: "هذا التقسيم، وإن كان مفيدا لتوضيح علاقة التبعية بين المفاهيم، فهو غير صحيح لأنه لايشتمل على الملائكة، والذين لا يمكن وضعهم في إطار من التبعية، بمعنى الكلمة، سواء تحت رتبة الكائن الحي، مع الحيوان والنبات، أو سواء تحت رتبة الحي العاقل، مع الإنسان"(1).
__________
(1) - إبن سينا، "كتاب الشفاء"، مكتبة المتحف البريطاني، رقم7500، 39-44. والفقرة مأخوذة عن ترجمة لإبراهيم مدكور، L'Organon d'Aristote dans le monde arabe, باريس 1934، ص74.
(1/15)
ولقد أضاف الجنّاوني المزيد من التمييز بين المفاهيم والخاصة بالإسلام: فالكائن العاقل إما مؤمن أو كافر؛ والمؤمن معصوم أو غير-معصوم؛ الكافر إما مشرك أو منافق؛ المسلم غير المعصوم يستطيع أن يدرك أعلى درجات الأيمان ويستمسك بها، كما أنه يستطيع أن يدرك أعلى درجات الإيمان ولايعمل بها.
ومصادر معرفة الأشياء المخلوقة (المخلوقات) هي: (الحِس المتبوع)، (العقل المجموع)، و(الشرع المسموع). وجاءت صيغته تقليدية تحاكي كتب التربية الدينية التي تحدثنا عنها أعلاه، والتي استهلها البغدادي(1). ويلاحظ فقط أن "الشرع المسموع" يأخذ مكان ذلك المصدر الذي يوصف في كتب العقيدة عند السُنّة بـ "الخبر الصادق".
ويوضح القصبي في تعليقه أن هذا التبديل يفسر بأن الشرع هو أسمى آيات "الخبر الصادق".
فالإدراك إما أن يتأتي بالحواس أو بالجسم (مجموع الأعضاء) مثلما الحال في الألم المعنوي، في الفرح، في الحزن، في الوجود وفي عدم الوجود. ويرجع هذا التمييز أيضا للبغدادي، والذي يُميز من العلم الطبيعي (علم ضروري) صنفا يُدرك بالأحاسيس (علم حسّي) وآخر تدركه مجموع الأعضاء كلها (علم بديهي)(2).
وينطوي (العقل المجموع) في ذاته على مقولات: الضروري (الواجب)، الممكن (الجائز) وغير الممكن (المستحيل). ويعطينا الجنّاوني تعريفا وأمثلة لكل مقولة منهم. فالـ"واجب" هو كل ما يستحيل عدم إدراك وجوده (ذاته) بالعقل أو بمعنى آخر، هو كل ما أوجبه العقل أو البديهة. على سبيل المثال: معرفة الفاعل بعد ثبوت حدوث الفعل. والمستحيل هو كل ما يستحيل إدراك وجوده (ذاته) بالعقل، على سبيل المثال: اتحاد الضدين، تحرك الجسم في اتجاهين مختلفين (في نفس الوقت)، إلخ. والجائز هو كل شئ يكون وجوده (ذاته) ليس بالواجب أو بالمستحيل.
__________
(1) - أصول الدين ص9.
(2) - كتاب أصول الدين، ص8-9.
(1/16)
ونجد أن المقولات هي نفسها الموجودة في النسق المنطقي الأرسطوطاليسي: "واجب"، "جائز" و"مستحيل". ولقد طبقها الجنّاوني، كما سنرى، على مفاهيم الله والنبي، وبذلك قدّم لنا أقدم دليل على إدخال ذلك النسق بأكمله في اللاهوت الإسلامي.
وثالث جذور العلم، هو "الشرع المتواتر" "الشرع المسموع"، وينقسم إلى: أ) المصدر "أصل"، ب) ما يمكن التدلليل عليه لهذا المصدر "مقول الأصل"، و ج) استمرار حال الأصل "استصحاب حال الأصل". ويشمل الأصل على: القرآن، السُنة والإجماع(1).
ولا توجد هنا أدنى إشارة عن "تماثل المبدأ الفكري" القياس، على الرغم من أنه يتضح، كما لاحظت في مواطن أخرى، أن الإباضية يستفيضون في اللجوء إلى استخدامه(2). ونجد سبب هذا الغياب مشروحا عند القصبي الذي يستشهد بفقرة من "السؤلات"(3): "القرآن هو أصل للسنة، والسنة أصل للإجماع، والإجماع أصل للقياس ولذلك يخضع القياس فقط لحُجة الإجماع". إذا فإن عملية "تماثل المبدأ الفكري" القياس عند الإباضية، تماما مثلما عند الشافعية، ليست أصلا مباشرا من أصول التشريع، ولكنه معيار تأويلي تُندب الجماعة لإقرار مدي صحته.
__________
(1) - في مقال بعنوان "الإباضية" ورد ضمن موسوعة الإسلام، Enciclopedie del l'Islam، قيل أن الإباضية يقبلون، كأصولا للتشريع، بالقرآن والسنّة، ولكنهم فيما يتعلق بالإجماع والقياس يتبادلون الرأي. حول العلاقة بين الرأي، القياس والإجماع انظر ص574 من هذا العمل.
(2) - ر. روبيناتشي، La purita'، ص20.
(3) - عمل مفقود لعالم إباضي من القرن السادس للهجرة، الثاني عشر للميلاد؛ أبو عمرو عثمان بن خليفة الصوفي.CF. Motyliniski, Bibliographie du Mzab, in Bulletin del Correspondence Africane, ط3، الجزائر 1878، ص27، رقم 66.
(1/17)
وبجوار "الأصل" يضع الجنّاوني "مقولة الأصل"، أي ما يمكن التدليل عليه لنفس ذات الأصل ذاته مما يوضح مدى أهميته. ونحن ها هنا بصدد تفسير وتأويل النصوص القديمة. وهي، إذا، عملية معرفية منطقية. وتتضافر مع عملية التأويل وفقا للجنّاوني، عدة عناصر أخرى: 1) مدلول الكلام "لحن الخطاب"، أو العنصر النحوي، والذي به يتبين المراد من أحكام الشريعة، آخذين في الاعتبار كل الكلمات حتى الضمنية منها، وكل الصلات النحوية التي ترتبط بها 2) ضمنية الكلام "فحوى الخطاب" أو العنصر المنطقي الذي به تتبين، بالضرورة، إرادة المشرع الحقيقة، من خلال الحكم المنطوق، حتى وإن لم تتضح من الألفاظ. فعلى سبيل المثال فإن الحكم القرآني الذي يحرم التأفيف (أن يقول المرء "أُفٍ") في وجه الوالدين (القرآن – السورة السابعة عشر – الآية 23)، ينطوي، عند الجنّاوني، على تحريم ضربهم وقتلهم. والبغدادي الذي بحث في نفس الحكم القرآني وتوصل لنفس الاستنتاج، لا يرى فيها بالفعل حالة من التأويل الممتد، بل هو "قياس جلي"(1)؛ 3) "معنى الخطاب"، أو العنصر الحرفي، والذي بمقتضاه يأخذ الحكم نفس المعنى الذي يتضح من الكلام (المعنى الظاهر).
__________
(1) - كتاب أصول الدين، ص18.
(1/18)
العنصر الثالث الذي يدخله الجنّاوني تحت مصادر التشريع هو "استصحاب حال الأصل"، أي "استمرارية حال الأصل"، وهي الخاتمة التي يصل إليها الفقيه عن طريق ربط حال شيء ما بسابقه. بمعنى آخر، أنه بمجرد أن تثبت حالة أمر ما في لحظة ما، فيفترض أن تستمر هذه الحالة إلى أن يثبت العكس. ويعتبر الشافعي، والذي كان أول من طبّق هذا المبدأ ولكن دون استخدام لفظة "استصحاب"، أنه جزأ من "القياس" و"المعقول"(1). والقاعدة الأساسية عند الجنّاوني هي "براءة الذمّة"؛ فمن أدعاها "شُغل الذمّة" فعليه البرهان، تماما مثلما يجب على كل من أنكر هذا البرهان، بعد إتيانه، أن يأتي ببرهان "يدحضه". ومن ذلك نصل إلى أنه ما من فرض يقع على عاتق المسلم، ما لم تحدده الشريعة. ويعلق القصبي قائلا: أن الموقف الإباضي بناء على ذلك يخالف موقف المعتزلة، القائلين بأن أحد أصول الفرض يمكن أن يكون أيضا "العقل" فقط (بمعني التدبر والتفكر). وهناك جانب آخر للاستصحاب عند الجنّاوني؛ ألا وهو "الاستحسان" والذي يصفه بأنه حكم يستند إلى ما جاء به آخرون من ذوي الثقة (تقليد)، دون إلزام، برهان أو اثبات". وبمعنى آخر، فالاستحسان، وهو تفضيل حكم تُمليه أسباب الاستخدام المنفعة العملية أو الإنصاف، على حكم يُمليه القياس، لن يعدو عندئذ كونه تقليدا، أو حكما يفتقر لأي برهان مباشر. ويشرح القصبي لنا العلاقة بين التقليد والاستصحاب بأن من يستخدم التقليد يستصحب إثبات المُقلد.
