البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي لأحمد الخليلي - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي لأحمد الخليلي

 





الكتاب : البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي
ورقة عمل مقدمة للمؤتمر:
"مشكلة الفقر في العالم الإسلامي : الأسباب والحلول"
كوالالمبور - ماليزيا - الجامعة الإسلامية
2 - 3 من ذي القعدة 1425 / 14 - 15 من ديسمبر 2004
إعداد : سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي
ورقة عمل مقدمة للمؤتمر :
"مشكلة الفقر في العالم الإسلامي : الأسباب و الحلول"
كوالالمبور- ماليزيا - الجامعة الإسلامية
2 – 3 من ذي القعدة 1425 / 14 – 15 من ديسمبر 2004
إعداد : سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
جدول المحتويات…3
مقدمة في تعريف الفقر:…3
القسم الأول: البعد السياسي لأسباب الفقر:…5
1) الرأسمالية:…13
2) الشيوعية:…17
3) الاشتراكية…20
4) العولمة:…22
5) الصهيونية:…24
أولهما: انتشار المخدرات والخمور.…25
ثانيهماً : المقامرة…34
القسم الثاني: الحل الإسلامي…35
المال في نظام الإسلام هو مال الله…37
المال العام:…41
الإسلام يدعو إلى مكافحة الفقر بتوفير الإنتاج:…43
خاتمة في مقترحات تتعلق بالموضوع:…48
بسم الله الرحمن الرحيم
البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ،، وبعد
فهذا بحث أعددته لهذا المؤتمر المبارك يتناول البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي، وهو يشتمل على مقدمة وقسمين وخاتمة، فالمقدمة في تعريف الفقر والقسم الأول في البعد الساسي لأسبابه ، والقسم الثاني في الحل الإسلامي لمشكلته ، والخاتمة فيها مجموعة من التوصيات والاقتراحات أرجو أن تكون مسهمة في حل هذه المشكلة وعلاجها .
مقدمة في تعريف الفقر:
لا خلاف لغةً ولا اصطلاحاً أن الفقر هو ضد الغنى ، وإن اختًلف في تحديد مفهومه عند اللغويين والفقهاء والخبراء الاقتصاديين ، ففي لسان العرب نقلا عن ابن سيده أنه قال: "وقدر ذلك أن يكون له ما يكفي عياله"، ومثله قول ابن السكيت: "إن الفقير الذي له بلغة من العيش" قال الراعي يمدح عبدالملك بن مروان ويشكو إليه سعاته:
أما الفقير الذي كانت حلوبته……وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ
(1/1)
والمسكين الذي لا شيء له" وفيه أيضاً: "قال يونس : الفقير أحسن حالاً من المسكين ، قال: وقلت لأعرابي مرةً : أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين . فالمسكين أسوأ حالاً من الفقير ، وقال ابن الأعرابي: الفقير الذي لا شيء له، قال : والمسكين مثله".. إلى أن قال : "سئل أبو العباس عن تفسير الفقير والمسكين فقال : قال أبو عمرو بن العلاء فيما يروي عنه يونس: الفقير الذي له ما يأكل والمسكين الذي لا شيء له ... إلخ(1)
وفي كليات أبي البقاء: "الفقير هو من يسأل والمسكين من لا يسأل – إلى أن قال – وقيل الفقير الزمن المحتاج والمسكين الصحيح المحتاج ، وقيل الفقير من له أدنى شيء والمسكين من لا شيء له"(2)
وهذا يدل على أن اللغويين اختلفوا في تحديد مفهوم الفقير والمسكين وأيهما أسوأ حالاً من الآخر، وكثير مما قالوه ؛ راعوا فيه اشتقاق الكلمتين ، فالفقير كأنما الحاجة قطعت فقار ظهره والمسكين من أسكنته الحاجة حتى عجز عن السعي في الوصول إليها وقدانعكس اختلاف اللغويين على آراء المفسرين والفقهاء.(3)
__________
(1) لسان العرب ، مادة فقر (5/60 – 61) دار صادر – بيروت.
(2) أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي : الكليات، ص 696 ، مؤسسة الرسالة.
(3) ينظر: أبو عبدالله القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 8/168 – 171 – دار الكتاب العربي للطباعة ، الفخر الرازي : التفسير الكبير 16 :107- 110دار الكتب العلمية – طهران ، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير : 10 :235 الدار التونسة للنشر ، نور الدين السالمي : معارج الآمال على مدارج الكمال : 16 : 133- 149 ، ط. وزارة التراث ، مسقط ، د. يوسف القرضاوي : فقه الزكاة : 2: 544-556 ط. مؤسسة الرسالة.
(1/2)
ومهما يكن من معنى للفقير والمسكين ومن هو أسوأ حالاً من الآخر فإن كلاً منهما لا يستطيع أن يستقل بالإنفاق على نفسه وعلى من يطالب بأن ينفق عليه شرعاً إلا بمعونة تأتيه ، ومعنى ذلك أن الفقير والمسكين لا يكفيهما ريعهما لنفقاتهما الضرورية .
ولعلماء الاقتصاد تعريفات متعددة لمفهوم الفقر نقتصر منها على تعريف الدكتور عبدالرزاق الفارس وهو أنه "عدم القدرة على تحقيق مستوى معين من المعيشة يمثل الحد الأدنى المعقول والمقبول في مجتمع ما من المجتمعات في فترة زمنية محددة"(1)
وهذا التعريف يركز على مستوى المعيشة المادي القابل للقياس ، والذي يرتبط بالظروف الاقتصادية والاجتماعية لكل مجتمع من المجتمعات على حدة وخلال فترة زمنية محددة،(2) وهو مبني على ما قاله في توصيف هذه التعريفات ، والجزء المشترك حول جميع تعريفات الفقر يدور حول مفهوم (الحرمان النسبي) لفئة معينة من فئات المجتمع . (3)
القسم الأول: البعد السياسي لأسباب الفقر:
__________
(1) عبدالزاق الفارس : الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي ، ص21 ،مركز دراسات الوحدة العربية.
(2) ن. م.
(3) ن. م.
(1/3)
لا يخفى على من له اطلاع على أحوال الأمم ما للسياسة عندما تنحرف عن النهج السوي من أثر في إغراق جماهير الشعوب والأمم في عباب الفقر المتلاطم وصبغ حياتهم بصبغة الحرمان ولم يكن هذا وليد اليوم والأمس وإنما هو أمر عانت منه الشعوب التعيسة الواقعة تحت نير الجبارين وبطش الظالمين في جميع أدوار التاريخ البشري ، لا فرق في ذلك بين أمة شرقية وأمة غربية فجميع الأمم التي عانت من ويلات بطش الفراعنة واستبداد الأكاسرة وظلم القياصرة وقهر البابليين هي سواء في معاناة الحرمان ومكابدة الفقر كما استوت في مقاساة ما يصب على رؤوسها من أنواع العذاب ناهيك بقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)}[سورة القصص] فهل ترى أولئك الذين كانوا يذبح أبناؤهم نكاية وإذلالا وتستحيا نساؤهم للخدمة والاستعباد كانوا يتمتعون بما تتطلبه الحياة من عيش هانئ مستقر توفر فيه المطالب وتقضى فيه الحاجات؟ كلا وألف كلا فإنهم ما كانوا إلا قطيعاً مسخراً للإنتاج والكدح المرهق من أجل أن ينعم فرعون وحاشيته بفضول العيش وأنواع الترف والنعيم ومع ذلك فإن أبواق الدعاية الفاجرة من الكهنة وحاشية الفرعون تقلب الموازين رأساً على عقب في تصور المظلومين حتى يخيل إليهم أن هؤلاء الفراعنة هم أبر بهم وأرحم وألطف وأرأف ناهيكم بهذه القصة التي ذكرها الدكتور/ موسى الموسوي دليلاً على ذلك قال:
(1/4)
كان (سنوحي) طبيباً للفرعون أمفسيس الذي عاش في القرن العاشر قبل الميلاد، وقد كتب مذكراته عن حياة هذا الفرعون وعن الشعب المصري الذي كان يعاني استبداد أمفسيس . واكتشف علماء الآثار هذه المذكرات ضمن ما خلفته السنون بين الكتب الهيروغليفية ، وترجمت مذكرات هذا الطبيب التي كتبها بأسلوب رائع وبديع إلى اللغات العالمية الحية وطبعت أكثر من مرة وهي الآن بين أيدينا يستطيع القراء قراءتها كل بلغته واستخلاص دروس العجب منها .
يقول (سنوحي) في مذكراته:
"كنت أمشي في شارع من شوارع مصر وإذا بالرجل الوجيه الشريف الثري المعروف (اخناتون) ملقى على الأرض مضرجاً بدمائه وقد قطعت يداه ورجلاه من خلاف وجدعت أنفه وليس في بدنه مكان إلا وفيه طعنة رمح أو ضربة سوط وهو قاب قوسين أو أدنى من الموت، فحملته إلى دار المرضى وجاهدت جهاداً عظيماً لإنقاذه من الموت وبعد شهرين أو أكثر وعندما أفاق من غيبوبته قص عليَّ قصته المحزنة المفجعة قائلاً :
لقد أمرني الفرعون أمفسيس أن أتنازل له عن كل شبر أرض أملكه وأن أهبه أزواجي وعبيدي وكل ما أملك من ذهب وفضة ، فاستجبت لما أراد بشرط أن يترك لي داري التي أسكن فيها ومعشار ما أملكه من الذهب والفضة لاستعين بها على أودي ، فاستثقل فرعون هذا الشرط واستولى على كل ما كان عندي ، ثم أمر بأن يفعل بي تلك الأفاعيل الشنيعة وأن أطرح في الشارع عارياً لأكون عبرة لمن يخالف أوامر الإله (أمفسيس) .
ودارت الأيام وإخناتون المسكين يعاني الفقر والحرمان وكل أمله في هذه الدنيا هو القصاص من الفرعون الظالم ولو على يد غيره .
(1/5)
ومات الفرعون وحضرت مراسيم الوفاة بصفتي كبير الأطباء ، فكان الكهنة يلقون خطب الوداع مطرين الراحل العظيم وكانت الكلمات التي يرددونها لا زلت أتذكرها جيداً ، فقد كانوا يقولون (يا شعب مصر ، لقد فقدت الأرض والسماء وما بينهما قلباً كبيراً كان يحب مصر وما فيها من إنسان وحيوان ونبات وجماد ، كان للأيتام أباً وللفقراء عوناً وللشعب أخاً ولمصر مجداً . كان أعدل الآلهة وأرحمهم وأكثرهم حباً لشعب مصر . ذهب أمفسيس لكي ينضم إلى الآلهة الكبار وترك الشعب في ظلام ).
ويضيف (سنوحي):
وبينما كنت أصغي إلى كلام الكهنة ودجلهم في القول وأندب حظ مصر وشعبها المسكين الذي يرزح تحت سياط الفراعنة والكهنة معاً ، و بينما كانت الجماهير المحتشدة التي لقي كل فرد منهم على حدة من بطش فرعون وسياطه أذى وعذاباً تجهش بالبكاء : سمعت رجلاً يبكي كما تبكي الثكلى وصوت بكائه علا الأصوات كلها ويردد عبارات غير مفهومة ، فنظرت مليًّا وإذا صاحب البكاء هذا هو إخناتون المعوق العاجز الذي كان مشدوداً على ظهر حمار وأسرعت إليه لأهدئه بعض الشيء ، فقد ظننت أنه يبكي سروراً وابتهاجاً على وفاة ظالم ظلمه إلى حد الموت بالتعذيب ، ولكن إخناتون خيب آمالي عندما وقع نظره عليَّ وأخذيصرخ عاليا بقوله: (يا سنوحي لم أكن أعلم أن أمفسيس كان عادلاً وعظيماً وباراً بشعبه إلى هذه المرتبة العظيمة إلا بعد أن سمعت ما قاله كهنتنا فيه. وها أنا أبكي يا سنوحي لأنني حملت في قلبي حقداً على هذا الإله العظيم بدلاً من الحب والإجلال طوال سنوات عديدة ، حقَّاً لقد كنت في ضلال كبير).
ويقول (سنوحي) : وعندما كان إخناتون يكرر هذه الكلمات بإيمان راسخ كنت أنظر إلى أعضائه المقطوعة وصورته المشوهة وأنا حائر فيما أسمع وكأنه قرأ ما يدور في خلدي وإذا به يصرخ فيّ بملء شدقيه:
(1/6)
(لقد كان أمفسيس على حق فيما فعله بي لأنني لم أستجب إلى أوامر الآلهة وهذا هو جزاء كل من يعصي الإله الذي خلقه وأحبه ، وأي سعادة أعظم للمرء من أن ينال جزاء أعماله الذي يستحق على يد الإله لا على يد غيره).
من أمفسيس هذا؟
فرعون من فراعنة مصر ، حكمها بالنار والحديد طوال عشر سنوات، دخل في حرب خاسرة مع بلاد النوبة الجارة ، قتل فيها خمس شعب مصر، خرب المزارع وقطع الأشجار وأباد شباب مصر متهماً إياهم بالهزيمة في الحرب التي شنها ضد النوبة ، أحرق العاصمة في إحدى ليالي مجونه كما فعل بعده نيرون بسبعة قرون الذي أحرق روما عاصمة الرومان ، لقد كان عهد أمفسيس أسوأ عهد عرفته مصر في تاريخ الفراعنة الذين حكموها مبتدئا من الأسرة الأولى حتى الأسرة الخامسة التي كان أمفسيس أول أفرادها .
مات أمفسيس وترك خراباً شاملاً وشعباً ممزقاً ومع كل هذا بكته الجماهير المحتشدة متأثرة برثاء الكهنة وخطبهم ومن بين تلك الجماهير إخناتون المسكين.(1)
هذا وقد صوَّر العلاَّمة الدكتور يوسف القرضاوي بريشة بيانه البليغ مشاهد مؤلمة من أحوال الإنسانية في تلك القرون الغابرة وهي تعيش في ظل من يحموم حكم الظالمين وذلك في قوله:
عرف الإنسان الفقر والحرمان من أزمنة قديمة، وعرف التاريخ الفقراء والمحرومين من عهود سحيقة ، ومن الإنصاف أن نقول : إن الحضارة الإنسانية لم تخلُ في عهد من عهودها من أناس يدعونها إلى ذلك المعنى الإنساني الأصيل، وهو إحساس الإنسان بآلام أخيه ، ومحاولة إنقاذه من بؤسه وحرمانه ، أو التخفيف من ويلاته على الأقل.
__________
(1) د. موسى الموسوي : يا شيعة العالم استيقظوا ، ص 7-10.
(1/7)
غير أن الوضع الذي كان عليه الفقراء عملياً كان سيئاً للغاية ، وكان نقطة سوداء في جبين الإنسانية ، ولم يتقيد المجتمع بما أوصى به الحكماء ، ونادى به العقلاء . وهذا باحث كبير ، يحدثنا عن هذا التاريخ الأسود منذ أقدم الحضارات ، تاريخ العلاقة بين الأغنياء الواجدين ، والفقراء المحرومين ، فيقول : "في أية أمة من الأمم أجال الباحث نظره وجد طبقتين من الناس لا ثالثة لهما : الطبقة الموسرة ، والطبقة المعسرة ، ووجد بإزاء هذا أمراً جديراً بالملاحظة ، وهو أن الطبقة الموسرة تتضخم إلى غير حد ، والطبقة المعسرة لا تفتأ تهزل حتى تلتصق بأديم الأرض ، معيية رازحة ، فيتداعى البناء الاجتماعي ، لوهن أساسه ، وقد لا يدري المترفون من أي النواحي خر عليهم السقف .
كانت مصر في عهدها القديم جنة الله في الأرض ، وكانت تنبت من الخيرات ما يكفي أضعاف أهلها عدداً ، ولكن الطبقة الفقيرة فيها كانت لا تجد ما تأكله ، لأن الطبقة الموسرة كانت لا تترك لهم شيئاً غير حثالة لا تسمن ولا تغني من جوع .
فلما أصابتها المجاعة على عهد الأسرة الثانية عشرة ، باع الفقراء أنفسهم للأغنياء ، وساموهم الخسف ، وأذاقوهم عذاب الهون .
وفي مملكة "بابل" كان الأمر على ما كان عليه في مصر ، لا حظ للفقراء من ثمرات بلادهم، مع أنها كانت تسامي بلاد الفراعنة نماء وخصوبةً وكانت تجري مجراها فارس . أما لدى الأغارقة (اليونان) الأقدمين فكان الأمر لا يعدو ما تقدم ، بل تروى عن بعض ممالكهم أمور تقشعر من هولها الجلود ، فقد كانوا يسوقون الفقراء بالسياط إلى أقذر الأعمال ، ويذبحونهم لأقل الهفوات ذبح الأغنام .
أما في إسبارطة من ممالكهم فقد كان الموسرون تركوا للمعسرين الأرض التي لا تصلح للإنبات فذاقوا ألوان الفاقة غير مرحومين .
وكان الأغنياء في أثينا يتحكمون في الفقراء إلى حد أنهم كانوا يبيعونهم بيع العبدان ، إذا لم يؤدوا لهم ما كانوا يفرضونه عليهم من الإتاوات .
(1/8)
أما في رومة منبع الشرائع والقوانين ، ووطن الفقهاء والأصوليين ، فقد كان الموسرون مستولين على العامة ، ومتميزين عنهم تميزاً يجعل العامة بإزائهم كالطائفة المنبوذة لدى الهنديين وما كانوا يرضخون لهم بصبابة إلا بعد أن ينال منهم الإعياء ، فيهجرون المدن ، ويقاطعون الجماعة مرغمين .
قال العلامة "ميشليه" في المملكة الرومانية من هذه الناحية:
كان الفقراء يزدادون كل يوم فقراً ، والأغنياء يزدادون غنى ، وكانوا يقولون : ليهلك الوطني ، وليمت جوعاً ، إذا لم يستطع أن يذهب إلى ساحات القتال .
فلمّا زالت الدولة الرومانية ، وقامت على أنقاضها الممالك الأوروبية ، ازدادت حالة الفقراء سوءاً فكانوا في جميع أصقاعها يباعون كالماشية مع أراضيهم"
هذا هو وضع الفقراء في تلك القرون المديدة ، وهذا هو موقف الأغنياء منهم ، فماذا صنعت الأديان لإصلاح وضع الفقراء ، وتقريب الشقة بينهم وبين الأغنياء ؟(1)
وقد نعمت الإنسانية بالإسلام ، دين الرحمة والأخلاق ، فأغنى فقراءها وراش ضعفاءها الذين آووا إلى كنفه فأراحهم في واحاته الوارفة الظليلة من معاناتهم تحت وهج مبادئ الظلم والاستبداد مما أرهقتهم به من الحرمان والجور، وكان ذلك في عهد النبوة الهادية والخلافة الراشدة، ولكن ما كادت تطوى صفحة ذلك العهد المشرق بحلول الملك العضوض والاستبداد الغاشم محل الحكم العادل والقيادة الراشدة، حتى عادت السياسة إلى سيرتها الأولى وانقلب الناس إلى ما كانوا عليه من مكابدة الظلم ومقاساة الحرمان. ويصور لنا ذلك الداعية الكبير السيد أبو الحسن الندوى حيث يقول في كتابه الفريد" ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين":
__________
(1) د. يوسف القرضاوي : فقه الزكاة ، 1: 45- 74 ، ط. مؤسسة الرسالة.
(1/9)
لقد أتى على العالم العربي عهد في التاريخ كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد – وهو شخص الخليفة أو الملك – أو حول حفنة من الرجال – هم الوزراء و أبناء الملك – وكانت البلاد تعتبر ملكاً شخصياً لذلك الفرد السعيد والأمة كلها فوجاً من المماليك والعبيد ، ويتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأعراضهم ، ولم تكن الأمة التي كان يحكم عليها إلا ظلاً لشخصه ولم تكن حياتها إلا امتداداً لحياته .
لقد كانت الحياة تدور حول هذا الفرد بتاريخها وعلومها وآدابها وشعرها وإنتاجها ، فإذا استعرض أحد تاريخ هذا العهد أو أدب تلك الفترة من الزمن وجد هذه الشخصية تسيطر على الأمة أو المجتمع ، كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها وتمنعها من الشمس والهواء ، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب فيه وتصبح أمة هزيلة لا شخصية لها ولا إرادة ، ولا حرية لها ولا كرامة .
وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة ، فلأجله يتعب الفلاح، ويشتغل التاجر، ويجتهد الصانع، ويؤلف المؤلف وينظم الشاعر ، ولأجله تلد الأمهات ، وفي سبيله يموت الرجال وتقاتل الجيوش ، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها ويقذف البحر نفائسه وتستخرج كنوز الأرض خيراتها .
وكانت الأمة - وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية كلها تعيش عيش الصعاليك ، أو الأرقاء المماليك ، وقد تسعد بفتات مائدة الملك وبما يفضل عن حاشيته فتشكر ، وقد تحرم ذلك أيضاً فتصبر ، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئاً بل تتسابق في التزلف وانتهاز الفرص.
(1/10)
هذا هو العهد الذي ازدهر في الشرق طويلاً وترك رواسب في حياة هذه الأمة ونفوسها وفي أدبها وشعرها ، وأخلاقها واجتماعاتها ، وخلف آثاراًَ باقية في المكتبة العربية ، ومن هذه الآثار الناطقة كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي يصور ذلك العهد تصويراً بارعاً ، يوم كان الخليفة في بغداد أو الملك في دمشق أو القاهرة ، هو كل شيء ، وبطل رواية الحياة ومركز الدائرة، إن هذا العهد الذي يمثله كتاب "ألف ليلة وليلة" بأساطيره وقصصه ، وكتاب الأغاني بتاريخه وأدبه ، لم يكن عهداً إسلامياً ، ولا عهداً طبيعياً معقولاً ، فلا يرضاه الإسلام ولا يقره العقل ، بل إنما جاء الإسلام بهدمه والقضاء عليه ، فقد كان هذا هو العهد الذي بعث فيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فسماه الجاهلية ونعى عليه وأنكر على ملوكه – ككسرى وقيصر – وعلى أثرتهم وترفهم أشد الإنكار.
إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها أو مصابة في عقلها أو فاقدة الوعي والشعور أو ميتة النفس والروح .
(1/11)
إن هذا الوضع لا يقره عقل ، ومن الذي يسوغ أن يتخم فرد أو بضعة أفراد بأنواع الطعام والشراب ويموت الآف جوعاً ومسغبة ، ومن الذي يسوغ أن يعبث ملك أو أبناء ملك بالمال عبث المجانين ، والناس لا يجدون من القوت ما يقيم صلبهم ومن الكسوة ما يستر جسمهم ، ومن الذي يسوغ أن يكون حظ طبقة – وهي الكثرة – الإنتاج وحده والكدح في الحياة والعمل المضني الذي لا نهاية له ، وحظ طبقة – وهي لا تجاوز عدد اصابع - إلا التلهي بثمرات تعب الطبقة الأولى من غير شكر وتقدير وفي غير عقل ووعي ، ومن الذي يسوغ أن يشقى أهل الصناعة وأهل الذكاء وأهل الاجتهاد وأهل المواهب وأهل الصلاح ، وينعم رجال لا يحسنون غير التبذير ولا يعرفون صناعة غير صناعة الفجور وشرب الخمور؟! ومن الذي يسوغ أن يجفى أهل الكفاية وأهل النبوغ وأهل الأمانة ويقصوا كالمنبوذين ويجتمع حول ملك أو أمير فوج من خساس النفوس وسخفاء العقول وفاقدي الضمائر ممن لا هم لهم إلا ابتزاز الأموال وإرضاء الشهوات ، ولا يحسنون فناً من فنون الدنيا غير التملق والإطراء والمؤامرة ضد الأبرياء ، ولا يتصفون بشيء غير فقدان الشعور وقلة الحياء .
إنه وضع شاذ لا ينبغي أن يبقى يوماً فضلاً عن أن يبقى أعواماً .
إنه إن سبق في عهد من عهود التاريخ وبقي مدة طويلة فقد كان ذلك على غفلة من الأمة أو على الرغم منها ، وبسبب ضعف الإسلام وقوة الجاهلية ، ولكنه خليق بأن ينهار ويتداعى كلما أشرقت شمس الإسلام واستيقظ الوعي وهبت الأمة تحاسب نفسها وأفرادها.(1)
ثم يتبع ذلك نصيحة أولئك الذين يحلمون بأنهم سيعيشون في سلامة ومأمن من عوادي الدهر وهم يسيرون على خطا أولئك المنحرفين عن مهيع الحق، متخذين من البشر قطعاناًُ من البهائم يسومونها سوء العذاب فيقول:
__________
(1) أبو الحسن الندوي : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، ص288-290، ط. دار الكتاب العربي - بيروت.
(1/12)
فالذين لا يزالون يعيشون في عالم "ألف ليلة وليلة" إنما يعيشون في عالم الأحلام، إنما يعيشون في بيت أوهن من بيت العنكبوت ، إنما يعيشون في بيت مهدد بالأخطار لا يدرون متى يكبس ، ولا يدرون متى تعمل فيه معاول الهدم ، وإن سلموا من كل هذا فلا يدرون متى يخر عليهم السقف من فوقهم فإنه بيت قائم على غير أساس متين وعلى غير دعائم قوية .
ألا إن عهد "ألف ليلة وليلة" قد مضى فلا يخدعهن أقوام أنفسهم ولا يربطوا نفوسهم بعجلة قد تكسرت وتحطمت ، إن الملوكية مصباح – إن جاز هذا التعبير – قد نفد زيته واحترقت فتيلته ، فهو إلى انطفاء عاجل ولو لم تهب عاصفة .
إنه لا محل في الإسلام لأي نوع من أنواع الأثرة ، إنه لا محل فيه للأثرة الفردية أو العائلية التي نراها في بعض الأمم الشرقية والأقطار الإسلامية ولا محل فيه للأثرة المنظمة التي نراها في أوروبا وأمريكا وفي روسيا ، فهي في أوروبا أثرة حزب من الأحزاب ، وفي أمريكا أثرة الرأسماليين ، وفي روسيا قلة آمنت بالشيوعية المتطرفة وفرضت نفسها على الكثرة وهي تعامل العمال والمعتقلين بقسوة نادرة ووحشية ربما لا يوجد لها نظير في تاريخ السخرة الظالمة .
إن الأثرة بجميع أنواعها ستنتهي وإن الإنسانية ستثور عليها وتنتقم منها انتقاماً شديداً ، إنه لا مستقبل في العالم إلا للإسلام السمح العادل الوسط وإن طال أجل هذه "الأثرات" وأرخي لها العنان وتمادت في غيها وطغيانها مدة من الزمان .
إن الأثرة – فردية كانت أو عائلية أو حزبية أو طبقية – غير طبيعية في حياة الأمة وإنها تتخلص منها في أول فرصة ، إنه لا محل لها في الإسلام ولا محل لها في مجتمع واع بلغ الرشد ولا أمل في استمرارها ، فخير للمسلمين وخير للعرب وخير لقادتهم وولاة أمورهم أن يخلصوا أنفسهم منها ويقطعوا صلتهم بها قبل أن تغرق فيغرقوا معها.(1)
__________
(1) ن م ص: 290-291.
(1/13)
ونجد المفكر الإسلامي الشيخ محمد الغزالي يصف مآسي أدركها بنفسه ونعاها على أمته محذراً من مغبة انعكاس آثارها على الإسلام نفسه عندما يسكت أبناؤه عنها ولا يقاومونها بروحه الحية الدفاقة بالخير التي لا ترضى بالظلم ولا تقر الهوان وذلك في قوله :
وأخطر مطعن يوجه إلى الإسلام ، وشر معرة تلحق بمبادئه نفسها بقاء الحالة الاجتماعية والسياسية في بلاده ، تثير الأقاويل منه ، وتعرضه على العالم في أسوأ لباس .
ذلك أن جماهير المسلمين تضطرب في مستوى دنيء من المعيشة المادية والتفكير العقلي.
ولا أحسب أن نظاماً ما من نظم الغرب يرضى أن ينحدر أبناؤه إلى الحضيض الذي وصلنا إليه.
فهل يعقل أن يرضى الإسلام بهذه الحال بله أن يُسخَر لبقائها ؟
ولقد كتب صحافي أمريكي يصف لأبناء العالم الجديد حالة الشعب المصري ومقدار التعاسة التي تنصب على رأسه من نظام الطبقات المتغلغل فيه فقال : (إن الطبقة الحاكمة في مصر لا تزيد عدد أفرادها على 5% من مجموع السكان.
وأفراد هذه الطبقة يملكون نحو 95 % من خيرات البلاد.
أما الفلاح فيعيش هو وأسرته وجاموسته وحماره في بيت واحد من اللبن.
وقد يترك الباشا من باشوات مصر طعاماً لم يمس على مائدته يكفي لإشباع فلاح مع أسرته الكبيرة عدة أسابيع .
ثم يصف أفراد هذه الطبقة بالتضليل واستغلال سذاجة الشعب ، وعدم مواجهة المشاكل الحقيقية في مصر .
قال : (وليس هناك من شك في أن الحركات التي يقوم بها العمال في الوقت الحاضر لتحسين أحوالهم ستوصف بأنها حركات شيوعية غير أن هده الأوصاف ستتلاشى من تلقاء نفسها قريباً).
وهذه الأحوال نحن أعرف الناس بها ، لأننا نعيش فيها!
والذي نريد أن نقوله : إن الإسلام لن يذكر بخير قط ، ولن يؤثر عنه خير أبداً إذا بقيت أمور المسلمين بهذه المثابة المحزنة ، وبقى المتكلمون باسم الدين سكوتاً بإزائها .
(1/14)
وأي حجة تقوم للدين إذا فشل في تحديد موقفه علمياً من هذه المآسي الفاجعة؟(1)
ولئن كانت السياسة المتعجرفة هي التي أفرزت هده المشكلة فإذاقت الجماهير لباس الجوع والخوف، وجرعتهم حميم الذل والهوان، فهاكم صوراً من نظم اقتصادية جائرة عانت الإنسانية شرها الوبيل ورزحت الشعوب تحت نيرها ردحاً من الزمن بل ولا تزال وهي تلفحها بضرام سعيرها المحرق .
1) الرأسمالية:
تمخضت الثورة الصناعية في الغرب عن ميلاد النظام الرأسمالي وهو نظام له خصائصه الفلسفية ومنهجه الاقتصادي ، فهو يقوم على التصور المادي المطلق للحياة ، وذلك بعزل الدين والأخلاق جانباً عن النهضة الاقتصادية في جميع شؤون الحياة ، فهو يفسح الميدان لينطلق العملاق الرأسمالي الخارج من رحم هذه الثورة الكبرى غير مكبل بقيود من الدين ولا مراقب برقيب من الأخلاق، لأن ذلك مما يعوق انطلاقه في دنيا الناس ليحقق مآربه ويصيب مراميه ويصل إلى غاياته، وبناءً على ذلك تميز منهجه الاقتصادي بإعطاء الفرد حريته المطلقة في الإثراء من غير أن يقيم وزناً للمجتمع ، فلا يزعجه تصاعد أنات المحرومين وصرخات المعوزين وزفرات المظلومين ، ولا يكدر صفو حياته ما يشاهده من أحوال البؤساء الواخزة لضمائر أولي الفطر السليمة المحركة لمشاعرهم ، ولهذا كانت يد الفرد مطلقة - بحكم هذا النظام - للاستكثار من الثراء بقدر المستطاع، فأباح له الربا والمقامرة والاحتكار ولو من الأقوات الضرورية، كما أباح له أن يثري من خلال المتاجرة بالأعراض والخمور وغيرها مما يزيد الشعوب والأمم إغراقاً في الفقر، وإنهاكاً للقوى، وعجزاً عن النهوض لملاحقة ركب التقدم ومواكب الازدهار .
__________
(1) محمد الغزالي : الإسلام والمناهج الاشتراكية ، ص30-31 ، ط. نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.
(1/15)
وحسبكم أن الربا الذي هو أساس هدا النظام ومحرك قطاره لا يُبقي في نفوس آكله نبعاً للرحمة إلا غوره، ولا باعثاً للإحسان إلا قضى عليه، فهو سعير ملتهب لا يبقي ولا يذر، ينهك المؤسسات الاقتصادية والمصانع حتى يدع روضها النظير يبابا، ويصف ذلك الأستاذ الشهيد سيد قطب فيقول في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام":
" إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة - وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم ؛ وهم قد نشأوا في ظله ، وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة (دكتور شاخت) الألماني ومدير بنك الريخ الألماني سابقاً . وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام 1953م أنه بعملية رياضية (غير متناهية) يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين. ذلك أن الدائن المرابي يربح دائماً في كل عملية ؛ بينما المدين معرض للربح والخسارة . ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد – بالحساب الرياضي – أن يصير إلى الذي يربح دائماً! وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل . فإن معظم مال الأرض الآن يملكه – ملكاً حقيقياً – بضعة ألوف ! أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك والعمال ، وغيرهم، فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال ، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف!
(1/16)
وليس هذا وحده هو كل ما للربا من جريرة فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة . فإن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة . ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة ؛ ويظل يرفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة أنه لا فائدة لهم من استخدام هذا المال ، لأنه لا يدر عليهم ما يوفون به الفائدة ويفضل لهم منه شيء .. عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات التي تشتغل فيها الملايين ؛ وتضيق المصانع دائرة إنتاجها ، ويتعطل العمال ، فتقل القدرة على الشراء . وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد ، ويجد المرابون أن الطلب على المال قد نقص أو توقف ، يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطراراً . فيقبل عليه العاملون في الصناعة والتجارة من جديد ، وتعود دورة الحياة إلى الرخاء .. وهكذا دواليك تقع الأزمات الاقتصادية الدورية العالمية . ويظل البشر هكذا يدورون فيها كالسائمة !
ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين . فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين ، فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية . أما الديون التي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية كذلك . إذ أن هذه الحكومات تضطر إلى زيادة الضرائب المختلفة لتسدد منها هذه الديون وفوائدها . وبذلك يشترك كل فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف .. وقلما ينتهي الأمر عند هذا الحد ، ولا يكون الاستعمار هو نهاية الديون .. ثم تكون الحروب بسبب الاستعمار !(1)
__________
(1) سيد قطب : العدالة الاجتماعية في الإسلام ، ص 134-136.
(1/17)
وهذا يعني أن الربا يجتاح الثروات، ويفقر الأغنياء، ويوسع الهوة بين الطبقات. فقد تزداد به طبقة ما ثراء في حين يزيد الفقراء فقراً ولا ريب أن النظام الرأسمالي قائم على الربا والاستغلال وتوسع حرية الفرد في الملكية ولذلك لا يبالي بالأمعاء الجائعة والأجسام العارية وإنما يحرص على التوفير لطبقة الأغنياء المستغلين ولو باجتياح أقوات جماهير الناس إحراقاً أو إغراقاً ، فكم يحرق من أطنان الحبوب لتبقى أسعارها حسب رغبات الطبقة الثرية المنتجة ، وكم يراق من بحيرات الألبان حفاظاً على أسعارها وفق رغباتهم، كل ذلك على حساب الجماهير الكادحة المستهلكة، مع أن أمماً تموت جوعاًٍ ولا تجد مأوى يقيها لفح الحر في وهج الصيف وقسوة البرد في زمهرير الشتاء، وقد لا تجد حتى شيئاً من الأسمال البالية لمواراة سوءاتها.
وبهذا العسف المقيت والجور المفرط من هذا النظام تمخض عن انفجار نظام ثوري ضده كردة فعل عنيفة من قبل الطبقات الكادحة المحرومة التي كانت وقود حركات الإنتاج والتنمية، فنعم المترفون على حسابهم وبنوا حياتهم على أشلائهم ، فلا غرو إن غصت بهذا صدور المحرومين بالأحقاد حتى تفجرت حمماً محرقة وقنابل مدمرة أتت على الأخضر واليابس، وأهلكت الحرث والنسل ، واجتاحت الطارف والتليد تلك هي الشيوعية الحمراء التي التهب سعيرها في كثير من المجتمعات فحولها إلى أكوام من رماد تذروه الرياح ، وما كانت هذه الثورة الجهنمية التي جاءت عكس الفطرة البشرية منذ أساسها لتندلع لولا المعاناة من الحرمان في ظل السيادة الرأسمالية الجائرة فإن إمام الشيوعية كارل ماركس كان بنفسه يكتوي بنار هذا الحرمان وذلك الذي أشعل في نفسه هذا الحقد المتأجج ضد المجتمعات الرأسمالية ونظامها، ويكفي لتصوير بؤسه ما كتبته زوجته – واسمها جيني – إلى صديق لها تطلب إليه العون ، قالت:
(1/18)
إئذن لي أن أصف لك يوماً من أيام هذه الحياة وسترى أن غيرنا لم يقاس ما قاسينا فأنا مريضة سقيمة، ومع أن ما بظهري وثديي من أوجاع وآلام ممضة فإنني مضطرة أن أرضع طفلي الرابع الحديث الولادة من ثديي لأنني لا أستطيع أن أدفع أجر مرضعة ولكن طفلي كان يرضع الحزن والألم والسقم فيتلوى من الوجع ليل نهار ، ومنذ أن ولد لم ينم إلا ساعتين أو ثلاثة في اليوم كله ، ومع كل هذا الفقر والحاجة دخلت علينا صاحبة المنزل وطلبت ما تجمع لها من أجرة ونقود اقترضناها منها والأجرة والقرض خمسة جنيهات ولما كنا عاجزين عن الدفع فقد أحضرت سمسارين استوليا على كل ما نملك من أثاث وفراش وملابس حتى مهد الطفل استوليا عليه وخرجنا إلى الشارع وكان المطر ينهمر بغزارة والبرد قارس لا يرحم وبذل زوجي كل ما في وسعه من جهد فلم نجد من يقبل إضافتنا أوإيواءنا.(1)
وقالت زوج ماركس تصف إحدى ليالي البؤس:
أحست ابنتنا بنزلة شعبية وصارعت الموت ثلاثة أيام، ثم ماتت وأخذنا نبكي عليها ولم يكن لدينا ما نجهزها وأبقينا الجثة ريثما نجد ما نستعين به على دفنها، ومضيت إلى جار فرنسي مهاجر فأعطاني جنيهين ، وا أسفاه وفدت ابنتنا إلى الدنيا فلم تجد مهداً ، وعند مغادرتها لم تجد كفناً (2)
فهل من عجب بعد الاطلاع على هذه المآسي إن فقدت الجماهير الكادحة رشدها وصوابها وهي تشاهد الترف المفرط والنعيم الفائض تهنأ به طبقة من الناس من غير أن تخز ضمائرهم هذه المشاعر المؤلمة، مع كون تلك الجماهير ليس لها وازع من دين قويم وأخلاق سليمة فأي عجب إن ثارت تلك الثورة النكراء مستهدفة ذلك النظام الذي أنزل بهم هذه المآسي من غير إحساس برحمة أو شعور بحق إنساني تجاههم .
2) الشيوعية:
__________
(1) أحمد عبدالغفور عطا :الشيوعية وليدة الصهيونية ، ص58-59 ، ط المكتبة العصرية ، صيدا – بيروت.
(2) ن م: ص 59.
(1/19)
لئن كانت الرأسمالية بنظامها الجائر تتيح للثري فرصة لإزدراد الأموال من غير أن يحس بهاجس يدفعه إلى الرفق والرحمة بالضعفاء وتدُعُ المحتاج في المهلكات دعاً فلا يزداد بمرور الأيام إلا فقراً وضعفاً وذلةً ، اللهم إلا إن واتته فرصة للاستغلال والنهب ليتحول من طبقة كادحة مستهلكة إلى طبقات الأثرياء المستغلين؛ فإن النظام الشيوعي يجرع الذين هم تحت سطوته جميعاً غصة الحرمان ، فلا ريب أنه يسلب الغنى كل ما كان يملك ويزيد الفقراء فقراً ويعبد جميع طبقات الناس لحفنة من المتسلطين لا تكاد تكون إلا من الأنذال الرعاع تمسك بزمام الحزب الشيوعي الذي يحل محل الإله المعبود في كونه له السلطة المطلقة والأمر النفاذ وما على جماهير الناس إلا الطاعة العمياء والانقياد في كل ما يأمر به أو ينهى عنه ولو سلبهم إرادتهم في أي تصرف في أنفسهم وأموالهم حتى لا يملكو حركة ولا سكوناً ولا رضا ولا غضباً ولا حزناً ولا سروراً ، إذ يجب - حتى يكونوا صادقين في الولاء - أن يحكموا الحزب الجائر في مشاعرهم الباطنة وهواجسهم الكامنة فلا يفكروا إلا بدماغ أولئك القاهرين المستبدين القابضين على نواصي الأمور فضلاً عن أن تكون لهم حرية في التصرف في أمور معاشهم بدون إيحاء من الحزب، إذ كل فرد من الأفراد محكوم بإرادة الحزب في مطعمه ومشربه وملبسه وسكناه وتحركه وانتقاله ودراسته وعمله بحيث لا تكون له حرية في اختيار أي نمط من أنماط الحياة بنفسه، وإنما عليه أن يكون كالآلة الصماء التي تتحرك بإرادة غيرها بمجرد ضغط على زر كهربائي ولا تملك لنفسها أي إرادة .
ذلك لأن مبادئ الشيوعية بأسرها تؤدي إلى ذلك ، فمبادؤها تقوم على الأسس التالية:
إلغاء الملكية الفردية إلغاءً باتاً وإحلال الملكية الجماعية بدلاً منها .
إلغاء الطبقات بإقامة دكتاتورية البروليتاريا وإبادة الطبقات الأخرى .
كفالة الدولة لجميع المواطنين في مقابل تكليف القادرين منهم بالعمل رجالاً ونساءً .
(1/20)
المساواة في الأجور .
إلغاء الدّّين .
تطبيق مبدأ "من كل بحسب طاقته ولكل بحسب حاجته"
إلغاء الصراع من المجتمع البشري بإلغاء الباعث عليه وهو الملكية الفردية.
إلغاء الحكومة في المستقبل وإقامة مجتمع متعاون متعاطف بغير حكومة. (1)
ومن الأمور البدهية أن مثل هذا النظام ليس وراءه إلا الفقر المدقع الذي تغرق فيه الأمة بأسرها وماذا عسى أن تكون عاقبة نظام يسلب الإنسان خصائصه الإنسانية من الإرادة والحرية وحياة الضمير فضلاً عن امتلاك شيء يحرص على تنميته وحفظه بل الفرد وما تحت يده ملك للحزب الجائر المتسلط باسم الشعب أو الأمة .
إن مثل هذا النظام هو سبب لموت الضمائر في نفوس الأفراد، فلا يعنيهم شيء من المحافظة على المال العام الذي يقتاتون ويعيشون بما يسمح لهم من فتاته المتساقط من أيدي جبابرة السلطة وقادة الحزب، وهذا ما اطلعنا عليه عن كثب: ففي نفس العام الذي كان فيه انهيار الاتحاد السوفيتي كنت في زيارة لبعض جمهورياته فزرت روسيا وأوزبكستان وطاجكستان، وقد التقط سمعي مما كان يتساقط من أفواه المواطنين هناك أن إنتاج القمح وصل في ذلك العام إلى أكثر من مليوني طن، ولكن تلف أكثره بفعل الإهمال وكونه عرضةً للأمطار الهاطلة والسيول الجارفة وذلك أن أي فرد من الأفراد لا يعنيه من المحافظة على ذلك شيء إذ لا يزداد ربحه بنماء ثروة الدولة مادام الفتات الذي يعتاش به مضموناً له سواءً نمت ثروتها أو نقصت وكيف يفكر أحد في ربح الدولة وخسرانها مع أنه من حوله ملايين أو قل مئات الملايين من أمثاله لا يفكر أحدهم في ذلك ؟
__________
(1) محمد قطب : مذاهب فكرية معاصرة ، ص414 ، ط دار الشروق.
(1/21)
وما الذي يدعوهم إلى التفكير في هذا مع أن تلكم الدولة هي بنفسها جردتهم من خصائصهم البشرية وأماتت فيه الضمير الإنساني وأنزلتهم منزلاً في الدناءة والذل لا ينزله حتى الحيوان الأعجم ؟ على أن دعوى المساواة بين الشعوب والحاكمين في هذا الحرمان لا تعدو أن تكون دجلاً وتضليلاً، فإن الحاكمين ـ كما يتصرفون في حرية الشعوب بحيث لا يسمح أن يتصرف أحد منهم إلا بإذنهم وعلى حسب هواهم ـ يتصرفون كذلك في ثرواتها كما يشاءون بغير وازع ولا رقيب، وكافيكم شاهداً على ذلك ما كان من ستالين عندما تزوجت ابنته "سفيتلانا بميخائيل كاجنوفيتش وكان ذلك هو زواجها الثاني في حياتها فقد نقلت صحيفة النهضة التي كانت تصدر بسلطنة زنجبار آنذاك في عددها الصادر في يوم 4 ذي الحجة 1370هـ الموافق 6 سبتمبر 1951مـ عن الصحف الروسية أن حفلات زواج ابنة ستالين هذه كانت أفخم من حفلات زفاف ملوك الشرق ، وأن تكاليف ثوب العروس بلغت مائة ألف جنيه لأنه كان موشّى بالأحجار الكريمة ، وقد استمرت حفلات الزفاف 14 ليلة، وحضرها آلاف من المدعوين والمدعوات وقدم لهم ستالين شمبانيا والكونياك في أكواب من الذهب الخالص وهي الأكواب الملكية التي صادرها الشيوعيون حين أعدموا قيصر روسيا وأسرته المالكة ، واشتركت في إحياء هذه الحفلات أجمل راقصات الباليه الروسي وأمهر فرق الموسيقى وسافر العروسان لتمضية شهر العسل في براغ و وخارست و وارسو وصوفيا وسينزلان ضيفين رسميين على حكومات هذه البلاد؟ (1)
وهذا نبأ غني عن التعليق فإن كل أحد يدرك من خلاله كيف تتصرف السلطة الشيوعية التي تنصب نفسها إلهاً معبوداً لشعبها في المال العام تبذيراً في البذخ الذي لا يعود على الشعب إلا بالويل والحرمان في حين يقتر على الشعب في الإنفاق حتى في مطالبه الضرورية فأين المساواة المزعومة بين الحكام والمحكومين؟
__________
(1) .جريدة النهضة (زنجبار ) 4 ذي الحجة 1370هـ الموافق 6 سبتمبر 1951مـ.
(1/22)
ومن المعلوم أن الفكر الشيوعي الملحد بذاته يقضي على روح التنافس في العمل بقتله ضمائر الأفراد ، فالجماهير تساق بسياط الحزب الجائر المستبد إلى العمل كارهة من غير إحساس بمسؤولية أمام الله ، ولا خشية من حساب في الدار الآخرة ، ولا رجاء مكافأة للمحسن على إحسانه ، ومن غير أن يعود العمل على العامل بامتلاك منفعة منه ، فليس لفرد أن يمتلك مالاً وإنما عليه أن يعمل جهده كما يسيَّر ويوجّه، من غير أن يكافأ على إتقان العمل ومن غير أن يطمح إلى مستقبل مشرق منوط بعمله ، يبدد ما حوله من ظلام قاتم ، ويبدل ما يجلله من ليل أسود بهيم إلى نهار أبيض مشرق ، وإنما يوقن أنه مهما عمل وأخلص في العمل لن يزال مسحوقاً تحت أقدام جبابرة الحزب التي لا تزال تطؤه بدون شفقة ولا رحمة ، فما الذي يدعو هذا الفرد الذي سحقت كرامته وسلبت آدميته إلى الإخلاص في العمل غير الرعب من توقع العقاب الجائر عندما يكتشف منه قصور في العمل ؟ ولكن يا ترى هل يتفانى في عمله أن شعر بغمضة عين الرقيب أو أن ذلك يبعثه إلى انتهاز فرصة ليريح نفسه المرهقة وجسمه المكدود من عناء تكاليف العمل الشاقة من غير مبالاة بمكان العمل؟ وفي النهاية لا يعود هذا النظام إلا بالإفلاس والخيبة كما تكشف ذلك في كل مجتمع رزئ به .أولاً يكفي ما شوهد من أحوال بائسة وتحجر لحركة الحياة وسيرها في كل بلاد حل بها هذا الوباء؟
3) الاشتراكية:
(1/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *