البديل الإباضي وفن الممكن لعلي القريشي

البديل الإباضي وفن الممكن لعلي القريشي

 





الكتاب : البدعة لإبراهيم بيوض - غير تام - ب تخرج
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
ما هي البدعة؟
(البدعة: مفهومها، وأنواعها من خلال درس للإمام الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر)
[الاستهلال]
أشهد أن لا إله إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، وأنَّ سيِّدنا محمَّداً (ص) عبده ورسوله.
اللهمَّ أكرمنا بنور الفهم، وأخرجنا من ظلمات الوهم؛ اللهمَّ افتح علينا حكمتكَ وانشُر علينا رحمتك، ويسِّر لنا من خزائن علمِك؛ ياذا الجلال والأكرام.
اللهمَّ صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمَّد خاتِم النبيئين، وسلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
[توطئة في مفهوم البدعة عند العامَّة]
موضوع السنَّة والبدعة - أي ما هي السنَّة؟ وما هي البدعة الضالَّة المحرَّمة؟ - موضوع كبير متشعِّبٌ، فيه كلام طويل؛ وكان من المفروض أن يعَدَّ له مقالٌ يكون مكتبوباً مركَّباً، متسلسل الأفكار والمباحث، ولكنَّ الوقت لم يتَّسع لهذا، مع ما أنا فيه من العجز والضعف (1) .
فنعتمد على الله تبارك وتعالى ليهدينا السبيلَ في هذه المسألة، وسنقتصر على فرع من فروعها، ألا وهو: فرع البدعة.
فقد شاع بين الناس أن يقولوا - مثلا -: «هذا العمل بدعة لم يفعله النبيء (ص)»؛ هكذا استقرَّ في أذهان النَّاس أنَّ كلَّ ما لم يفعله النبيء (ص) بدعة وليس بسنَّة، ويعتبرون من يفعل شيئا من ذلك عاصياً، ولو كان ذلك العمل من أعمال الخير، من صلاة، وصدقة، وتلاوة القرآن، أو ذكر، أو غير ذلك.
[البدعة: أنواعها]
هناك فرق كبير، بل فوارق كبيرة بين السنَّة الواجبِ اتِّباعها، وبين البدعة الضالَّة المخالفة للسنَّة التي هي معصية، وبين البدعة المحمودة الحسنة التي يثاب عليها؛ وسنتكلَّم الآن على أنواع البدع:
__________
(1) - كان عمره آنذاك 77 عاما. ولم يعرف عنه - رحمه الله - معاناة في قوَّة التركيز ونشاط الذهن، وإنَّما أصابه الوهن والكبر في الجسد فقط.
(1/1)
فليس كلُّ ما لم يفعله النبيء (ص) في وقته بدعة نتركه، ولو اتَّبعنا هذا لأتى على ديننا، فكلُّ القربات - من أعمال الخير التي نتقرَّب بها إلى الله، من غير الفرائض والسنن المؤكَّدة - سنتركها، وبذلك يفوت الناسَ خيرٌ كثيرٌ، ولا قائلَ بهذا من المحقِّقين، ومن العلماء الأعلام من السلف والخلف.
[أنواع البدع والفرق بينها، وتحديد معنى البدعة لغة واصطلاحا]
والحكم على ما كلِّ ما لم يفعله النبيء (ص) بأنَّه بدعة مذمومة حكمٌ خاطئٌ خطأ فاحشاً، إلاَّ أن يسمَّى ذلك بدعة بالمعنى اللغوي، بمعنى ابتدع شيئاً جديداً لم يكن معهوداً من قَبل. (1) ولكن ليس كلُّ بدعة ضلالةً، إذ من البدع ما هو ضلال، ومنها ما هو محمود؛ والنبيء (ص) نفسُه صحَّ عنه أنَّه قال: «من سنَّ سنَّة حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنَّة سيِّئة فعليه وزرها ووِزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (2)
__________
(1) - للتوسّع في المعاني اللغوية للفظ "البدعة" انظر: لسان العرب لابن منظور، ج1/ص174-175.
(2) - لم أقف على هذا الحديث بنصِّه، وقريب منه ما روى مسلم من أنَّ النبيء (ص) قال: «من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيّئة كان عليها وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» كتاب الزكاة، رقم 1017.
... ورواه بلفظ قريب أبو داوود في السنّة، الباب السادس. والترمذي في العلم، باب 14 و16، والنسائي في الزكاة، باب 64، وابن ماجه في المقدّمة، باب 14، 15، 20. وقد رجعت إليها.
... وزاد في المعجم المفهرس الدارمي في المقدّمة، باب 44، ومالك في موطّئه، كتاب القرآن، الباب 41، وابن حنبل، ج2/ص397، 505، 530؛ ج3/ص136؛ ج4/ص357، 359، 361، 362؛ ج5/ص380.
(1/2)
إذن فقد أثبت عليه السلام أنَّ هناك سننا خيرية يسنُّها بعض الناس، ويتَّبعهم آخرون، ولهم في ذلك أجر؛ وعكس ذلك السنَّة السيّئة المعتبرة والمسمَّاة بدعة؛ لذلك عندما نقول: بدعة محمودة، فإنَّ لفظ البدعة ليس بالمعنى الشرعي، وإنَّما بالمعنى اللغوي، وهذا ما سمَّاه الحديث بالسنَّة الحسنة.
قد يقول قائل: «كان من المفروض أن لا يسمَّى هذا الأمر بدعة»، نجيبه بأنَّ الأوَّلين من الصحابة - رضي الله عنهم - قد سبقونا إلى هذا، فسمَّوا أعمالاً خيرية أحدثوها بعد النبيء (ص) بدعةً، كما قال سيَّدنا عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في مسألة قيام رمضان: «نعمتِ البدعة» (1) ، إذ دخل المسجد ذات مرَّة فوجده قد غصَّ بالمصلّين وكان هو الذي جمعهم، وهذا ما سنستدلُّ به فيما بعد.
__________
(1) - رواه البخاري بلفظ: «نعم البدعة هذه»، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم 1906.
... وفي الموطَّأ عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنَّه قال: «خرجت مع عمر بن الخطَّاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون. يصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر: «والله لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل» فجمعهم على أبيّ بن كعب». قال: «ثمَّ خرجت معه ليلة أخرى والنَّاس يصلّون بصلاة قارئهم فقال عمر: «نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون» يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوَّله». كتاب الصلاة في رمضان، باب ما جاء في قيام رمضان، رقم 252.
(1/3)
خرج النبيء (ص) ليلة من ليالي رمضان إلى الناس في المسجد، ووجدهم يقومون الليل كما حرَّضهم، فمنهم من يصلّي ومنهم من يذكر ومنهم من يتلو القرآن، فصلَّى بهم، إذ صفّوا من حوله وصلّوا بصلاته، ففرح هؤلاء المصلّون بخروج النبيء (ص) إليهم وصلاتِه بهم، وأصبحوا بتحدَّثون عن ذلك في الناس؛ وفي الليلة التالية جاء ناس كثيرون، لأنَّ قلوبهم ملأى بالخير، فهم يرغبون في صنوف البرّ خاصّة الصلاة وراء النبيء (ص)؛ وفي الليلة الثالثة غصَّ المسجد بالناس، فصلَّى بهم النبيء (ص)؛ وفي الليلة الرابعة - كما قيل - عجز المسجد عن إيوائهم، لكنَّ النبيء (ص) لم يخرج، فقد كان في مصلاَّه أو في بيته وقيل: اعتجر (1) حصيراً كأنَّه بيت مستقلٌّ يصلِّي داخله، تركهم يصلُّون وحدهم، وما كانوا لينادوه (2) أو يدعوه. وفي الصباح بعد صلاة الفجر أخبرهم بأن: «لم يخفَ عنِّي مقامكم، ولكنيِّ لم أشأ أن أخرج إليكم» لماذا؟ «لأنِّى خِفت أن يفرض عليكم» (3)
__________
(2) - في آداب نداء الصحابة للرسول (ص) ينظر تفسير قوله تعالى: {...إنَّ الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون...} سورة الحجرات: 4 . وخاصَّة تفسير الشيخ في رحاب القرآن، مخطوط.
(3) - الحديث رواه الشيخ بالمعنى، ونصّه عند الربيع بن حبيب عن عائشة زوج النبيء (ص) قالت: «صلَّى رسول الله (ص) في المسجد، فصلَّى بصلاته ناس كثير، ثمَّ صلَّى الليلة الثانية فكثر الناس، ثمَّ تجمَّعوا في الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله (ص)، فلمَّا أصبح قال: «قد رأيتُ الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلاَّ أنِّي خشيت أن يفرض عليكم» وذلك في رمضان» باب (33) الإمامة في النوافل، رقم 204.
... ورواه البخاري من حديث طويل روته عائشة رضي الله عنها، وفيه قال النبيء: «أمَّا بعد، فإنَّه لم يخف عليَّ مكانكم ولكنّي خشيتُ أن تفرضَ عليكم فتعجزوا عنها» فتوفي رسول الله (ص) والأمر على ذلك. كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم 1908.
(1/4)
لأنَّ الوحي لا يزال متتابعا، وربَّما لو واظب النبيء (ص) على صلاته تلك بالناس إماماً لفرضت، وهو لا يجبُّ إلاَّ التخفيف عن أمَّته، فاحتفظوا بهذا - أيُّها الناس - وسوف نرجع إليه، وإنَّما ذكرناه لمناسبة ذِكْرِنا لكلام سيّدنا عمر.
ولم يخرج النبيء (ص) بعد تلك الليلة ليصلّي بالناس إماما في قيام رمضان، فاستمرَّ المسلمون على ما عهدوه من الصلاة فرادى وأوزاعا: شخص هنا وآخر هناك، وجماعة - مثلا - في جهة يصلّي بها إمام يحفظ القرآن، لأنَّ الصحابة لم يكونوا كلّهم حملة للقرآن، والأصل في الإمام أن يكون «أقرأهم لكتاب الله» - كما قال النبيء (ص) - (1) مع استيفاء الشروط الأخرى طبعاً. لذلك قد يكون البعض معهم من القرآن الشيء القليل، فيقدّمون فلانا حتّى أنَّهم قد يقدّمون بعض الصغار، وورد أنَّ صبيا كان يصلّي بجماعة صلاة كاملة بالطهارة وكلّ الواجبات وهو لم يبلغ الحلم (2) ، قدّموه لأنَّه كان أكثرهم قرآنا. كان هذا في بعض الأوقات وليس في ليالي رمضان.
__________
(1) - عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله (ص): «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة، فإن كانوا في السنَّة فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًّا» الربيع، باب (35) في الإمامة والخلافة في الصلاة، رقم209.
... ورواه البخاري، في باب إمامة العبد والمولى.
(2) - عن عمرو بن سلمة الجرمي قال: «كان يمرُّ علينا الركبان، فنتعلّم منهم القرآن، فأتى أبي النبيء (ص) فقال: «ليؤمَّكم أكثركم قرآنا» فجاء أبي فقال: إنَّ رسول الله (ص) قال: «ليؤمّكم أكثركم قرآنا» فنظروا فكنت أكثرهم قرآنا، فكنت أؤمّهم وأنا ابن ثماني سنين» سنن النسائي، كتاب الإمامة، باب إمامة الغلام قبل أن يحتلم.
(1/5)
قلنا: كان الناس يقومون الليل فرادى وأوزاعا، جماعة هنا وأخرى هناك، ودام الأمر على ذلك بقية أيَّام النبيء (ص) حتَّى توفي، وزمنَ أبي بكر - عامين وبضعة أشهر -، وبعد وفاته رضي الله عنه ولّي عمر ومرَّ زمن من خلافته والحالة على تلك، وفي يوم وفّق الله تبارك وتعالى عمر، وألهمه أن يجمعهم على إمام واحد، فكان كذلك، وبدأ قيام رمضان على تلك الكيفية، وخرج عمر ليلة ودخل المسجد، فوجد الناس على تلك الكيفية فقال: «نعمت البدعة»، فقد سمَّاها بدعة، ولو شاء لقال: «نعمت السنّة» - مثلا -، ولكن قال: «نعمت البدعة» وهذا تعبير منه بأنَّ هذا العمل لم يأمر به النبيء (ص) بتلك الصورة والكيفية.
«نعمت البدعة» ذكرها الإمام علي مرَّة ولكن لا بلفظ البدعة، وإنَّما نذكرها للمناسبة: جاء الإمام عليّ يوما إلى المسجد فوجد الناس يصلّون بتلك الصورة الجماعية، والقناديل مسرَجة فقال: «نوَّر الله قبرَ عمر» أو «نوَّر الله عمرَ كما نوَّر مساجدنا» (1) . لأنَّ تلك الصورة سنَّها عمر.
ولفظ البدعة ورد عن ابن عمر، وأظنُّ - على ما أذكر - بعد وفاة عثمان شرع يصلّي صلاة الضحى جماعة في المسجد، وقد كان (ص) يصلّيها مرَّة ويذرها أخرى، وأكثر ما يصلّيها في بيته. فقال ابن عمر معلّقا على ما شرع فيه: «نعمت البدعة» (2) . هكذا سمَّاها بدعة.
هذه المقدّمة كلّها لكي لا نفهم أنَّ لفظ الضلال ملازم لكلمة البدعة، أي كلَّما قلنا بدعة كأنَّنا قلنا ضلالة؛ لا، ليس الأمر هكذا. وهذا الرأي صحَّت به الروايات في جميع كتب الحديث، وكتب السيرة، وكتب التاريخ وغيرها، كلّها صحَّت بعمل عمر وابن عمر.
إذن فهذه هي البدعة التي سنتكلّم عنها الآن، والتي يزعم البعض أنَّها بدعة سيّئة يجب أن أتركها، لماذا ؟ لأنَّ النبيء (ص) لم يفعلها.
[تبيين أصول التشريع الإسلامي]
__________
(1) - لم أهتد إلى مصدر هذه المقولة فيما رجعت إليه من المصادر.
(2) - لم أقف على هذا النصّ فيما رجعت إليه من مصادر.
(1/6)
أمرنا الله تبارك وتعالى بطاعته وطاعة رسوله: {يآأيها الذينَ ءَامنوا أَطِيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرسولَ} (1) ، {أطيعوا اللهَ ورسولَهُ} (2) ، {قلِ اِن كنتم تُحبُّونَ اللهَ فاتَّبعونِي يُحبِبْكمُ اللهُ} (3) {وَما ءاتاكمُ الرسولُ فخذُوهُ وما نهاكمْ عنهُ فانتهُوا} (4) .
نعم، معقول، مأمورون بالعمل بكتاب الله، لأنَّه الأصل الأوَّل لدين الله، والسنَّة النبويَّة هي الأصل الثاني لأنَّ القرآن هو الذي أصَّلها، للآيات السابقة، ولقوله تعالى: {مَن يُّطع الرسولَ فقد اَطاعَ اللهَ} (5) ، ومثل هذه الآيات في القرآن كثير.
إذن الركيزتان الأصليتان الكبيرتان في الإسلام هما: الكتاب والسنَّة، وهذا مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة.
ثمَّ يأتي بعد ذلك الإجماع، لأنَّ الأمَّة معصومة أن تجتمع على ضلالة، ولو كان الإجماع في غير ما عُلم من الدين بالضرورة، وهذا لا يكاد يتحقَّق إلاَّ في شيء قليل جدًّا.
والإجماع المعتبر هو القوليُّ لا السكوتيُّ، وهو أن يجمع علماء الأمَّة كلّهم في المشرق والمغرب في عصر من العصور، ويتَّفقوا على شيء ولا يخالفهم عالم، حتَّى ينقرض عصرهم... وشروط الإجماع مذكورة ومبسوطة في الكتب (6) .
هذا هو الأصل الثالث.
علينا أن نحفظ هذه الأصول كي نبني عليها ما سيأتي فيما بعد: الكتاب، والسنَّة، والإجماع (7) .
[الدعوة إلى العمل الصالح]
__________
(1) - سورة النساء: 59.
(2) - سورة الأنفال: 20.
(3) - سورة آل عمران: 31.
(4) - سورة الحشر: 7.
(5) - سورة النساء: 80.
(6) - وانظر: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي لباجو مصطفى، ص258-283.
(7) - وهذا لا يعني الحصر كما قد يتوهَّم، فالأصول التشريعية عند الإباضيَّة إضافة إلى ما ذكر هي: القياس والاستدلال.
... وانظر: شرح طلعة الشمس للسالمي، ج1/ص19.
(1/7)
الله تبارك وتعالى أنزل كتابه ودعا فيه إلى الخير، وإلى الأعمال الصالحة، وعمَّم الدعوة بلا تخصيص نوع دون آخر، والله تبارك وتعالى أينما يذكر الذين آمنوا، الذين وعدهم الجنَّة يقول: {إلاَّ الذين ءَامَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ} (1) .
وهذا هو الدليل الأوَّل، وهو في سورة من أقصر سور القرآن، وهكذا تتكرَّر هذه الآية في سور كثيرة من القرآن، بلفظ: {ءَامَنواْ وعَمِلُوا الصَّالحات} (2) .
والصالحاتُ كلُّ شيء فيه خير: كلُّ شيء يتقرَّب به إلى الله، أو فيه نفع لعياله، أو فيه دفع الأذى عن خلقه. كلُّ ذلك يدخل في الصالحات، واللفظ عامٌّ ليس له تخصيص.
ويذكر الله تعالى في آيات أخرى: {إلاَّ من تابَ وءامنَ وعمِلَ صالحاً} (3) ، {إلاَّ من تابَ وءامَن وعمِل عملاً صالحا} (4) ، {فمن يَّعمل من الصالحات وهو مومنٌ فلا كُفرانَ لسعيه} (5) ، وهكذا جاء في كثير من آيات القرآن بلفظ الصالح وجمعه، ولفظ الحسنة وجمعها مثل: {إنَّ الحسناتِ يذهبن السيّئات} (6) .
وبعد هذا يدعونا إلى عمل الخير عموما بدون تحديد، وبدون تخصيص، وبعد ذلك يأتي ما خصَّصه ببعض الفرائض؛ والدعوات العامَّة للخير في القرآن كثيرة جدًّا.
[الذكر: من أوكد أنواع الخير ]
التعبير بذكر الله يندرج فيه التسبيح والتعظيم والتهليل والصلاة والدعاء، وهو كثير أيضا.
__________
(1) - وتمامها: {بسم الله الرحمن الرحيم والعصر إنَّ الانسان لفي خسر إلاَّ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر}. سورة العصر: 1-3.
... وفي سورة الشعراء: 227.
(2) - ورد ذكرها في القرآن الكريم بهذا اللفظ 33 مرَّة. وانظر: المعجم لعبد الباقي، مادة عمل.
(3) - سورة مريم: 60.
(4) - سورة الفرقان: 70.
(5) - سورة الأنبياء: 94.
(6) - سورة هود: 114.
(1/8)
وقد وصف الله تعالى المؤمنين بأنَّهم {يذكرونَ اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبِهم، ويتفكَّرون في خلْق السمواتِ والاَرضِ} (1) . والملاحظ أنَّه تعالى ذكر جميع الأوضاع: {قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}: قائمين، أو قاعدين، أو نائمين، فهم يذكرون الله في جميع الحالات دون استثناء.
وفي آية أخرى قال تعالى: {فاذكروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، فإذا اطمأنَنْتم فأقيموا الصلاة} (2) .
والمقصد من هذه الآيات تعميم الأوضاع وكلِّ هيئات البدن من قيام وقعود ونوم؛ فلا تقل - أيُّها المسلم - في حالة من الحالات: «لا أذكر الله».
فالله تعالى وصف عباده المؤمنين بأنَّهم يذكرون في عموم الأزمان، كما وصفهم بذكره في عموم الأوضاع.
وقد يردفُ سبحانه الذكرَ بوصف الكثرة، كما قال: {والذاكرينَ اللهَ كثيراً والذاكِرات} (3) ، {اذكروا اللهَ ذكراً كثيراً وسبِّحوه بكرةً وأصيلاً} (4) . فليس المراد: سبّحه صباحاً وأمسك إلى المساء، وإنَّما المراد الكناية عن عموم الأوقات.
ففي قوله تعالى: {فسبِّحوه بكرةً وأصيلاً} تعميمٌ لأوقاتِ النهار، وفي قوله: {فسبحانَ الله حينَ تمسونَ وحينَ تصبحونَ وله الحمدُ في السمواتِ والاَرض وعشياًّ وحين تظهرونَ} (5) تعميم لأوقات الليل والنهار جميعا.
وأمَّا باعتبار أوقات الله فليس هناك أعمُّ من لفظ البيات، حيث وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: {والذينَ يبيتونَ لربَّهم سجَّداً وقياماً} (6) . والمبيت لغة من بات فلان يفعل كذا، إذا قضى ليله كلَّه فيه.
__________
(1) - سورة آل عمران: 191.
(2) - سورة النساء: 103 وتمامها: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما...}.
(3) - سورة الأحزاب: 35.
(4) - سورة الأحزاب: 41 - 42.
(5) - سورة الروم: 17-18.
(6) - سورة الفرقان: 64.
(1/9)
وفي آية أخرى جاء في مدح الذين يؤمنون بآيات الله: {تتجافَى جنوبُهم عن المضاجعِ، يدعونَ ربَّهم خوفاً وطمعاً} (1) : فهؤلاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع في الليل، وتتجافى معناها تتباعد، فالواحد منهم يترك فراشه، ويؤثر التعبّد والقيام. وفي قوله تتجافى جنوبهم حلاوة: إذ كأنَّ جنوبهم لا تريد الراحة في الفرشِ، وإنَّما تفضّل الوقوفَ للذكرِ والعبادة.
وأمر الله تبارك وتعالى نبيئه بقوله: {ومنَ الليلِ فاسجُد له وسبِّحه ليلاً طويلاً} (2) ، وبقوله: {يآأيها المزمّل قمِ الليلَ إلاَّ قليلاً نصفه أو اُنقُص منه قليلاً أو زدْ عليهِ ورتّل القرآنَ ترتيلاً إنَّا سنلقِي عليكَ قولاً ثقيلا} (3) . فقيامُ الليل واجب على النبيء (ص).
فالله سبحانه أينما يذكر السلمين يذكرهم بالتسبيح والذكر الكثير، فقد قال في شأن المساجد: {في بيوتٍ أذنَ اللهُ أن تُرفعَ ويُذكَر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغدوِّ والآصال رجالٌ لاَ تُلهيهِم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذِكرِ اللهِ} (4) ، لأنَّ الغدوَّ والآصال في النَّهار وهي أوقات العمل، وهؤلاء قد يتركونَ هذه الأعمال ويشتغلون بذكرِ ربِّهم في المساجدِ، وذلك إذا توفَّرت لهم الإمكانياتُ، وساعدتهم ظروفهم.
فلا نستطيع في هذه العجالة أن نتتبَّع كلَّ الآيات التي يأمر الله تبارك وتعالى فيها بالذكر الكثير.
[الصلاة: سلاح المؤمن في السرَّاء والضرَّاء]
وأمر الله بالصلاة ودعا إليها، فقال لنا: {واستعينُوا بالصبرِ والصلاةِ وإنَّها لكبيرةٌ إلاَّ على الخاشِعينَ} (5) ، {واستعينوا بالصبرِ والصلاةِ إنَّ اللهَ مع الصابرينَ} (6) .
__________
(1) - سورة السجدة: 16.
(2) - سورة الإنسان: 26.
(3) - سورة المزمّل: 1-5.
(4) - سورة النور: 36-37.
(5) - سورة البقرة: 45.
(6) - سورة البقرة: 153.
(1/10)
قال {استعينوا} ولم يقل على ماذا: استعينوا على كلِّ شيءٍ، على ما ترغبون أن تنالوه من اللهِ، فأنت - أيُّها المسلم - تدعو اللهَ أن يغفر لكَ ذنبكَ، فإن أسرفت على نفسك فاستعن بالصبر على المصائب، وافزع إلى الصلاة - للالتجاء إلى الله - إذا ضاق بك الأمر.
وفي آية أخرى قال تعالى: {يآأيَّها الذينَ ءامَنوا اركعواْ واسجدُوا واعبدوا ربَّكم وافعلوا الخيرَ لعلَّكم تفلحونَ} (1) .
المقصود بالأمر بالركوع والسجود في هذه الآية الصلاةُ المفروضة، وقد خصَّهما الله سبحانه لفضلهما من بين سائر أركان الصلاة، وخصَّ الصلاة لفضلها من بين أعمال الخير، ثمَّ عمَّم العبادات بجميع أنواعها في تمام الآية: {واعبدوا ربَّكم وافعلواْ الخيرَ لعلَّكم تفلحون}.
ولكن ما معنى الخير في هذه الآية؟
هو شيء معروف، ولذلك عبَّر عنه القرآن الكريم بـ"المعروف"، والمعروف ما يعرفه العقلاء بأنَّه حقٌّ، وأنَّه خيرٌ، وأنَّه إحسانٌ، ليس فيه ضررٌ لأيِّ مخلوقٍ من مخلوقات الله، وليس فيه مضادَّة ولا محادَّة لأمر الله.
أُمِرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، وذلك في قوله تعالى: {والمومنونَ والمومناتُ بعضهمُ, أوليآءُ بعضٍ، يامُرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكَر} (2) ، وقوله: {كنتمْ خيرَ أمَّة أُخرِجت للناسِ، تامُرونَ بالمعروفِ وتنهَوْنَ عن المنكَر وتومِنون بالله} (3) ، وقوله: {ولتكُن منكمُ, أُمَّةٌ يدعونَ إلى الخيرِ، ويامُرونَ بالمعروفِ وينهَوْنَ عن المنكرِ وأولئكَ همُ, المفلِحونَ} (4) .
فالعقلاء كلُّهم ينكرونَ القبائح والخبائث، وينكرونَ الظلمَ بمختلف أنواعه، ويعرفون الحقَّ والخيرَ والإحسان بفطرتهم السليمة، وليس هناك من يخطئ بين الخير والشرِّ، إلاَّ من أضلَّه الله.
[أعمال الخير لا يحصيها عدٌّ ولا نوعٌ]
__________
(1) - سورة الحج: 77.
(2) - سورة التوبة: 71.
(3) - سورة آل عمران: 110.
(4) - سورة آل عمران: 104.
(1/11)
ممَّا مرَّ يتبيَّن أنَّ أعمال الخير كلَّها مشروعةٌ، في جميع الأوقات والأوضاع، وأعمال الخير لا تحصى، فالنبيء (ص) قال: «الإسلامُ نيِّفٌ وستُّونَ جزءاً - وفي رواية بضعٌ وسبعون - أعلاها كلمةُ التوحيد، وأدناها إماطةُ الأذى من الطريق» (1) .
وهذه النيّف والستُّون خصلة يمكن أن تتفرَّع إلى أكثر من هذا، وبيْن تلك الخصال كلِّها دُعيَ الناس إلى بذل الجهد.
ثمَّ جمع الله ذلك كلَّه في قوله تبارك: {وما خلقتُ الجنَّ والانسَ إلاَّ ليعبدونِ} (2) ؛ والمفروض من الناس أن يكونوا عابدينَ لله في كلِّ شيءٍ، حتَّى في أعمالهم المباحة، إذا نووا بها الخير، وممَّا يندرج تحت هذا المعنى الكسبُ إذا لم ينووا به التكاثر والتفاخر في الأموال، ونووا به دفعَ بلاء الشرِّ والفقر عن أنفسهم، والتصدّقَ والإنفاقَ في سبيل الله، واتّخاذَها مطية يبلغون بها الجنَّة. ولأنَّه في إمكان شخص أن يكون عابداً لله تباركَ وتعالى وهو في المتجر أو السوق أو المصنع أو الحقل، كما يمكن أن يكون عاصيا له وهو في المسجد أو في جوف الكعبة.
__________
(1) - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «بضعٌ وسبعون - أو بضع وستُّون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». الجامع صحيح لمسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونها من الإيمان، رقم 58.
... ورواه الربيع بلفظ: «الإيمان مائة جزء أعظمها قول لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق» الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، باب (2) الحجَّة على من قال أنَّ الإيمان قول وعمل، ج3، رقم 773.
... وفي المعجم: رواه أبو داود، كتاب السنَّة، باب 14. والنسائي، كتاب الإيمان، باب 16. وابن ماجة، كتاب المقدمة، باب 9.
(2) - سورة الذاريات: 56.
(1/12)
إذن فنحن مأمورن بالعبادة وفعل الخير دون تحديد، إلاَّ إذا أشكل علينا، فالواجب أن نعود إلى كلام الله وسنَّة رسوله.
[بيان في أصول الفرائض و تيسير الشارع لها]
بعد هذا التعميم اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يرحمنا، ويجعل لنا الدين يسراً: {يريدُ اللهُ بكمُ اليسرَ ولاَ يريدُ بكمُ العسرَ} (1) ، {وما جعلَ عليكُم في الدينِ من حرجٍ} (2) .
فقد خصَّص بعض العبادات ببعض الأوقات، وجعلها فرائضَ لا يقبل من عبدٍ صرفاً ولا عدلاً، إلاَّ بعد أدائها.
هذه الفرائض تتمثَّل في الصلاة والزكاة والصوم والحج، بشرط أن تكون بعد الإيمان الذي هو إطار يحفّها ولا تندرج إلاَّ تحته.
هذه هي الفرائض التي فرضها الله تبارك وتعالى علينا بصورة مصغَّرة، مختصرة، يسيرة، وسهلة.
ففي الصلاة فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة: في الفجر ركعتين بعد السنَّة المؤكَّدة، ثمَّ أنت - أيُّها المسلم - حرٌّ في عملك، فقد جعل الله تبارك وتعالى لنا الوقت بين الفجر والظهر فسيحاً، وهو وقت عمل، لطفاً ورحمة بنا، فلم يفرض علينا صلاة بعد الشروق في الضحوة الصغرى، والضحوة الكبرى، حتَّى لا نقول: إنَّه سبحانه يشغلنا عن أعمالنا.
فبين صلاة الفجر وصلاة الظهر حوالي سبع ساعات أو ثماني ساعات، والناس - في عصرنا - يقدّرون العمل العادي الذي يستطيعه الإنسان في اليوم بثماني ساعات، ويمكنك بعد ذلك أن تتفرَّغ للعبادة كلياًّ، فقد وسَّع لنا بين وقت الظهر والعشاء كما وسَّع بين العشاء والفجر، لأنَّه جعل النوم سباتاً، لا بدَّ من راحة ونوم.
وهذه الصلوات مختصرة - كذلك -: ركعتان في الفجر، وأربع في الظهر، وأربع ركعات في العصر، وثلاث في المغرب، وأربع في العشاء؛ وكلّها تصلّى في بضع دقائق؛ ولو شاء سبحانه لفرض علينا أكثر من ذلك، كما هو وارد في قصَّة الإسراء والمعراج (3) ،
__________
(1) - سورة البقرة: 185.
(2) - سورة الحج: 78.
(3) - للتوسّع في قصَّة الإسراء والمعراج انظر:
... صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب 37؛ كتاب الأنبياء، باب 22 و 41؛ كتاب التفسير، باب تفسير سورة الإسراء، باب 3 و 9...
... صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب 262 و 266...
... صحيح الترمذي، كتاب الصلاة، باب (45).
... سنن النسائي، كتاب الصلاة، باب (1).
... سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب 23 و 33.
... السيرة النبويَّة لابن هشام،
... السيرة النبويَّة لابن كثير
(1/13)
حيث فرضها خمسين صلاة، وكان النبيء (ص) يتردّد بين سيّدنا موسى عليه السلام وبين ربّه يسأله التخفيف، فبدأ يسقط عنه خمساً خمساً، حتَّى بقيت خمسٌ، وقال له سيدنا موسى عليه السلام: «ارجع إلى ربِّك، اسأله التخفيف» فقال: له (ص): «استحيَيتُ»، قال الله تبارك وتعالى: «هي خمسٌ وهنَّ خمسون»: في العدد خمس وفي الأجر خمسون، والحسنة بعشر أمثالها؛ فما مقدار المشقَّة والصعوبة في هذه الصلوات ياترى؟
ومن أوجه اليسر والرحمة في الفرائض الوضوءُ الذي نصَّ عليه في الكتاب، فيه فوائد صحيَّة لا تقدَّر، والعالم كلُّه بهذا النظام: نظام الطهارة: غسل أطراف معيَّنة مرَّات كلَّ يوم عند القيام إلى الصلاة.
هذا ما فرض علينا من الصلاة بنصِّ الكتاب، ثمَّ زيدت لنا صلاة سادسة كما جاء في الحديث: «إنَّ الله زادكم صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم: ركعة الوتر» (1) . وتسبقها ركعتا شفعٍ، وبإمكان أحد أن يصلِّيها بدون شفع قبلها، ويكون قد أدَّى الفرض، لأنَّ الوتر واجب عند الحنفيَّة، وسنَّة مؤكَّدة عندنا وعند سائر المذاهب (2) .
هذا هو الفرض من الصلاة فقط، وليس لنا صلوات أخرى مفروضة غير ما ذكرنا.
والصيام - كما نعرف - شهر رمضان من كلِّ عامٍ.
والزكاة يخرج منها في النضِّ ربع العشر، يعطيك الله مائة وتعطيه اثنين ونصفاً؛ فلو قال لك إنسان:
__________
(1) - رواه الربيع بلفظ: «إنَّ الله زادكم صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر». الجامع الصحيح، باب (29) في فرض الصلاة في الحضر والسفر، ج1، رقم 192.
(2) - الوتر عند الإباضيَّة سنَّة مؤكَّدة على الصحيح.
... شرح النيل للقطب اطفيش، ج2، ص499.
... الوتر عند الحنفيَّة واجب، وعند الحنابلة سنَّة مؤكَّدة، وعند الشافعيَّة سنَّة مؤكَّدة وهو آكد السنن، وعند المالكيَّة سنَّة مؤكَّدة، بل هو آكد السنن بعد ركعتي الطواف والعمرة.
... الفقه على المذاهب الأربعة لوزارة الأوقاف المصرية، ج1، ص246-250 (بتصرّف)
(1/14)
- «إذا أعطيتك مائة فماذا ترجع لي منها؟».
- «أعطيك ما تريد».
- «وإذا أعطيتك مائة أترجع لي منها خمسين؟»
- «نعم، أردُّ لك منها خمسين» وكأنها جاءتني من أوَّل مرَّة خمسون.
وفي زكاة الغنم شاة من أربعين شاة،
هذه هي الزكاة، فيها منتهى التخفيف واليسر.
والحجّ مرَّة في العمر، على المستطيع.
كما حرَّم الله سبحانه علينا أمواراً كلُّها مضارٌّ للعقل والبدن والدين: {ويحرِّم عليهم الخبآئثَ} (1) .
[تفويض الله تعالى لنبيه تبيين الفرائض]
الله تبارك وتعالى فوَّض لنبييِّه أن يبيّن للناس هذه الفرائض، فليس في القرآن - مثلا - عدد الركعات ولا عدد السجدات، ولا ماذا نقرأ فيها، فقد أمرنا سبحانه بالصلاة وإقامتها والمحافظة والدوام عليها دون تفصيل لكيفيتها: {أقمِ الصلاة} (2) {والمقيمينَ الصلاة} (3) {وإقام الصلاة} (4) {الذينَ هم على صلاتهم دآئمونَ} (5) ، {والذينَ هم على صلواتهم يحافظونَ} (6) {الذين هم في صلاتهم خاشعونَ} (7) .
والنبيء (ص) بالوحي حدَّد لنا هذه الصلاة: أوقاتها، وكيفياتها... وحدَّد كذلك الزكاة، فبيَّن الأموال التي تجب فيها، والمقادير المفروضة، ولمن تعطى؛ كلّ هذا بيَّنه عليه السلام بأمر من الله: {وأنزلنا إليكَ الذكرَ لتبيِّن للناسِ ما نزِّل إليهم} (8) .
فقام النبيء (ص) بواجبه، فعلَّم الناس الصلاة بأقوالها وأفعالها، وكذلك سائر الفرائض الأخرى من زكاة وصوم وحجٍّ، وقد أجملت في الحديث الصحيح وفيه أنَّ أعرابيا جاء الرسولَ (ص)، والصحابة جلوس عنده، سأله أن يعلّمه أمر دينه، وهذا لأنَّه سيعود إلى باديته ولن يعود، قال له (ص):
__________
(1) - سورة الأعراف: 157.
(2) - سورة هود: 114. ... سورة الإسراء: 78. ... ... سورة طه: 14.
... سورة العنكبوت: 45. ... ... سورة لقمان: 17.
(3) - سورة النساء: 162.
(4) - سورة الأنبياء: 73. ... ... سورة النور: 37.
(5) - سورة المعارج: 23.
(6) - سورة المومنون: 9.
(7) - سورة المومنون: 2.
(8) - سورة النحل: 44.
(1/15)
- «خمس صلواتٍ بين اليوم والليلة».
- قال: «هل عليَّ غيرها؟».
- قال: «لا إلاَّ أنْ تطَّوَّع».
- «ثمَّ ماذا؟».
- «صيام رمضانَ».
- «هل عليَّ غيره؟»
- «لا، إلاَّ أن تطوَّع».
- «ثمَّ ماذا؟».
- «الزكاة إن كان لك مالٌ».
- «هل عليَّ غيرها؟».
- «لا، إلاَّ أن تطَّوَّع».
- «ثمَّ ماذا؟».
- «الحجُّ إن استطعتَ».
فركب الأعرابي ناقته وعاد أدراجه، ويروى أنَّه قال: «والله لا زدتُ ولا نقصتُ»، فقال الرسول (ص): «أفلح إن صدق» (1) .
[الأمر بالتطوّع]
والله تبارك وتعالى لمَّا فرضَ هذه الفرائض أمرَ بالتطوّع - تتبَّعوا الحكمة في الكلام: أمر بالتطوُّع -، فالتطوُّع ليس بدعةً، لا. فهذا الأعرابيُّ قال له النبيء (ص): «إلاَّ أن تطَّوَّع... إلاَّ أن تطوَّع... إلاَّ أن تطَّوَّع».
__________
(1) - عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله (ص) من أهل نجد، ثائر الرأس، يُسمع دويُّ صوته ولا يُفقه قوله، حتَّى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله (ص): «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: «هل غيرها؟»، قال: «لا، إلاَّ أن تطوَّع»، فقال له رسول الله (ص): «وصيام شهر رمضان»، قال: «هل غيره؟»، قال: «لا، إلاَّ أن تطوَّع»، ثمَّ قال رسول الله (ص): «والزكاةُ». ثمَّ قال: «هل غيرها؟»، قال: «لا، إلاَّ أن تطوَّع».
... قال: «فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه».
... قال رسول الله (ص): «أفلحَ إن صدَق».
... الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، باب (9) في الإيمان والإسلام والشرائع، ج1، رقم 55.
... وانظر صحيح البخاري، بلفظ قريب منه، كتاب (2) الإيمان، باب (33)، الزكاة من الإسلام، ج1، رقم 46.
... وانظر أيضًا المعجم المفهرس: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب (8). سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب (1). سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (3). سنن النسائي، كتاب الصلاة، باب (4). موطّأ الإمام مالك، كتاب السفر، باب (94).
(1/16)
وقد قال لنا تبارك وتعالى في الصيام: {وعلَى الذينَ يُطيقونَه فديةُ طعامِ مساكينَ، فمن تطوَّعَ خيراً فهوَ خيرٌ له، وأن تصومُوا خيرٌ لكمُ, إن كنتمْ تعلَمونَ} (1) .
وقال في باب الحجِّ، بعد أن ذكر السعيَ بين الصفا والمروة: {إنَّ الصفَا والمروةَ مِن شعآئِر اللهِ، فمَن حجَّ البيتَ أو اعتَمَرَ، فلاَ جُناحَ عليهِ أن يطَّوَّفَ بهما، ومَن تطوَّع خيراً فإنَّ اللهَ شاكرٌ عليمٌ} (2) . والأمر بالإنفاق والتصدُّق - في باب الزكاة - في القرآن كثيرٌ.
والتطوُّع يجبُ أن يكونَ مِن جنسِ الفريضةِ تماماً، كما سنبيِّن هذا الأمرَ.
فنحن نقرأ حديث النبيء (ص) الذي قال فيه: «إنَّ اللهَ فرضَ فرائضَ فلاَ تضِّعوهاَ، وحرَّم حُرماتٍ فلاَ تنتَهِكوهاَ، وحدَّ حدوداً فلاَ تعتدوهَا، وسكتَ عن أشياء - رحمةً بكم مِن غيرِ نسيانٍ - فلاَ تبحثُوا عنها» (3) .
قال: «إنَّ اللهَ فرضَ فرائض - معروفةً - فلا تضيّعوها»، هذا هو رأس المال الأوَّل، فحافظوا عليه، إذ لا يُقبَل عملٌ بدون أدائها؛ وحرَّم بعضَ أشياء فلاَ تقرَبوها، فابتعدوا عن الحرام، ولا تنتهكوا حرمات الله.
«وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها»، والحدود في القرآن كثيرة منها: أحكام في المواريث، والنفقات، والصدقات، وفي الحربِ -حرب الأعداء -، وقسمة الغنائم، وغيرها... وعنها ينص القرآن الكريم: {تلكَ حدودُ اللهِ فلاَ تعتدُوها، ومن يَّتعدَّ حدودَ اللهِ فأولئكَ همُ, الظالِمونَ} (4) .
«وسكتَ عن أشياء رحمة بكم من غير نسيانٍ فلا تبحثوا عنها»، ويعضد هذا قوله تعالى: {وما كان ربُّك نسيًّا} (5)
__________
(1) - سورة البقرة: 184.
(2) - سورة البقرة: 158.
(3) - لم أهتد إلى هذا الحديث فيما رجعت إليه من المصادر: الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، المعجم المفهرس، مجمع الزوائد للهيثمي، وفيض القدير للمناوي، وجامع الشمل، ووفاء الضمانة للقطب اطفيش.
(4) - سورة البقرة: 229.
(5) - سورة مريم: 64.
(1/17)
وهذا ما يسمَّى المعفوُّ عنه؛ فيا أيُّها المسلم، لا تدم البحث، وإذا نزل أمر فلا تقل: كيف؟. وإن كنت لا تعرف طريقة أدائه فاسأل يبيَّن لكَ، كما سأل الصحابة رسول الله (ص) فبيَّن لهم. وإن كان جهلُك في غير طريق الأداء فلا تسأل، مخافة أن تُفرضَ عليكَ فرائضُ أخرى لا نطيقها (1) .
وممَّا يندرج تحت قوله (ص): «وسكتَ عن أشياءَ...»، التطوُّع، الذي أمرنا به في مثل الحديث القدسيّ الصحيح: «يقول الله تبارك وتعالى: ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يُبصِر به، ويده التي يبطشُ بها، ورِجله التي يمشي بها؛ ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه» (2) .
احفظوا قول الله هذا: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثلِ»، لأنَّه من الركائز التي ستأتينا في البدعة، فكلُّ ما يُفعل من خير - إذا لم يؤدَّ الفرض - هباء منثور. فليس هناك تقرُّبٌ إلى الله تباركَ وتعالى إلاَّ بمثل ما افترضه، فيا أيُّها المسلم: أدِّ ديِنك مع الله، ثمَّ بعد ذلك زِد إذا شئتَ النفلَ والتطوُّعَ.
__________
(1) - عبارة الشريط: «فلسنا محتاجين، ولا نستطيع أن تزاد لنا فرائض أكثر من تلك الفرائض». فالمقصود أنَّ الفرائض تفرض بسببك، ويعمّنا أمرها فلا نطيقها، وتأمل قول سيّدنا موسى عليه السلام لنبيّنا محمَّد (ص): «ارجع إلى ربّك، اسأله التخفيف».
... ... وانظر هامش رقم 45.
(2) - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): «إنَّ الله تباركَ وتعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضته عليه؛ وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه »
(1/18)
وقوله تعالى: «حتىَّ أحبَّه»، يفيد بلوغَ درجة الحبِّ، ويكون صاحبه حبيباً لله. «فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يُبصِر به، ويده التي يبطشُ بها، ورِجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه» المعنى: أوفّقه وأهديه وآخذ بيده وأذود عنه، وإذا سألني أعطيه، وإذا طلب مني أن أحفظه من البلاء أحفظه؛ هذا حديث قدسيٌّ صحيح أجمعت عليه الأمَّة، وهو الحقُّ، تدخل فيما عُلم من الدين بالضرورة الأحكام الواردة فيه.
فالله تبارك وتعالى أمرنا بفعل الخير مطلقًا بلفظ: {...الصالحات...} (1) ، {...الحسنات...} (2) ، {...الخير...} (3) ؛ وقد قال سبحانه: {وما تفعلوا يعلمْه الله} (4) ، {وما تنفِقوا من خيرٍ فإن الله به عليم} (5) . فهو جلَّ شأنه يأمرنا بدون تحديد زمان أو مكان أو كيفية؛ بل أطلقَ لنا الحرية التامَّة في أمره لنا بالعبادة، شرط أن تكون عبادتنا مطابقة للفرائض، لا مخالفة فيها لنصٍّ من نصوص القرآن الكريم، ولا السنَّة المطهَّرة.
ويدلُّ على هذا عمل الأمَّة: عمل النبيء (ص)، وعمل الصحابة رضوان الله عليهم، فهم يجتهدون في الخير بعد أداء الفرائض، بدون أن يعيّن لهم الرسول (ص) عبادة بعينها.
فلم يرو عنه (ص) تحديد لعمل دون آخر، إلاَّ في بيان الفرائض وبعض السنن المؤكَّدة، مثل: المؤكَّدتين المغرب والفجر، والوتر، وسنَّة العيدين؛ وبعض من صلوات المناسبات: كالقحط، والزلزلة، والخسوف، والكسوف؛ وبعض السنن الرواتب - دون المؤكَّدة - هي مضبوطة محفوظة (6) .
[بيان شدَّة حبِّ النبيء T التخفيفَ على أمَّته]
__________
(1) - راجع الهوامش: 19-23.
(2) - راجع الهامش: 24.
(3) - راجع الهوامش: 37، 40، 57.
(4) - سورة البقرة: 197.
(5) -سورة البقرة: 273.
(6) - مثل صلاة الضحى، وتحية المسجد، والشفع...
(1/19)
النبيء T وصفه الله تبارك وتعالى بأنَّه: {عزيزٌ عليهِ ما عنتُّم، حريصٌ عليكم، بالمومنينَ رؤوفٌ رَّحيمٌ} (1) ، فهو عليه السلام محبٌّ لأمَّته، شفوقٌ رحيمٌ، يخشى أن يُفرض عليهم من الأحكام أكثرَ ممَّا فُرض، فكان يتحرَّى ألاَّ يوجب عليهم شيئاً فوق بيان الفرائض، أو السنن التي صلاَّها وواظب عليها، فأصبحت - لذلك - سنَّة مؤكَّدة، غير أنَّها لا تبلغ حدَّ الفريضة.
فالنبيء (ص) تركَ للناس الحريَّة - ويجب أن نفهم هذا جيِّداً، وهو الحقُّ الذي لا يستطيع إنسانٌ أن ينكره أبداً -، فقد أمرهم بالنوافل وفعل الخير مطلَقا، دون تحديد لزمان أو مكان أو نوع من العبادات بعينها، وما حدَّ النبيء (ص) في هذا حداًّ، إلاَّ ما ورد في فضل صيام يوم عرفة لغير الحاجِّ، وصيام يوم عاشوراء، وفضل بعض الأيَّام كما قال عليه السلام: «ما مِن أيَّامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ من العشرِ الأوائلِ» (2) ،
__________
(1) - سورة التوبة: 128.
(2) - عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله (ص): «ما من أيَّام العملُ الصالح فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيَّام العشر» فقالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟» فقال: رسول الله (ص): «ولا الجهادُ في سبيل الله، إلاَّ رجلٌ خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء». رواه الترمذي في صحيحه وقال: حديث حسنٌ صحيح غريب، أبواب الصوم، باب ما جاء في العمل في أيَّام العشر، ج3، ص289.
... وانظر سنن ابن ماجة، كتاب (7) الصيام، باب (39) صيام العشر، ج1، رقم 1727.
... والمعجم المفهرس: مسند الإمام أحمد، ج1، ص224 و338؛ ج2، ص75 و132.
(1/20)
فقد أشار إلى بعض الأيَّام وبعض الليالي، وكلُّها محفوظة معروفة (1) ، لا يُزاد فيها ولا يُنقصُ منها.
وقد رأينا في قيام رمضان أنَّه (ص) خرج لهم ليلة أو ليلتين، واجتمعوا عليه، بدون دعوة منه، ثمَّ ترك ذلك، وقال لهم: «أخاف أن يفرض عليكم» (2) ، وهذا هو سبب تركه.
__________
(1) - ممَّا جاء في فضل بعض الأزمنة على غيرها: قوله (ص): «من صامَ يومَ عاشوراءَ كانَ كفَّارة لستيَّن شهراً، أو عتقَ عشر رقباتٍ مؤمناتٍ من ولد إسماعيل عليه السلام»، الجامع الصحيح للربيع بين حبيب، باب (50) صوم يوم عاشوراء والنوافل ويوم عرفة، ج1، رقم 308.
... وقوله عليه السلام: «من صامَ رمضانَ ثمَّ أتبعه بستَّة أيَّام من شوال فكأنَّما صام الدهل كلَّه»، نفس الباب والجزء، رقم 312.
... وفي صحيح مسلم: «خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفي أُدخل الجنَّة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلاَّ في يوم الجمعة» كتاب (7) الجمعة، باب (5) فضل يوم الجمعة، ج2، رقم 18 (...).
... وعن أبي ذرٍّ الغفاري قال: «أمرنا رسول الله (ص) أن نصوم من الشهر ثلاثة أيَّام البيض، ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» سنن النسائي، كتاب الصوم، باب كيف يوم ثلاثة أيَّام من كلّ شهر، ذكر الاختلاف على موسى بن طلحة في الخبر في صيام ثلاثة أيَّام من كلّ شهر، مجلدّ 2، ج4، ص222.
(2) - لم أجده بهذا اللفظ، وانظر التعليق رقم 7.
(1/21)
إضافة إلى ما مرَّ فإنَّ النبيء (ص) كره السؤالَ، فقد قال: «إنَّ مِن أشدِّ الناس عذاباً يومَ القيامة مَن سأل عن شيءٍ لم يحرَّم فحرم من أجل مسألتِه» (1) . وفي حديث أنَّه كان عليه السلام مرَّة جالساً فأخذوا يسألونه، لمَّا قال لهم: «إنَّ الله فرضَ عليكم الحجَّ إلى بيته...»، فقال: له أحدهم: «أكلَّ عام يا رسولَ الله»، فغضب (ص)، وسكت ولم يجِبه؛ ثمَّ أعاد عليه السؤال: «أكلَّ عام يا رسولَ الله؟»، فسكت عنه؛ ثمَّ أعاد مرَّة أخرى: «أكلَّ عام يا رسولَ الله؟»؛ قال (ص): «لو قلتُ نَعم لوجَبَ، ولو وجب لَما فعلتُم - أو لَما استطعتم -» أو قال: «ولو وجب لكفرتُم»، وقال عليه السلام: «دعوني م

إرسال تعليق

0 تعليقات