وبغض النظر عن كون هذا التفكير صحيحا أم لا، فالأمر الذي يعنينا هنا ملاحظته هو أن الإباضية يقرّون ليس فقط الاستحسان، بل التقليد أيضا(2).
__________
(1) - كتاب الأم، بولاق 1321-1325، ط4، ص170.CF. J. Schacht, The origins of Mohammedan Jurisprudence, أكسفورد 1950، ص126.
(2) - انظر تأكيدات Schacht في Handworterbuch des Islam, عن أن التقليد مرفوض عند الإباضية.
(1/19)
إذا فلقد دخلت العقيدة في لب الجزء اللاهوتي. فإثبات ذات الله، قدمه وبقاؤه ووحدانيته، عند الجنّاوني، تماما مثلما عند المدرسة الأشعرية، هي خاتمة تفكير يرتكز على برهان قاطع: الشريعة المُنزلة. ويتم الاستشهاد من آن لآخر ب"سورة الإخلاص رقم 112 بين سور القرآن الكريم" التي تؤكد بشكل كبير وحدانية الله وتدحض آراء (الظاهرية)، (الثَنَويّة) و(المُجَسِِمّة)، اليهود والنصاري و(المُشبِهَ) الذين يشبهون الله بالمخلوقات. و يطبق (التنزيه) تنزيه الله عن كافة المخلوقات بشدة لتطهير فكرة التوحيد والتي تقول بأن الله واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في فعله. ومن صفاته: (القُدرة)، (الإرادة)، (العلم)، (الحياة)، (الكلام)، (السمع)، و(البصر). ويؤكد القبصي مستدلا بكلمات الجنّاوني: "ومعنى الوصف له (أي لله) بهذه الصفات النافية لأضدادها"، أن هذه الصفات ليست معاني، كما يمكن أن تبدو، زائدة على ذات الله، كما عند الأشاعرة، ولكنها هي عين ذاته، حيث ينفي الجنّاوني صفات الله نفيا تاما، مثل المعتزلة. ولقد تناول القصبي نفس القضية بخصوص صفة الله (الكلام) فقال بأن الجنّاوني أعتبر هذه الصفة، صفة ذاتية، نافيا ضدها (فالمتكلم ليس بأخرس)، و على هذا النهج ظل المجاز (إطلاق) السائد بين الإباضية، إلى أن خشوا الوقوع في مذهب من خالفهم (أي أهل السُنّة والجماعة والذين كانوا استنبطوا من ذاتية صفة الله الكلام، أن القرآن ليس مخلوقا، فهجروها وفضلوا الإطلاق الآخر الذي كانت تتبعه جماعة من المعتزلة، والذي كان يقرر بأن صفة الكلام هي من بين صفات الله الفعّالة والتي لا تنفي الضد (الله متكلم ولكنه يمكن أن يكون أيضا ساكتا)، ويمكن برهنتها بمرور الوقت. واستنادا لهذ البرهنة تصبح صفة الكلام من الصفات الجائزة، المخلوقة ومن ذلك الرائي بخلق القرآن.
(1/20)
وبقراءة كتاب الجواهر للبرادي(1) قد يعتقد البعض بأن رأي الأباضية بخلق القرآن، هو نتيجة تأمل متأخر وبالتالي لم تكن (أي النتيجة) معروفة للجنّاوني، بيد أنه قد ثبت بالفعل أن الملك الرستمي (من تيهرت "تاهرت") أبو اليقظان محمد بن أفلح والذي حكم حوالي 240-281هـ، 860-849م، أي حوالي ثلاثة قرون قبل مجئ الكاتب المغاربي الإباضي (يقصد الجنّاوني) كان قد أقر بخلق القرآن.
ولايجب إغفال الفرض بأن الإباضية، على الرغم من إقرارهم في وقت سابق بصفة الكلام كصفة ذات لله، فهم لم يُعرّفوه قط (أي الكلام)، كما فعل على العكس من ذلك أهل السُنّة والجماعة، على أنه "كلماته" (أي كلمات الله) أو "القرآن". وفي هذه الحالة فإن موقف الإباضية قد لا يختلف عن الموقف المسيحي، القائل بأن كلمة الله الخالدة لا تُعرف على أنها كلمات الله ولا بالكتاب المقدس في مجمله(2).
__________
(1) - القاهرة 1302 ص186، عن الكاتب وأعماله انظر ر.روبيناتشي "كتاب الجواهر للبرادي" في AIOUN, N.S, VI, Roma 1952، ص95–110.
(2) - تيودورو أبو قرّة، في Migne، الجزء 47، العمود 1592.
(1/21)
4) فلو كان منهج الجنّاوني "كلاما"، وربوبيته (علم البحث عن وجود الله وصفاته) تنزيها، فإن أخلاقياته (عبرته) كانت بأكملها تسليم (أي خضوعا تاما لآوامر الله)، وشريعته وقضائه. ومن هنا ينبع الطابع الكلياني للإيمان. وهذا ليس فقط إقرار شفهي (قول)، بل على الأخص إقرار عملي (عمل). ويتكون الإقرار العملي (العمل) من الإنقياد في المقام الأول لتعاليم الفريضة، مثل الطهارة، إقامة الصلاة، الصوم، إيتاء الزكاة، حج البيت والجهاد في سبيل الله. وعدد التعاليم غير محدود، وبجانب أركان الإسلام المذكورة أعلاه، هناك إلزامات أخري ليست أقل حتمية، مثل اختيار الإمام و رفض تعدد الإمامات(1). بيد أن الإيمان يشمل أيضا كل الأعمال التطوعية الزائدة (النافلة) التي، وفقا لما يفهم من إحدي جُمل الجنّاوني(2)، يمكن أن تكون هي الأخري مقررة بأمر من الله. وهذا المفهوم الإيماني هو مفهوم معتزلي صِرف(3) ولا يجد صدي عند أهل السنة والجماعة، والذين يقولون بأن النوافل لا تحدد الإيمان، ولكنها تضمن، بدون أي إلزام بحساب، الثواب اللإهي(4).
__________
(1) - كلا التعليمان يتعارضان مع الطابع غير الإجباري للإمامة الذي أشار إليه Lewicki Handwortebuch des Islam, Ibadiya ومع جواز وجود إمامين والتي نسبها Nallino إلى الإباضية في "الموسوعة الإيطالية، الجزء 8، ص413، باب الخليفة"، والذي غلى ما يبدو أنه عمم غلى هؤلاء أحد المبادئ التي تأكدت فقط عند طائفة أخري من الخوارج، الحمزية، وهم فرع من الأغاريدة شهرستانيReligionsparteien und philosophenschulen ترجمة Th. Harbrucker, Halle, 1850، الجزء الأول، ص145).
(2) - (وأما العمل الذي هو من الإيمان فكل ما أمر الله بامتثاله من فريضة ونافلة).
(3) - الأشعري، مقالات، مرجع سابق، الجزء الأول. ص266.
(4) - عبد القاهر البغدادي، أصول، مرجع سابق، ص249. CF. Handbook of Early Muhammadan Tradition. ص182 أ.
(1/22)
وبعد أن استقر على طبيعة الإيمان، عرض الجنّاوني ودحض عقيدة المُرجئة، القائلة بأن الأعمال ليس لها أدني شأن بالإيمان. وفي إطار هذا التأكيد الشائع لدي كل المرجئة ميّز الجنّاوني من بين ممثلي تلك الحركة، ثلاثة مجموعات:
1. مجموعة جهم بن صفوان(1)، القائل بأن الإيمان هو معرفة دون إقرار.
2. مجموعة أبي مروان جيلان(2)، القائل بأن الإيمان هو إقرار دون معرفة.
3.مجموعة أبي حنيفة والقائل بأن الإٌيمان هو المعرفة والإقرار معا. واستمد هذا التمييز من مقالات الأشعري، حيث نجد، على كل حال، تسعة اشكال من التمييز تقوم، على قبول، أو عدم قبول، عناصر أخري (الحب، الخوف، التسليم (الإذعان) إلخ) لكل واحد من التعريفات المذكورة أعلاه(3).
ويشارك نفس مفهوم الإيمان عند الإباضية كل من: الصُفرية، القُدرية، الحَشَوية (أو السُنة)، الزيادية و الشيعة، على الرغم من اختلاف المواقف اتي اتخذتها كل مجموعة من هذه المجموعات إزاء من كل من يقر بالإيمان ولكنه لا يلتزم بما يقتضيه. ففي الوقت الذي تعتبر الصُفرية هذا الشخص مشرك، وبالتالي خارج عن جماعة المسلمين، فهو بالنسبة للسُنة مذنب فقط، وهو كافرعند الإباضية، الزيادية والشيعة وبالتالي فهو خارج عن جماعة الإباضية وليس جماعة المسلمين. وبعد العديد من التأملات حول معاني كلمة دين والتي توضحها استشهادات مشاهير الشعراء، تبع ذلك تذييل فقهي حول العلاقات مع أتباع مختلف العبادات، والذي أدخلته الآية القرآنية رقم 17 في السورة 22، والذي يعدد هذه العبادات.
وبالمقارنة بالإباضي، الذي يحمل العقيدة الإسلامية الحقّة، هناك طائفتان من الكفار:
__________
(1) - للتوسع انظر الموسوعة الإيطالية.
(2) - أبو مروان غيلان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *