الإمام أبو الشعثاء ل

الإمام أبو الشعثاء ل

 





الكتاب : الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لأحمد الخليلي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
الإعجاز العلمي
في
القرآن الكريم
سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛؛؛
ففي هذا الدرس ننتقل إلى نوع آخر من أنواع الإعجاز القرآني، هذا النوع يعتبر من أدق الأنواع وأحوجها إلى التبصير والإمعان، والإنسان عندما يتحدث في هذا النوع معرض للانزلاق إن لم يصنه الله سبحانه وتعالى ويسدده في قوله وفكره، ويأخذ بيده إلى حضيرة الحق والصواب، وأجدني وأنا أتحدث عن هذا النوع من الإعجاز القرآني بين إقدام وإحجام؛ أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، خصوصاً وأنا أتحدث أمام لفيف من الذين هم أعمق مني فكراً وأكثر مني دراية فيما يتعلق بهذا الموضوع، لأن حديثنا عن الإعجاز العلمي في كتاب الله سبحانه وتعالى، ونحن الآن في هذه الجامعة الفتية بين عدد من الطلاب الذين هم وراء هذا العلم، وقد يكون هنا من الأساتذة من هم خبروا هذا العلم ودرسوه وتضلعوا فيه وتوسعوا في البحث في كثير مما يدور حول قضاياه التي سنتعرض لها.
القرآن كتاب هداية
(1/1)
وقبل الدخول في صلب الموضوع ، أريد أن أقول إن القرآن الكريم هو كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى هدىً للمتقين، فهو صراط هداية ومنبع فضيلة، وقائد رشد ومنهج حياة، يصل العبد بربه سبحانه وتعالى، ويصل الفرد بالمجتمع، ويقيم العلاقة بين الإنسان والإنسان في ظل العبودية لله تعالى الذي خلق الإنسان، وخلق كل شيء في هذا الكون، فهو ولا ريب لم ينزل لأجل بحث القضايا العلمية حسب عرف العصر الحاضر، ولا لبحث دقائق علم الطب أو علم الفلك أو علم طبقات الأرض أو علم الأحياء، ولا لبحث أي نوع من هذه العلوم، فهذه العلوم جعلها الله سبحانه وتعالى ميسرة لعباده بطريقة التجربة والاكتشاف، إنما العلم الذي أرسل الله سبحانه وتعالى به رسله وأنزل من أجله كتبه هو العلم الذي يهذب النفس الإنسانية، ويقيم العلاقة الطيبة بين الإنسان والإنسان على أساس العبودية لله سبحانه وتعالى، وأن الله هو الذي خلق هذا الوجود، وأنعم على كل موجود، له الخلق والأمر، وله وحده التشريع، وله وحده أن يعد ويتوعد على الاستقامة أو على عدمها.
(1/2)
هذا الكتاب العزيز جاء لمخاطبة الإنسان، والإنسان جزء من هذا العالم، تربطه بجميع العالم روابط قوية، وأكرمه الله سبحانه وتعالى بأن يكون خليفة في الأرض، والأرض وإن كانت من حيث طبيعتها تبدو أنها كائن حقير، لأنها لو قيست بسائر الأجرام الفلكية التي تسبح في خضم عباب الفضاء لما كانت إلا كذرة في الهباء، هذه الأرض أعلى الله سبحانه وتعالى من شأنها بحيث جعلها مهبطاً لرسالاته، وجعلها مرتبطة بهذا العالم الواسع الأرجاء المترامي الأطراف، وقد هيأها الله سبحانه وتعالى لأن تكون قراراً للإنسان، لِما جهزها به من وسائل العيش السعيد الهانئ الهادئ على ظهرها، وجعل الإنسان المستخلف فيها من الله سبحانه وتعالى محور هذا الكون بأسره، والقطب الذي تدور عليه رحاه, لذلك لم يقف تكريم الله سبحانه وتعالى له عند خلق هذه الأرض وما فيها من منافع، بل تجاوز ذلك إلى تسخير جميع الكون له، كما ينبئ به قول الله تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) (الجاثية: 13) فالإنسان هو القطب الذي تدور عليه رحى هذا الكون الواسع، ومن هذه الناحية؛ فإن هذا الإنسان لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن هذا الكون.
(1/3)
إن هذا الكتاب العزيز أنزل ليخاطب هذا الإنسان وليوجهه إلى الله سبحانه وتعالى، وليقيم العلاقة بين بني جنسه على أساس العبودية لله سبحانه وتعالى والطاعة المطلقة له، لأنه عز وجل هو الذي خلق هذا الوجود وأنعم على كل موجود، وهو الذي خلق الأرض ومنافعها للإنسان، وهو الذي سخر ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، فإذاً هذا الخطاب الإلهي الذي في هذا الكتاب الكريم يتوجه إلى الإنسان بما يتلاءم مع هذه الطبيعة؛ طبيعة الإنسان كخليقة في الأرض، وقطب في هذا الكون، وجزء من هذا الوجود، لأجل ذلك؛ كان هذا الخطاب كثيراً ما يكون له علاقة بنواميس الكون وسنن الوجود، ولذلك نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى الأخذ بيد هذا الكائن البشري والطواف بفكره وبعقله في أرجاء هذا الوجود.
الاتساع في القرآن
(1/4)
عندما جاء القرآن الكريم ليخاطب الإنسان لم يأمره بأن يغمض عينيه ويسد أذنيه ويختم على قلبه ويستسلم استسلاماً مطلقاً لما يوجهه إليه من خطاب، ولكنه أمره أن يفتح عينيه على صفحات هذا الوجود، ليدرس فيها آيات الله سبحانه وتعالى التي تبصر العبد بحقيقة أمره، وتعرفه بربه، وتذكره بحق المبدئ المعيد الذي أسبغ عليه هذه النعم الظاهرة والباطنة، وكثيراً ما يأتي ذلك في معرض الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، كما تجدون ذلك واضحاً جلياً في قول الله تبارك تعالى: (وإلَهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) (2) فإنه عقب هذه الآية على الفور جاء قول الله سبحانه وتعالى: (إن في خلق السمَوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (3)، وكذلك عندما دعا القرآن الناس إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ذكرهم بخلقهم وبخلق أصولهم، وذكرهم بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم بتسخير هذه الأرض قراراً لهم، وبإيجاد بناء هذا الكون الذي يحفظ بمشيئة الله سبحانه وتعالى استقرار الأرض ويحفظ نظام الحياة فيها، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشاَ والسماء بناءَ وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) (4)، ثم يستمر السياق في هذا الموضوع بالذات وإن كان يتعرض لجوانب متشبعة فيه وينتهي إلى قوله سبحانه وتعالى: (كيف تكفرون وكنتم أموات فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم) (5).
(1/5)
ولأجل ذلك؛ فإنه ليس من العجيب في معرض إقامة الحجة على هذا الإنسان أن يتعرض القرآن الكريم لأمور خفية مما هو في سر طبيعة الإنسان أو في سر طبيعة الكون مما لم يكن بادياً لعقول الناس في وقت نزول القرآن الكريم، كيف؛ وهذا الكتاب الكريم نفسه أنزله الله سبحانه وتعالى مسايراً للحياة البشرية في أطوارها منذ نزوله وإلى أن يرث الكون، وليست هذه المسايرة في التخلي عن الشرائع التي فرضها الله سبحانه وتعالى عليهم، ولكنه يساير أطوار البشر في عقول الناس واستيعابهم للحقائق الكونية البادية والخفية، فتجد الآية الواحدة من كتاب الله سبحانه وتعالى يفهمها التالي أو السامع في عصر من العصور، بحسب مقاييس ذلك العصر والمفاهيم الشائعة فيما يتعلق بطبيعة الكون، ثم تتطور الأحوال وتتكشف أمور لم تكن متكشفة من قبل، وإذا بهذه الآية نفسها يتلوها التالي أو يسمعها السامع ويجدها مرة أخرى أيضاً مفهومة عنده بحسب المقاييس الفكرية الموجودة في وقته، وبحسب التطور العلمي في زمنه، وهذا عائد إلى سعة البيان الرباني التي تشمل جميع العصور مع تطوراتها المختلفة، مع أن البيان البشري كلما كان أبلغ كان أكثر نصية على موضوعه، بحيث إذا تطورت الأفكار واختلفت تناقض ذلك البيان مع ما فهم في عصر آخر، فالبيان البشري الذي وجه إلى مجتمع بشري كلما كان أبلغ كان ذلك المجتمع البشري السامع لذلك الكلام أكثر ما يكون إدراكاً لنصية ذلك البيان، فإذا اختلفت المقاييس تصادمت مع البيان البشري؛ بخلاف البيان الإلهي.
(1/6)
فهذه الآية مثلاً وهي قول الله سبحانه وتعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (1) هذه الآية فسرها مفسرون بتفاسير معينة في العصور الغابرة، وكانت حسبما يتصورون جلية واضحة حسب التفسير الذي توصلوا إليه، ثم تطورت الأحوال وحصلت اكتشافات علمية جديدة، وإذا بذلك التفسير يتبين أنه لم يكن دقيقاً، ولكن بجانب ذلك يتضح اتضاحاً قطعياً بأن دلالة القرآن دقيقة، فدلالة القرآن على ما وصلت إليه عقول الناس في هذا العصر الحاضر دلالة دقيقة ليست كتلك التفاسير التي توصل إليها السابقون.
(1/7)
ومن أمثلة ذلك أنهم قالوا: إن المطر ينزل من السماء العالية لا من السحاب، والسحاب غربال للمطر، وتنزل قطرات المطر في حجم الجمال، وعندما تقع على هذا الغربال تتوزع هذه القطرات وتنزل في حجمها الذي يصل إلى الأرض) وكل أحد الآن يمخر عباب السماء ويتجاوز طبقة السحاب عندما يركب الطائرة إلى طبقة أعلى من السحاب، والسحاب يمطر في الجهة السفلى وهذا الراكب لا يرى أي قطرة من الماء تنزل من جهة السماء فوق السحاب ولا بمقدار الذرات، فضلاً عن أن تكون في حجم الجمال، فإذاً؛ اتضح إن التفسير الذي قاله أولئك المفسرون المتقدمون لم يكن تفسيراً دقيقاً، وقد عوّلوا في ذلك على نظريات سابقة انتقلت إلى المحيط الإسلامي؛ إما من خلال ممارسة المسلمين لأهل الكتاب، وأهل الكتاب كانت عندهم خرافات كثيرة، ولذلك كان عندهم ما يسمى بالجغرافية المسيحية، وكانوا يعتبرون هذه الجغرافية نصوصاً قطعية يجب أن يؤمن بها، وعندما جاء العلم الحديث تركها هباء منبثاً، ولذلك كفر الأوروبيون بالدين وصاروا ملاحدة لا يؤمنون إلا بما أبصرت أعينهم وسمعت آذانهم، وإما أن تكون هذه الأشياء انتقلت إلى المسلمين من خلال احتكاكهم بالعلوم التي شاعت عند الفلاسفة الغابرين، فقد كانت عندهم نظريات حول العالم، هذه النظريات أيضاً جاء العلم الحديث ليدعها دكاً دكاً لأنها صادرة عن مخلوقين.
مما يؤسف له أن نجد عالماً مثل الشوكاني ضليعاً في السنة يفسر القرآن الكريم بهذا التفسير، ويرد على التفسير الصحيح السليم ويجعله مخالفاً للمأثور، مع أننا نجده نفسه يعترف بأنه لا يوجد حديث صحيح يعتمد عليه في هذا الموضوع، ولا ريب أن مثل هذه التفاسير؛ وإن نسبت إلى من نسبت إليهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك ليس هو إلا نتيجة اغترار رواة هذه التفاسير بها، فأرادوا ان يلصقوها بهؤلاء الصحابة، والصحابة براء منها.
مناهج التفسير العلمي
(1/8)
وعندما أخذت الحقائق العلمية تتجلى للناس بسبب تقدم العلم وكثرة الاكتشافات الحديثة، وقف الناس الذين يعنون بتفسير القرآن الكريم ثلاثة مواقف من الاستعانة بالعلوم الحديثة في تفسير آيات الكتاب العزيز، هناك موقف مفرط ويقابله موقف مفرّط، وموقف ثالث معتدل بين الإفراط والتفريط.
فالمفرطون هم الذين اغتروا بهذه الاكتشافات العلمية إلى حد أنهم جعلوا النظريات القابلة للتعديل والتبديل في حكم الأدلة القطعية، وحاولوا أن يفسروا آيات الكتاب العزيز حتى تتفق مع هذه النظريات.
على سبيل المثال؛ وجدت نظرية شاعت وذاعت، وهي أن المجموعة الشمسية كانت كتلة واحدة ثم انفصلت من الكتلة الكبيرة، والأرض انفصلت -على هذا- من الشمس، ومرت بمراحل تقل عن مليوني عام حتى وصلت إلى طورها الأخير، وأصبحت مهيأة لأن يستقر عليها الإنسان، هؤلاء الذين اغتروا بهذه النظرية وآمنوا بها إيماناً مطلقاً قالوا: إن القرآن يدل على ذلك لأن الله تعالى يقول: (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانت رتقاً ففتقناهما) (1).
ثم جاءت نظرية أخرى وهي "نظرية دالاس"، هذه النظرية تقول: إن هذا الكون كان سديماً ثم تكونت الأجرام منه، هذه النظرية تخالف تلك النظرية، ولا أستطيع أن أقول بأنها صحيحة مائة في المائة، ولكنني أقول بأنها أقرب إلى قول الله سبحانه وتعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إتياً طوعاً أو كرها قالت أتينا طائعين) (2).
(1/9)
وقد حاول هذا الفريق من المفسرين والمعنيين بالدراسات القرآنية، أن يستخرجوا لكل شيء كائن أو متوقع كونه دليلاً من القرآن، فقالوا عندما حصلت المحاولات لوصول الإنسان إلى الكواكب الأخرى غير الأرض بأن القرآن يدل على ذلك في قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فأنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) (3) قالوا: السلطان هو العلم، وإذا حصل العلم استطاعوا أن ينفذوا. وقد سمعنا هذا الكلام يتردد على أفواه العلماء مع الأسف، وقد تعاموا وتصامموا عن الآيات المتقدمة والآيات اللاحقة، فإن هذه الآيات جاءت في معرض ذكر يوم القيامة لا في ذكر أحوال الدنيا، فالله سبحانه وتعالى يقول: (سنفرغ لكم أيها الثقلان، يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فأنفذوا الا تنفذون إلا بسلطان، يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) (4) ثم إن هذه الآيات تدل على تحدي طائفتي الإنس والجن بأن ينفلتوا من قبضة ملك الله سبحانه وتعالى إن استطاعوا، ويخرجوا عن قهره إن قدروا بالخروج عن ملكوت السموات والأرض، وهل الذي يصل إلى القمر خرج عن ملكوت السموات والأرض؟ هل نفذ من وصل إلى القمر عن أقطار السموات والأرض؟ بين الأرض وبين القمر ثانية ونصف بسرعة الضوء، وأبعد مجرة اتكتشفت يقدر بعدها عن الأرض بعشرة آلاف مليون سنة ضوئية، وما اكتشف من أقطار السموات لا يعدّ إلا زاوية صغيرة بجانب ما لم يكتشف، فإذا كان الأمر كذلك فمن هذا الذي سينسأ له في أجله وسيمهل له في عمره حتى يتجاوز هذه المسافات ويخرج عن أقطار السموات والأرض.
(1/10)
فهذه الطائفة فتنت بالعلم الحديث فحاولت أن تلوي آيات القرآن الكريم لتتفق مع النظريات التي تقال، مع أنها معرضة للتبديل والتعديل، وإذا أخذنا بها في تفسير كتاب الله سبحانه وتعالى فمعنى ذلك أننا عرضنا القرآن الكريم -والعياذ بالله- للتبديل والتغيير بسبب ما يتناسخ من هذه النظريات العلمية.
الفريق الآخر: وهم أولئك الذين عصبوا أعينهم عن النظر في هذه الاكتشافات فقالوا: لا يمكن أن يطمئن إلى أي شيء من هذه الاكتشافات مهما كان ولو كان واضحاً جلياً في تفسير شيء من القرآن، هذه طائفة مفرطة.
أما الطائفة الثالثة: وهي الطائفة المعتدلة ما بين الطائفتين، فهي التي قبلت الحقائق العلمية في تفسير القرآن إن كان يدل عليها دلالة واضحة بألفاظه العربية المبينة، أما إن لم يكن يدل عليها وإنما يحتمل أن تكون مقصودة له، فيقال بأنه من المحتمل أن يكون هذا المعنى هو المقصود من الآية، ولا يجعل ذلك نصاً في تفسيرها، وهذا القول هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه.
أما الإعراض المطلق عن تفسير القرآن الكريم بالاكتشافات العلمية فإنه يتعارض مع دلالة القرآن نفسه على هذه الاكتشافات، وعلى أنها ستدل على أنه حق من عند الله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يقول: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل فمن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط) (1) في هذا التأكيد المتتالي "بأن الله على كل شيء شهيد، وأنه سبحانه وتعالى بكل شيء محيط" ما يدلنا دلالة واسعة بأن مدلول الآية أعمق وأبعد وأوسع مما قاله المفسرون المتقدمون، فقد بين الله سبحانه وتعالى بأن الاكتشافات ستؤدي إلى الاعتراف بأن القرآن الكريم حق من عند الله، وهذا هو الذي كان، فإن طائفة من الغربيين المتقدمين والمعاصرين أدى بهم هذا الأمر إلى الاعتراف.
(1/11)
شهادات علمية
عندما اكتشفت أوروبا بأن الرياح تنقل لقاح الشجر من شجرة إلى أخرى تبجحوا بهذا الاكتشاف وظنوا أنهم لم يسبقوا إليه، فكتب في هذا الأستاذ أجديري الذي كان يدرس في أكسفورد قبل نحو قرن من الزمان أو أكثر رداً على هؤلاء قائلاً: (إن رعاة الإبل قد سبقوا أوروبا إلى هذا الاكتشاف) وما كان لرعاة الإبل أن يكتشفوا مثل هذه الأشياء لولا أن الله سبحانه وتعالى أوحى ذلك وحياً إلى نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن العرب كانوا منغلقين على أنفسهم، وما كانوا يدركون حتى ما تفشى في أوساط الآخرين من معطيات حضاراتهم في ذلك العصر، ومن أمثلة ذلك أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه عندما اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين أن يحفروا خندقاً لصون المدينة المنورة من هجمات العدو، وذلك عندما رمت جزيرة العرب بأفلاذ أكبادها المسلمة الناشئة في المدينة المنورة، وحفر الخندق حسب إرشاد سلمان ليكون وسيلة من وسائل الدفاع، حار في أمر الخندق المسلمون وأعداؤهم الكافرون لأنهم لم يعرفوا مثل هذه الوسيلة للدفاع عن الأوطان، مع أن هذه الوسيلة لم يبتكرها سلمان، وإنما عرفها من جراء حياته في بلاد فارس وممارسته ما يجري هناك من الأوضاع، واطلاعه على وسائل الهجوم والدفاع، فهذا يدل على أن العرب كانوا بدائيين جداً، و"أجديري" يشير إلى قوله الله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح) (2) سواء كان ما يشير إليه صحيحاً أو غير صحيح فإنه برجوعه إلى القرآن الكريم وجد ما يدله لو فكر بأن هذا القرآن حق من عند الله تعالى.
(1/12)
وإنما تحفظت وقلت سواء كان ذلك صحيحاً أو غير صحيح لأنني لا أحب الاندفاع في هذه الأمور، فالآية إن دلت على حقيقة علمية دلالة واضحة أخذت بها، وإن لم تدل عليها دلالة واضحة لم آخذ بها، وإن كانت هناك قرينة تصرفها عن ذلك لم أعتمد على ما اكتشف علمياً في تفسير الآية، فهنا قرينة تبين أن المقصود من هذه الآية الكريمة غير ما ذهب إليه "أجديري" فإن الله سبحانه وتعالى بعدما قال: (وأرسلنا الرياح لواقع) قال: (فأنزلنا من السماء ماء فأسقيتموه وما أنتم له بخارقين) (3) بفاء الترتيب، وهذا يدل دلالة واضحة على أن اللقاح المقصود بالآية الكريمة هو لقاح السحاب وليس لقاح الشجر.
من الباحثين المعاصرين الذين أدى بهم النظر في القرآن الكريم مع المقارنة ما بينه وبين الاكتشافات العلمية إلى الاعتراف بأن القرآن لا يمكن أن يكون إلا وحياً من عند الله؛ الطبيب الفرنسي المشهور الدكتور "موريس بوكاي"، الذي ألف كتاباً بعنوان "العلم في التوراة والإنجيل والقرآن"، ولسبب هذا الكتاب قصة طويلة، ولكنه على أي حال ألفه عندما وجد دلالة القرآن الكريم واضحة على ما وصلت إليه الاكتشافات العلمية في كثير من الأمور، سواء ما يتعلق بالناحية الطبية أو بعلم الفلك أو بالعلوم الأخرى، وكان يرجع في ذلك إلى العلماء المتخصصين في تلك المجالات الواسعة المتعددة.
عندما أبصر ذلك في القرآن الكريم أراد أن يدرس العهدين القديم والحديث "التوراة والإنجيل" لينظر هل هما كالقرآن الكريم في دلالتهما على هذه الحقائق المكتشفة، وعندما درس التوراة والإنجيل وجد العبارات العلمية فيها قليلة، ومع قلتها فإنها متعارضة مع الواقع تمام التعارض، بينما هذه الآيات في كتاب الله الخاتم القرآن الكريم كثيرة، ومع كثرتها هي متفقة تمام الاتفاق مع ما وصل إليه الاكتشاف العلمي، فكان نتيجة ذلك أن اعترف وقرر بأن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي لم يلحقه شيء من التحريف والتبديل.
(1/13)
وقد كنت اجتمعت بهذا الدكتور في الجزائر في الملتقى الخامس عشر للفكر الإسلامي الذي كان مخصصاً لبحث علوم القرآن وما يتعلق به، وحدثني بأنه ألف كتابا آخر بعنوان "الإنسان في القرآن" وقد كنت في يوم من الأيام معه على طاولة الطعام، وفرغت زجاجة الماء، فدعا بالذي يقرب الماء بعدما ضرب الطاولة بالزجاجة، وطلب منه الماء، ثم تلا قوله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) (1) ثم قال: (إن في هذه الآية من الإعجاز ما تحار منه عقول البشر) وبعدما رجعت من هناك وجدت عرضاً لهذا الكتاب في مجلة "الأمة" القطرية، ووجدت فيه بحثاً مطولاً فيما يتعلق بهذه الآية بالذات، يفيد هذا البحث أن الماء هو مصدر الكائنات الحية على اختلافها.
وقد أجاد الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه "الإعجاز البياني في القرآن" عند ذكر قول الله سبحانه وتعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) (2) حيث قال: (إن لم يكن الإعجاز في هذا اللفظ واضحاً بداهة فليس يصح في الأذهان شيء) وأشار في تعليق له على بعض موضوعات هذا الكتاب أيضاً بأن كتاب الإعجاز القرآني المنتظر أي في المستقبل سيكون كتاب علم، أي يبحث النواحي العلمية بعدما بعثت النواحي البيانية، ثم أشار إلى أن هذا سيأتي من بعد فراقه للدنيا، وقال: (ونرجو أن يكون لنا منهم –أي من أولئك الباحثين الذين سيبحثون في هذا الموضوع– دعاءهم لنا بالرحمة ما لهم منا الدعاء بالتوفيق).
أمثلة علمية أخرى
(1/14)
أريد هنا أن أشير إلى بعض الأمثلة بما يتعلق بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، الله سبحانه وتعالى يقص علينا نبأ خلق الإنسان في كتابه فيقول: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) (3)، هذه الآية تحدثنا بكل صراحة عن الأطوار التي يمر بها الكائن الإنساني عندما يكون جنيناً في رحم أمه منذ مرحلته الأولى، وقبل ذلك يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن الإنسان مخلوق من الطين، وقد تكرر ذلك في القرآن، فالله تعالى يقول: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسموم) فالإنسان مخلوق من حمأ الطين، والعلم الحديث يدل على ذلك، فإن جميع ما يوجد في الأرض من العناصر المختلفة يوجد في جسم الإنسان أيضاً، مما يدل على أن الإنسان مخلوق من العنصر الأرضي.
(1/15)
ثم بعد ذلك يخبرنا الله سبحانه وتعالى بالأطوار التي يمر بها الإنسان؛ يمر بطور يكون فيه نطفة، عندما يلتقي الذكر بالأنثى يقذف ماءه فيها، وهناك يخرج حيوان من بين تلك الحيوانات المنوية الهائلة العدد ليلتقي بالبييضة فيتصلان جميعاً بعد تلاحمهما بجدار الرحم، وللبييضة خاصية حادة تجرح ذلك الجدار، فينهمر الدم في حوض الرحم، ثم بعد ذلك يتغذى هذا الكائن بذلك الدم إلى أن يتحول علقة، أي قطعة عالقة بجدار الرحم لأن باب الرحم يكون مفتوحاً في ذلك الوقت، ثم ينسد فتتحول العلقة إلى مضغة، وهي قطعة من اللحم كأنما تمضغ؛ تتردد بين جوانب الرحم كما تتردد اللقمة الممضوغة في جوانب الفم، بعد هذا كله تتحول المضغة إلى التخليق، ((فخلقنا المضغة عظاماً)) تتحول إلى العظام، ((فكسونا العظام لحما))، وجاء العطف بفاء الترتيب التي تدل على أن ما بعدها جاء عقب ما قبلها، وقد ثبت أيضاً علمياً بأن خلايا اللحم إنما تتكون بعدما تتكون خلايا العظام، ثم يخرج بعد ذلك خلق آخر ينفخ الله سبحانه وتعالى فيه الروح ليكون إنساناً كاملاً، وقد وصفت طبيعة الرحم في هذه الآية الكريمة وصفاً دقيقاً في قول الله تعالى: (في قرار مكين) و"القرار" موضع الاستقرار والطمأنينة، و"مكين" من المكانة؛ وهي كلمة تدل على الثبوت والكنف، فإن الرحم يكتنف بعظام متشابكة تقي الجنين مما يصيب الأم من لكمات، كما أن على باب الرحم إفرازات تقضي على الجراثيم التي تحاول أن تتسرب إلى الجنين لتفتك به، وبهذه العبارة الدقيقة يدل القرآن على ذلك حيث يقول: ((في قرار مكين)).
(1/16)
نأتي إلى طبيعة الأرض؛ حيث يصف القرآن الكريم في معرض ذكر الليل والنهار طبيعة هذه الأرض بما يدلنا على أنها كروية، فالله سبحانه وتعالى يقول: (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً) (1)، فالنهار يسعى وراء الليل كما أن الليل أيضاَ يسعى وراء النهار، ولكن بما أن النهار عارض (وآية لهم الليل ونسلخ منه النهار) (2)، فالنهار كأنه جلد، لأن الظلمة هي الأصل والنور عارض عليها، اعتبر أن النور كأنه يطرد هذه الظلمة باستمرار (يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً)، فالنهار يغشى الليل يسعى وراءه سعياً حثيثاً، وهكذا طبيعة الليل والنهار تجلت بعدما انكشفت طبيعة الأرض بأنها كروية، ويقول الله سبحانه وتعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) (3) وهكذا كل من الليل والنهار يحل محل الآخر، فإن النهار عندما يسعى وراء الليل يدخل حيثما كان الليل، والليل أيضاً عندما يسعى وراء النهار يدخل حيثما كان النهار، ويقول الله سبحانه وتعالى: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) (4) أي الليل يكون مكوراً فوق النهار ككور العمامة –كما قال المفسرون– والنهار أيضاً يكون مكوراً فوق الليل، لأن كل جهة من جهات الأرض على اختلاف الجهات تعتبر جهة عليا بالنسبة للجهة التي تقابلها، فبالنظر إلى سكان المنطقة التي نحن فيها تعتبر أعلى في حين تعتبر الجهة الأخرى أسفل، والذين هم عن إيماننا أو شمائلنا أو أسفلنا أيضاً عندما يكونون فوق الأرض تكون بالنسبة إليهم تلك الجهة هي الجهة العليا، فالليل بالنسبة لنا نحن الآن هنا هو ككور العمامة فوق النهار بالنسبة إلى الجهة التي يغشاها النهار في هذا الوقت من الكرة الأرضية، والنهار عندهم هم أيضاً بالنسبة إليهم ككور العمامة بالنظر إلى هذه الجهة التي نحن فيها، لأن هذه الجهة بالنسبة إليهم هي الجهة السفلى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)، (يغشى الليل يطلبه حثيثا)، (يكور الليل على النهار
(1/17)
ويكور النهار على الليل) هذه الآيات تكشف لنا طبيعة الأرض.
ولعل أكثر كشفاً منها ما حكاه الله تعالى في كتابه من قصة ذي القرنين، لأن ذا القرنين اتجه إلى الجهة الغربية، ثم من هناك وصل إلى مطلع الشمس، يعني ذلك أنه دار بالكرة الأرضية من الجهة الغربية، فوصل أولاً إلى أقصى بقعة معمورة في جهة الغرب، ثم وصل بعد ذلك إلى أقصى جهة معمورة في جهة الشرق، ثم وصل إلى ما بين السدين.
ضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً في الكافر فقال: (ومن يُرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء) الآية الكريمة دلتنا على أن الذي يصعد في الجهة العلوية يكون صدره ضيقاً، وفي هذا إشارة إلى ما يصيب الناس من الاختناق إن صعدوا بدون أكسجين، إذن هذه الآية أيضاً تعتبر معجزة علمية من معجزات القرآن الكريم.
الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن الكائنات كلها أنها كائنات متزاوجة، فيقول سبحانه وتعالى في سورة يس: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (1) جعل الله سبحانه وتعالى تزاوجاً فيما تنبت الأرض من النباتات المختلفة ومن البشر أنفسهم؛ إذ فيهم الزوجان الذكر والأنثى، ومما لا يعلمون, انكشف أخيراً بأن هناك تزاوجاً ما بين الكائنات على اختلاف أصنافها، أدنى شيء هذه الذرة المهينة الدقيقة؛ فيها جزء سالب وآخر موجب، وتتولد الطاقة بتلاقيهما، فهذه الكهرباء التي نتمتع بها في التبريد والتحرير، وفي الضوء، وفي مجالات شتى، هذه الكهرباء ما هي إلا نتيجة إلتقاء السائل السالب بالسائل الموجب فتتولد الطاقة الكهربائية من هذا اللقاء، وأدل من هذه الآية التي في سورة "يس" آية "الذاريات" حيث يقول الله تعالى فيها: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (2) لعل العالم الإنساني يصل إلى تقرير النظرية القائلة بأن الكائنات كلها خلقها الله سبحانه وتعالى من مبدأ هذا اللقاء ما بين الذرات، والله تعالى على كل شيء قدير.
(1/18)
أخبرنا الله سبحانه وتعالى أيضاً عن طبيعة النباتات التي تنبت فقال: (وأنبتنا فيها كل شيء موزون) (3)، ما هي هذه الزنة؟ العلم الحديث جاء ليبين أن الأشياء كلها موزونة بموازين دقيقة، فالله سبحانه وتعالى ينبت النباتات المختلفة، ويوجد فيها الثمار المتنوعة، وهي مختلفة في الأحجام؛ فمنها الصغير ومنها الكبير، ولكنها مع اختلاف أحجامها، فإن ثمرة كل نوع من أنواع الأشجار المختلفة محدودة ذراتها على اختلاف العناصر التي تنتسب إليها هذه الذرات، بحيث لو زادت في هذه الثمرة ذرة أو نقصت ذرة لأدى ذلك إلى تحول هذه الثمرة إلى نوع آخر من الثمار، فالله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بيان ذلك، وإلا ما أدراه بحقائق هذه الكائنات التي كانت خفية عن أفكار الناس ومداركهم.
ساد عند كثير من الناس بأن الذرة لا يمكن أن تتجزأ، وقالوا في الذرة بأنها الجوهر الفرد، وقالوا بأنها الجزء الذي لا يتجزأ، وشغلت مسألة الذرة بال المتكلمين منذ قديم الزمان، فخاضوا في ذلك واختلفوا، وحصل ما حصل بينهم من الشقاق والتكفير لأجل بحث تافه، لو رجعوا إلى القرآن الكريم لوجدوا ما يدل دلالة واضحة على أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وإذا كان هناك ما هو أصغر من الذرة فمعنى ذلك بأن هذه الذرة يمكن أن تتجزأ وتنقسم: (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) (4) وقد تبين أخيراً بتفتيت الذرة أنها تتفتت وتنقسم، فهناك إذن ما هو أصغر منها.
هذه أمثلة من الإعجاز العلمي في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولا ريب أن المتخصصين في دراسة هذه العلوم على اختلافها عندما يعودون بتوفيق الله سبحانه وتعالى إلى القرآن الكريم ويتأملون دلالاته، سيجدون ما ينير لهم السبيل وما يقوي إيمانهم وصلتهم بالله سبحانه وتعالى.
(1/19)
هناك مثل آخر من هذه الأمثلة، وهو آية من كتاب الله في موضع وجزء آية في موضع آخر، جاءت لتدل على نظام هذا الكون؛ من أدق شيء منه إلى أكبر شيء فيه، فالله سبحانه وتعالى يقول: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (1) ويقول سبحانه وتعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) (2) ويقول عز من قائل: (وكل شيء عنده بمقدار) (3) كل عبارة من هذه العبارات التي تأتي تارة آية وتارة جزءاً من آية تتناول نظام هذا الكون من الذرة إلى المجرة، فما من شيء في هذا الكون إلا ويصدق عليه هذا النظام الذي أخبر الله سبحانه وتعالى به.
أسأل الله أن يوفقني وإياكم لما فيه الخير، وأن يهدينا جميعاً سواء الصراط وأن يقودنا جميعاً إلى الرشد.
الفهرس
المقدمة
القرآن كتاب هداية
الاتساع في القرآن
مناهج التنفسير العلمي
شهادات علمية
أمثلة علمية أخرى.
(1/20)
http://www.shamela.ws

الكتاب : الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لأحمد الخليلي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
الإعجاز العلمي
في
القرآن الكريم
سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛؛؛
ففي هذا الدرس ننتقل إلى نوع آخر من أنواع الإعجاز القرآني، هذا النوع يعتبر من أدق الأنواع وأحوجها إلى التبصير والإمعان، والإنسان عندما يتحدث في هذا النوع معرض للانزلاق إن لم يصنه الله سبحانه وتعالى ويسدده في قوله وفكره، ويأخذ بيده إلى حضيرة الحق والصواب، وأجدني وأنا أتحدث عن هذا النوع من الإعجاز القرآني بين إقدام وإحجام؛ أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، خصوصاً وأنا أتحدث أمام لفيف من الذين هم أعمق مني فكراً وأكثر مني دراية فيما يتعلق بهذا الموضوع، لأن حديثنا عن الإعجاز العلمي في كتاب الله سبحانه وتعالى، ونحن الآن في هذه الجامعة الفتية بين عدد من الطلاب الذين هم وراء هذا العلم، وقد يكون هنا من الأساتذة من هم خبروا هذا العلم ودرسوه وتضلعوا فيه وتوسعوا في البحث في كثير مما يدور حول قضاياه التي سنتعرض لها.
القرآن كتاب هداية
(1/1)
وقبل الدخول في صلب الموضوع ، أريد أن أقول إن القرآن الكريم هو كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى هدىً للمتقين، فهو صراط هداية ومنبع فضيلة، وقائد رشد ومنهج حياة، يصل العبد بربه سبحانه وتعالى، ويصل الفرد بالمجتمع، ويقيم العلاقة بين الإنسان والإنسان في ظل العبودية لله تعالى الذي خلق الإنسان، وخلق كل شيء في هذا الكون، فهو ولا ريب لم ينزل لأجل بحث القضايا العلمية حسب عرف العصر الحاضر، ولا لبحث دقائق علم الطب أو علم الفلك أو علم طبقات الأرض أو علم الأحياء، ولا لبحث أي نوع من هذه العلوم، فهذه العلوم جعلها الله سبحانه وتعالى ميسرة لعباده بطريقة التجربة والاكتشاف، إنما العلم الذي أرسل الله سبحانه وتعالى به رسله وأنزل من أجله كتبه هو العلم الذي يهذب النفس الإنسانية، ويقيم العلاقة الطيبة بين الإنسان والإنسان على أساس العبودية لله سبحانه وتعالى، وأن الله هو الذي خلق هذا الوجود، وأنعم على كل موجود، له الخلق والأمر، وله وحده التشريع، وله وحده أن يعد ويتوعد على الاستقامة أو على عدمها.
(1/2)
هذا الكتاب العزيز جاء لمخاطبة الإنسان، والإنسان جزء من هذا العالم، تربطه بجميع العالم روابط قوية، وأكرمه الله سبحانه وتعالى بأن يكون خليفة في الأرض، والأرض وإن كانت من حيث طبيعتها تبدو أنها كائن حقير، لأنها لو قيست بسائر الأجرام الفلكية التي تسبح في خضم عباب الفضاء لما كانت إلا كذرة في الهباء، هذه الأرض أعلى الله سبحانه وتعالى من شأنها بحيث جعلها مهبطاً لرسالاته، وجعلها مرتبطة بهذا العالم الواسع الأرجاء المترامي الأطراف، وقد هيأها الله سبحانه وتعالى لأن تكون قراراً للإنسان، لِما جهزها به من وسائل العيش السعيد الهانئ الهادئ على ظهرها، وجعل الإنسان المستخلف فيها من الله سبحانه وتعالى محور هذا الكون بأسره، والقطب الذي تدور عليه رحاه, لذلك لم يقف تكريم الله سبحانه وتعالى له عند خلق هذه الأرض وما فيها من منافع، بل تجاوز ذلك إلى تسخير جميع الكون له، كما ينبئ به قول الله تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) (الجاثية: 13) فالإنسان هو القطب الذي تدور عليه رحى هذا الكون الواسع، ومن هذه الناحية؛ فإن هذا الإنسان لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن هذا الكون.
(1/3)
إن هذا الكتاب العزيز أنزل ليخاطب هذا الإنسان وليوجهه إلى الله سبحانه وتعالى، وليقيم العلاقة بين بني جنسه على أساس العبودية لله سبحانه وتعالى والطاعة المطلقة له، لأنه عز وجل هو الذي خلق هذا الوجود وأنعم على كل موجود، وهو الذي خلق الأرض ومنافعها للإنسان، وهو الذي سخر ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، فإذاً هذا الخطاب الإلهي الذي في هذا الكتاب الكريم يتوجه إلى الإنسان بما يتلاءم مع هذه الطبيعة؛ طبيعة الإنسان كخليقة في الأرض، وقطب في هذا الكون، وجزء من هذا الوجود، لأجل ذلك؛ كان هذا الخطاب كثيراً ما يكون له علاقة بنواميس الكون وسنن الوجود، ولذلك نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى الأخذ بيد هذا الكائن البشري والطواف بفكره وبعقله في أرجاء هذا الوجود.
الاتساع في القرآن
(1/4)
عندما جاء القرآن الكريم ليخاطب الإنسان لم يأمره بأن يغمض عينيه ويسد أذنيه ويختم على قلبه ويستسلم استسلاماً مطلقاً لما يوجهه إليه من خطاب، ولكنه أمره أن يفتح عينيه على صفحات هذا الوجود، ليدرس فيها آيات الله سبحانه وتعالى التي تبصر العبد بحقيقة أمره، وتعرفه بربه، وتذكره بحق المبدئ المعيد الذي أسبغ عليه هذه النعم الظاهرة والباطنة، وكثيراً ما يأتي ذلك في معرض الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، كما تجدون ذلك واضحاً جلياً في قول الله تبارك تعالى: (وإلَهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) (2) فإنه عقب هذه الآية على الفور جاء قول الله سبحانه وتعالى: (إن في خلق السمَوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (3)، وكذلك عندما دعا القرآن الناس إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ذكرهم بخلقهم وبخلق أصولهم، وذكرهم بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم بتسخير هذه الأرض قراراً لهم، وبإيجاد بناء هذا الكون الذي يحفظ بمشيئة الله سبحانه وتعالى استقرار الأرض ويحفظ نظام الحياة فيها، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشاَ والسماء بناءَ وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) (4)، ثم يستمر السياق في هذا الموضوع بالذات وإن كان يتعرض لجوانب متشبعة فيه وينتهي إلى قوله سبحانه وتعالى: (كيف تكفرون وكنتم أموات فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم) (5).
(1/5)
ولأجل ذلك؛ فإنه ليس من العجيب في معرض إقامة الحجة على هذا الإنسان أن يتعرض القرآن الكريم لأمور خفية مما هو في سر طبيعة الإنسان أو في سر طبيعة الكون مما لم يكن بادياً لعقول الناس في وقت نزول القرآن الكريم، كيف؛ وهذا الكتاب الكريم نفسه أنزله الله سبحانه وتعالى مسايراً للحياة البشرية في أطوارها منذ نزوله وإلى أن يرث الكون، وليست هذه المسايرة في التخلي عن الشرائع التي فرضها الله سبحانه وتعالى عليهم، ولكنه يساير أطوار البشر في عقول الناس واستيعابهم للحقائق الكونية البادية والخفية، فتجد الآية الواحدة من كتاب الله سبحانه وتعالى يفهمها التالي أو السامع في عصر من العصور، بحسب مقاييس ذلك العصر والمفاهيم الشائعة فيما يتعلق بطبيعة الكون، ثم تتطور الأحوال وتتكشف أمور لم تكن متكشفة من قبل، وإذا بهذه الآية نفسها يتلوها التالي أو يسمعها السامع ويجدها مرة أخرى أيضاً مفهومة عنده بحسب المقاييس الفكرية الموجودة في وقته، وبحسب التطور العلمي في زمنه، وهذا عائد إلى سعة البيان الرباني التي تشمل جميع العصور مع تطوراتها المختلفة، مع أن البيان البشري كلما كان أبلغ كان أكثر نصية على موضوعه، بحيث إذا تطورت الأفكار واختلفت تناقض ذلك البيان مع ما فهم في عصر آخر، فالبيان البشري الذي وجه إلى مجتمع بشري كلما كان أبلغ كان ذلك المجتمع البشري السامع لذلك الكلام أكثر ما يكون إدراكاً لنصية ذلك البيان، فإذا اختلفت المقاييس تصادمت مع البيان البشري؛ بخلاف البيان الإلهي.
(1/6)
فهذه الآية مثلاً وهي قول الله سبحانه وتعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (1) هذه الآية فسرها مفسرون بتفاسير معينة في العصور الغابرة، وكانت حسبما يتصورون جلية واضحة حسب التفسير الذي توصلوا إليه، ثم تطورت الأحوال وحصلت اكتشافات علمية جديدة، وإذا بذلك التفسير يتبين أنه لم يكن دقيقاً، ولكن بجانب ذلك يتضح اتضاحاً قطعياً بأن دلالة القرآن دقيقة، فدلالة القرآن على ما وصلت إليه عقول الناس في هذا العصر الحاضر دلالة دقيقة ليست كتلك التفاسير التي توصل إليها السابقون.
(1/7)
ومن أمثلة ذلك أنهم قالوا: إن المطر ينزل من السماء العالية لا من السحاب، والسحاب غربال للمطر، وتنزل قطرات المطر في حجم الجمال، وعندما تقع على هذا الغربال تتوزع هذه القطرات وتنزل في حجمها الذي يصل إلى الأرض) وكل أحد الآن يمخر عباب السماء ويتجاوز طبقة السحاب عندما يركب الطائرة إلى طبقة أعلى من السحاب، والسحاب يمطر في الجهة السفلى وهذا الراكب لا يرى أي قطرة من الماء تنزل من جهة السماء فوق السحاب ولا بمقدار الذرات، فضلاً عن أن تكون في حجم الجمال، فإذاً؛ اتضح إن التفسير الذي قاله أولئك المفسرون المتقدمون لم يكن تفسيراً دقيقاً، وقد عوّلوا في ذلك على نظريات سابقة انتقلت إلى المحيط الإسلامي؛ إما من خلال ممارسة المسلمين لأهل الكتاب، وأهل الكتاب كانت عندهم خرافات كثيرة، ولذلك كان عندهم ما يسمى بالجغرافية المسيحية، وكانوا يعتبرون هذه الجغرافية نصوصاً قطعية يجب أن يؤمن بها، وعندما جاء العلم الحديث تركها هباء منبثاً، ولذلك كفر الأور

إرسال تعليق

0 تعليقات