الاستدراك لأبي نبهان الحضرمي

الاستدراك لأبي نبهان الحضرمي

 





الكتاب : الاجتهاد وأثره في التجديد لأحمد الخليلي
الاجتهاد وأثره في التجديد(1)
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
بحث مقدم للمؤتمر الدولي الخامس عشر
للوحدة الإسلامية للتقريب بين المذاهب
بعد انتقال الرسول(ص) إلى الرفيق الأعلى، وبعد انتهاء المرحلة الأولى من تاريخ الإسلام، برزت مشكلات شتى تدفع إلى البحث عن الحل الاسلامي لها. وما يكون للمسلمين بعد بزوغ شمس الهداية ان يستقوا تصوراتهم من فلاسفة الشرق أو الغرب، فالدين كامل والنعمة به تامة، فما عليهم إلا أن يفجروا طاقات النصوص الشرعية، التي يشع نورها كلما تراكمت فتن كقطع الليل المظلم، حتى تبدد ذلك الظلام، وبما ان ديننا عالمي الشريعة فلا يمكن قصره بمكان أو تحديده بزمان؛ اذ هو يطول الاقطار ويعم العصور، استوجب الاجتهاد والتجديد، لظهور قضايا لم ينص عليها الكتاب أو السنة صراحة.
(1/1)
ولئن كان الاجتهاد ضرورياً لكل زمان لمعرفة شرع الله تعالى ولاتباع الكتاب والسنة اللذين امرنا باتخاذهما مصدر تشريع فان زماننا اولى العصور بذلك، وما ذلك الا لتعدد القضايا الهائلة التي لم ينص عليها فيه، ولان التجديد في المجالات الاخرى قائم فيه على قدم وساق، فان لم يواكب التجديد الفقهي غيره من التجديدات ارتكست الانسانية إلى الحضيض؛ لانها لن تسعد باتباع الكتاب والسنة، لعدم معرفتها بما تضمنته، ولا يمكنها في كل شيء الاعتماد على الطرح القديم، لان بعضه لا يتلاءم ومستجدات العصر، فاما ان تغلق الابواب دون التقدم في مختلف المجالات، وبذلك يحرم المسلمون انفسهم فضل العقول المفكرة ونتاج القرائح المتفتحة، بل يخالفون بذلك منهج ربهم الذي امرهم بكل ما يقتضي التجديد والقوة كما في قوله جل وعلا: (وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوّ الله وعدوّكم)(2) واما أن يتسنم صهوة الأمر المتحمسون الذين لا يميزون بين ثابت الشريعة ومتغيرها، ويلجونه بلا فهم يقيهم مزلة الاقدام، فيفتون بغير علم فَيَضِلون ويُضِلون، ويفسدون من حيث يظنون انهم يصلحون، واما ان تكون العاقبة الجمود القاتل الذي يؤدي في المقابل إلى نشاط الحركة العلمانية، كما وقع للنصارى، عندما انزلت الكنيسة العقوبة الصارمة بمن فتح عينيه ليبصر الحقيقة، فهجرها الناس لذلك، وهذا دفع الكثيرين إلى تصور ان الدين لا دراية له بسياسة الحياة، وان لم يمكننا سد منافذ الفتنة قبل وقوعها فلا اقل من تخفيف وطأتها قبل ازدياد استفحالها، لان كل المحذورات السابقة واقع نشاهده بأم اعيننا.
وقد تعرضت في هذا البحث لأهمية الاجتهاد، وعرجت من بعده لحقيقته المنشودة، وبعدها ذكرت المشجعات عليه، وإثره بينت علاقة الاجتهاد بالتجديد وخصائص الطرح الاسلامي المطلوب والرابط بينه وبين الاجتهاد.
أهمية الاجتهاد
(1/2)
تعبد الله المسلمين بالعض بالنواجذ على كتابه وسنة نبيه(ص): (وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسولهُ أمراً أن يكون لهمُ الخِيَرَةُ من أمرهم ومن يعصِ الله ورسولهُ، فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً)(3) ويقول جل شأنه: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولِي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوهُ إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسنُ تأويلاً)(4) وبين عاقبة الطاعة حين قال في خاتمة الآية: (ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً).
ولا تكون الطاعة لله خالصة الا بالاحتكام إلى كتابه وسنة نبيه(ص) وهو علامة الايمان وبرهانه الساطع (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)(5) وذلك لا يتصور الا بمعرفة الدلائل وسبر اغوارها وهي حقيقة الاجتهاد، وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب، ويعفى من ذلك من لا طاقة له عليه لفقدان أهليته فالله تعالى يقول: (لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلاَّ وُسعها)(6) ولئن كان هذا الفرض عاماً وشاملاً للأزمنة فزماننا آكد وأهم، وذلك لما يلي:
1ـ تدفق طوفان المسائل التي لم تدر بخلد سلف الأمة، بل لو ذكرت لهم لاعتبروها ضرباً من الخيال ونوعاً من المستحيل، وهذه القضايا التي تطرأ على الساحة العالمية تزداد بصورة مذهلة فلابد ان يوازيها ازدياد مهارة الفقهاء التجديدية معولين على الدليل ومراعين للواقع.
وحلها يستقى من المعين الذي لا ينضب، ولله در العلامة أبي مسلم عندما قال: (...لما أن النوازل مستمرة الحدوث ولا تخلو أية نازلة من حكم، وما كل حكم منصوص عليه، ولكن لاتزال تمتد أغصان الاحكام الحادثة حملاً على نظائرها من الاحكام المنصوصة أو المقيسة الصحيحة، وهكذا إلى يوم القيامة لا تحدث بحمد الله حادثة الا ويوجد لها دليل منها على حكمها)(7).
(1/3)
واذا كان عهد الخلفاء الراشدين اتسم بحركة فكرية فقهية للتعدد في الوقائع فكيف بحال عصرنا، والحوادث فيه لا حصر لها مع تعدد جوانبها، فالجنايات وقرائنها المتنوعة كالبصمة وغيرها، والنسب ودلائل ثبوته بالخصائص الوراثية.
ومختلف الابتكارات الطبية الجديدة كالرحم المستعار والاستنساخ ونقل الاعضاء وغيرها، كل تلك القضايا تستدعي النظر في حكمها، كما ان عجلة الايام لاتزال تدور في المجال الاقتصادي كالمعاملات البنكية المتعددة فأنى تحل بغير الاجتهاد؟!
2ـ ظهور الاكتشافات العلمية ـ أعني الحقائق دون الفرضيات ـ التي لابد من اعتبارها رصيداً فكرياً عند النظر إلى الدليل لنجني ثمارها في مجال التحقيق اذ ربما تفسر المجمل وتؤول الظاهر وتؤكده احياناً، وما الاعجاز العلمي منا ببعيد ففيه تدعيم للظاهر، وهي ايضاً تجلي العلل وتبين زيف بعضها.
والمعرفة بها أمر ضروري لابد للمفسر أن يتحلى به؛ لأن الآيات متجاوزة لحدود الزمان والمكان، وذلك ليتجلى لنا الاعجاز بوضوح واليه اشار قوله تعالى: (سنُريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنّه الحقُّ أوَلَم يكفِ بربِّك أنّه على كل شيء شهيد* ألا إنّهم في مِرْيةٍ من لقاء ربِهم ألا إنّه بكل شيء مُحيط)(8).
وهي على ضربين:
أ ـ أمر متعلق بالقضية المطروحة كالمعطيات الجديدة في مسألة الحساب الفلكي لتبدلها عن الملابسات القديمة.
ب ـ امر لا يتعلق مباشرة بالقضية إلا أنها قد تجلي لنا قرينة تؤيد القول السابق أو تخالفه.
3ـ بروز علوم نظرية جديدة لابد من اتخاذ الموقف الواضح ازاءها، فإما أن تقبل ومعه تدعو الضرورة إلى تأطيرها بالإطار الشرعي، واما أن ترفض ببينة نيرة مع التخلص عن العواطف في إصدار الحكم لها أو عليها وذلك كالهرمنيوطيقا(9).
(1/4)
4ـ أن بعض الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان؛ لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح جمة وهي تتبدل بتقلب الأيام فلربما كانت المصلحة في يوم مفسدة في آخر فلذا لا يستبعد اختلاف الأحكام لتباينها، والنبي(ص) بين ذلك بياناً واضحاً عندما نهى عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة أيام فقيل له ـ بعد ذلك ـ: كان الناس ينتفعون بضحاياهم ويجعلون جم الودك ويتخذون منها الأسقية، فقال رسول الله(ص): وما ذلك؟ فقالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة ايام، فقال: إنما نهيتكم من اجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا. (10)
فإذا كانت المصلحة تباينت بين عام والذي يليه حتى رقى الحكم في العام الأول إلى الوجوب دون الآخر لتبدل الظروف فكيف مع تطاول الزمن؟!، وأصاب ابن القيم كبد الحقيقة عندما قال: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن ادخل فيها من التأويل(11)، وعقد فصلاً لبيان تباين الأحكام بتباين الزمان.
وهي أيضاً تختلف بتباين الأعراف ـ ان بني الحكم عليها ـ وتبدل الذرائع التي أمر الشارع بسدها، وتنوع ألفاظ الاقرار والأيمان والنذور وغير ذلك، وهي أمور تتطلب المزج بين الواقع والأدلة فيستضاء بآخرهما لانارة أولهما.
لذا اشترط بعض العلماء للفتوى معرفة أحوال الناس، وذلك واضح فيما يتبدل بينما في الثوابت لا يشترط ذلك.
واغلب المتغيرات انما تتعلق بالوسائل ولا تتعدى إلى الغايات وهي امور لظروف الحياة الاثر البالغ في توجيهها.
(1/5)
5ـ الحاجة إلى تفنيد البدع التي تسبب غبشاً في التصور لكثير من الناس فلابد من بيان زيفها وذلك يقتضي نقضها بصريح الأدلة، وان كانت لا تلازم الاجتهاد دائماً؛ الا أنها احياناً تفتقر اليه لالتباس السنة بالبدعة وصعوبة التمييز بينهما احياناً.
6ـ تقارب العالم ومحاولة كل فكر غزو غيره بما يبديه اصحاب كل فكر من مظاهر جذابة تستهوي الناظرين، وشعارات براقة تخدع المبصرين، فالعلمانية بقضها وقضيضها تشن علينا حرباً لا هوادة فيها، والعقلانية ـ التي تقبل من النصوص ما يتوافق مع افرازات عقولها ويحاكمها بتصوراتها ـ والاشتراكية كذلك، وظهرت العولمة أخيراً ساعية لاحتكام الناس اليها في الانظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، وهذا كله يؤكد الحديث (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الاكلة على قصعتها...)(12)، فالتداعي كما يكون بالحرب العسكرية يكون بالغزو الفكري بل هو طليعة الأول وخطره أعظم وأثره أطول.
وزماننا لا مكان فيه للتقوقع فمن لم يكن ثبوت قدميه أرسخ من الجبال الرواسي عصفت به الأعاصير الهوجاء لصدام الحضارات من ناحية ولتمازجها من ناحية اخرى.
حقيقة الاجتهاد المنشود
حقيقة ما نصبو اليه في الدعوة إلى الاجتهاد هو الاستمساك بالكتاب والسنة والاحتكام إليهما (قُل أطيعوا الله والرّسول) (13) ففيهما الشفاء لكل داء لأنهما تضمنا الحل لكل معضلة فالله تعالى يقول: (ما فرّطنا في الكتاب من شيءٍ) (14) ويقول جل شأنه: (ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) (15). وعليه فالاجتهاد والتجديد انما يكونان بإنزال الثابت ـ الدليل الشرعي سواء أكان قرآناً أم سنة بأي دلالة معتبرة ـ في المتغير مع مراعاة ظروفه، فهي إذاً محاكمة المتغير بمقتضى الثابت حتى ينزل إلى ارض الواقع.
(1/6)
فهو مركب من شيئين ـ الثابت والمتغير ـ فإذا غض الإنسان الطرف عن الأول مال إلى العلمانية والتمييع، وان تمسك به دون النظر إلى الطرف الآخر مال إلى الجمود. فالاجتهاد لا يمكن ان يلغي الثابت إذ مجاله المتغير، ولا يطول قواطع النصوص لان حدوده قاصرة على الظنيات؛ فلذا قال العلامة الكبير أبو يعقوب الوارجلاني: (إنه لا يسوغ الاجتهاد إلا في فروع الشريعة أما أصولها فلا) (16)، والمراد بالأصول ما تناوله الدليل المتصف بالقطعية في ثبوته ودلالته، أما إذا كان ظنياً في احدهما فالمجال مفتوح شريطة عدم الغاء الدليل المعتبر، وفيه يقول الامام القطب: (ومن بلغه حديث فلا يجوز له العمل برأي إلا في تفسير ذلك الحديث أو تأويله) (17). وليس كما يقول البعض بأن ما تناوله الدليل ولو كان ظنياً يمنع الاجتهاد فيه؛ لأنه قد يكون بالتأويل عند وجود القرائن الصارفة وهذا يعلم بالتأمل في الأدلة لكثرة التعارض الظاهر بينها، فلابد من الجمع أو الترجيح وهما من ضروب الاجتهاد، شريطة التزام الترتيب المنطقي في الأخذ بالأدلة، فان وجد مسلكاً في النصوص سلكه، وان اعوزته انحدر إلى الأقيسة، فان عثر على مغزاه فذلك والا انعطف على انواع الاستدلال.
ويسوغ ذلك لمن راض الأصول وعلم بمنهجية التعامل مع الدليل تطبيقاً لا نظرياً فقط، مع جمعه لخلال الاجتهاد وتصوره لواقعه، وفي هذا الشرط وسابقه يقول الامام أبو مسلم رحمه الله حاثاً على الاجتهاد: (لأن الأخذ بالرأي في موضعه من أهله نوع فرض)(18)، فأشار إلى الأول بقوله: "في موضعه" ونوه بالثاني في قوله "من أهله".
وحقيقته لا تكمن في التخلي عن تحقيقات السابقين ونبذ جهودهم في العراء وان وقع في بعض حقب التاريخ(19) وهو ما يردده بعض من لا يتصور لا حقيقة الاجتهاد ولا عطاء الكتب السابقة الفكري والعلمي ويكاد يتعذر عليه ادراك وجوه الاستنباط الا بوجود نماذج يسير على منوالها ويترسم خطاها.
(1/7)
ومع نقاء صورة الاجتهاد المنشود إلا أن اعداء الاسلام حاولوا أن يجعلوا منه سلماً لتحقيق غاياتهم، حتى تنبثق الأهواء وينقطع الرباط بين المسلم والنص؛ لأنه يؤدي إلى التلاعب به باسم الاجتهاد، وقد تم لهم بعض ما أرادوا، فتأثر بهم قوم من المسلمين فاتخذوه جنة يتقون بها عذل العاذلين، وحققوا به ما يصبون إليه فالله المستعان. وهؤلاء انقسموا طرائق قدداً أهمهم:
1ـ المصلحيون: وهم الذين جعلوا المصلحة مطية امتطوها لرد النصوص القطعية، وعلى رأس هؤلاء المشهور بنجم الدين الطوفي، وقد ناقشه بعض أهل العلم كالدكتور البوطي والأستاذ الريسوني. (20) ومن العجيب أن العلامة السيد رشيد رضا نقل بعض كلامه وأتبعه بالثناء وكأنه مؤيد له. (21)
وهؤلاء تصوروا تعارضاً بين المصلحة والنص مع أن النص هو المصلحة الدينية والدنيوية، والمصلحة كامنة فيه، وما تصوره الناس من التنافي عائد إلى سوء الفهم، وان منع الشارع بعض المصالح في بعض الصور فلأجل التباسها بمفاسد تفوقها، مع أنه فتح لذات المنفعة رحاباً واسعة في غير تلك الصورة، ويتصور ان يكون اللفظ عاماً والمصلحة خاصة والعكس في الدليل الظني، وهنا قد تخصص عمومه وتقيد اطلاقه على الصحيح، وذلك كما مر آنفاً في حديث الدافة.
2ـ العقلانيون: وهؤلاء وقعوا فيما وقع فيه المصلحيون من تصور الثنائية المتعارضة بين العقل والنقل مع أن القطعي النقلي لا يخالف مقتضيات العقول، وكذلك قطعي العقول لا يباين النصوص القطعية ابداً، وأما أن تحاكم النصوص القطعية بعقول أقوام قد عصفت بها أعاصير الأهواء؛ فذلك يناقض العقول مع مناقضته للنقول.
3ـ المتساهلون: وهم قوم خيل إليهم بلوغهم لأسمى المنازل وارقاها فخاضوا في أعمق المسائل، وربما خالفوا القواطع من الأدلة وأولوا ما شاؤوا منها واستحلوا الفروج وسفكوا الدماء بغير مبرر شرعي، مع أن الاجتهاد هو استفراغ الوسع؛ وهؤلاء لم يستفرغوه، بل لم يمعنوا النظر اصلاً.
(1/8)
4ـ المبهورون بالغرب: وهم الذين سال لعابهم لبريق الحضارة الغربية الزائف، فظنوها الفردوس المنشود مصداقاً لقول النبي(ص): (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع...)(22). وللهزيمة النفسية أثرها في توجيه هؤلاء مع أن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، بل عليه أن يكون قابضاً على زمام القافلة يجنبها المهالك وأن يكون ربان السفينة يقودها إلى بر الأمان.
5ـ المنهزمون: وهم الذين يتصورون أن غاية الاجتهاد تبرير الواقع وتبريد حرارة قلب المتألم لتفريطه بتسويغ عمله، ومحاولة التلون بكل لون من ألوان الظروف والأحوال، مع أن غايته تكمن في صبغ العالم بصبغة الله بتبيين معالم دينه واظهار أنواره ليستنير بها السالكون.
6ـ الظاهريون: وهم الذين اقتصر نظرهم على القشور دون اللب وعلى الظاهر دون غيره، ولم يصرفوه حتى مع وجود القرائن المانعة من الحمل عليه، وعلى رأس هؤلاء من السابقين داود وابن حزم، وسلك طريقهم بعض المعاصرين، وكثير من أقوالهم تخالف ما تضمنته العمومات.
7ـ المعجبون بالقديم لقدمه أو الجديد لجدته: وهما طرفان متناقضان والحق في الوسط، على ان القدم والجدة أمور نسبية تختلف باختلاف الزمان، والمرجع الحقيقي هو الدليل الشرعي مع عدم اغفال الزمان لتطبيقه عليه.
التشجيع على الاجتهاد
يعد صريح الأمر من الله تعالى باتباع كتابه وسنة نبيه(ص) والوعد عليها بعظيم الجزاء من أعظم الأدلة على مشروعية الاجتهاد، لان تطبيقهما على القضايا المتجددة موقوف عليه.
(...
(1/9)
فآيات القرآن التي تحدثت عن فعل العقل والتعقل هي تسع وأربعون آية، وآياته التي تحدثت عن القلب ومن وظائفه التفكير والتعقل تبلغ مائة واثنتين وثلاثين آية، ولقد ورد الحديث في القرآن عن اللب بمعنى العقل لانه جوهر الإنسان وحقيقته في ستة عشر موضعاً، وجاء الحديث فيه عن النهى بمعنى العقول في آيتين، اما التفكر فلقد جاء الحديث عنه بالقرآن في ثمانية عشر موضعاً، وجاء الحديث فيه عن الفقه في عشرين موضعاً، وجاء حديثه في التدبر في اربع آيات، وعن الاعتبار في سبع آيات، وعن الحكمة في تسع عشرة آية) (23).
وقد توالت احاديث النبي(ص) مبينة عظيم الثوابت فيه فهو يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (24). ولم تكن أحاديثه مقتصرة على النظرية فقط بل اجتهد بنفسه كما يقول بعض الأصوليين وأقره الله تعالى عليه فقد قال جل شأنه: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتّى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) (25) والله تعالى أقر ايضاً الصحابة الكرام عليه كما في قوله جل وعلا: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمةً على اصولها فبإذن الله وليُخزي الفاسقين) (26) فأقر الله تعالى كلا الطرفين.
والنبي(ص) أقر المسلمين عليه عندما نهاهم عن صلاة العصر إلا في بني قريظة(27)، ففهم بعضهم قصد الاستعجال وأدوا الصلاة في وقتها، وتصور آخرون إرادة الظاهر فلم يصلوها إلا في بني قريظة بعد انتهاء وقتها بزمن، فأقرهم النبي(ص) جميعاً، وأحياناً ينبه على الخطأ مع عدم نقضه للاجتهاد الأول، ومنه قوله لأبي بكرة عندما ركع قبل أن يصل إلى الصف: (زادك الله حرصاً ولا تعد) (28). فلم يأمره بإعادة صلاته.
(1/10)
والخلاف بين العلماء في مسائل الرأي يعتبر رحمة بالأمة ولا يمكن اعتبار تباين الأنظار سبباً لشقاقهم، فلا يعنف المخالف فيها، حتى أن الإمام محمد بن محبوب رحمه الله عندما ذكر المختلفين الذي يميل بعضهم إلى الحرمة والآخرون إلى التحليل قال: (وهم يتولون بعضهم بعضاً ولا يخطئ بعضهم بعضاً) (29)، وذكر المحقق الخليلي رحمه الله ما يمكن ان يكون تعليلاً لذلك عندما قال: (ولكن أصل الاجتهاد الفقهي في أصله أمر ظني لا مدخل له في البراهين القطعية)(30) ولم يقتصر على ذلك فحسب، بل قال في الأمور الخبرية الظنية التي لابد ان يكون احد الطرفين مصيباً والآخر مخطئاً: (وإنما اختلاف الفقهاء فيها رأياً بواسطة الاجتهاد والنظر والاستدلال، وأن على كل ناظر أو قائل فيها أن لا يخطئ من قال بخلافه كما هو شأن الفروع والاجتهاد)(31).
وتضمنت مناقشات الأصوليين بعض المسائل التي تعتبر من أقوى الدعائم المشجعة عليه وإليك أهمها:
1ـ قولهم بحرمة التقليد من القادر على الاجتهاد، وقد دعموا قولهم بالنصوص الشرعية المؤكدة لمذهبهم وهذا قول الإباضية وعليه جمهور أهل العلم(32) بل حكى بعضهم الإجماع عليه(33)، والقطب لم يكتف بذلك؛ بل جعل على غير القادر أن ينعطف إلى الترجيح إن قوي عليه فهو يقول: (ولكن من له قوة على الاجتهاد فلا يأخذ بقول غيره... ومن ليس مجتهداً ووجد خلافاً فإن قوي على الترجيح فليرجح) (34)، مع أنه شدد في قياس غير المجتهد.
2ـ قول بعضهم بعدم جواز خلو الزمان من مجتهد إذ الأمة متعبدة بتهيئة الوسائل الموصلة لبلوغ بعض أفرادها لتلك المنزلة، وايجاب هؤلاء ذلك في زمان لا تكاد المسائل تطرأ فيه إلا قليلاً مقارنة بزماننا الذي يومه يفوق مائة عام من اعوامهم في تبدل الظروف والأحوال يؤكد ضرورة تهيئة ظروف الاجتهاد في زماننا.
(1/11)
3ـ وقريب منه قول بعض أئمة الأصول بوجوب تقليد عالم العصر، وهو مما يدفع عجلة الاجتهاد قدماً، لان العارف يسعى لنيل هذه المنزلة ليحيي الله على يديه الأمة، ويحثه ذلك ايضاً على تحرير ما يراه لئلا يحرج مقلديه، وهو يقوي الرباط بين الطرفين: المجتهدين وغيرهم، وهو بالتالي يحقق ما تصبو اليه الأمة من تجديد، لأنه بدون الرباط بينهما لا يسمع قول العالم ولا يتحقق بذلك مراده.
4ـ اختيار بعض الأصوليين وجوب تكرار الاجتهاد في المسألة إذا أراد العمل مرة أخرى لإمكان ظهور ما خفي عليه من قبل أو طروء ادلة تبدد تصوره السابق، وإن كان الصحيح عدم وجوبه إلا إن تغيرت صورة المسألة أو ارتاب في أدلتها لعارض أو نحوه، وبذلك يخرج عن المسألة المطروحة، وعلى العموم فان كان التكرار واجباً عند بعض مع المناقشة السابقة للقضية فما بالك فيما لم تخطر القضية بباله أصلاً؟!.
5ـ اشترط بعضهم الاجتهاد في المفتي والقاضي، لأن غيره لا يكون عالماً فكيف يسوغ له الإفتاء وأنى يُمكّن من القضاء وهو جاهل؟!
والاجتهاد في عصرنا أسهل من ذي قبل لسهولة الحصول على الكتب وكثرة المراجع وتنوعها، وفي ذلك يقول العلامة رشيد رضا: (ليس تحصيل الاجتهاد الذي ذكروه بالأمر العسير ولا بالذي يحتاج فيه إلى اشتغال اشق من اشتغال الذين يحصلون درجات العلوم العالية عند علماء هذا العصر في الأمم الحية كالحقوق والطب والفلسفة، ومع ذلك نرى جماهير علماء التقليد منعوه، فلا تتوجه نفوس الطلاب إلى تحصيله)(35). وهؤلاء يصدق عليهم قول القائل:
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
(1/12)
بيد أن المانع الأساسي منه وقوع كثير من أهل العلم في شراك التقليد، وقد سرت عدواه حتى أن بعضهم منعهم الافراط فيه من الاستدلال بالكتاب والسنة لمخالفتها لمن يقلدون حتى قال قائلهم: (كل آية تخالف اصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو على التأويل أو على الترجيح من جهة التوفيق)(36). فبعد أن أمرنا الله بالاحتكام إليه وإلى رسوله(ص) عند التنازع وجعله شرط الإيمان نسمع من يحاكم نصوص القرآن بأقوال ائمته فنسأل الله السلامة، ومن هؤلاء من منع القياس بعد الأربعمائة بلا دليل ولا واضح سبيل، لان العقلية أصبحت ترسف في قيود التقليد، فما أن يخالف أحد الفقهاء أقوال ائمته ـ وإن أتى بالبراهين الصريحة ـ حتى تشن عليه حرب شعواء لا هوادة فيها، مع أن الذين حاولوا إغلاق باب الاجتهاد اجتهدوا في هذه القضية مع عدم ذكر سلفهم لها ومع منافاتها للدليل.
(1/13)
ومقصد هؤلاء سد باب الفتنة في وجوه المتعالمين حتى لا يتسوروا ما لا يستطيعون الصعود إليه وقطع الطريق على فقهاء السلطة الظالمة، وهي ردة فعل لكثرة المتطفلين بلا رصيد علمي ولا تقوى تردعهم، واضافة إلى ذلك رأوا ان عدم استقرار المذاهب يؤدي إلى كثير من الفتن والمحن، والواقع ان مقاصدهم لم تتحقق، فلم يرتدع المتطفلون ولو وجد رادع لهم لردعتهم قوارع النذر من الكتاب والسنة التي تحرم التقول على الله بغير علم، وترتب عليه أليم العقاب؛ ولم يغلقوا باب الفتن؛ بل انفتح على مصراعيه لتعصب كل طائفة لإمامها، وللمنع منه عزف الناس عن الأصول لعدم الداعي إليها، لأن غايتها الاجتهاد، وإذا منعت الغاية فلا ينبغي للعاقل ان يضيع وقته في طلب أسبابها، وبسبب هؤلاء اختلطت دائرتا التسليم والنقاش عند الناس، حتى أنهم اقتنعوا بكثير من المتناقضات لأنهم اجروها في دائرة التسليم، فلم يتمكن ادراكهم العقلي من تبديد زيفها، بل لو نبههم غيرهم لقلبوا له ظهر المجن للخلط المذكور، وهو في الوقت ذاته يقتل طموح الانسان ويودي بعقله.
التجديد والاجتهاد
قبل البدء في الكلام عن ارتباط الكلمتين لابد من معرفة التجديد حتى تكون صورته شاخصة للعيان.
فحقيقته تكمن كما يقول العلامة المودودي: (... أن التجديد في حقيقته عبارة عن تطهير الإسلام من أدناس الجاهلية، وجلاء ديباجته حتى يشرق كالشمس ليس دونها غمام)(37) والأمر أعم من ذلك لأنه يشمل بالاضافة إلى ما ذكره اعادة الطرح الاسلامي بصيغة مناسبة لمقتضى العصر، ويتناول تسليط الضوء على الجديد من القضايا التي لم تطرح سابقاً مع الحكم عليها وفق معطيات الدليل الشرعي.
(1/14)
والتجديد تنزيل المطلق ـ الوحي ـ على الواقع ومحاكمته به، وهو كلمة تحمل الحيوية المتجددة، التي تبعث النفس للسعي الدؤوب لاعادة معالم الدين بعد أن كادت تنطمس في مختلف المجالات، وهو متوقف على الاجتهاد لأنه المحرك الأساسي لهذه العملية، وهو تلبية لحاجتي الدين والدنيا وبدونه لابد ان يضحي الإنسان بأحدهما، فمن لم يهتم به حرم خير المستجدات وفي الوقت ذاته لم يتمكن من دفع شرها لأنها ستصل إلى عقر داره لا محاله، والتجديد ليس بمتابعة كل ناعق يدعو للجديد والحداثة فليس المراد منه الاتباع، بل المراد محاكمة الجديد بالقواعد الثابتة، فالجديد منه خير محض فيجب قبوله، ومنه شر محض فيجب رده ومنه مزيج بينهما فيجب انتقاء الخير ودفع الشر ان أمكن، أو يرجح الغالب منهما عند عدم الإمكان.
ولا يليق بأمة الدعوة والرسالة الخالدة أن تبقى مكتوفة الأيدي وهي تبصر بأم عينها، وتسمع بأصمخ أذنها تسابق الأمم في مضمار التقدم فمنها المجلي ومنها المصلي، فأنى لها الثبات وهي تقاتل بسيف في زمان تقصف فيه بصواريخ تعبر القارات؟!، فلابد ان تسعى قدماً لتنال المكانة اللائقة بها اذ مكانها القيادة لجميع الأمم (وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس)(38).
ويتأكد وجوب السعي لتحقيق ذلك تباين الانسان عن غيره من المخلوقات فلا يبقى على حاله، فسنة الارتقاء امر فطري فيه والبقاء على القديم ينافي فطرته وينزل به إلى حضيض الحيوانات.
(1/15)
وبما أن مثالية الدين واقعية وليست وهمية، وقد قامت البراهين النصية والواقعية على ذلك، ومقاصده التي يرنو لتحقيقها تتباين طرق تطبيقها بين فينة واخرى، وذلك يؤكد ضرورة التجديد، وفي ذلك يقول الدكتور محمد القادري: (ولا شك ان امتداد الزمان يجاريه تبدل في الدوافع والمحركات التي يجري عليها التيار الحياتي، وليس لأحد ان ينكر تلك الدوافع والمحركات لجميع وجهات الحياة، من وجهات جغرافية أو ثقافية أو حضارية... ومع هذا التغيير الدائم تأتي ضرورة تغيير الوجهات التطبيقية حسب مقتضى الحال، لأن القواعد الموضوعة من قبل العلماء في الزمن الفائت، والتي كانت مناسبة للفترة التي عاشوا فيها؛ تصبح غير عملية وغير ملائمة للوضع الحياتي الحالي فتقل قيمتها التطبيقية...)(39).
لكن حال دون تحقيق الأماني تصور بعض الناس ان كمال الدين يتنافى مع التجديد مع أن كماله يفتح المجال للتجديد في بعض المجالات للتغير الواقع في الظروف فيها، وقطع آخرون اماني الابداع وذلك لأنهم ظنوها داخلة في حديث: (... وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) (40)، مع أن البعد بين المنهي عنه فيه ومجال التجديد بعد المشرقين، فالحديث في الثوابت دون غيرها، والتجديد للمتغيرات ولا يتعرض للثوابت الا من حيث الأسلوب وهو من المتغيرات.
والشريعة حثت على التجديد باجمالها في بعض الجوانب لتترك المجال للعقل وللواقع، يقول الدكتور محمد عمارة: (لقد وقفت الشريعة الإسلامية عند التفصيل للأحكام مما هو ثابت وللتجديد لما هو متغير)(41).
والتجديد بطمس معالم الباطل واجب مقدس، وهو فرض ايضاً في معالجة المتغيرات عندما تدعو الحاجة لتطبيقها، وبالنسبة للاساليب فانها تختلف بتباين المقامات، فقد ترقى إلى الوجوب وقد تقتصر على ما دونه.
(1/16)
وركيزته الأساسية تكمن في العلم فبدونه يرتكس إلى الحضيض؛ فلذا أنعم الله على انبيائه بسعة العلم والفهم لأن مجابهة تيار الجاهلية يقتضي التسلح بسلاح العلم فبه تتضاءل الشبه وتتبدد الظلمات فالله تعالى يقول على لسان نبي من اعظم المجددين مخاطباً أباه: (يا أبتِ إنِّي قد جاءني من العلم ما لم يأتِك فاتَّبعْنِي أهْدِك صراطاً سويّاً)(42) ويقول تعالى على لسان صفوة الأنبياء والمرسلين(ص) معرباً عن مهمته ومهمة من سار على دربه من المجددين: (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني)(43) فالبصيرة شرط أساسي لا تنفك الدعوة عنها.
وكل صور التجديد العلم شريانها الحي الذي ينبض مع تنوع في مراتبه فبه يجلو الصدأ عن مرآة الإسلام، وعن طريقه يمكن تطهير الدين من البدع، وان كانت محاربة المحدثات لا يشترط فيها الاجتهاد وربما ملكها الإنسان بقوة الصولجان (يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) إلا أن تصرفه لابد ان يكون مسبوقاً بتصور مستقى من ينابيع الدين الصافية بالعلم، على أنه في أحيان كثيرة ان لم تكن له قدم راسخة في المعارف زلت به القدم وأحكمت تصرفاته العواطف الرعناء فيتنكب عن مقصده بل يحيد عن الصراط السوي.
ولكثرة الشبه التي تثار في وجه الحق يلتبس بالباطل في تصورات العوام، وهنا لا يمكن التجديد الحقيقي إلا عن طريق المجتهد لتعذر ادحاضها على من لم يرضع لبان الاصول، وان وقع حيناً فلا يخلو من نقص يشينه.
ومحاكمة القضايا الجديدة بالمنظار الشرعي وفق دليله لا يمكن ان يتصورها الانسان الا بالاجتهاد فهو الطريق الوحيد اليها، ومن سلك غير طريقه فلا يمكنه الوصول إلى الغاية المنشودة:
سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
(1/17)
إلا أن اعادة الطرح لا يشترط فيه الاجتهاد ان تعلق بالإسلوب وحده، وبه يكون جثة هامدة لا تنبض فيها حركة الحيوية المنشودة في التجديد وهو تجديد قشور لا تجديد لب، ولا يمكن بها مقارعة بقية الافكار التي تضخ معطيات فكرها بقوة.
والواقع التاريخي يرينا الارتباط وثيقاً بين الاجتهاد والتجديد فلا تكاد تجد متصفاً باحدى الصفتين الا وله قدر لا يستهان به من الأخرى على تباين في المراتب (وفوق كل ذي علمٍ عليم)(44) (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)(45).
فالإمام الشاطبي يعد من كبار المجددين في المقاصد، وهو مجتهد في مجاله، وذلك ملموس من موسوعته "الموافقات"، وقد بين الاستاذ الريسوني ملامح التجديد التي نالها، والإمام الفرسطائي أخذ نصيبه كاملاً غير منقوص في مجاليه السياسي التربوي والعمراني، أبرز الأول بإنشائه لنظام العزابة وتأطيره له في اطار عقلاني يستطيع مواكبة العصور مع تبدل الظروف فيها، وهو يؤدي رسالته المرجوة، واستطاع هذا النظام الثبات لما يزيد على الف سنة إلى الآن. والثاني ظهر من خلال كتابه القيم "القسمة وأصول الأراضين" إذ ربط الصور بأحكامها وبذلك يستفيد الدارس لفني العمران والفقه.
(1/18)
والتجديد كما يستلهم معطياته من النصوص فهو ايضاً يمتزج بالواقع؛ فلذا كان لزاماً على المجدد أن يستنير بسنن الله تعالى في الكون فالله تعالى يقول: (ولن تجد لسنّة الله تبديلاً)(46) ويقول جل شأنه: (ولا تجدُ لسنّتنا تحويلاً)(47) وهذه السنن تشمل القواعد الكونية في مختلف المجالات التي يحتاج اليها الانسان فتعم علوم الاجتماع والنفس والعلوم الفلكية، فلذا أبرز الله تعالى بعضها في كتابه أو على لسان نبيه(ص) وأوكل بعضها إلى عقول الناس حتى يستجلوها من واقعهم (ولكل مجتهد نصيب). فالله تعالى يقول: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تُغني الآياتُ والنُّذرُ عن قوم لا يؤمنون)(48) ويقول أيضاً جلَ شأنه: (قل سيروا في الارض)(49) هذا لأجل عالمية الدين وشموله لمختلف مجالات الحياة. وفي هذه الآونة التي تمر فيها الأمة بظروف حرجة بعد ان نشبت الجاهلية فيها اظفارها؛ لابد أن نستفيد من السنن الكونية سنة الله في النصر (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)(50) وهذه السنة الالهية الثابتة بهذا النص الواضح عليها في الكتاب المبين يمكن لمقلب صفحات التاريخ ان يستجلي بعض مشاهدها الرائعة، بل يمكن أن يرى بعضها بأم عينيه في وقائع عصرنا، وما انهيار الاتحاد السوفيتي "حسب ما كان" منا ببعيد.
وهذه السنن تؤخذ من النصوص القاطعة ومن البرهان التجريبي القاطع، فاذا تضمنته القواطع فعلى المسلمين ان يسعوا لاكتشاف اسرارها حتى يبرهنوا على صحة ما فيها لينجلي للناس ما في وحي الله من إعجاز يشد المتأملين اليه، فيجتذبهم إلى اتباع الحق المبين، والعناية بهذه الجوانب تعد من ضروب التجديد.
(1/19)
أما إن استظهرت من الأدلة الظنية في دلالاتها أو في ثبوتها فانها تخضع للتجربة حتى يظهر لهم صحة تفسيرهم وفهمهم للظني في دلالته من عدمها، إذ قد يتبين لهم على خلاف تصورهم، وعند عدم المطابقة قد يكون برهاناً على الوضع أو الوهم في نسبته للمعصوم(ص) للشذوذ الحاصل إذ مخالفة الواقع تعد منه.
وعدم تصور الواقع يجعل المرء لا يتمكن من تحقيق المناط لأنه لا يعرف الجزئيات التي ينزل عليها الحكم الكلي، ولا يمكنه أن يقيس لعدم تمكنه من معرفة تحقق العلة في الفرع وبذلك ينهار بنيان التجديد والاجتهاد معاً.
وتحقيق المناط يتطلب اعادة النظر في الواقع وفي علل الشريعة ومراميها، إذ لم تبن أحكامها على الأسماء وانما نظرت إلى الحقائق وآثارها، وقد تبقى الاسماء مع تبدل مضامينها والعكس، فلذا لابد في زماننا من إدراك أدق للواقع لأن الحكم متوقف على تصوره، ومن العجيب ان بعض الباحثين حاولوا استنطاق كلام المتقدمين لتنزيله على أرض الواقع، مع انهم ـ المتقدمين ـ لم يتصوروا شيئاً منه، وإن أمكن ان يعمه لفظاً، لان تلك الصورة لم يفطنوا لها، والصورة الشاذة لا تدخل في العموم على قول بعض الأصوليين في النصوص الشرعية، فكيف بكلام من لا يتصور الواقع اصلاً مع ان الحكم فرع عنه؟!.
والحقائق قد تخفى على غير العارف وتخدعه الظواهر خصوصاً عند حصول قضايا جديدة لم يتصورها، وادراك حقائقها يشكل نصف طريق معرفة حكمها وهو من اساسيات التجديد والاجتهاد فبدونه لا يمكن الحكم على الواقع.
ولا يقتصر اثر معرفة الواقع على تصوره ومحاكمته بمقتضى دلائل النصوص، بل له قدرة ـ كما قلنا في الكلام على بيان الأهمية ـ على توجيه الأدلة ـ الظنية ـ فتؤولها أو تؤكدها وهكذا، وعليه فالاجتهاد والتجديد لابد لهما من نظرة ثاقبة لما يدور حول الإنسان، وبذلك يتسنى للمجتهد المعاصر ان يضيف لبنة قوية في بناء التجديد.
(1/20)
كما أن الواقع ذاته يحدد المسائل المطروحة فهي تعكس ظروف المذاهب التي ناقشتها للتمازج الواضح بينها.
فالإباضية ناقشوا القضايا السياسية كمسالك الدين وغيرها وربما كان تعرضهم لها اكثر من غيرهم، وفي الوقت ذاته اطروا المباحث المتعلقة بالأفلاج في اطارها الشرعي وبينوا حريمها لأنها واقع لا يمكنهم إغفاله.
والحنفية أكثر المذاهب ـ من حيث العموم ـ مناقشة لبيوع الذرائع لأنها نشأت بين اظهرهم.
بل احياناً تختلف المسائل المطروحة بين زمن وآخر فلذا نجد الشيعة الإمامية المتأخرين يناقشون ولاية الفقيه بينما لا نجد لها ذكراً عند متقدميهم.
والذي يؤسف حقاً أن الوقت الذي كان الغرب فيه يسعى جاهداً لاكتشاف اسرار الطبيعة بالغوص في أعماق البحار أو الصعود في طبقات الفضاء، باذلين كل ما في وسعهم، نجد حال ذوي الهمة من المسلمين ـ فما بالك بغيرهم ـ كما يصفهم شيخنا العلامة أبو إسحاق اطفيش رحمه الله بقوله: (ترى الشخص منهم يجهد نفسه ليلاً ونهاراً في درس مسائل الفتوى واللعان والظهار والسلم والشفعة والاجارات وما أشبه ذلك من مسائل الفروع التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها)(51) مع أن البحث عن ما لا يقع ليس مطلوباً شرعاً ولا عقلاً فلا ينبغي السؤال عنه ولا البحث فيه.
والنظر لا يقتصر على العلوم المعاصرة بل يتعداها إلى كل علم فتاريخ الأمم والشعوب له دوره البارز في تحديد دلالات الاجتماع البشري، ويرينا العبر شاخصة للأبصار فلذا أكثر الله من ذكره في كتابه وقال: (لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب ما كان حديثاً يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيءٍ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)(52).
والمضامين التاريخية إن ثبتت تفسر لنا بعض النصوص المتعلقة بها كالسبب فتقوي دلالاتها على بعض الأفراد كالذي ورد لأجله العموم، ويقوي مفهوم المخالفة حيناً ويمنع من الاستدلال حيناً آخر مع بيانه للمجملات في بعض الآونة.
(1/21)
وذلك يعين على ادراك علل الأحكام ويبين مبررات سد الذرائع، مع أن بعض الدلالات التاريخية تشكك في بعض الأحاديث الظنية لمناقضتها للواقع، وكل ذلك من ركائز التجديد.
والاجتهاد أيضاً يعتبر شرطاً اساسياً لتنقيح المناط وتخريجه وهما من عجلاته الكبرى، فلا يسير بدونهما.
وفي تحقيقه قولان ـ اشتراط الاجتهاد فيه ـ والخلاف أقرب إلى اللفظ منه إلى المعنى، الا انه يشترط فيه تصور حكم المسألة تصوراً كاملاً بل يتطلب احياناً ادراكاً دقيقاً يخفى على كثير من الناس لعدم انضباط القاعدة الكلية، فالمشقة التي تجلب التيسير غير محددة فلربما سوغت ترك القيام في الصلاة، واذا وجدت ذاتها في الجهاد فلا يمكن ان تعتبر من مسقطات وجوبه.
والإكراه قد يكون رافعاً للتكليف احياناً وهو ذاته مبهم يحتاج إلى بيان فقد يكون رافعاً لشخص دون آخر ولظرف دون غيره وهو وجه وجيه مال إليه بعض من الشافعية(53).
ولاختلاف تحقيق المناط تبدلت أجوبة النبي(ص) كثيراً مع اتحاد السؤال.
وهذا أمر يتباين تبايناً شاسعاً بين زمن وآخر فلا يمكن ضبطه فلذا تركه الله لاجتهاد المطبقين للشريعة إن اعتبرناه منه.
والتجديد يكون أيضاً بإعادة المصطلحات التي غيبها الناس إلى مجاريها، وان كان في حقيقته رجوع إلى القديم، الا انه أجدى وانفع، وسبب تضييع المسلمين لمصطلحاتهم الجهل من ناحية والغزو الفكري من ناحية أخرى، فبعد أن اصبحت الألفاظ الجديدة دارجة على الألسن من غير نكير لابد من اعادة الناس إلى المصطلح الشرعي، لأن تغيير الاسم يهضم الحقيقة شيئاً من حقها، وله بالغ الأثر في تصوير الشيء بغير صورته الواقعة، ومما ساد الآن تسمية الربا بالفوائد واطلاق المشروبات الروحية على الخمر وما شاكله والتعبير عن الزنا بالحب وتبديل اسم المجون بالفن، إلى غيرها من الالفاظ الكاذبة التي تتطلب يقظة وفهماً وعلماً لبيان زيفها بعدما عششت في اذهان بعض المسلمين.
(1/22)
والتجديد لا يمكن قصره على صاحبه إذ غايته إنقاذ الناس من الانزلاق إلى هوة الجاهلية، والله تعالى بين لنا غاية الرسوخ في العلم ـ وبه يحقق التجديد ـ عندما قال: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)(54).
وعليه فترميم صياغة المناهج المطبقة يعتبر من آكد الواجبات بل وإضافة لبنات أخرى في القضايا التي لم يسبق طرحها، فالكتب التي تقرأ واساليب التعليم التي يخرج بها النشء وطرق الدعوة والاذاعة والتلفاز والشبكة العالمية للمعلومات وغيرها كل ذلك يحتاج فيه الداعية إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ولئن كان كثير من اهل العلم في السابق جمعوا بينهما في عصرهم الا ان صياغتهم لا تتعدى ظروفها الزمانية والمكانية للتبدل الكبير في ظروف العيش.
خصائص الطرح المنشود وحاجته إلى الاجتهاد
الطرح المنشود ثمرة من ثمار التجديد والنهاية الأولى التي يصبو اليها، وحتى ينال المركز اللائق لابد ان يتصف بما يلي من الشروط:
1ـ صحة المادة وهي عندنا أروع ما تكون لأنها مستقاة من كتاب رب العالمين ومن هدي صفوة المرسلين(ص)، والله تعالى عالم بنظام الكون وبما يحتاج اليه لاصلاحه وخبير بخفايا الطبع الانساني وبمطالبه النفسية والجسمية والعقلية والعاطفية وهو فاطر الضمير والوجدان، فأولى جميع هذه المطالب كريم عنايته، ووجهها نحو الوجهة المرضية حتى لا تحيد عن الصراط السوي (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)(55) وذلك يبرهن بوضوح التوازن والوسطية والواقعية أيضاً في التصور الإسلامي.
وجميع المبادئ الاخرى لم تتمكن من المواءمة بين هذه الامور فغلبت جانباً على آخر، بل ربما بالغت فألغت بعضاً منها وذلك واضح في رهبانية النصارى، إذ حرمت الجسم والعاطفة حقهما، وهو جلي أيضاً في تيارات المادية المعاصرة التي همشت جانب الروح.
(1/23)
وصحة المادة تتطلب علماً بالتصور الإسلامي، الا انه قد ينال بغير بلوغ منزلة الاجتهاد وبه يكتمل بهاء الصورة.
2ـ العموم والشمول، الإسلام دين عالمي ابدي، من أبرز خصائصه شموليته بحيث يتناول جميع القضايا ويحاكمها بمنهجه ويميز بين حقها وباطلها، ويبين المحق من المبطل ممن يتلبسون بها، ولا ينحصر في طقوس تقام في المساجد أو شعائر تؤدى في شعاب مكة، بل يشمل حتى قضاء المسلم حاجته ومباشرته أهله ومأكله ومشربه وملبسه وجميع متطلبات حياته وعلاقته بخالقه وببني جنسه وسائر الكون وجميع معاملاته وتصرفاته (قل إنّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين)(56) وهذا راجع إلى شمولية شريعة الاسلام.
وهي بذلك تباين الأفكار التي ترضى بالاقتصار على جانب دون آخر لأن مقاييسها قصيرة المدى في العمر الزمني وفي الحدود المكانية، بل وفي الشخصيات فلذا لا تصلح لعموم الأزمنة والأمكنة، حتى اصبحت شعاراتها تنم عن عدم عنايتها ببعض الجوانب كقول العلمانيين "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وشعار الآخرين "الدين أفيون الشعوب" فلا علاقة إلا بالمادة.
وبعموم الطرح يمكن التخلص من أثر التيارات الأخرى وبه تجتث المشكلة من جذورها، وإن لم يعم الطرح انجرف الناس إلى هوة العلمانية فيبتعدوا عن معطيات دينهم، اذ كل فصل للدين عن شؤون الحياة يعتبر ضرباً من ضروب العلمنة يجب التخلص منه كابعاد الشؤون الاقتصادية أو السياسية أو

إرسال تعليق

0 تعليقات