البلسم الشافي في تنزيه الباري لزكريا المحرمي مبوب - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

البلسم الشافي في تنزيه الباري لزكريا المحرمي مبوب

 





الكتاب : البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات
المؤلف : د. زكريا بن خليفة المحرمي (و: 1975م)
الطبعة : الأولى 2004م
الناشر : مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب / سلطنة عُمان
160 صفحة
تنسيق : الفاضل هلال بن مصبح الكلباني
hilalmusabah@gmail.com
البلسم الشافي
في
تنزيه الباري
عن الأمكنة والجهات ومشابَهة المخلوقات
تأليف : د. زكريا بن خليفة المحرمي
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان
---
تهيئة
قَالَ الله تعالى:
( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا )
(سورة النساء: 82)
---
مقدمة
الحمد لله رَبِّ العالمين، والصلاة والسلام عَلَى رسولِهِ الأمينِ، وعلَى صَحبِه الغُرِّ الميامينِ، وعلى تابِعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، وبعد:
فهذا بَحثٌ أعدَدْتُه خِصِّيصاً للإجابة عَن بعض التساؤلات التي قد تَنقدِحُ في ذِهن المسلم حَوْلَ العقيدة الصَّحيحة التي جاء بِهَا الإسلام ليرسِّخَها في قلوب أتباعه.
(1/1)
وأهمُّ هذه التساؤلات التي رُبَّمَا تطرأ في أذهان الكثير من المسلمين، خَاصَّة وهم يعيشون حالة من الانفتاح الثَّقافي غيرِ المنضبط في ظلِّ العَولَمَة، مع غيرهم من الأمم والثَّقافات التي تَحمل عقائد مُنحرفة مناقضة لصفاءِ الإسلام هي:
«هل يَجُوز وصف الله سبحانه وتعالى بالجهة والمكان، كالقولِ بأنَّ الله موجود في السماء؟»
وهذا السُّؤال يُطرَحُ خاصَّة مع التطوُّر العلمي وتأكُّدِ للبشريَّة* كرويَّة الأرض ودورانها حَوْلَ مِحوَرها ودوارنها حَوْلَ الشَّمس، ودوران المجموعة الشمسية بأكلمها في مدارها الخاص في المجرَّة، وبذلك تَنْتفِي الجهات، فما هو فَوْق في ثانية يصير أسفلاً في أخرى، وهكذا دواليك بِحيث لا يكون في الحقيقة جهة "فَوْق"ولا جهة "تَحْت"، بل كُلُّ جهة هي "فَوْق" بالنِّسبة للأخرى، وإنما يَظَلُّ الفَوْق اعتبارياً للإنسانِ؛ لأنَّ الجاذبية الأرضيَّة (السُّرعة) تَحميه من الشعورِ بدوران الأرض الرهيب، والذي وصفه الله تعالى بقوله:
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ;([1]).
فَلِهذَا أردت أن أُبيِّنَ أنَّ عقيدَة الإسلام أصفَى وأنقَى مِن مثل هذه الأفكار الساذجة المؤطَّرَة بِحدود الخيمة والإبلِ، وجغرافية الصحراء والجبل، وأنَّ هَذه العقيدةَ النقيَّة تقوم على حقيقَةٍ قَطعِيَّةٍ مَفادُها: أنَّ الله سُبحانَه وتَعالى لا يَجوزُ أن يُوصَف بالأمكنة والجهات، فَقَد كان قَبْلَ أن يَخلُق المكان دُون أن يَحتاج إلى مكان قال تعالى(;لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ;([2]).
(1/2)
ولم يتغيَّر عمَّا كان؛ لأنَّ التغيُّر من صفات المخلوقات والله -سبحانه وتعالى- هو الخالق لِكُلِّ مَخلوق قال تعالى ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ;([3]).
وسَوف أحاولُ في هذا البحثِ المتواضع أن أبَيِّنَ أُسُسَ العقيدة الإسلاميَّة الصافيَّةِ وقواعدها المحكمة في التعامل مع هذه القضيَّةِ ومثيلاتِها، وسأشرع بإذنه تعالى في الفصول الأربعة الأولى بتبيان المنهج الإسلامي الصحيح في التعاطي مع مثل هذه القضايا الخطيرة، ومن ثم أبحر مع القاريء الكريم في رؤية تاريخية مختصرة لأسباب انحراف العقيدة الإسلامية عند بعض فرق المسلمين، ومن ثم نختم الكتاب بمناقشة بعض القضايا العقدية الهامة كعقيدة العلّو الحسي والاستواء والرؤية.
زكريا بن خليفة المحرمي
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) سورة النمل: 88.
[2]) سورة لقمان: 26.
[3]) سورة الزمر: 62.
---
مواردُ العلوم الإنسانيَّة في الإسلام
لِلإسلام مَنهجٌ متكامل في تَمحيص الأخبار والآراء والأفكار، وقبول ما وافق الْحَقَّ منها، ورَدِّ ما جَانَب الصواب، وهذا المنهج يقوم على عَرض هذه الأفكار على القواعد المستنبطة من مصادر العلوم البشريَّةِ، وهذه المصادر هي: الحسُّ المطبوع، والعقلُ المجموع، والشرع المسموع([1]).
أولاً: الحسُّ المطبوع: وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
حسُّ متصل: كاللمس والذوق.
حسُّ منفصل: كالسمع والرؤية والشم.
حسُّ البنية: كالشعور بالألم والحزن والفرح.
وبعض العلماء لا يفرق بين الحس المطبوع والعقل المجموع، ويجعل الحس من مباديء العقل الفطرية التي بها يتلقى العلوم، وهو ما سنلتزم به في كتابنا هذا.
(1/3)
ثانياً: العقل المجموع: فبالعقل يعرف الإنسان وجود الله تعالى ولو بدون أن يصله نبي أو رسول، فكل سكنة وكل حركة في الكون تَدُلُّ على وجود إله صانع مدبر، يقول تعالى:(;هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ);([2]).
ويقول الله تعالى:(;اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ;([3]).
والعقل: أفضل ما أنعم الله تعالى به على العبد؛ لأنَّ به يُعرف الْحَسَن من القبيح، وبه وَجَب الحمد والذم، وبه يلزم التكليف([4]).
يقول أبو يعقوب الورجلاني (ت: 570هـ): «أما بَعد؛ فإنَّ الحكمة الإلهية قد اقتضت وجود الخلق، واقتضى وجود الخلق العقل، واقتضى وجود العقل التكليف، واقتضى وجود التكليف الجزاء»([5]).
(1/4)
والناس تتفاوت في مداركها العقليَّة، كما تتفاوت في تركيبها الجسمي والنفسي، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ);([6]).
يقول أبو حامد الغزالي: «ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة فكأنَّهُ مُنخَلِع عَن رِبقَة العقل»([7]).
والعقلُ الذي نَعنيه في حَديثنا هو تلك القوَّة الإدراكيَّة المعيارية في الإنسان، والتي على أساسها حُمِّل أمانة الخلافَة، والتي على أساسها خوطب بالوحي ليتحمَّلَه فَهماً وتَطبيقاً. أمَّا البحث في ماهية العقل وكنهه فلا طائل وراءه، ولَم تثمر فيه المباحث من الفلسفة اليونانية وغيرها إلى اليوم([8]).
والعقلُ ليس وسيلة للكشف المباشر عن الْحَقِّ، بَل يسلك إلى الْحَقِّ طريقاً صارماً عبر ما يُسَمَّى بالنظر أو الفكر، وهذا الطريق يتَّصِف بالمرحليَّة والتدريج والترابط، فَهو طريق المقايسَةِ والموازنَة، والانتقال بين المقدِّمَات للوصول إلى النتائجِ، وبين المعاليم للوصول إلى المجاهيل([9]).
وقد قالَ التابعي الكبير جابر بن زيد: «العلم علمان: علمٌ في القلب فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان فَذلكَ حُجَّة الله على ابن آدم»، والعلمُ أيضاً علمان، علم عقلي، وعلم سمعي. فالعلم العقلي: ما خَطَر بالقلب من التوحيد وغيره، ومعرفة الوعد والوعيد، وكذلك ما حَسُنَ في عقله وقَبُح مِمَّا لَم يأته خبره ولَم يسمع بذكره. والعلم السمعي: هو ما جاءَ به مُحَمَّد e من الشريعة والسنَّة وبينه من أحكام القرآن مِمَّا طرقَ سَمعه وجاءته صحَّته وقامت حجَّته بظواهر الآية([10]).
(1/5)
لكن يَجب علينا كذلك أن نُدرك أنَّ العقلَ الإنساني مَحكوم بظروف المادَّة فهي مَجال حركَته ومنطلق إبداعه، وإذا كان بِما جعل به مناطاً للتكليف قادراً في الإدراك على تَجاوزِ المادة إلى ما ورَاءها مِنَ الحقائق المجرَّدَة، وقادراً على إصابَة الحقيقَة في تَقدير السلوكِ الإنسانِي، فَإِنَّهُ في كُلّ ذلك مَحدود بِمَا قيد به من ظروف مادية يتحرَّك في مَجالها ويتَّخِذُ منها مُعطيات الإبداع.
وقد اكتشفَ الناسُ اليومَ خطأ ما ساد من وهم في بداية ازدهار الحضارة الغربية بأنَّ العقلَ الإنساني يتَّصِف بالقدرة على إصابَةِ الْحَقِّ المطلق، فبدَأ منذُ حين يُوضع في حَجمِه الحقيقِي الذي يكون به قادراً على إدراكِ الْحَقِّ، وتقدير الخير، ولكنَّهُ الْحَقُّ النسبي وَالخير النسبي أيضاً([11]).
فالعقل وإن كان هو الإساس في الوصول إلى معرفة الله، وذلك لأن المقدمات المطلوبة لحصول هذه المعرفة موجودة مبثوثة في الكون، إلا أن العقل ليس هو الأساس في الحكم على الاشياء بالحسن والقبح "التحسين والتقبيح"، وذلك لأن العقل يفتقد القدرة على الإحاطة بالمقدمات اللازمة للحصول على المعرفة الكلية للأمور، فلهذا لزم وجود الأصل النقلي "الوحي" لأنه بسبب ربانية مصدره محيط بكل المقدمات الضرورية لحصول المعرفة الكلية.
والعلوم العقلية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الواجب: وهو ما لا بدَّ منه، كمعرفة الفاعل عند وجود الفعل، يقول تعالى ?أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ?([12])، فالإنسان العاقل يلزمه معرفة وجود خالق لِهَذا الكون العظيم، فلكلِّ فعل فاعل، ولكلِّ مَخلوق خالق.
المستحيل: اجتماع الضدَّين، كاجتماع العلم بالشيء والجهل به في آن واحد. ومثل وجود شيء واحد في مكانين منفصلين.
الجائز: ما يَجوز في العقل وجوده وعدمه، وهو ما ليس بواجب وليس بِمستحيل، فيجوز وجود الشيء في مكان ما، ويَجوز أن لا يكون مَوجوداً هناك.
(1/6)
ثالثاً: الشرع المسموع: وهو الوحي، والوحي في أصل معناه تلك الطريقة في العلم التي يتلقَّى بِها النبيُّ من الله تعالى تعاليم الرسالة التي اختير لتبليغها إلى الناس ?وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ?([13]).
وقد أطلق على الوحي أسماء متعدِّدَة تَختلف في وجهة التسمية لَكِنَّها تلتقي كُلّها عند معنى التعاليم الدينيَّة التي مَصدرها الله تعالى، ومبلغها إلى الناس النَّبِيّ المرسل، ومن بين هذه الأسماء:
السمع: باعتبار أنَّ هذه التعاليم مسموعة للإنسان من قِبَلِ الأنبياء.
النقل: باعتبار أَنَّهَا مَنقولة عن الأنبياء.
الشريعة: باعتبار أَنَّهَا مشروعة من قِبَل الله تعالى.
النصُّ: باعتبار أَنَّهَا منضبطة في نصوص لغويَّة معيَّنة.
والوحي يتَمَيَّز بِخَصائص كثيرة منها:
أَوَّلاً: إِنَّه ربَّانِي المصدر، فهو من الله تعالى عالم الغيب والشهادة، والذي أحاط بِكُلِّ شَيْء عِلماً قال تعالى(;اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)([14]).
(1/7)
ثانياً: حقائقه مطلقة غير خاضعة للتعقيب الإنساني في ذاتِها، ودور الإنسان إزاءها إِنَّمَا هو دور الاستِجلاءقال تعالى (;وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا;([15]).
ثالثاً: من الوحي ما هو قطعيُّ الدلالَة، وهو الذي لا يَحتَمل إِلاَّ مَعنىً واحداً بِحيث يكون لَفظه نصًّا في معناه، فلا يَحتاج في فَهمه إلى غَيره، كقوله تعالى: ;(اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)
ومنه مَا هُو ظنِّي الدلالة، وهو الذي يتردَّد المعنى فيه بينَ وُجُوه مُحتَمَلة تَتَّسِع لَها أساليب العرب في القولِ، كالتردُّدِ بينَ الحقيقة والمجاز، وبينَ الإطلاق والتقييد، وبين العمومِ والخصوصِ. كقولِه تعالى: ;وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ;([16])
فَالقُرْءُ يَحتَمل أَن يُقصَد به الحيض([17])، ويحتمل أن يقصد به الطهر.
رابعاً: من الوحي ما هو قطعيُّ الورود: أي ثَبَتت له صفة الوحي عَلى وجه القطع، كالقرآن الكريم والسنَّة الْمُجتمع عليها، ومنه ما هو ظنِّي الورود: أي ثَبتت له صفة الوحي على سبيل الظنِّ، كالروايات الآحادية([18]).
يقول الشيخ عبد الله بن مُحَمَّد بن بركة (ق 4هـ): "والسنَّة على ضربين: فَسُنَّة قَد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحَّتِها، وسنَّة مُختَلف فيها، ولَم يَبلغ الكلّ علمها، وهي التي يقع التنازعُ بين الناس في صحَّتها. فلذلك تَجِب الأسانيد والبحث عن صحَّتِها ثُمَّ التنازع في تأويلها إذَا صَحَّت بِنَقلها، فإذا اختلفوا في حُكمها كانَ مَرجعهم إلى الكتابِ"([19]).
خامساً: مَا جاء به الوحي لا يُخَالف القطعِيَّات العقليَّة، وما يظنُّ أنَّه مُناقض للعقل ليس إِلاَّ مُتعالياً عَن فَهم العقل.
(1/8)
فكلُّ ما وافق المعقولَ والمتواتِرَ القطعيَّ الدلالَة من المنقولِ فَهو حجَّة على الإنسان يَجب عليه قبوله واعتماده، ولا يَجُوز عليه ردُّه وَإِنكَاره. أمَّا ما خَالف المعقول والمتواترَ من المنقولِ، فَاعلَم أَنَّهُ باطلٌ ولاَ تَتكلَّف البحث فيه.
يقولُ حَسن السقَّاف: "قَاعدة في كَيفيَّة التمييز بين أصول العقائدِ وفروع العقائد؛ الصواب في مَعرفة هذا الأمر، أنَّ أصولَ العقائدِ هي الأمور الثابتة بقطعي الدلالة وقطعي الثبوت، وهي التي وردت في القرآن، وأَجمعَت فِرق الإسلام المعتَدِّ بِهَا عليها. وفِرَقُ الإسلام الموجودَة المعتَدِّ بِهَا هي: الزيدية والمعتزلة والإباضية والشيعة وأهل السنَّة، ويَخرُجُ منهم - أي أهل السنَّة - كُلّ مَن انتَسَب إليهم، وكان في الحقيقة مُشبِّهاً أو مُجَسِّماً بِمَعنى أَنَّهُ كَرامِيّ المذهب، ويَخرج من كُلِّ فرقة أيضاً الشذاذ المشهورون كابن الوزير والشوكاني عند الزيديَّة، والنظَّام عند المعتزلة، ونَحوهم عند غَيرهم"([20]).
-----------------------------------------------------------------------------
[1]) أبو يعقوب الوارجلاني: العدل والإنصاف، 1/ 14.
[2]) سورة يونس: 5-6.
[3]) سورة إبراهيم: 32-34.
[4]) محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، 2/ 228.
[5]) الوارجلاني: العدل والإنصاف، 1/ 3.
[6]) سورة فاطر: 27-28.
[7]) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 1/ 88.
[8]) عبد المجيد النجّار: خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، ص58.
[9]) النجّار: خلافة الإنسان، ص60.
[10]) سلمة بن مسلم العوتبي: الضياء، 1/ 36.
[11]) النجّار: خلافة الإنسان، ص62.
[12]) سورة إبراهيم: 10.
[13]) سورة الشورى: 51.
[14]) سورة البقرة: 255.
[15]) سورة الأحزاب: 36.
[16]) سورة البقرة: 228.
(1/9)
[17]) وهو القول الأصوب لِمَا ثبت عن النَّبِيّ e أنَّه قال: «الرجل أحقُّ بامرأته ما لَم تغتسل من الحيضة الثالثة» مسند الربيع بن حبيب: رقم 542، ونسبه الشيخ هود بن مُحكّم الهواري (ت 290هـ) في تفسيره (1/ 215) إلى عمر بن الخطاب وابن مسعود وعلي وابن عباس وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين والحسن البصري.
[18]) النجار: خلافة الإنسان، ص56. بتصرف.
[19]) عبد الله بن مُحَمَّد بن بركة: الجامع، ج1ص280.
[20]) حسن السقاف: شرح العقيدة الطحاوية، ص120.
---
الحديث الآحاد والعقائد:
يُعلِّمُنا القرآن الحكيم المنهجَ القويم في التعامل مع الأخبار والروايات حَتَّى لاَ نَنْزَلق وراءَ أَهوَاء البشَر، ونَضِيع في دائرة أوهامهم، إذ يَقولُ تَعالى: (;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ);([1]).
وقَد استفَاضَت الأخبارُ في أنَّ هذه الآية نَزلَت في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط الذي أمرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالذهاب إلى بَني المصطلق لِيَجمع الزكاةَ، وفي منتصف الطريق أَوهَمَه الشيطانُ أنَّ القومَ سَيغدِرون به بسبب ثَأر بَينهم في الجاهلية، فرجع إِلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقالَ له: إنَّ القومَ مَنعوني الزكاةَ وَأرادوا قَتلي. فَنَزَلت الآية لتفضَحَ أَمره([2]).
وبَينَما يقولُ أهل الحديثِ إنَّ الصحابَةَ كُلّهم عدول لاَ يَرقى إليهم جَرحٌ([3])، نَجِد أنَّ الله تَعالى قَد أَثبت في الكتابِ العزيز أَنَّهُم رُبَّمَا يَكذبون في رِوَايتهم!. فكيف بِغَيرهم من الناسِ؟!.
(1/10)
إنَّ هذَا النصَّ القاطِع من الكتاب العزيز يُوَضِّحُ لنا أنَّ الشخصَ الذي يَأتينا بِالخبر لا يُمكن أن نَقطَع بِصِدقه مَا لَم يَكن معصوماً كالأنبياء، أمَّا الصحابَةِ ومَن دونَهم فهم غير معصومين من الكذب والوهم والنسيان، فلهذا فإنَّ مُبلِّغ إفادَة خبر الرجل الثقة هوَ العلم الظنِّي الذي يَحتمل الصدقَ والكذبَ، ولا يُمكن أن يصلَ خَبر هذا الشخصِ الواحد - الآحادي كما في مصطلح علم الحديث - غير المعصوم إلى درجة العلم اليقيني إِلاَّ إن جاء من طريق مَجمُوعة كبيرة منَ الناسِ يَستَحيل تواطؤهم جَميعاً على الكذبِ، وهذا الخبرُ يُسَمَّى ساعتها بالخبر المتواتر.
¨ ومن الدلائل على ظنِّية الحديث الآحاد:
أَوَّلاً: العوامل البشريَّة الداخليَّة التي تَعتَوِر الراوي، وهي نوعان: إرادية: كالكذب والتدليس، ولا إرادية: كالوهم والخلط والذهول والنسيان.
وعوامل خارجية: كالحذف والبتر، وسقوط الكلمات أثناء النسخ، والرواية بالمعنى، هذه العوامل تتناقص كُلََّمَا ازداد عَدد رواة الخبر.
ولا يُجادل في هذه العوامل لظهورِ دلائلها، إِلاَّ أنَّ بعض أهل الحديث قَد يَستنكر جوازَ الوهم والنسيان للرواة، والحجَّة عَليهم وصف رَبِّ العالمين لآدم عليه السلام بِالنسيان حينَ قالَ: (;وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا);([4])، وكذلك الأمرُ بالنسبَة لِموسى عليه السلام حينَ قال:تعالى );قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا);([5]).
فإذا جازَ وصفُ الأنبياء بِالنسيان - في غير الوحي المعصوم - فكيفَ برواة الحديثِ؟ هذا إذَا سَلَّمنا بعدالَة الراوِي، وإلاَّ فالباطنُ لا يَعلَمه إِلاَّ الله، فَلرُبَّمَا كانَ هذا الرجلُ مظهراً الاستقامة، مُبطناً النفاق والعداء للإسلام كمَا هو الحالُ مَع الزنادقة.
(1/11)
وقد أقرَّ ابن خُزيمة بِجواز نسيان الصحابَة لبعض الحديثِ حَيث قال: "فأصحابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا اختصروا أخبارَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إذا حدَّثوا بِها، وربَّما اقتصُّوا الحديث بتمامه، وَرُبَّمَا كان اختصاراً بعدَ الإخبار، أو بعضَ السامعين يَحفظ بعضَ الخبر، ولا يَحفظ جميع الخبر، وَرُبَّمَا نَسي بعد الحفظ بعض المتن"([6]). فإذا كان هذا هو حال الأنبياء والصحابة فكيف بِمن هم دونَهم؟!.
ثانياً: لَو كان كُلُّ خبر يفيد العلم القطعيَّ لَما تعارض خبران، ولأفاد كلاهما علم قطعي منفصل، بينمَا الواقع يُخالف ذلك، فَكَم سَمعنا من زيد ما يُخالف كلام عمرو، فتصديق النقيضين واعتقادهما من العبث، فَلهذا كانَ الخبر الآحاد ظَنِّياً، فإذا جاء خَبر آخر إمَّا أن يَعضده ويقوِّيه، أَو أن يَدمَغه ويُلغيه، وهذا هو المشاهد في واقع حياة البشر الاجتماعيَّة والعلميَّة.
ثالثاً: إنَّ تصحيح الأحاديث وتضعيفها هي أمور في أصلها ظنِّية، يقول ابن الصلاح: "ومتَى قالوا: هذا حديث صحيح، فَمعناه أَنَّهُ اتَّصل سَنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليسَ مِن شَرطه أن يكون مَقطوعاً به في نفسِ الأمر، إذ منه ما يَنفَرِد بِروايته عدد واحد"([7]).
والله تَعالى يَأمرنا في كتابه العزيز أن لا نَأخذ بدواعي الظنِّ في عَقيدتنا، بل يَجب علينا أن نَأخذ بالدلائلِ القطعيَّة والحقائقِ اليقينِيَّة لبناءِ حِصن العقيدَة الراسخِ، يَقول تَعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؟ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ);([8]).
(1/12)
فالله تَعالى في هذه الآية يُحاور المشركينَ في مسألة العقيدَة والتوحيدِ، ثُمَّ يُتبِع هذا بقوله:(;وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ، وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ);([9]).
فهذه الآيَة الكريمة تَدُلُّ على أن الإنسان يَجب أَلاَّ يَعتمد في عقيدته إِلاَّ على القطعي اليقيني من الأخبار كالقرآن الكريم، والسنة المجتمع عليها عند الأمَّةِ، والعلوم الكونية الثابتة التي تفيد علماً ضرورياً لا يجد القلب تردداً في قبوله واعتقاده، وقد سُفِّه حالُ الكافرين الْمُتَّبعين للظنِّ كأخبار الآحادِ.
ويقولُ الله تعالى: (;وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(;([10])، فالقرآنُ الكريم يأمرنا باستشهادِ أكثر من رجل في قضايا المعاملات، والدعاوي كالزنا وغيرها، فإذا كان الدَّين وقضايا الزنا تَحتَاج إلى أكثر من شَاهد عدل، فكيف بالعقيدة التي هِيَ مدار العلاقة بين الفرد وربِّه؟!.
(1/13)
مِن هنا أَجْمعت الأمَّة على وجوب التواترِ في هذه الأخبارِ الواردة عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لكي يُبنَى عَليها العلم اليقيني الضرورِي الذي لا يَجد الإنسان دفعاً له في قلبه، والذي يُمكن أن يُؤسِّس عليه عقيدة راسخة لا يَجوز مُخَالفتها، بَينما تَمَّ الإجماعُ أيضاً على أنَّ الأخبارَ التي تَأتي مِن طُرقٍ أقلّ من حدِّ التواتر فَهي أخبار آحاد تفيد الظنَّ، مُوجبة للعمل إن كانت متَّفِقة ومنظومة مع القواعدِ المحكمة المستنبطَة من النصوصِ القطعيَّة من الكتاب العزيز والسنَّةِ المجتمَع عليها والدلائل الكونية القطعية الثابتة، لَكِنَّها لا تصلح لتأسيس بنيان العقيدة.
يقول النووي: "وأمَّا خَبر الواحد فهو ما لَم يوجد فيه شروط المتواتر، سواء كان الراوي له واحداً أو أكثر. واختلف في حكمه، فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدِّثين والفقهاء وأصحاب الأصول أنَّ خبر الواحد الثقة حجَّة من حجج الشرع، يلزم العمل بِه ويُفيد الظنَّ ولا يفيد العلم، وأنَّ وجوبَ العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل"([11]).
والكلام عَن خَبر الواحد إِنَّمَا هو عن الخبر الموافق لِمنظومة القواعد العامَّة التي رَسَّختها نصوص القرآن الكريم، والسنَّة المجتمع عليها، ودلائل العقل السليم.
واختلف في أقلِّ حدٍّ للتواتر؛ فقيل: خَمسة طرق، وقيل: عشرة في كُلِّ طبقة من طبقات الإسناد، وقيل: أكثر من ذلك، بَيد أن هناك شرطاً مُهمًّا للتواتر، وهو اتِّفَاق ثقاتِ الأمَّة من الصحابة وتابعيهم بإحسان عليه، وعدم اختلافهم فيه.
يقول الشيخ ابن بركة: "والسنَّةُ على ضربين: فسنَّة قَد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحَّتِها. وسنَّة مُختلف فيها، ولَم يَبلغ الكلُّ عِلمها، وهي التي يقَع التنازعُ بينَ الناس في صحَّتِها"([12]).
(1/14)
والرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته هم من أكثر الناس تطبيقاً لقاعدة ظنِّية الخبر الآحاد، وعدم القطع بصحَّتِه. ومن أمثلة ذلك: "أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهر أو العصر ركعتين، فقال له رجل يُعرَف بذي اليدين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : لَم أَنسَ ولم تقصر. ثُمَّ قال للناس: أكما قال ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدَّم وصلَّى ما ترك"([13]). فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لَم يَكتف في هذه الرواية بِخَبر ذي اليدين، فأراد أن يتأكَّد ليقطَعَ الشكَّ باليقين، علماً بأنَّ القضيَّة عمليَّة وليست اعتقاديَّة.
وأبو بكر الصديق حينَ جاءته جدَّة تُريد أن تورَّث، فقال لَها: ما أجد لك في كتاب الله شَيئاً، وما علمت أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك، ثُمَّ سألَ الناسَ، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فلَم يَتيَقَّن أبو بكر من كلاَمِه فقال له: هَل معك أحد؟ فشَهِد مُحمَّد بن مسلمة بِمثل ذلك، فأنفذَه أبو بكر([14]).
أمَّا عمر بن الخطاب فَحين أَخبره أحد الأنصار عن قصَّة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مع زَوجاته ونزولِ قوله تعالى: (;إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا);([15]) في زَوجات النَّبِيّ، لَم يقطع عمر بصدق الخبر فذهب بنفسه لسؤال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وجاءه أبو موسى الأشعرى فاستأذن ثلاث مرَّات فلم يُؤذَن لَه فَرجَع، فأرسلَ عمر في أثَره قال: لِمَ رجعت؟ قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سلَّمَ أحدكم ثلاثاً فلم يُجَب فَليرجع»، فلم يقطع عمر بصدق خبره وقال له: والله لتقيمن عليه بيِّنَة. أمنكم أحد سَمعه من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ؟ فأكَّد له أبَيّ بن كعب صِدق كلام أبي موسى([16]).
(1/15)
كما أَنَّهُ حين أخبرته فاطمة بنت قيس أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لَم يأمر لَها بصدقة أو سُكنى حين طلَّقها زوجها، لَم يُصدِّقها ورَدَّ خَبَرها لِمخالفته قوله تعالى: (;يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ);([17])، فقال: لاَ نَدَع كتاب ربِّنَا بِقَول امرأة جَهِلت أو نسيت([18]).
أَمَّا السيِّدَة عائشة - رضي الله عنها - فَقَد رَدَّت خَبَر فاطمة بنت قيس الذي ردَّه عمر كما رأينا سابقاً لِمُخالفته كتاب الله تعالى([19]).
كما أَنَّها ردَّت مَا رواه عمر بن الخطاب أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الْمَيِّت لَيعذَّب ببكاء أهله عليه»([20])، وقالت: "يَرحم الله عمر، والله ما حدَّث رَسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لَيعذَّب المؤمن ببكاء أهله عليه"، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله لَيَزِيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه» وقالت: "حَسبكم القرآن (;وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى;([21])"([22]). كما رَدَّت ما رواه ابن عباس أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت رَبِّي U"([23])، وفي رواية أنَّ ابن عباس قال: «رَآه بِقَلبه»([24]).
فَحين سألها مسروق: هل رأى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم رَبّه؟ قالت: لقَد قفَّ شَعري مِمَّا قُلت، أَين أنت من ثلاث من حدَّثَكهنَّ قَد كذب؟ من حدَّثَك أنَّ مُحَمَّدا قَد رَأى ربَّه فقَد كذب. ثُمَّ قرأت: (;لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ);([25
(1/16)
قال تعالى(;وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ;([26])"([27]). وردَّت خَبَر أبى ذرٍّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم في قطع الحمار والكلب الأسود والمرأة للصلاة([28])، كما ردَّت خَبَر ابن عمر الذي فيه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمَر في رجب([29]).
وتفعيلاً من الصحابة لقاعدة ظنِّية الآحاد وقطعيَّة المتواتر لَم يَقبل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - أَثناء جَمعهم للقرآن الكريم أخبارَ الآحاد، يَقول ابن كثير: "وأمَّا إن روي على أَنَّهُ قرآن فَإنَّهُ لَم يتواتَر فلا يثبت بِمثل خَبر الواحد قرآن، ولِهذا لَم يُثبِته أمير المؤمنين عثمان بن عفان t في المصحف"([30]).
وقد يُقال: لِماذا فرَّقتم بينَ أمر العقيدة والفقه بِحَيث اشترطتم التواتر في العقيدة ولَم تَشتَرطوه في الفقه؟
يُجَاب بأنَّ أسبابَ اشتراطِ التواتر في العقيدة قد بيَّنَّاه سابقا مُدعَّمًا بالأدلَّة القطعيَّة من القرآن والسنَّة، أَمَّا عدم اشتراطنا للتواتر في أمور الفقه فهو نتيجة للأدلَّة القطعيَّة من الكتاب العزيز الذي يَأمرنا بقبول شهادة رَجُلَين فقط في مسألة الدين، وقبول شَهادة أربعَة أشخاص في مسألة الزنا، كمَا أنَّ الله تَعالى قد وجَّه الزوجين إلى التراجع عن طلاقهما إن هُم ظَنَّا أَن يَعملا بأحكامِ الأسرَة التي شَرعهَا الإسلام، يقول تعالى: (;فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ);([31]).
(1/17)
هذا بالإضافة إلى أَنَّهُ ثَبَت بالسنَّة المتواترة وجوب قبول خَبَر الآحاد في المسائل العمليَّة، وللبخاري في صَحيحه باب كامل يؤكِّد فيه على أنَّ الحديثَ الآحاد يوجب العمل، وأَسْمى هذا الباب "باب ما جاء في إجازة خَبَر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام" وفيه الأحاديث من 7246 إِلَى 7267.
وكذلك جاء تَطبيق الصحابة لقاعدة قبول خَبَر الآحاد غير المصادمِ للنصوص القطعيَّة والدواعي العقلية والقوانين الكونية، والذي يتوافَق وكليَّات الشريعة وعمومات الكتاب العزيز في المسائل العملية التي لا نصَّ فيها، حيث اختلفَ الناس في مسألة دخول البلد التي حلَّ بِها الطاعون حين خرجَ عمر بن الخطاب t إلى الشام حَتَّى أخبرهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بأنَّه سَمِع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سَمِعتم الطاعون بأرض قوم فلا تُقدِّمُوا عليه وإذَا وقع بأرض وأنتم بِها فلا تَخرُجوا منها» فعمل الصحابة بِمَا أخبرهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ([32]) لِموافقته الخبرة البشريَّة التي تَدُلُّ على انتقال الطاعون عَن طريق الاقتراب من الشخصِ المصابِ، وموافقته عموم قوله تعالى (;وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ);([33]).
بَيد أنَّ أهل الحديث عارضوا إجماع الأمَّة بأنَّ خَبر الآحاد لا يُفيد العلمَ وقالوا: "إنَّ الحديثَ الآحاد حجَّة في مَسائل العقيدَة"، وهذا الموقفُ المتزمِّت المعارض لإجماع الأمَّةِ نابع من اكتشافهم أنَّ الروايات التي يَتشبَّثُون بِها لبنيان صرح فكر التجسيم والتشبيه الهش الذي يعتقدونه لا تُحقِّق شرط التواتر فهي كُلّها آحادية.
يقول إبراهيم بن أحمد بن شاقلا (ت: 269هـ) مقرِّراً مَذهب أهل الحديث في قبول الحديث الآحاد في العقائد وأنَّه يفيد العلم القطعي عندهم: "ولَمَّا كانت أخبار الآحاد في الصفات لا توجب عملاً: دلَّ ذلك على أَنَّها موجبة للعلم"([34]).
(1/18)
وقال عبد العزيز الراجحي: "قد أجمع الصحابةرضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان، على قبول أخبار الآحاد، سواء كان ذلك في الأصول - أي المسائل الاعتقاديَّة- أم الفروع، ولَم يُخَالف منهم أحد"([35]).
وقد أسرف الراجحي كثيراً عندمَا وصف من قال بظنِّية الحديث الآحاد بأنَّه زنديق مُلحِد، حيث يقول: "وسَمَّى هذا التعيس كتابه بـ "السيف الحادِّ على مَن أخذ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد"، فلزم لذلك "قُدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذِ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد" لِيُعملوا سيوفهم في رقابِهم، ويَجعلوهم عبرة لبقية أذنابهم"([36]).
وذلك؛ لأنَّ أَحمد بن حنبل إمام أهل الحديث يُقرُّ بظنِّية الحديث الآحاد!، فقد نقل عنه ذلك أبو مُحمَّد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي الحنبلي (ت: 488هـ) في مقدِّمَته في عقيدة أحمد بن حنبل وأصول مذهبه التي ضمنها ابن أبي يعلى كتابه "طبقات الحنابلة"، قال أبو مُحمَّد: " فأمَّا خَبَر الآحاد: فيوجب العمل بِمُوجبه، والمصير إلى حكم نُطقِه، دون القطع بعينه، وإنَّما يحسن فيه الظنُّ بالناقل أو الجهل بالرواي. وقد حُكي عن بعض أصحابه أَنَّهُ يقول: إِنَّه يوجب العلم. ومَا وَجدته من لفظه، ولا أظنُّه يذهب إليه"([37]).
والكلام الذي ذكره ابن شاقلا والراجحي مُخالف للحقائق التاريخيَّة، فقد نقلنا إقرار النووي - وهو من أئمَّة الحديث - إجماع الأمَّة على ظنِّية الحديث الآحاد، كما بيَّنا ذَلِكَ في الأمثلة السابقة كيف ردَّ الصحابة الكثير من الرويات التي جاء بِها صحابة آخرون!.
والظاهر أنَّ أكثر متأخِّري أهل الحديث الذين تأثَّروا بالمدارس الكلاميَّة خالفوا توجُّه أئمَّتهم، وأقرُّوا بظنِّية الحديث الآحاد كما قال النووي، ومن أئمَّة الحديث المعتبرين لَدى الراجحي والذين أقَرُّوا بظنِّيَة الخبر الآحاد:
(1/19)
1-الذهبي الذي قال: "فَفي هذا دليل على أنَّ الخبرَ إذا رَواه ثقتان كانَ أقوى وأرجح مِمَّا انفرَد به واحد، وفي ذلك حضٌّ على تكثير طرق الحديث لِكي يَرتقي عن درجة الظنِّ إلى درجة العلم، إذ الواحد يَجوز عليه النسيان والوهم ولاَ يكاد يَجوز ذلك على ثِقَتين لَم يُخالفهما أحد"([38]).
2- ابن كثير الذي قال: "وَأَمَّا إن رُوِي على أَنَّهُ قرآن ولَم يتواتر فلا يَثبت بِمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لَم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان كرم الله وجهه في المصحف"([39]).
وهناك الكثير منهم أقرَّ بوجوب ردِّ الخبر الآحادي إذا خالف منظومة القواعد العامَّة المستنبطة من نصوص الكتاب العزيز، والسنَّة المجتمع عليها، والثوابت العقليَّة القطعيَّة.
يقول الخطيب البغدادي (ت: 463هـ): "ولاَ يُقبل خبر الواحد في مُنافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنَّة المعلومة والفعل الجاري مَجرَى السنَّة وكلّ دليل مقطوع به"([40])، ونقل السيوطي (ت: 911هـ) موافقة ابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ) لقول الخطيب البغدادي السابق([41]).
وقال ابن الجوزي (ت: 597هـ): "المستحيل لو صدر عن الثقات رُدَّ ونسب إليهم الخطأ. ألاَ ترى أَنَّهُ لو اجتمع خلق من الثقات فأخبروا أنَّ الجمل قَد دخل في سمِّ الخياط لَما نَفعتنا ثقتهم ولا أثَّرت في خَبرهم؛ لأنَّهم أخبروا بِمستحيل، فكلُّ حديث رأيته يُخالف المعقولَ، أَو يُناقض الأصولَ، فَاعلم أَنَّهُ مَوضوع، فلاَ تَتكلَّف اعتباره، واعلم أَنَّهُ قَد يَجِيء في كتابنا هذا من الأحاديث ما لا يشكُّ في وضعه، غير أَنَّهُ لا يتعَيَّن لنا الواضع من الرواة، وقد يَتَّفق رجال الحديث كُلُّهم ثقاة والحديث موضوع أو مقلوب أو مدلَّس"([42]).
وقال ابن كثير (ت: 774هـ): "معرفة الموضوع المختلق المصنوع وعلى ذلك شواهد كثيرة منها. مُخالفة لِما ثبت في الكتاب والسنَّة الصحيحة"([43]).
(1/20)
الأخبار الآحادية التي ينقلها غلاة أهل الحديث
من بين المشاكل التي أفرزها استئثار أهل الحديث وانفرادهم بالبثِّ في عدالة الرواة والفقهاء، استغلالهم هذه الفرصة لتجريح مُخالفيهم في الفكر والعقيدة، وتعديل موافقيهم في الفكر.
يقول الكوثري في مقدِّمة كتاب "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للزيلعي: "وقال ابن الجوزي في "التلبيس": ومِن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث، قدح بعضهم في بعض، طلباً للتشفِّي، ويخرجون ذلك مَخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمَّة، للذبِّ عن الشرع، والله أعلَم بالمقاصد، ودليل خُبثِ هؤلاء سكوتهم عمَّن أَخذُوا عنه"اهـ.
ومِن نَماذج هذا التعصُّب البارد من أهل الحديث تَجريحهم للإباضيَّة ومَن سار في دَرب معارضتهم للسلطة الأمويَّة، ويكفِي الروايات التي حُشِّيَت بِها كتب الحديث والتي تدعو إلى قتلهم واستباحة أموالهم ونسائهم!، فقد حَشَرهم البخاري في زمرة الملاحدة الذين يَجوزُ قتلهم([44]).
وقد نَفَّر أهل الحديث من كُلِّ من شَمُّوا منه رائحة الفكر الإباضي حَتَّى وصَل بِهم الأمر إلى ردِّ روايات التابعيِّ الكبير عِكرمة مَولى عبد الله بن عباس بِسَبب اتِّهامهم إيَّاه بأنَّه يرى رَأي الإباضيَّة، عِلماً بأنَّ عِكرمة كان من أَفضَل التابعين، حيث يقول عنه ابن منده: "أمَّا حال عكرمة في نفسه فَقد عدَّله أمَّة من التابعين منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة تكاد لا تُوجد منهم لكبير أحد من التابعين"([45]).
وينقل لنا الذهبي رأي أهل الحديث فيه قائلاً: "أحد أوعية العلم، تُكلِّم فيه لرأيه لا لِحفظه فاتُّهِم برأي الخوارج. ابن المديني عن يعقوب الحضرمي عن جدِّه قال: وكان يرى رَأي الإباضيَّة. وعن عطاء بن أبي رباح أنَّ عكرمة كان إباضياً"([46]).
(1/21)
يقول الفخر الرازي: "إنَّ هؤلاء المحدِّثين يُخرجون الروايات بأقلِّ العلل، مثل: أنَّه ناقل الرواية، وكان مائلاً إلى حبِّ عَلِي فكانَ رَافضياً فلاَ تُقبل روايته، ومثل: كانَ مَعبد الجهني قائلاً بالقدَر فلا تُقبل روايته، وما كان فيهم عاقل يقول: إِنَّه (أي الرواي) وصف الله تعالى بِما يبطل إلهيته وربوبيَّته فلا تقبل روايته. إنَّ هذا من العجائب"([47]).
فلهذا فقَد نبَّه الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة إلى وجوب الاحتياط في الأخذ من غلاة أهلِ الحديث الذين يَنشرون التجسيم والإرجاء حيث يقول: "لاَ يَنبغي أن تأخذ العلم من مُبتدع؛ لأنَّه يَدعو لبدعته، ولاَ مِن سفيه يَدعو إلى سفهه، ولا مِمَّن يكذب وإن كان صادقاً في فَتواه، ولا مِمَّن لا يفرز مذهبه من مذهب غيره"([48]).
ويقول الشيخ ناصر بن أبي نبهان مُحذِّراً طلبة العلم من الأخذ من أهل الحديث: "وذلك من دانَ برؤية الباري، وأنَّ مُحمَّدا رآه في الدنيا بِعينه، فليس بِحُجَّة فيما يَنقله عن النَّبِيِّ e، ولا عَن الصحابة، مِمَّا لَم تَقم على صحَّته الحجَّة على غَيرهم من الفرق؛ لأنَّ ذلك مُتَّهَم، والمبطل لا يكون حجَّة على أحد في شَيْء لَم تَقم عليه الحجَّة بصحَّة ذلك"([49]).
وقال أيضاً متسائلاً: "وعلى هذه الصفة هل هُم أمناء على نقل الأخبار عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه؟ وهل هم حجَّة على أحد من المسلمين؟ وهل تصحُّ شَهادتهم، وتُقبَل على غَيرهم من أهل الحقِّ في دِرهم واحد؟"([50]).
(1/22)
ويقول ابن بركة مُوضِّحاً أسبابَ التوجُّس من روايات أهل الحديث: "ومُخالفونا يُنكرون منَّا أنَّا لا نَقبل أحاديثهم ونقلدُّهم فيها، وفيهم عبد الملك بن مروان وأعوانه. واحتجَّ بعض أصحابنا بأَن قال: إنَّ الله تَعالى نَهانا عن تَصديق هؤلاء، وأن يوجب شيئاً من تفويض الدين إليهم بإجماع، قال: لأنَّ المخبِرَ شاهد، وكلُّ شاهد ليس بِعَدل، فَهو مردودُ الشهادة عقوبة على فِسقِه وفجوره، وليكن زَاجراً مِن عمله، وإنَّ ذلك من حكم القرآن لاَ مِن قِبَل الرأي، قال الله جلَّ ذكره: (;مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء); ومن نَتَّهمه لا نَرضاه في خَبَرٍ قال الله جلَّ ذكره: (;وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ); فَأخبر بأنَّ الخيار هُم الشهداء، والحجَّة لله على خلقه"([51]).
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) سورة الحجرات: 6.
[2]) تفسير ابن كثير 4/ 228.
[3]) ابن الصلاح: مقدمة ابن الصلاح في علم الحديث، ص182.
[4]) سورة طه: 115.
[5]) سورة الكهف: 73.
[6]) ابن خزيمة: التوحيد، ص519. تحقيق سَمير الزهيري.
[7]) ابن الصلاح: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص21.
[8]) سورة يونس: 35.
[9]) سورة يونس: 36- 37.
[10]) سورة النور: 4.
[11]) النووي: شرح صحيح مسلم، 1/11-112.
[12]) ابن بركة: الجامع، 1/280.
[13]) أخرجه البخار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *