الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لأحمد الخليلي

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لأحمد الخليلي

 





الكتاب: الإصلاح بين الناس
محاضرة للشيخ أحمد بن حمد الخليلي أقامها بولاية سمائل يوم الخميس 11 - 9 - 2003م
الإصلاح بين الناس
محاضرة للشيخ أحمد بن حمد الخليلي
أقامها بولاية سمائل يوم الخميس 4 جمادى الأولى 1424هـ
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حق حمده، حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لا حد لغايته ولا أمد لنهايته، يفوق حمد الحامدين ويربو على شكر الشاكرين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله هاديا وبشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فبتحية الإسلام أحييكم أيها الإخوة الكرام فالسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
هذا، وإنه لمن دواعي الغبطة والابتهاج أن يجمعنا الله تبارك تعالى في هذا اليوم المبارك بكم في هذا البلد الطيب وفي هذا المكان العريق، لأجل أن نتدارس ما يشغلنا جميعا، وما يدعونا إلى البحث عن حبل المشكلة وعن الوصول إلى ما فيه خيرنا وسعادتنا بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
لا ريب أن الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى خلقا سويا، وجعل هذا الجنس البشري جنسا متميزا بما آتاه الله سبحانه وتعالى من مواهب، وما أسبغه عليه من نعم، وما خصه به من خصائص، ومن بين هذه الخصائص: أنه سبحانه وتعالى جعله كائنا اجتماعيا، فالإنسان يعمل في إطار المجتمع، لذلك كان بحاجة إلى ما يحفظ هذا النظام الذي يربط بينه وبين مجتمعه ليظل في إطار هذا المجتمع
(1/1)
آخذا منه المنفعة التي تعود بالخير على الجميع ومن حيث أن الإسلام دين الفطرة فقد قال سبحانه وتعالى "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " كان الإسلام متميزا بمراعاة هذا الجانب ولذلك كانت تعاليمه جميعا تصب في هذا المصب وتؤدي إلى انتظام شمل الناس مما يحفظ وحدتهم وتآلفهم وترابطهم، وقبل كل شيء نرى أن الله سبحانه وتعالى يدعوا إلى اتحاد عباده كما يدعوهم إلى توحيده، فهو عز وجل يقول " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُو نَ وَاعْتَصِم ُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُو اْ " آل عمران (102،101).
من أجل ذلك شرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لاستمرار الوحدة بين عباد الله سبحانه، إذ كل واحد بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرعى حقوق الآخرين كما يرعى حق نفسه ويحرص على مصلحتهم كما يحرص على مصلحة نفسه، ويحفظ جميع ما يتعلق بشؤونهم كما يحفظ ما يتعلق بشان نفسه، وهذا واضح في هذا السياق الذي يأمر الله سبحانه وتعالى فيه عباده بالوحدة، إذ جاء قوله عز وجل " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُ ونَ بِالْمَعْر ُوفِ وَيَنْهَوْ نَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئ ِكَ هُمُ الْمُفْلِح ُونَ " آل عمران (104).
(1/2)
جاء ذلك مكتنفا بامتنان الله سبحانه وتعالى على عباده إذ جمع شملهم بعد تفرقهم وبين تحذيرهم من التفرق وذلك مسبوق بقوله تعالى " وَاذْكُرُو اْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُم ْ فَأَصْبَحْ تُم بِنِعْمَتِ هِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَك ُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُم ْ تَهْتَدُون َ " آل عمران (103) وما جاء بعد هذا الأمر بان تكون فيها امة تدعوا إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر والتحذير من التفرق وذلك في قوله " وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِين َ تَفَرَّقُو اْ وَاخْتَلَف ُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَ اتُ وَأُوْلَئ ِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " آل عمران (105) .
(1/3)
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لاستمرار التوالي بين عباد الله المؤمنين ، بحيث يتولى بعضهم بعضا ويرعى بعضهم مصالح بعض ، فالله سبحانه وتعالى يقول " وَالْمُؤْم ِنُونَ وَالْمُؤْم ِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُون َ بِالْمَعْر ُوفِ وَيَنْهَوْ نَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُو نَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُون َ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُو نَ اللّهَ وَرَسُولَه ُ أُوْلَئِك َ سَيَرْحَمُ هُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " آل عمران (71 ) جعل الله هذه الموالاة بين المؤمنين والمؤمنات سببها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله- صلى الله عليه وسلم- في كل ما أمرا به وفي كل ما نهيا عنه، و نجد أن عقيدة الإسلام عقيدة تدعو إلى الاتحاد ، فالناس كلهم عباد الله والله سبحانه وتعالى فضل بين هؤلاء وهؤلاء بتقواه فلذلك أنزل لهم ما يدعوهم إلى الوحدة وما يحفظ لهم هذه الوحدة وحذرهم من كل ما يدعوا إلى الفرقة، فالله سبحانه وتعالى حذر فيما حذر عباده أن ينصتوا إلى الكاشحين الذين يحرصون على إشاعة الفتنة وبثها بين الناس وبث النميمة بينهم فالله تعالى يقول : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّن ُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة ٍ فَتُصْبِحُ وا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " الحجرات (6) ثم إنه سبحانه وتعالى في هذا السياق يحذر الناس من أن يثبتوا الأمر إذا بدأت بادرة الفتنة تظهر بين الناس بل عليهم أن يطفئوا هذه الفتنة وأن ينتزعوا فتيلها ، مما يؤلف بين هذه القلوب فالله تعالى يقول :" وَإِن طَائِفَتَا نِ مِنَ الْمُؤْمِن ِينَ اقْتَتَلُو ا فَأَصْلِحُ وا بَيْنَهُمَ ا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُم َا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُو ا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُ وا
(1/4)
بَيْنَهُمَ ا بِالْعَدْل ِ وَأَقْسِطُ وا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِط ِينَ " الحجرات (9) ، ولأجل هذا جاء التحذير من كل ما يثير النعرات بين الناس حتى يكون هنالك التشتت والتشرذم فيما بينهم ، فلذلك قال الله إثر ذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُم ْ وَلَا تَنَابَزُو ا بِالْأَلْق َابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَان ِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِ كَ هُمُ الظَّالِمُ ونَ " الحجرات (11) .
نهى الله سبحانه وتعالى عن سخرية المؤمنين بعضهم من بعض : بحيث لا يسخر رجال من رجال ولا تسخر نساء من نساء فلعل المسخور منه خير من الساخر ، و حذر الله مما حذر منه ثم اتبع ذلك بقوله تعالى " يأيها الذين أمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم " هكذا ، يحذر الله المؤمنين من الوقوع في أسباب الضغينة والأحقاد من سؤ الظنون ومن غيرها ، من الغيبة والاحتقار وكل ما يؤدي إلى التفرق والاختلاف .
ثم إنه سبحانه وتعالى يتبع ذلك بيان أن الناس كلهم ينحدرون من اصل واحد ، ينحدرون من أب واحد ومن أم واحدة فعليهم أن يرعوا ذلك وألا يختلفوا ويتشتتوا لأجل الانتساب إلى القبائل أو لأجل الانتساب إلى الشعوب أو لأجل الانتساب إلى أي شيء يفرق بين طائفة وطائفة ، وذلك قوله تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاك ُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَ اكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل َ لِتَعَارَف ُوا إِنَّ أَكْرَمَكُ مْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم ْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " الحجرات (13) .
(1/5)
فالميزان الذي يقاس به الناس ، يقاس به تفاضلهم هو ميزان التقوى ، فلا فرق بين أحد وآخر إلا بقدر ما يفترقان بتقوى الله ، لان الله تعالى هو الذي خلق الجميع وهو الذي تعبد الجميع وهو إليه مرجع كل أحد، وهو سبحانه لم يجعل بينه وبين أحد من الخلق سببا إلا سبب التقوى ، فليس هنالك نسب بين أحد من الناس وبين الله ، إذ الله تبارك وتعالى هو الخالق وكل ما عداه مخلوق ، وليس هناك سبب أيضا يصل بينه وبين الله تعالى ، فمن كان من الأتقياء كان أولى برضوان الله وأولى بالزلفى والقرب من الله تعالى ، ومن كان بخلاف ذلك فهو أبعد عن الله ، ولذلك على كل واحد أن لا يفكر بأنه الأعلى وأن غيره هو أدنى منه ، لأن الكل إنما هم متساوون من أصل واحد ، من أب واحد ومن أم واحدة ، وهذا ما دلت عليه الأحاديث الشريفة عن الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ، فالنبي - عليه الصلاة والسلام - يقول: في البيان الذي ألقاه على الناس جميعا في يوم عرفة في حجة الوداع : " أيها الناس إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء ، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لابيض على أسود إلا بالتقوى ، وليس هناك مجال للتعالي والتفاخر بالأنساب والأحساب لأن ذلك كله مما لا قيمة له عند الله ، هذا كله مما يدل على أن الإسلام يدعوا إلى الاتحاد والى أن تكون مشاعر المؤمنين جميعا
كما يأمر بذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال :" ترى المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
(1/6)
كذلك جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - محذرة عن التحاسد والتناوش و التباغض بين الناس ، ويأمر الناس - عليه أفضل الصلاة السلام – أن يكونوا عبادا لله إخوانا ، ونحن إذا نظرنا إلى كل عبادة من العبادات التي شرعت على العباد لتكون صلة بينهم وبين الله نجد أن هذه العبادة لكونها واصلة بين العباد وبين ربهم وواصلة أيضا بين عباد الله تعالى فكل عبادة من هذه العبادات المشروعة من زكاة وصلاة وصيام وحج هي واصلة ورابطة بين عباد الله المؤمنين وأنتم ترون إن الله تعالى يوجهنا إلى أن الله تعالى يوجهنا إلى أن نوجه العبادة إليه بصيغة جماعية لا بصيغة فردية، وقد علمنا الله سبحانه وتعالى أن نقول ونحن نوجه العبادة إليه" إياك نعبد "لا إياك أعبد، أي لا يستقل كل واحد بنفسه بأن يوجه عبادته إلى الله - عز وجل - وإنما توجه العبادة إلى الله تعالى بالصيغة الجماعية لأن الدين دين اجتماعي يدعو إلى الألفة، يدعو إلى التقارب، يدعو إلى الوحدة ،وكذلك فيما يخص المصالح لا يقول كل فرد من الأفراد إياك أستعين على مصالحي بنفسي ، لا ، بل إياك نستعين على مصالحنا جميعا ، لأن مصالحنا متداخلة ومنافعنا مترابطة فعلينا أن نوجه هذه العبادة إلى الله تعالى بطريقة جماعية ، ومعنى ذلك بقلوب متآلفة بقلوب مترابطة ، وقد شرعت العبادات بطريقة جماعية فالصلاة شرعت في الجماعة تجمع المؤمنين في اليوم والليلة خمس مرات من أجل توحيد هذه القلوب والتأليف بينها ؛ لتتبخر النعرات وتزول الحواجز ، وتتحطم جميع الفوارق بين الناس عندما يقف هذا بجنب هذا لا فرق بين قوي وضعيف ولا بين حاكم ومحكوم ولا بين أبيض وأسود ،إنما الجميع عباد لله سبحانه وتعالى ،كذلك صلاة الجمعة في تتكرر في كل أسبوع مرة، هذه الصلاة أيضا تربط ما بين هذه القلوب ، وتؤلف بينها ، كذلك صلاة العيد ، وإذا جئنا إلى الزكاة وجدنا أن هذه الزكاة تنتزع من القلوب السخائم والأحقاد و تفيض
(1/7)
عليها المحبة والمودة بحيث يتعاطف الأغنياء والفقراء كل منهم يحجب على الآخر ويرعى مصلحة الأخر عندما تكون مصالح المال مشتركة بينهم لا يستأثر بها الأغنياء دون الفقراء ، لا تكون ( دولة ) بين الأغنياء فحسب .
كذلك الصيام بما فيه من التربية على الأخلاق الفاضلة وانتزاع ما عسى أن يكون بين الناس أيضا من السخائم والأحقاد وكفى بقول الرسول- عليه أفضل الصلاة السلام – " الصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فان أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم " هذا لان الصيام لا يمكن الإنسان من الانتقام من غيره والتشفي ممن آذاه، بل عليه أن يوطئ أكنافه للغير مهما كان الأمر ، وما عليه إلا أن يقول إني صائم ليطفئ جمرة الغضب في نفسه لان الصيام يتنافى مع الانتقام ولأجل أن نذكر الطرف الآخر بصيامه إن كان هو من المسلمين الصائمين حتى لا يقدم على إبطال صومه بمثل هذا التصرف الأهوج الأرعن، وكذلك الحج فيه تأليف بين القلوب وربط بين الناس من آفاق الأرض يقبل جميع الناس الذين يفدون إلى الله تعالى من أصقاع الأرض ، وهم يؤمون قبلة واحدة يتوجهون إلى مكان واحد، ويلهجون بلسان واحد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فتتآلف هذه القلوب وتتوحد هذه المشاعر وتزول الأحقاد ويتعاون الناس على البر التقوى ، وهكذا فالألفة والمودة بين المسلمين أمران واجبان والله سبحانه وتعالى بين إن الصلح بين المتخاصمين وبين المختلفين من ضرورات الحياة وان هذا الصلح لا يتوقف على التدخل المسلح ،فلا بد من ذلك ، إذ الفتنة تطفأ بأي شيء كان ولو بسفك دم إن لم تتوقف عند حدها ،ذلك لان تلك الدم قد تكون فيه مصلحة كما يقول الشاعر:
بسفك الدماء يا جارتا تحقن الدماء... وبالقتل تنجو كل نفس من القتل
(1/8)
ولكن ليس ذلك على إطلاقه وإنما ذلك عندما يكون بطريق الحق، بطريق مشروع ، والله تعالى اجمل ذلك كله في كلمات قليلة عندما قال " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " فهكذا شاء الله سبحانه وتعالى أن يدعو عباده المؤمنين إلى الترابط بينهم والقضاء على أسباب الفتنة فيما بينهم ولو كان هذا القضاء بالقوة إن لم بجدي باللطف والرفق ، هذا مع أن الدعوة على أي حال لا بد أن تكون سابقة على هذا كله والدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والله تعالى يقول لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم " ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْم َةِ وَالْمَوْع ِظَةِ الْحَسَنَة ِ وَجَادِلْه ُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْت َدِينَ " النحل (125) ، ويقول سبحانه وتعالى وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة ُ وَلَا السَّيِّئَ ةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " فصلت (34)
فهذه الأمور جميعا يجب التفطن لها ،هذا، ومن الأمور التي يجب أن نحافظ عليها من أجل ضمان الوحدة واستمرار الترابط تربية الأولاد على الأخلاق الفاضلة وتربيتهم على مراعاة حقوق الله تبارك وتعالى وحقوق الناس جميعا فان الأولاد هم أفلاذ الأكباد وثمرات الفؤاد وكل أحد يحرص على أولاده أكثر مما يحرص على نفسه، وقد أجاد الشاعر عندما قال :
إنما أولادنا بيننا ** أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم ** لامتنعت عيني عن الغمض
فلأن كان الإنسان يشفق على أولاده من هبوب الريح عليهم فكيف مما زاد ذلك من عذاب الله تبارك وتعالى لو خرجوا عن أمر الله وخالفوه وكانوا عصاة مجرمين فان الإنسان يجب عليه أن يشفق على أولاده ،على أن الأولاد هم امتداد للإنسان يرى الإنسان أن حياته تمتد في حياتهم ويرى شبابه أيضا يتجدد في شبابهم كما يقول الشاعر التهامي :
(1/9)
وقلت شباب ابني شبابي وإنما ** تحول شطر العمر مني إلى شطري
فالإنسان يحس أنه عندما يموت ويقف من ورائه أولادا فان حياته تستمر بحياة أولئك الأولاد جيلا بعد جيل، وهل يحرص الإنسان على إن تكون حياته حياة سوء أو انه يحرص إن تكون حياة خير ؟فإذن على هذا الذي يريد أن تكون حياته حياة خير ومرحمة إن يحرص على تربية أولاده لتمتد هذه الحياة الخيرة في حياتهم حتى يكونوا له خلفا صالحا، وبتربيتهم على الاستقامة و الطاعات ومراعاة حقوق الناس كما يقتضي ذلك حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم - " ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا" وعندما يربيهم الإنسان على توقير الكبار وعلى الرحمة بالصغار،فا ن هذه الحياة لهؤلاء الأولاد تكون حياة صالحة ويكونون سببا للتآلف و الترابط و التراحم ، فلذلك كانت الضرورة داعية إلى أن يربوا الأولاد على الاستقامة ,أن يربوا على طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والرغبة فيما عند الله وإيثار الدار الآخرة على الحياة الدنيا الفانية، والتضحية بكل غال وثمين من ؟أجل رفع كلمة الحق وإعلائها بين الناس ، فإن الله تعالى جعل عباده هم سببا لعلو كلمة الحق أو عكس ذلك ، عندما يستقيمون على الحق ويجاهدون من أجل الحق ويبذلون كل غال وثمين لرفع راية الحق ، يستمر وجود الحق في الأرض وعندما يكون بخلاف ذلك تكون النتيجة بعكس ذلك ، لذلك على كل واحد أن يحرص على أن يكون أولاده جنودا للإسلام يضحون بكل غال وثمين لأجل الوصول إلى إعلاء كلمة الحق وإظهارها في هذه الأرض من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف ، والقبض على يد الظالم إلى غير ذلك مما هو معروف ، والأمة الإسلامية في وقتنا هذا هي أحوج ما تكون أولا قبل كل شيء إلى الترابط والتالف وجمع الشمل واتحاد القلوب وتآلفها وانتزاع السخائم والأحقاد منها ، ثم هي أحوج ما تكون أيضا إلى شباب يربون على طاعة الله وطاعة رسوله –
(1/10)
صلى الله عليه وسلم - والتضحية من أجل إعلاء كلمة الحق في أرض الله حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ، وأنتم ترون كيف أن الطاغوت العالمي يتوجه بكل قواه من أجل نسف قيم الإسلام ومن أجل إضعاف المسلمين ، من أجل حط راية المسلمين فبدون هذا لا يمكن أن يتصدى للطاغوت الرهيب
ونجد في ما كان من النبي ما يدعونا إلى التأسي به ، فالنبي–صلى الله عليه وسلم - ربا جيلا على الحق،على التضحية ، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كانوا شبابا مضحين بكل راحتهم وبكل ما يملكون في هذه الحياة من اجل سعادتهم في العقبى ، من اجل إعلاء كلمة الحق ، ربا النبي –صلى الله عليه وسلم - المهاجرين والأنصار وكان معظمهم في سن الفتوة . عندما تربوا على يديه ،رباهم على الرغبة فيما عند الله والزهد في هذه الحياة حتى انطلقوا في أرجاء الأرض يحملون راية الحق ، ويدبون عنه بكل ما أتوه من قوة فلم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الجبارين من القياصرة والأكاسرة وأنزلوهم من عليائهم صاغرين ، ونشروا هذا الحق في أرجاء هذه الأرض ، فكانت تلك الدورة التاريخية التي لم يعرف التاريخ البشري لها مثيلا ، وانطلقت ألسنة أعداء الإسلام لتشيد بالقيم والأخلاق والفضائل التي كانت عند المسلمين مع ما في نفوس اؤلئك الأعداء من الحقد الدفين ، والكراهية المتأصلة لهذا الدين ولأهله ، فعندما كانت جيوش الروم تهزم أمام الزحف الإسلامي اجتمع هرقل عظيم الروم بقادة جيشه وسألهم عن هؤلاء الناس الذين لقوهم في ميادين المعركة كيف هم ؟ فقال له احدهم : هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقضون على من حاربهم حتى يأتوا عليه ، وقال آخر : أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان يرثون النبل ويرمونها ويثقفون القنا لو حدثت جليسك حديثا ما فهموه عنك بما علا من أصواتهم بالقرآن الكريم والذكر ، نعم ، هذه الروح المعنوية
(1/11)
المرتفعة عند المسلمين هي التي كانت سببا في ظهورهم وبروزهم ،وكانت سببا لتقهقر أعدائهم ،والأعداء بأنفسهم كانوا يتناقلون هذه الصفات فيما بينهم وليس ذلك عند الروم فحسب، فعند الفرس مثل ذلك، وعندما كانت جيوش فارس تهزم وتتقهقر عند مواجهتها للجيش الاسلامي مع قلة عدد المسلمين وكثرة عدد القوم الكافرين ، وحيث ما كان عدد المسلمين يوازي شيئا بجانب عدد الكفرة ،مع أن المسلمين كانوا منقسمين إلى طائفتين : طائفة تواجه الروم وطائفة تواجه الفرس ، وكانت هاتان الدولتان هما الدولتين الكبروين في ذلك الوقت في العالم ، تتقاسمان معظم العالم المتحضر ،في ذلك الوقت كتب يزدجرد إمبراطور فارس رسالة موجه إلى إمبراطور الصين يطلب فيها النجدة و النصرة على هؤلاء المسلمين وأرسل بها رسولا إلى الإمبراطور الفارسي وعندما اجتمع الرسول بالإمبراطو ر الصيني و سلمه الرسالة ،سأله عن عدة أسئلة وكان فيما سأله عنه قال:هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عليكم هم أكثر عددا منكم أو أقل عددا؟ قال له : لا بل هم أقل عددا ،قال له: هل هم أكثر عدة أو أقل عدة ؟قال له : هم اقل عدة قال له : اخبرني عن حالهم،؟ قال له : هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار، قال له اخبرني عن طعامهم ؟ قال له : يأكلون بقدر ما يعيشون، قال له اخبرني عن لباسهم قال هم يلبسون بقدر ما يستترون ، ويقولون ولباس التقوى ذلك خير ، قال له اخبرني عن حالهم فيما بينهم؟ قال له : قلوبهم كقلب رجل واحد ، فأجابه إنهم لم ينتصروا عليكم مع قلتهم و كثرتكم إلا بما ذكرته من أوصافهم ، ثم كتب رسالة جوابية إلى إمبراطور فارس جاء فيها: لقد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين، مرو هي خراسان ، أي لا يمنعه من إرسال جيش أوله بخرسان وآخره في بلاد الصين إلا أن اؤلئك القوم الذين خرجوا عليهم لا يقاومهم شيء ،فلو وقف في وجوههم الجبال لاقتلعوها ولو أرادوني لانتزعوني من
(1/12)
مكاني هذا ،فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم ،هكذا كانت الإجابة من هذا الإمبراطور العاقل فإذن كل ما في الأمر أن المسلمين مدعوون -أولا قبل كل شيء- إلى التآلف و التعاون فيما بينهم والتراحم و التواد كما دل على ذلك حديث النبي –صلى الله عليه وسلم -الذي ذكرناه ، وفي رواية أخرى "مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " ثم مع ذلك، أن يربوا أنفسهم وأولادهم على ذلك فتستمر هذه الحالة أي يستمر هذا التواد ويستمر هذا التعاطف وتستمر هذه الغيرة على حرمات الله تبارك و تعالى .
(1/13)
وتستمر هذه الحالة التي ترهب أعداء الإسلام حتى يحسبوا حسابا لهذه الأمة الإسلامية المجتمعة المتآلفة المتراحمة، فبالنظر إلى وضع المسلمين اليوم نجده أسوء وضع ،ونجد أن في الأمة الإسلامية كل طائفة تريد أن تسبق الطائفة الأخرى إلى إرضاء عالمها بما تقدمه من التنازل وبما تقدمه من التضحيات بينما الأمة الإسلامية أصبحت ضعيفة مهينة ذليلة بسبب ضعف إيمانها، وضعف ترابطها بسبب أن حبال الترابط بينها وهت وضعفت وخلقت وبليت إلى أن أصبحت حبالا لا قيمة لها، وهذا الذي اطمع فيها عدوها وألا لما كان للعدو أن يطمع هذا الطمع في إذلال هذه الأمة إنما رأى أن الأمة بنفسها تقدم التنازل تلو التنازل، وذلك لا يجديها شيئا ، وذلك لا يرفع من مكانتها إنما يذلها ذلا ويزيدها حقارة ودناءة بخلاف ما لو اعتصمت بحبل الله واستمسكت به وعضت بالنواجذ على هدي رسول الله–صلى الله عليه وسلم - وترابطت وتآلفت برباط الإيمان لذلك كان على كل واحد من أفراد المسلمين أن يحاسب نفسه تجاه هذا الأمر وأمام هذه المسؤولية العظيمة وان يدرك أن الأمر إنما تبدو خطورته في هذا التشتت والتشرذم وان حل المشكلة لا يكون إلا بالنهوض بهذه الأمة ولا يكون النهوض بهذه الأمة إلا بدعوتها إلى الخير وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ،"ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واؤلئك هم المفلحون " والحق سبحانه وتعالى يبين أن هذه هي خصيصة هذه الأمة وميزتها ما بين الأمم ، وإنها إن تخلت عنها تخلت عن خصيصتها فالله تبارك و تعالى يقول : " كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " إذن يجب علينا جميعا أن نسعى أولا إلى محاسبة أنفسنا ثم إلى جمع شملنا وتوحيد كلمتنا والتأليف بين جماعتنا لتكون هذه الأمة كما أمرها الله تبارك تعالى امة عزيزة قوية آخذة بالعزة والكرامة ماشية في درب السلامة ،قائدة للأمم ،تاخذ زمام قافلة
(1/14)
الإنسانية إلى الخير، تقود ولا تنقاد ،و تؤثر ولا تتأثر وتأمر وتنهى لأن بيدها الحول والطول بعد الله تعالى ، هذا ، وأسال الله سبحانه أن يوفقنا جميعا له ، وان يوفقنا لما فيه خير الإسلام والمسلمين ، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر عباده المؤمنين وان يجمع شملهم وان يوحد كلمتهم ،وان ينير قلوبهم ، اللهم اعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين ، واقطع اللهم دابر أعداء الدين ،واستأصل شافتهم أجمعين ، اللهم شتت شملهم و مزق جمعهم ، وردكيدهم في نحورهم ، وأعذنا وجميع المسلمين من شرورهم وامحوا آثارهم ،وأورثنا أرضهم وديارهم ،اللهم اربط على أموالهم واشدد على قلوبهم ، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزوك ، اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا ، اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين ، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا ، وأبدلنا بخوفنا أمنا وبذلنا عزا ، وبفقرنا غنى وبتشتتنا وحدة ، واجمعنا على كلمتك وألف بين قلوبنا بطاعتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم إنا ضعفاء فقونا وإنا أذلاء فاعزنا وإنا فقراء فأغننا ، اللهم أغننا بحلالك عن الحرام وبطاعتك عن الآثام وبك عمن سواك ، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم ربنا اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم ربنا اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم ربنا اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم ربنا اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا، طبقا غدقا ، نافعا غير ضار ، رائفا غير عاجل ، تدر به الضرع وتنبت به الزرع وتحيي به الأرض بعد موتها ، لا يدع واديا إلا أساله ولا جدبا إلا أزاله ولا أبا إلا أطاله ولا قصرا إلا اعشبه ولا مصرا للمسلمين إلا أخصبه ، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك ، فادر لنا الضرع وانبت لنا الزرع ، واسقنا من بركات السماء واخرج لنا من بركات
(1/15)
الأرض اللهم إنا نستغفرك استغفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ، اللهم إنا نستغفرك استغفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ، اللهم إنا نستغفرك استغفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ،، اللهم جللنا سحابا ضحوكا تمطرنا به رذاذا قطقطا يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم اغث عبادك واسق بهائمك واحي بلدك الميت يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ، ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رءوف رحيم ، اللهم اجمع شملنا على ما تحب وترضاه من الخير ، اللهم ألف بين قلوبنا واجمع شتاتنا ووحد كلمتنا وألف بيننا ، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ، وصلي اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، سبحان ربك رب ا لعزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
نعتذر عن تقديم الأسئلة لظرف طارئ عسى أن نضيفها في وقت لاحق إن شاء الله ، ولمن أراد المحاضرة فهي موجودة في قسم " خطب ومحاضرات " على الرابط التالي
http://www.almajara.com/article.php?sid=5370
(1/16)

إرسال تعليق

0 تعليقات