البرامج التعليمية و مشكلة غياب الانسجام بين المواد في معاهد العلوم الإسلامية لعبد الرحمن ب - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

البرامج التعليمية و مشكلة غياب الانسجام بين المواد في معاهد العلوم الإسلامية لعبد الرحمن ب

 





الكتاب : البديل الإباضي وفن الممكن لعلي القريشي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطلوع
البديل الإباضي وفن الممكن
الدكتور / علي القريشي..... كاتب عراقي
وأستاذ مشارك في كلية التربية بصحار
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
دراسة تحليلية لنظام العزابة في وادي ميزاب بالجزائر
إصدار / مكتبة الجيل الواعد.
الطبعة 1425هـ - 2004م.
المقدمة:
وادي ميزاب الذي تمثل ولاية غرداية مركزه في التنظيم الإداري للجزائر المعاصرة يتميز بطابعه التراثي وتجربته الاجتماعية التي يقودها نظام أهلي يطلق عليه اسم (العزابة) ،تعود نشأته في بعض مدن المغرب العربي إلى قرون خلت ولم يستمر بقاؤه إلا في الوادي المذكور .
وحيث أن هذا النظام وليد المدرسة الإسلامية الإباضية فإن دراسته ستكون ولا شك وثيقة الصلة بالفكر الذي تعبر عنه هذه المدرسة ، وبالظروف التي واجهت أتباعها في ظل مختلف المراحل.
إن نظام العزابة على الرغم من كونه يعتمد على التطبيق العملي المستند إلى الشرعية الدينية والتوافق الشعبي وإسهام المنظمات الأهلية إلا أنه لم يباشر ممارساته في ظل الواقع الراهن إلا وفقا لقاعدة ( ما لم يدرك جله لا يترك كله ) الأمر الذي جعل من منهجيته تقوم على المبادرات السلمية وتبتعد عن رفض فكرة تأجيل أكثر المشاريع إلى مرحلة التمكن كما هو الأمر المتبع عند بعض الاتجاهات الإسلامية الأخرى.
(1/1)
وإذا كان منهج العزابة يصنف ضمت الاتجاهات الإصلاحية أي أن طابعه العملي ومبادراته الميدانية المتنوعة التي تتميز بالأصالة والفعالية وروح الاستمرار يكسب جملة من المزايا الحركية في مقدمتها تكوينه لمجتمع ملتزم ومتكافل وبناء على غير صعيد وعلى حو نفتقر إلى مثله كثير من الحركات التغييرية المعاصرة ، لهذا فإن دراسة مقومات هذه التجربة وتأمل مفرداتها الإبداعية والعكوف على مجمل ما قدمه الإباضية من طروحات على مدى تاريخهم القديم والحديث بعيدا عن الأفكار الاقصائية التي رسخها كتاب افرق في تراثنا الإسلامي لكفيل بإثراء مدرسة التغيير وإعادة البناء في واقعنا الراهن ، فضلا عما يمكن أن يتأتى من ذلك تنشيط لفكرة الاعتماد المتبادل التي نقترحها كأحد مداخل التفاهم والتقريب بين الأطراف الإسلامية .
لقد اقتضى مني هذا البث أن أبدأ بالحاضرة التي تحتضن نظام العزابة على صعيد بنيانها المعماري ونمطها الاجتماعي الخاص لأنتقل إلى أبرز مقومات هذا النظام وأعم أبعاده التنظيمية والتربوية والاجتماعية ثم أختم ببعض الملاحظات التقويمية التي لا بد منها عند تناول أية تجربة إنسانية حتى وهي تستلهم الإسلام منهجا وتطبيقا .
وإذا كان هذا البحث المتواضع قد بدأت به إثناء إقامتي في الجزائر قبل أكثر من عقد من الزمان وعالجته عبر الاقتراب من مصادره المباشرة وبيئته الميدانية على نحو يمنح بعض الطمأنينة على صعيد الوفاء بشرط الموضوعية إلا أنه مع ذلك يظل مجرد محاولة أولية تحتاج إلى التدقيق والمزيد من التوسع والتعميق .
وادي ميزاب : التأريخ والحاضرة
في الجنوب من العاصمة الجزائرية وفي صدر الصحراء الكبرى تتسلق بهدوء مجموعة من المدن الصغيرة على أكتاف عدد من الربوات الصخرية تأخذ أسماء هي : " العطف"، و " مليكة " و " وبني يزقن" ،و " بنورة" و" بريان" و" القرارة" و" غرداية" ، انضوت جميعا تحت مظلة الأخيرة أكبرهن ومركزهن في التنظيم الإداري الحديث.
(1/2)
على الرغم من المناخ الحار الجاف لوادي ميزاب لا ينقطع عنه السواح ساعة ، حيث يأتونه من مختلف أنحاء العالم نظرا لما يتمتع به من قيمة أثرية وطابع تراثي وخصوصية اجتماعية حيث تجعله منارة تجذب عشاق الثقافة والتاريخ والصحراء .
وإذا كان بعض الباحثين مثل بوتي " pauty " ولينسر "lassner " يقسمون المدن الإسلامية إلى مدن "ذاتية" تنمو وتتطور في فترات تاريخية طويلة نتيجة للعديد من الظروف والعوامل ، ومدن " مخلوقة " يتم إنشاؤها ابتداء بأمر الأمير أو الدولة (1) إن وادي ميزاب من النوع الأول ، إذ بعد أن كان مرتعا للماشية ، وسوقا يرتاده البدو كانت فلول الإباضيين الذين هجروا أماكنهم إثر سقوط الدولة الرستمية في" تياهرت" عام 296هـ على يد العبيديين تتوجه نحو المكان فوجا فوجا ، ولم يحل عام 402هـ حتى تأسست مدينة " العطف " وابتداء من القرن الخامس الهجري أخذت تستقبل المنطقة مهاجرين بربر وعرب يفدون إليها من مختلف بلدان المغرب: الجزائر " ورقلة وسدراته" وتونس " جزيرة جربة" وليبيا " جبل نفوسة "والمغرب " الساقية الحمراء وتغيلات " وكان يجمع هؤلاء الناس الشعور الموحد بالمعتقد وتحدو بهم مشاعر الاغتراب والبحث عن حقهم في الحياة وإن كان في واد غير ذي زرع أو بعيد عن العمران .
تتشكل شبكة ميزاب من هضبات صخرية جرداء تتخللها أودية تجتاحها السهول ولكن بصبر وأناة تحولت المنطقة إلى واحات تمددت فيما بعد لتحتضن الآلاف من شجر النخيل وغيرها من الأشجار والنباتات الأخرى ، وليصبح الوادي بلدا عامرا بالناس والزراعة والتجارة والصناعة والسياحة وأن يكون أحد أهم المعاقل المنيعة للثقافة العربية والإسلامية .
الإباضية والوادي
يمثل المذهب الإباضي القاعدة التفسيرية لشخصية وادي ميزاب سواء من حيث النشأة أو القسمات أو النظام أو فيما يتسم به خصوصية واستمرار ، لهذا لا بد من إلقاء نظرة سريعة على هذا المذهب .
(1/3)
ينسب المذهب الإباضي السائد في وادي ميزاب إلى أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني الأصل والبصري النشأة والمتوفى في العام 97هـ ، لكن الإباضية عرفوا باسم أحد رجال المذهب المشهورين ويدعى عبد الله بن إباض التميمي الذي عاش في زمن عبد الملك بن مروان.
وإذا كان الإباضيون ينسبون إلى "الخوارج " فإن إباضية اليوم ينفون عن أنفسهم هذه النسبة " التهمة " ويردون بأنهم أتباع أحد المذاهب الإسلامية المعتدلة التي ترفض المقولات الخارجية المتطرفة كمقولة التكفير ونحوها(2) .
وعلى الرغم من أن حادثة التحكيم التي جرت بين الخليفة علي بن أبي طالب ووالي الشام معاوية بن أبي سفيان لا تعدوا أن تكون أكثر من واقعة تاريخية يتموضع الرأي فيها ضمن حقل المتغيرات التي تقبل في طبيعتها التداول والتغاير ، نجد المذهب الإباضي يتأسس انطلاقا من تقويم معارض لقبول التحكيم كان قد صاغه عبد الله بن وهب الراسبي الذي قتل في معركة النهروان والذي أضحى موقفه بمثابة الإطار العام لما عرف فيما بعد بالإباضية.
(1/4)
ومع ذلك يجب أن نوضح بأن الإباضيين ما فتئوا يؤكدون اعتزالهم فكر الفرق المتطرفة كالأزارقة وأمثالهم ، بل أن ألمع كتابهم المحدثين وأعني به علي يحيى معمر " 1915-1979م" حاول تفنيد مقولة أن الإباضية يكفرون عليا ، وأورد عن الشيخ " بن تعاريت" الجربي " الإباضي " في متابه " المسلك المحمود في معرفة الردود" على هذا الإدعاء ما نصه " كيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لا ينام أن يكفر صهر نبيه عليه السلام الذي لم يسجد قط للأصنام " ثم يشير إلى ما أشار إليه من آيات وأحاديث وردت في حق علي وأهل بيته الكرام الدالة " كما يقول الجربي " على فضله عموما وخصوصا ، وكيف لا ؟ وقد كان أفصح من تنفس وتلا ، وأكثر من شهد النجوى ، سوى الأنبياء والنبي المصطفى ، صاحب القبلتين فهل يوازيه أحد وهو أبي السبطين ؟ مع أن كتبنا – لله الحمد – طافحة بالرواية عنه وبالثناء عليه (3)
والحق أن الدارس للمذهب الإباضي عقائدا وأصولا وفقها ومنهجا سوف لا يجده يختلف كثيرا عن بقية المذاهب الإسلامية ، بل قد يكتشف أنه يمثل محطة تتلاقى عندها معظم تلك المذاهب على أكثر من معتقد وأصل واجتهاد .
حتى نقطة الخلاف المركزية التي بني عليها المذهب " والتي أشرنا إليها قبل قليل" تعرضت لبعض التكييف على نحو ما فعله العالم المبرز الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض " 1897-1981" وهو في معرض دروسه القرآنية حين التمس العذر للإمام علي في قبول التحكيم وفسره (4) بأنه قد تم خضوعا لرأي الأغلبية (5).
وأيا كان الأمر يظل هذا المذهب واحدا من المدارس الإسلامية التي يتيحها مبدأ " التنوع في إطار الوحدة " ذلك المبدأ الذي يمثل أحد مؤشرات المرونة والخصوبة في الإسلام .لذا لا غرابة أن يظهر وادي ميزاب بخصوصية تلون آفاق حياته الإسلامية وتعمرها بالجد والاستقامة والتنظيم والكفاح .
(1/5)
ولعل الزائرين لمدن الوادي سيلفت انتباههم أول ما يلفت تلك الطبيعة الخاصة للتكوين المكاني والنمط المعماري المتفرد.
العمارة الميزابية وتعانق المبنى بالمعنى:
إذا كان الإسلام ونظمه وأحكامه تمثل المحور الأساس الذي تدور حوله المدينة الإسلامية القديمة بجوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وأيضا بشكلها المادي الذي يمثل " وعاء المدينة" (6)، فأن وادي ميزاب لا يخرج عن هذه الخاصية التي ظلت تجلياتها حية ولم تتعرض إلى المحو أو التشويه مثلما تعرضت لها في غالبية مدن العالم العربي والإسلامي ، من هنا حافظت مدن ميزاب على خصوصيتها التي تنطوي على أكثر من بعد :
- البعد الديني :
من يزور غرداية وأخواتها الست سيلفت انتباهه ذلك التكوين الهرمي الذي يشكله انتصاب المئذنة التي يقف فوق قمة الربوة فيما يتربع المسجد كالحارس الأمين وحوله المنازل تنداح دوائر متماسكة تحت سمع وبصر المئذنة (7).
إن الميزابيين اختاروا أن يكون المسجد في قلب المدينة دام يمثل موئلهم الروحي وعقلهم الفعال ، خاصة وأن مهامه لا تقتصر على إقامة الصلاة وأداء العبادات ، بل تمتد إلى المهام الاجتماعية ، لهذا كان انضواءهم تحت لوائه فيه ما يرمز إلى الاعتراف بمرجعيته التامة ودوره الواسع الذي ليس له مثيل في أي مكان آخر .
إن جلال المسجد الميزابي دفع بالمهندس " الكوربيزيه" أن يقول في كتابه " نحو عمارة عصرية " : " عندما تقل في رأسي أفكار البناء أذهب إلى المسجد في غرداية حيث أجلس في ساحته لتواتيني الأفكار ".
لقد كان من شدة تأر "بيزيه" هذا بمسجد غرداية أن نقل تصميمه الداخلي وتفذه في كنيسة "رون شون" في مقاطعة " بيرباتي الفرنسية " .
(1/6)
ويتجلى البعد الديني والاجتماعي في بناء منازل الوادي بما يراعى في هندستها من " مبادئ الستر والحرمة " كما في ظاهرة عدم تقابل أبواب الجيران لبعضها ، وفي التكوين الذي لا يتيح النظر لمن في الداخل ، بل أن البيوت تظل مصانة ولو من مزاحمة المحلات التجارية التي لا يجوز أن تتداخل معها معماريا ، ذلك أن لكل مرفق حدوده .
أما مبدأ " الترابط الاجتماعي" فيلحظ في تناسق المنازل وتساندها ، فإذا كان ابتعاد المنازل بعضها عن بعض في العمار الحديثة فيما يوحي بالفردية ، فإن لتلاصق في المنازل الميزابية يدل على روح جماعية توحد السكان وتمتد في ظلالها المدينة كلها ، حتى لترتبط التكوينات المعمارية على نحو عضوي متكامل في سائر المكان ، وهي في الحق سمة المدينة الإسلامية التي تبدو " كدار واحدة " بحسب صياغة ابن الربيع في كتابه " سلوك المالك في تدبير المالك"(9)، ناهيك عن مبدأ المساواة الذي يمكن ادراكه من خلال نشأة المنازل التي لا يختلف بعضها عن البعض الآخر إلا من حيث المساحة ، ويتجلى هذا أيضا في عدم ارتفاع منزل عل آخر كي لا يحجب مرتفع الشمس أو الهواء عن منخفض ، وفي هذا يتجلى أيضا تطبيق قاعدة " لا ضرر ولا ضرار" .أما بقاء المنازل بعيدة عن مظاهر الترف والتباهي أخذا بمبدأ التقشف والاعتدال فهو أحد سمات المعمار هناك .
لقد أخذت تلكم الملامح العمرانية تأصيلها فيما وضعه الشيخ محمد بن يوسف اطفيش " 1818-1914م" في كتابه" شرح النيل في شفاء العليل" وفي هذا تأكيدا للمقولة السائدة في الدراسات المعمارية التي تقول بعلاقة نظم العمارة في المدينة الإسلامية بالتفكير الإسلامي والأحكام الشرعية .
البعد الأمني :
(1/7)
نتيجة للظروف السياسية والعقيدية التي اكتنفت نشأة مدن الوادي وبفعل ما كانت تتعرض له المنطقة من غارات يشنها البدو تارة والسلطة المركزية تارة أخرى " مثلما حدث في عهد ملوك الحفصيين" درج المهندس الميزابي على أن يضع في اعتباره المقتضى الدفاعي سواء في بنناء المنازل أو في تخطيط الطرق أو في الإنشاءات الأخرى . فالنتجول في النواحي القديمة للولاية سيرى نماذج من حيل الدفاع والتكتيك الهندسي الحربي حيث تتلوى الطرق التواء لا يبدو له من مبرر ، حتى أن الغريب لا يعرف كيف تتلوى تلك الطرق ، ولِمَ تبعج في هذه الزاوية ولا تنحسر في الأخرى ، وتهرب عن الدرب في الثالثة ، ولا متى تنتهي ، أو لماذا تتضايق المسافات بين انعطافة وأخرى (10).
ووفقا للتكتيك الأمني المذكور يتم تسقيف المساحة من عرض بعض الطرقات في أماكن معينة ، وللمقتضى نفسه سورت مدن الوادي بأسوار يصل سمكها إلى متر في الأسفل مع ارتفاع يصل إلى ثلاثة أمتار وبطول يبلغ في بعضها حوالي " 2500م" كما في سور مدينة " يزقن " الذي يرجع بناؤه إلى "1860-1868م" .
والزائر لهذه المدن سيشهد أيضا عددا من الأبراج المبنية فوق أعالي المرتفعات بطوابق أربعة أو خمسة وضمن مواقع يتم اختيارها بذكاء وهي تقابل بعضها البعض بحيث يتاح للحرس إعطاء الإشارات الضوئية التي تساعدهم على نقل إنذاراتهم من برج إلى آخر بأسرع وقت لحظة تعرض المدينة إلى الخطر (11).
البعد البيئي:
إذا كان للاعتبارات الدينية والأمنية أدوارها في النظام المعماري للمدينة ومنازلها ، فقد لعبت الظروف البيئية الصعبة دورا آخر في ذلك ، فالمنطقة وهي تعاني من سيل الوادي في الأسفل فقد اقتضى الأمر أن يكون التشييد على ظهور المرتفعات والروابي ليكون السكان بمنئى عن جرف السيول إذا ما اجتاحت المنطقة .
(1/8)
ويتجلى تناغم البناء والبيئة بتلبية المعمار السكاني لمتطلبات المناخ إن كان في صيف أو في شتاء ، ففتحات البيت القديم تتبع حركة الشمس وتتيح دخول أكبر نسبة منها في الشتاء وأقل في الصيف ، كما أن عمارة المدينة صممت بحيث تبقى رطبة وأن يتاح لضوء السمي بالتسلل ليمنح الدروب الضوء المطلوب.
فضلا عن أن المواد الأولية للبناء يتم تحضيرها مما هو متوفر في البيئة نفسها ، الأمر الذي يجعل من المعمار الميزابي مستوف لما نادى به المهندس المصري المعروف حن فتحي في " عمارة الفقراء " تلك العمارة المكتفية مادة وبناء بما هو متوفر في البيئة المحلية من مواد وتقنية وعلى نحو ما تستلزمه الظروف المناخية والاجتماعية من تنظيم وتشكيل .
ولا ننسى أن نشير إلى أن تشييد السدود الضخمة وإقامة السواقي العديدة التي عرفتها المنطقة ، والتي لا زال بعضها قائم منذ إنشائه قبل قرون حتى الآن ، فيه ما يدل على وعي السكان بمقتضيات الوضع البيئي وما يمليه مطلب الاستمرار من شروط.
البعد الجمالي:
على الرغم من أن البعد الجمالي لم يكن بارزا في العمارة الميزابية بحكم سيطرة الأبعاد الأخرى ، أي أن الجمال فيها ينبثق تلقائيا من خلال سيادة نزعات التنظيم والبساطة والتناسق والهدوء في الألوان ، فضلا عن النظافة التي تتجمل بها المنازل والمدينة على الدوام ، ومع ما يراعى من قواعد صحية في الإنشاء والتنظيم.
كما أن الجمال يستق من كليات المكان حيث لاتجد شذوذا في علاقات العناصر المعمارية والطبيعية والزراعية، كأن كل ذلك صنع على مقياس الإنسان كما يقول المصور الفرنسي " كلود بوفار" الذي فتن بتصوير ملامح الوادي (12).
(1/9)
ناهي عن الجمال بمضامينه المعنوية التي تمثل بعدا آخر للجمال في منظوره الإسلامي والذي يمكن تلمسه عبر مؤشرات عديدة منها على سبيل المثال تلك اللافتة التي تستقبل زوار مدينة يزقن وهي تنبههم إلى ضرورة عدم التدخين في الشوارع ، وعدم تصوير المارة دون إذن ، وعدم ارتداء النساء لملابس القصيرة التي قد تعكر صفو الصورة وهدوء المكان .
إن ثمة تناغما بين المبنى والمعنى وترابطا بين الخصوصية ومستلزمات الدين والبيئة والواقع الاجتماعي على النحو الذي يدل على عبقرية الجماعة بما امتلكته من قدرة على تكوين الاستجابة المناسبة التي من شأنها صناعة الحضارات .
لقد لفتت هذه العمارة انتباه المتخصصين والسواح والصحفيين الأجانب ، ولا عجب أن تعلن منظمة اليونسكو منذ العام 1985م وادي ميزاب جزءا من التراث العالمي ، وبالتالي اعتباره محمية ثقافية تنطوي على تراث إنساني يستحق العناية والاهتمام ، ولم يكن السكان أقل وعيا أو حرصا على نظام المدينة المعماري من غيرهم لذا حين جرت محاولات في نهاية العقد الثامن لإنشاء عمارات حديثة أوربية الطراز جوبهت من قبلهم بالرفض الشديد ، لا لمجرد الحرص على طاب المدينة المعماري وحمايته من التشوه ، بل لاعتقادهم أن تغيرا كهذا من شأنه أن يجلب معه مضارا اجتماعية هم في عنى عنها .
لقد تعانقت العقيدة مع الربوات والصخور لتزدهر شجرا ومعرفة ومعمارا وجمالا بسيطا آسرا يحضنه ويحركه منذ البدء نظام اجتماعي تفرد به وادي ميزاب ، نعني به " نظام العزابة " الذي سنأتي عليه في الحلقة القادمة إن شاء الله .
نظام العزابة : البديل الإباضي وفن الممكن
(1/10)
كلمة " العزابة " من العزوب وتعني لغويا الانقطاع ، أما في الاصطلاح الإباضي فتعني الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة (13) عبر نظام يتشكل من حلقة " هيئة " مركزية يتراوح عدد أعضائها ما بين 10-16 شخصا يتم انتخابهم وفقا لشروط الصلاح والعلم والكفاءة ، ويرأس الحلقة أكبر العلماء وأبرزهم في ميزاب ويطلق عليه " شيخ العزابة " وتتفرع من الحلقة المركزية حلقات أخرى تتوزع على مدن الوادي وقراه.
ويعتبر المسجد في العادة هو المركز الذي تباشر من خلاله العزابة مهامها التي تمتد إلى مختلف شؤون الحياة وحقولها ، فالعزابة تمثل إمامة صغرى في ظل مرحلة " الكتمان"(14) التي يصعب معها إقامة الكيان السياسي الإسلامي المستقل .
يتميز رجل العزابة بسمته الخاص الذي يعرف بالملابس البيضاء والعباءة أو القشابية مع الطاقية والشاش فضلا عن اللحية المعفاة.
يعود تأسيس هذا النظام إلى الإمام أبو عبدالله محمد بن أبي بكر النفوسي "345هـ-440هـ" الذي بدأ به في جبل نفوسة بليبيا بصفته حركة تربوية ومؤسسة تعليمية ، ثم انتقل إلى جزيرة جربة بتونس حتى استقر في ميزاب بالجزائر منذ العام 409هـ ، وهنا وبعد مدة تجاوزت مهامه الشؤون التربوية والأحوال الشخصية إلى مختلف الشؤون الاجتماعية والاقتصادية ، فضلا عن أمور الحسبة والضبط الاجتماعي .
ويعد شيخ العزابة في هذا النظام الإمام الأكبر في المجتمع ، إلا أنه لا يطرح مشروعا أو يتخذ أمرا دون مشورة أعضاء الهيئة التي تجتمع بشكل دوري وربما بشكل استثنائي في الحالات الطارئة .
(1/11)
وإذا كان نظام العزابة لا يمثل سلطة بالمعنى الحقيقي ، إلا أنه يستمد قوته مما يملكه من تأثير روحي وقبول اجتماعي ، حيث يتربى الفرد الميزابي على احترام رؤساء العزابة وطاعتهم ، لذلك ما أن يصدر عنهم أمر في أي شأن ، كتحديد المهور أو الأسعار أو إعلان الموسم الزراعي أو غير ذلك إلا ويبادر الجمهور إلى التقيد بالأمر والعمل بموجب توجيهاته وفي الحالات التي قد يتمرد فيها البعض تلجأ هيئة العزابة إلى الاعتصام بالمسجد لممارسة الضغط حتى يتراجع المعاندون (15).
وإذا كان هذا النظام قد اندثر في كل من جبل نفوسة وجزيرة جربة ، فإنه ظل مستمرا في وادي ميزاب حتى الآن ، إلا أن فعالياته وصلاحياته كانت تقوى أو تضعف ، تتسع أو تتقلص بحسب متغيرات الظرف السياسي العام وما يحكم المجتمع المحلي من متغيرات ، كما أن قدرته على تجديد نفسه متوقف على تمط القادة الذين يتناوبون على رئاسته ومستوى وعيهم العام .لهذا فقد شهد انتعاشا في ظل شخصيات مثل الشيخ محمد يوسف اطفيش الملقب بقطب الأئمة " 1818م- 1914" الذي اشتهر بتفسيره للقرآن وبتآليفه المتعددة ، كما شهد تطورا في عهد الشيخ بيوض " 1897-1981م" الذي عد من رجال الإصلاح والتجديد وعرف بعضويته في جمعية العلماء الجزائريين في عهد الشيخ عبد الحميد بن باديس ، كما اشتهر بتفسيره المسمى " في رحاب القرآن " الذي تميز بمنهجه الموضوعي ومنحاه الحركي.
مؤسسات العزابة
تساعد هيئة العزابة مؤسسات فرعية أو نوعية أهمها :
- مجلس العشيرة : يتألف هذا المجلس من شيوخ العشائر وأعيانهم ، وهو لا يعبر عن العشيرة بمعناها العصبوي الضيق ، بل يعنى بمعالجة الشؤون الاجتماعية كمواجهة الانحرافات وفض النزاعات ورعاية الأرامل واليتامى والعزة والمجانين والعاطلين من أبناء العشيرة التي تمثل الوحدة الاجتماعية السائدة في ميزاب .
(1/12)
-رجال الحراسة ( المكاريس) : " هؤلاء بمثابة السلطة التنفيذية والأمنية ، حيث يقومون بأعمال الحراسة والدفاع والنجدة والمطافئ وإرشاد الزوار وحماية الأمن والآداب العامة والإشراف على الأشغال العامة وحملات تصريف المياه والسيول وحفر الآبار وتنظيم السواقي والقنوات وتقسيم المياه وتوزيعها ، فضلا عن أعمال الحسبة وقيادة العمل التطوعي المشترك .
ولعل أبناء المحاضر " الكتاتيب" " ايسمطوردان" يشكلون النواة الأساسية لهؤلاء الحراس والشباب .
-منظمة الطلاب " ايروان" : تتشكل هذه المنظمة ممن يستظهرون القرآن ، وهي بمثابة " الكشافة " وهم الأقربون إلى هيئة العزابة يساعدونهم في بعض المهام ، بل أن أعضاء العزابة يتم اختيارهم في المستقبل من بين هؤلاء (16).
-الغاسلات " تمسردين" : وتمثل هذه الهيئة الشق النسائي من العزابة ، وهي تباشر أنشطتها في الوسط النسائي منذ القرن التاسع الهجري حتى الآن ، حيث تشرف على النواحي التربوية والاجتماعية ، وتعنى بشؤون الأفراح والمآتم ، فضلا عن غسل الموتى من النساء والأطفال ، وهو النشاط الذي استمدت منه اسمها.
التربية والتعليم الحر : خط البداية في حركة العزابة :
يعد الموضوع التربوي والتعليمي حجر الزاوية في بناء العزابة والاهتمام الأول الذي انشغل به نظامها منذ أن تأسس.
وتستمد فلسفة التعليم رؤيتها من القيم الدينية والأهداف الإسلامية في نشر الأخلاق وإقامة التوازن الاجتماعي عبر ترسيخ مبادئ " التعاون" و" التكافل " و" العمل المشترك" والحفاظ على الهوية والخصوصية ، والتأسيس لكل سلوك إيجابي يصب في خدمة الفرد والجماعة معا.
من هنا كان الاهتمام بالبعد التربوي كبيرا حتى أن شعار " معهد الحياة" أكبر معهد إباضي في ميزاب ، هو " التربية قبل التعليم ، والخلق قبل الثقافة ، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد".
(1/13)
تشمل مفردات المنهج على تعليم القرآن وعلوم الشريعة من عقائد وفقه وتفسير ولغة عربية ، وما يضاف إلى ذلك من علوم حديثة ، والعربية هي لغة التدريس على الرغم من أن معظم السكان يرجعون إلى أصول بربرية ، الأمر الذي ترك أثره الفعال في عملية التعريب على نحو ما لم يحدث مثله في باقي مدن الجزائر ، فالقو يؤمنون بأن العربية هي أحد مقومات شخصيتهم الإسلامية حتى أن الأحزاب القومية البربرية الحديثة تواجه صعوبة بالغة في استقطاب المزابي إلى صفوفها.
وإذا كان الغالب في طرق التدريس وأساليبه إتباع الطرق التقليدية ، إلا أنه على المستوى الفني " البيداغوجي" لا يخلو المنهج المتبع من الالتفاتات التربوية المتقدمة كالأخذ بـ" مبدأ الفروق الفردية" واللجوء إلى " التربية الخاصة" بالنسبة للمعوقين ، والاهتمام بـ" النشاط اللاصفي" عبر الرحلات والعمل والتدريب.
أما مؤسسات التعليم فهي : المحاضر"الكتاب" الملحقة عادة بالمساجد، ويسمى حفظة القرآن من طلبة هذه المحاضر " ايروان " بينما يسمى غير الحفاظ " أمصوردان" ثم المدارس والمعاهد الحرة التي تجمع بين القديم والحديث والتي أسهمت في إنشائها الجمعيات الخيرية الإسلامية كرد فعل على المدرسة الفرنسية ، ويعد " معهد الحياة " في " القرارة " أكبرها ، وكذلك بيوت العلم التي ينهض بها العالم الذي يجمع بين العلم والتربية ويجعل من بيته مدرسة يؤمها الصغار والكبار.
تلك مسيرة جرت في وادي ميزاب منذ قرون وما زالت ، وقد أنجبت عشرات العلماء والمؤلفين والأدباء وتركت آلاف المخطوطات (17).
إن التعليم يخضع بوجه عام لإشراف العزابة ، ويمول عادة من قبل التجار والمحسنين لهذا فهو " مجاني" ، كما يتضمن " نظم المنح" و" البعثات الدراسية" إلى الخارج لمن تعجز أسرته عن التكفل بأجور الدراسة ومصاريفها.
(1/14)
ومن الجدير بالذكر أن الإدارة التعليمية تتعهد بإقامة أقسام داخلية للطلبة المغتربين ، والطلاب في هذا النظام الحر ملزمون بارتداء زي تقليدي موحد ، كما أن التعليم يشمل الذكور والإناث، والصغار والكبار ، فهو أساسا فريضة دينية لا غنى عنها ، ومن هنا يمكن تفسير ظاهرة انخفاض الأمية في مجتمع الوادي.
الجمعيات الخيرية : حصون الهوية ومعامل التشكيل :
ينشط في وادي ميزاب عدد غير قليل من الجمعيات الثقافية والاجتماعية أهمها : جمعية الإصلاح في غرداية "1928"وجمعية الحياة في القرارة "1927" وجمعية النهضة في العطف "1945" وجمعية النور في بنورة "1945" وجمعية الاستقامة في بني يزقن "1946" وجمعية الفتح في بريان "1947" وجمعية النصر في مليكة "1960" ولا زالت هذه الجمعيات تمارس دورها في خدمة الثقافة العربية والإسلامية وتعمل على الحفاظ على اللغة العربية والشخصية الإسلامية ، وتسهم في نشر المعرفة وتثقيف الناس ، وتسعى لحماية الشباب بوجه خاص من أي تلوث فكري ، أو انحرافات سلوكية ، ويرجع الفضل لهذه الجمعيات في بناء الكثير من المدارس والمعاهد والنوادي والمكتبات والمساجد ، فضلا عن اهتمامها بإرسال المبعوثين إلى حواضر عربية كتونس والقاهرة ودمشق وبغداد للنهل من ينابيع المعرفة العربية والإسلامية هنالك (18).
(1/15)
كما تعمل على إقامة الندوات الدينية والثقافية ، وتقيم الندوات وتحرر البحوث وتصدر المجلات النشرات بالإضافة إلى عنايتها بالأنشطة الرياضية والكشفية والفنية ، وفي هذا يقول الدكتور تركي رابح : " إن الجمعيات في وادي ميزاب قد استطاعت أن تنهض بعبء التعليم الحر في هذه المنطقة من البلاد وأن تكون من المدارس والمعاهد والنوادي والمكتبات الثقافية والمساجد الحرة التي تعنى بالتعليم إلى جانب الشعائر الدينية ما جعل منطقة وادي ميزاب تموج بنهضة ثقافية عربية إسلامية كبيرة ، وبذلك أنقذوا منطقتهم وشبابهم من خطر الفرنسة والتفسخ الأخلاقي والانحلال الاجتماعي الذي كان يهدد الجزائر كلها "(19).
لقد كان للتعليم والتثقيف الديني الذي أخذ الميزابيون بأسبابه قديما وحديثا أثره البالغ في بث روح اليقظة وإكساب المجتمع الميزابي فعالية عالية عرف بها وهي من أبرز سماته .
الاحتراف والتويزة والضمان : قواعد سحرية في عمليات البناء:
من الأسس التي أستند إليها المجتمع الميزابي والتي لعبت دورا فعالا في تذليل صعوبات عيشه الأخذ بمبادئ " العمل " و" التعاون" و" التويزة" و" التكافل" و " التعاضد " والتي تجلت في العديد من الظواهر منها : مشاركة الجماعة في بناء منازل الأفراد ، أو إقناع من يملك أكثر من دار للتنازل عن أحدها ولو مؤقتا لمن لا يملك ،أو انضواء فقراء العرسان تحت ملة العرس الذي يقيمه أقدرهم ، أو استيعاب صاحب العمل لأكثر مما يحتاج من عمال إسهاما منه في تشغيل من هو عاطل ، أو المساعدة على تزويج العزاب وعدم المبالغة في المهور ، أو تقديم العون للغارمين ممن أفلس أو خسر في عمله وغير ذلك .
(1/16)
وعلى صعيد العمل يبرز مفهوم " العمل الجماعي المشترك " و" مبدأ التطوع " في سياق الجهود التي تصب في خدمة المصلحة العامة وتحقيق النفع العام ، وهذا ما يلحظ تجسيده في الإسهام في حفر " الأفلاج " وبناء السدود والأسوار وإقامة البنايات وحفر الآبار وإصلاح الطرق وتنظيف المدينة والاشتراك في حملات الغرس ومواجهة كوارث السيول وهجوم الجراد وإيقاف زحف الرمال ونحو ذلك .
بهذه الروحية استطاع الميزابيون أن يحفروا في واحاتهم ما يزيد على أربعة آلاف بئر ومائة (20) يتراوح عمق الواحد منها ما بين " 25 إلى 80 متر " وأن يغرسوا حوالي مائتي ألف نخلة (21) تتفيأ بظلالها أشجار الفواكه والخضروات والبقول وغيرها ، فضلا عن تعميرهم المدينة بشكل ذاتي في العديد من الأشغال البلدية والتنموية المختلفة .
وإذا كان " المكاريس " يقومون بدور بارز في مثل هذه الأنشطة العامة ، إلا أن العمل المشترك كقيمة عليا بلغ من أهميته أن من كسل عن الإسهام فيه يغدو محل تعبير وسخرية من قبل النساء والأطفال ولا يمكن أن يحضى بأي احترام اجتماعي (22) ، لأن كل فرد لا بد أ يخدم المجموع.
والحقيقة أن هذه القيم الاجتماعية التي انغرست في عقل ووجدان سكان الوادي لم تكن لتتم بمعزل عن العقل المنظم والتخطيط الاجتماعي ، فمنذ لحظة التأسيس والسكان درجوا على تقسيم أنفسهم إلى مجموعتين : واحدة تمكث في الوادي تزرع وتعلم وتسهم في البناء الاجتماعي ، وأخرى تسافر إلى الشمال حيث مدن الجزائر ووهران وتونس وغيرها لرفد الداخل بالمال والاستثمارات البانية ولا زالت هذه المنهجية قائمة حتى اليوم (23)
(1/17)
أما مبادئ الرعاية والتكافل والضمان الاجتماعي التي يتم تجسيدها من خلال إدارة العزابة ، فتمتد إلى مختلف الفئات الضعيفة من فقراء وأرامل وأيتام ومعوقين ومجانين ومعوزين ، وتشكل أموال الزكاة والصدقات مصادر أساسية في تحقيق الأمن المعيشي لهذه الفئات ، كما تلعب " أوقاف المقابر " أي ما يتركه الموتى من أموال يتصدق بها أهليهم بحسب الوصية دورا في ذلك ، وتحث العزابة كثيرا على التبرع أو تقديم الصدقة ولو بالقليل المتيسر وفي هذا – كما لا يخفى – يعد تدريبي على فعل الخير وحث على المشاركة في علية التكافل الاجتماعي ، كما أن ثمة رعاية نوعية يوليها النظام للمهاجرين والمسافرين من أبناء المنطقة ، وذلك عبر ما يهيئه لهم من دور خاصة تبنى في أماكن الاغتراب تسمى الواحدة منها " دار العرش" (24) ، وليس الإهتمام بتأسيس هذه الدور نابع من منظور اقتصادي فحسب ، بل يستهدف أساسا إيجاد البيئة المناسبة التي تربط المغترب بمنبته وتحول دون وقوعه في حبال الغواية أو الانحراف .
إنه على الرغم من الفقر الطبيعي للمنطقة استطاع الأهالي عبر تمجيدهم للعمل وولعهم بالإنتاج وتعاونهم الفذ وتضامنهم وروحهم التطوعية أن يبعدوا عن مجتمعهم شبح الجوع وأن يحققوا لهم عيشا كريما آمنا لا يعرف المفارقة أو الصراع .
رعاية النخلة والبستان واقتصاديات الإنتاج الحيواني والصناعي:
منذ القديم والميزابي يولي اهتمامه البالغ بالنخلة حتى لتكاد أن تكون ثمة توأمة بين الاثنين ، لهذا ازدهرت أماكن الميزابيين بهذه الشجرة المباركة التي لا يخفى دورها في تحقيق الأمن المعيشي خاصة بالنسبة لبلد صحراوي شحيح.
(1/18)
لقد اهتم الميزابيون بالأرض ايما اهتمام ، وقد كان مؤسس حلقة العزابة أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر في النصف من القرن المس للهجرة قد ألف كتابا في هذا المجال أسماه " أصول الأرضين " يقع في ستة أجزاء " ى زالت مخطوطة" أختصرها الشيخ اطفيش في كتاب أسماه " مختصر العمارة "(25).
وبرغم أن ألب أراضي ميزاب ذات طابع صخري ، إلا أن الناس هناك يحفرون الصخر من أجل استنباته والاشتغال على ما يلزمه من مياه ، لهذا عنوا ببناء السدود وحفر السواقي التي يرجع تاريخ بعضها إلى سبعة قرون كما هو عمر ساقية " بو شجان" التي لا زالت تعمل حتى الآن، وقد درجوا على توزيع المياه وفقا لشروط عادلة تأخذ بعين الاعتبار نسبة المتوفر منه وعدد المحتاجين وحاجة كل مزارع .
من جهة أخرى م يغفل الناس هناك أهمية القطاع حيث عنوا بتربية الماعز والماشية وأعطوا الاهتمام النوعي للرعي والراعي حتى أنهم سنوا في ذلك قوانينا من شأنها حماية حقوق الرعاة، وتعد مدن الوادي اليوم من أهم مراكز إنتاج الصوف وصناعة النسيج والزرابي في الجزائر ، فضلا عن اشتهارها بالصناعات التقليدية التي يقبل عليها السواح والزائرون ناهيك عن الصناعة المستحدثة التي شهدت توسعا كبيرا من بدايات العام 1985م ، حتى أصبحت المنطقة الصناعية هناك الثانية من نوعها على مستوى القطر ، وهي تحوي على 120 نوعا كصناعة النسيج والزجاج والطباعة والسجاد وقطع غيار السيارات وغيرها من الصناعات التي تغذي السوق الجزائري وتصدر أيضا إلى الأسواق الخارجية (26).
الحراسة والأمن والحسبة كأحد أنشطة العزابة :
(1/19)
للحراسة والحفاظ على الأمن شباب ينتدبهم نظام العزابة ويطلق عليهم المكاريس ، وهؤلاء يمثلون العين اليقظة التي تحافظ على الأمن العام ، كما أنهم يمثلون السلطة التنفيذية ، حيث يضطلعون بأعمال الدفاع والنجدة والمطافئ وإرشاد الزوار ، فضلا عن الإسهام بأعمال الحسبة التي ظل يتميز بمباشرتها مجتمع وادي ميزاب على نحو متواصل فيما غابت عن مدت المسلمين الأخرى في ظل النظم الحديثة .
لقد شمل نظام الحسبة العديد من مفردات الحياة كتنظيم الأسواق ومراقبة عمليات البيع والشراء ومحاربة الانحرافات في التعامل التجاري الغش والاحتكار والتلاعب بالموازين ونحو ذلك، حتى كان من ظواهر الحياة اليومية في أسواق ميزاب أن يجلس ممثل العزابة في السوق يراقب من ينتدب للقيام بدور المحاسب أو الخبير التجاري حين يحتاج التجار إلى عمليات الجرد أو التقويم السني ثقة منهم في خبرة العزابي وإنصافه (27) ، كما يضطلع العزابة بمراقبة المجازر وعمليات الذبح وضمان سلامة الشياه من الناحية الصحية والتأكد من إجراء التذكية الشرعية عليها ، وقد عين لذلك أشخاص أسموهم " العدادون " .
ويراقب الحسبيون أيضا عمليات البناء والتحقق من مدى التزامه بالقواعد القانونية المرعية واستيفائه الشروط الشرعية كحفظ الأستار ومراعاة التعلية وحجب الشمس وسد منافذ التهوية ونحو ذلك .
بعض التجليات الاجتماعية في تراث العزابة :
العزابات وفاعلية الحضور النسائي:
لم يهمل نظام العزابة شؤون المرأة فمنذ القرن التاسع الهجري تأسس الفرع النسائي الذي عرف بـ " تمسردين" أو " الغاسلات" وهو يتألف من 12 عضوة يتم اختيارهن بمعرفة رؤساء العزابة من النسوة الصالحات العارفات المحنكات وترأسهن مسؤولة يطلق عليها " مامه شيخة" ويتخذن مقرا لهن يتبع المسجد في العادة.
(1/20)
أوكل للعزابات المهام المتصلة بالشؤون الأسرية كمراقبة تحديد المهور وإدارة الأعراس والمآتم وغسل الأموات من النساء والأطفال ، فضلا عن ممارسة التوجيه التربوي والاجتماعي لنساء ، وما يستتبعه من عمليات الضبط السلوكي والاجتماعي .
وللعزابات مؤتمر سنوي تجتمع فيه لجان الفروع من أجل تبادل الرأي والنظر فيما يستجد من شؤون المرأة في مدن الوادي .
لقد كان لهذا الجهاز دوره الفاعل في الحركة النسائية الإسلامية حيث اسهم في جعل المرأة الميزابية حريصة على التقاليد ، لا تتخلف ع حضور المساجد ، وتنشط في مساعدة الرجل في حياته الإنتاجية ، كما في تخصصها بصناعة الأصواف والأنسجة والزرابي ، كما تلتزم بما تواضع عليه المجتمع من اقتصاديات العيش كالبساطة في أمور الزواج ، فالمرأة مهما كان جمالها أو غنى أسرتها لا تستنكف من أن يكون تجهيزها متواضعا سواء بالنسبة للذهب أو الثياب أو الأثاث أو الهدايا ، شأنها شأن الآخرين .
من جهة أخرى إن الثقافة النسائية العزابية لم تستثن المرأة من ممارسة حق تداول الشؤون العامة ، ففي مرحلة الاحتلال الفرنسي لعبت " مامه بنت سليمان ، إحدى أشهر شيخات العزابة " دورا في المواجهة حيث أصدرت في العام 1882م وأثناء التجمع النسوي أمرا بمقاطعة كل ما هو فرنسي لباسا كان أو غذاء ونظمت خلال ذلك ما يمكن تسميته بـ " المقاومة السلبية " حتى صنفها مؤلف كتاب " ثورات النساء في الإسلام " كواحدة من اثنتي عشرة امرأة اشتهرت بمواقف بطولية في العالم (28).
ظاهرة الأعراس الجماعية وتحديد المهور :
(1/21)
قبل أن تعرف الأعراس الجماعية في أي بلد عربي أو إسلامي عرفت هذه الظاهرة في مدن ميزاب منذ عقود خلت وقد فرضها المنظور الاقتصادي ، حيث يتكفل أهل العريس الموسر بمصاريف الزواج ويدعى فقراء العرسان للانضواء تحت جناحه دونما حرج ، وقد كان لهذا المسلك إسهامه في تخفيف مصاريف الزواج ونفقاته ، علما بأن تحديد المهر والصداق متروك لتقدير جماعة العزابة التي تجنح إلى التخفيف وتأخذ بمبدأ الاقتصاد في الحفلات ، حتى أنه توضع أسماء معدودة للمدعوين إذ لا داع لدعوة الجميع إلا إذا كان العرس موحدا ، كما يمنع الإسراف في الولائم ، ومن غير المقبول أن يتطاول الناس في الهدايا حتى ولو بين الزوجين .
لقد كان لكل ذلك فضله في تيسير الزواج وتخفيض نسبة العزوبية والعنوسة في هذا المجتمع .
احتفالات المولد والزيارة :
يحتفل الميزابيون بالمولد النبوي الشريف على صعيد شعبي حيث تلقى قصائد البردة وهمزية البصيري وغيرها من القصائد والأناشيد ، ويسهر الناس رجالا ونساء وأطفالا ليلة المولد في كل المساجد ، كما تزين الشوارع والأزقة وتشتعل المدينة بالقناديل والشموع وتعطل الدراسة .
ويهتم الإباضيون أيضا بالسلف الذين يحييون آثارهم ويحتفون بمآثرهم ويقومون بزيارة خاصة لمراقد العلماء والصالحين والشهداء منهم ، ولهم في ذلك مظاهرة سنوية يحل موعدها مع الربيع ويطلق عليها " الزيارة " وهي تفتتح بصلاة الاستسقاء وتتخللها محاضرات تعريفية بشخصيات المزارين ، ويختم خلالها القرآن الكريم كما تختتم الزيارة بتوزيع الصدقات على الفقراء والمحتاجين .
نظام العزابة والتحديات الراهنة :
(1/22)
إن القيمة المركزية الملموسة في نظام العزابة هي فيما منحه النظام لمجتمع وادي ميزاب من إمكانية إدارة شؤون حياتهم بشكل ذاتي وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، وبعيدا عن سيادة القوانين الوضعية ومؤثرات الحداثة المستجلبة، حتى استطاع بذلك أن يحمي الوادي من كثير من الانحرافات والشرور ، وأن ينظم حياته المعيشية والاجتماعية والاقتصادية بفعالية فذة عبر تكريسه لقيم الأخوة والعمل والتعاون والعدل والمساواة والتكافل والروح الجماعية .
كما لعبت حلقات العزابة دورها في عملية " الضبط الاجتماعي " على نحو أبقى الأفراد والجماعة في دائرة المحافظة والالتزام إلى حد كبير ، وقد كان لمبدأ " البراءة " (30) الشخصية أثره في الردع بما تضمنه من مقاطعة وهجران لكل شخص تثبت عليه جريمة شنعاء أو انحرافا أو ظلما بينا أو عملا مرذولا ، ولم يتراجع عنه علانية وذلك استنادا إلى قوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) ( المجادلة : من الآية 22) .
وقد كان من حسنات العزابة أنها لم تكن " حزبا" أو "نقابة " فئوية ، فهي على الرغم من مؤسسيتها وانضباطيتها ظلت تعمل في إطار المجتمع الأهلي العم ولم تقتصر فعالياتها على المرتبطين بها بشكل مباشر ، بالتالي شملت مظلتها كل أفراد المجتمع الإباضي وفئاته .
وليس من شك أن هذا النظام الذي أعتمد المبادئ والأحكام الإسلامية قد أوجد مجتمعا ممتازا ليس فيه متسول ولا حانة خمر ولا ناد للقمار ولا وكر للفساد ولا عاطل عن العمل ولا فتى متشرد أو طفل لا يعرف طريقه نحو التعليم .
ولعل هذه المعطيات المشرقة قد دفعت بالمفكر الجزائري مالك بن نبي – حين زار الوادي في نهاية العقد السادس- أن يصف مجتمعه بأنه مستوف للشروط النفسية والاجتماعية التي تجعل منه " حضارة مصغرة " (31).
(1/23)
غير أن تطبيق هذا النظام كان وما زال يتسع ويضيق بحسب الظروف السياسية العامة ووفق متغيرات الوضع المحلي ، فهو إذ يمتد في إدارته لبعض المفردات ذات الطابع السياسي إلى درجة أن يصدر في بعض المراحل عملة نقدية خاصة به (32) ، فإنه ينحسر في مراحل أو أوات أخرى إلى حدوده المسجدية والشخصية ، لكنه في كل الأحوال وحتى في حالة انتعاشه ظل متقيدا بما تمليه عليه مرحلة " الكتمان " ولم يكن ليجازف في إعلان نفسه كحكومة مستقلة عن الدولة المركزية مهما حاز من قدرات ، ذلك أن النظام أساسا هو وليد تلك المرحلة التي ينظر لها الأسلاف والتي لا زالت مستمرة ولا يمكن تجاوز مقتضياتها الموضوعية .
من هنا اتسم نظام العزابة بالمرونة السياسية وعرف بعلاقاته السلمية مع مختلف السلطات التي توالت على حكم الجزائر ، حتى أن لجوءه إلى عقد الاتفاقات أو المعاهدات سواء مع السلطة العثمانية أو مع الاحتلال الفرنسي ، كان ضمن إستراتيجية المرحلة التي تقوم على عدم الدخول مع السلطات الحاكمة في صراع حاد محافظة على البيضة ونمط الحياة الخاصة حتى وأن كان ثمن ذلك تقدي الضرائب – ولو على مضض-لتلك السلطات (33).
وفي مرحلة الاستقلال انحسر الدور القضائي والسياسي المتبقي لدى مؤسسة العزابة حيث ولت ذلك بشكل رسمي الدولة الجزائرية دون أية مشاكل تذكر ، بخاصة وأن الرئيس هواري بومد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *