إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم لأحمد الخليلي - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم لأحمد الخليلي

 





الكتاب : إعمال العقل.... المنهج والتطبيق
المؤلف : خالد بن مبارك الوهيبي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
إعمال العقل.... المنهج والتطبيق
خالد بن مبارك الوهيبي
عند الحديث عن إعمال العقل في فهم النص يصاب فريقان من الناس بالذعر والهلع:
- الفريق الأول: وهو الفريق الموسوس، الذي يحسب أن فيه تحكيماً للذوق وهوى النفس على حساب نصوص الشريعة.
- والفريق الثاني: هو الفريق الذي يظن أن تلك دعاوى نحو الاعتزال وتقديم العقل على الشرع.
والحقيقة أن المسألة لا تزال بعيدة عن فهم الكثير من الناس لثلاثة أسباب:
1. عدم تحديد منطقة النص بشكل دقيق، وهذه قضية تحتاج إلى معالجة مستقلة.
2. اختلاط مفهوم العقل عندهم بمفاهيم تحكيم الهوى والذوق.
3. عدم التفرقة بين دور العقل الفطري والعقل المكتسب في النظر في الوجود المغيب والوجود الطبيعي المشاهد والوجود الإنساني الاجتماعي.
• ... إعمال العقل:
جاءت آيات القرآن الكريم تدعو الإنسان للتفكر والتعقل في فهم آيات الله في كتابه وآياته في كونه.
1. في الآيات التشريعية:
- قال تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم ? وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين ? كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون}.
- قال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون}.
(1/1)
- قال تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون}.
2. في الآيات الكونية:
- قال تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون}.
- قال تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.
- قال تعالى: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.
- قال تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}.
- قال تعالى: {ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.
فكانت الآيات التشريعية والكونية تذيل بـ {لآيات لقوم يعقلون} {لعلكم تعقلون}، وهي دعوة صريحة للنظر والتعقل في التعامل مع آيات الله تعالى الكونية والتشريعية على السواء.
• ... ما هو دور العقل؟
يقسم العقل إلى نوعين:
- عقل مفطور أو غريزي
- عقل مكتسب
(1/2)
1. فالعقل المفطور يتحدد بالقدرة على توليد تصورات كلية بسيطة تتحصل من خلال تجريد المدركات الحسية، ترتبط فيما بينها لتشكل أحكاماً أو قواعد منطقية، مثل: أن الكل أكبر من الجزء والواحد أقل من الاثنين، وهذا القسم يمثل القاسم المشترك بين الناس.
2. أما العقل المكتسب فهو متحصل من الخبرة الإنسانية، ومن نتاج تطبيق العقل الفطري على موضوع ما.
فيظهر أنه لا يمكن أن يقوم هنالك تعارض بين العقل الفطري وبين أحكام الوحي، لأن العقل الفطري ذو طبيعة إجرائية لا يملك الطعن في الأحكام المفردة التي تتضمنها أية منظومة، فمثلاً لا يملك العقل الفطري الطعن في أن الإنسان خُلق من طين أو أنه يبعث يوم القيامة ويحاسب على عمله، لكنه يملك بحث الاتساق الداخلي بينهما، فإذا ظهر الاتساق الداخلي لمنظومة الأحكام القرآنية امتنع على العقل الفطري الاعتراض أو التشكيك فيها قال الله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}.
ولكن هل يمكن قيام تعارض بين العقل المكتسب من الخبرة الإنسانية وبين أحكام الوحي؟، ومرد هذا التساؤل هو آحادية النظر التي سادت قسماً لا يستهان به من المناهج الفقهية، إذ تتصور هذه المناهج أن الأحكام يمكن تحصيلها من خلال التعامل مع نصوص مفردة مجتزئة عن أصولها الكلية وقواعدها التشريعية، فمن هنا أخذوا يفرضون هذا الافتراض.
في حين أن كثيراً من الأحكام هي أحكام ثاوية في النصوص لا يمكن تحصيلها إلا من خلال إعمال العقل والنظر في استخراجها، ومجالات العقل المكتسب تنحصر في ثلاثة قطاعات:
(1) الوجود الكلي المغيب المتعالي عن الوجود الحسي، كالحكم بأن النفوس تبعث وتحاسب يوم القيامة والإيمان بالملائكة والجنة والنار.
(2) الوجود الإنساني الاجتماعي، كالحكم بأن الصدق حسن والكذب قبيح.
(3) الوجود الطبيعي المشاهد، كالحكم بأن الأشياء تسقط بفعل الجاذبية وأن كثافة الزئبق أعلى من كثافة الماء[1].
(1/3)
بالنسبة إلى الوجود الكلي المغيب فلا يمكن للعقل المكتسب أن يحكم فيه شيئاً، بل عليه أن يسلم فيه للوحي لتعاليه عليه، فالخضوع فيه كلياً للوحي الإلهي المقطوع به، ومجال العقل هنا هو دراسة النصوص الثابتة فيها واستخراج أصولها وقواعدها (=المحكم) ورد ما تشابه منها إلى هذه المحكمات، قال الله تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} .
والعجيب أن المسلمين عبر تاريخهم الطويل خاضوا في دائرة الوجود الغيبي المتعالي وفيها تعاركوا حول إعمال العقل، بينما تركوا تماماً مجال إعمال العقل في دائرتي الوجود الإنساني الطبيعي والاجتماعي!.
وتبقى المشكلة (=من الناحية النظرية فحسب!) في الوجود الطبيعي والاجتماعي، فهل هناك تعارض بين أحكام الوحي وبين تجليات الواقع المشهود الطبيعي والاجتماعي؟!.
الحقيقة أن التعارض ليس بين العقل والنقل كما يصوره البعض، بل بين عقلين:
(1) عقل يرى عدم إقحام العقل في فهم النص، ويصر في الوقت ذاته على حرفيته، مؤداه في النهاية اعتبار الجزئي ورفض الكلي، واعتبار الظني وترك القطعي.
(2) وعقل يرى في النص إطاراً مرجعياً يتألف من منظومة من القواعد والأحكام استنبطها العقل من خلال النظر في آيات الله في الوحي (= كتاب ناطق وسنة متبعة) وآيات الكون، ثم استبطنها (=استحضرها) في تفسير وتأويل الألفاظ، يحاكم النصوص والأحكام الجزئية إليها.
• ... الصراع الوهمي:
حفل تاريخنا الفقهي بتساؤلات حول أيهما الحاكم: الشرع أم العقل؟، ودار الصراع فيه بين الأشاعرة والمعتزلة، موقف يذهب أقصى اليمين، وآخر يذهب أقصى اليسار، أنقل في هذا المقام نصين: لعالم معتزلي وآخر أشعري.
(1/4)
- قال القاضي عبدالجبار المعتزلي في "طبقات المعتزلة" ص 139 عن العقل: (يميز به بين الحسن والقبيح ، ولأن به يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع ، وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع، فهو الأصل في هذا الباب، وإن كنا نقول: إن الكتاب هو الأصل من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام).
- وقال الجويني الأشعري في "الإرشاد" ص 228: (العقل لا يدل على حسن شيء ولا قبحه في حكم التكليف، إنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع، وأصل القول في ذلك أن الشئ لا يحسن لنفسه وجنسه وصفة لازمة له، وكذلك القول فيما يقبح، وقد يحسن في الشرع ما يقبح مثله في المساوي له في جملة أحكام صفات النفس).
نرى أن القاضي عبد الجبار:
1. جعل العقل دليلاً أعطاه القدرة على التحسين والتقبيح وجعل الوحي مصدقاً للعقل في حكمه، ونحن لا يمكننا أن نوافق القاضي عبدالجبار في هذا، ذلك أن العقل عبارة في أساسه الفطري عن نسق من المبادئ المنطقية )الاتساق ـ السببية) والعمليات الإجرائية (التحليل ـ التركيب والتجريد ـ والتشخيص) فحكمه على الأشياء سوف ينبع من خلال خبرته المعرفية التي اكتسبها، أو من خلال وعيه بالتناقضات بين الفكر والواقع، فالحكم على الأشياء بالقبح والحسن مرتبط بالتصور الكلي الذي يعطي الأشياء دلالاتها، وتصور الأشياء منبثق عن الرؤية الكلية للوجود، فالوحي هنا هو الذي يضبط هذا التصور لا العقل.
2. لكنه في المقابل قال: (إن الكتاب هو الأصل من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام) ، وهذا الكلام منه صحيح، ولو أنه اعتمده لما احتاج للقول بالتحسين والتقبيح العقلي فقط.
(1/5)
في المقابل نلحظ من كلام الجويني:
1. أنه جرد العقل من أي قدرة على على تمييز الحسن والقبيح، وهذا ما لا نلحظه في كتاب الله تعالى، فالقرآن الكريم نبه على تعلق قبول الوحي بحسن السلوك (= أي علق استجابة الوحي على الحسن الخُلقي)، قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}.
كما أشار القرآن إلى التوافق بين الهدي الإلهي (=الوحي) والميول الفطرية التي جبل الناس عليها، وهذه الميول الفطرية نتاج تفاعل الإنسان المتجول بعقله في الشهود الطبيعي والاجتماعي قال تعالى {فأقم وجهك للدين حنيفاً # فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لكلمات الله ذلك الدين القيم}.
2. والجويني بهذا النقل يعبر عن طريقة أهل الحديث النافرة بطبعها عن المقدمات العقلية المستندة على مرجعية الوحي، وهذا هو بالضبط ما مكن لمئات إن لم نقل آلاف الأحاديث غير الصحيحة بالمرور، فهذا الموقف الأشعري المعبر عن أهل الحديث عموماً ينقل بوضوح توجس أهل الحديث من استعمال العقل في فهم النص.
إذن كلا الفريقين لم يحسن التعبير عن الفكرة بشكل دقيق، فهم ما بين إفراط وتفريط، ونستطيع القول: إن العقل البشري بما أودع الله فيه من إمكانيات قادر على تبيين الحسن من القبيح، لكنه يحتاج لذلك إلى اعتماد مقدمات مستمدة من إطار مرجعي يتمثل في الوحي، أي أنه عبارة عن عقل نحتته نصوص الوحي.
• ... تطبيقات:
1. نقل الدم:
مسألة نقل الدم من المسائل الحديثة التي ناقشها الفقهاء المعاصرون، حيث كان هذا الأمر متعذراً بل غير متصور، ومع التقدم العلمي الهائل في مجال الطب أصبح الأمر ممكناً وبفضل ذلك أمكن علاج حالات النزيف التي تؤدي إلى الوفاة في كثير من الأحيان.
عندما طرحت المسألة على الفقهاء اختلفوا فيها:
(1/6)
- فمنهم من قال بالتحريم استناداً إلى أن الدم نجس لا يجوز الانتفاع به استناداً إلى قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم...} وقوله {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به}.
وهذه النظرة تمثل النظرة النصوصية في أجلى صورها.
- وفريق آخر رأى التعويل على قضية إنجاء النفس وإحيائها، وكانوا قلة قليلة في بداية طرح المسألة، وهؤلاء في أكثر الأحيان كانوا محكومين بضغط الواقع وإلا فالمنهجية النصوصية تلك هي الأقرب إلى تفكيرهم.
لكن يحق لنا التساؤل: لنتساءل كيف توصل الفريق الثاني إلى جواز نقل الدم وقال بأن فيه إنجاء للنفس من الهلكة واعتمد الإطار المرجعي في قول الله تعالى {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} ؟ الجواب يكمن في (العقل الإنساني) الذي تجول في دائرة الوجود الطبيعي واكتشف بعقله فصائل الدم وما يصلح لبعضها البعض وآلية نقلها فوصل إلى هذه النتيجة، عندئذ قال من قال من الفقهاء بجواز نقل الدم، وإلا لن تجد الفقيه إلا ذلك الفقيه الذي يقول بنجاسة الدم ويمنع نقله.
إذن منطلق الفقهاء القائلين بجواز نقل الدم هو: العقل البشري بما أودع الله فيه من إمكانيات استطاع تبيين الحسن من القبيح، لكنه يحتاج لذلك إلى اعتماد مقدمات مستمدة من إطار مرجعي يتمثل في الوحي، أي أنه عبارة عن عقل نحتته نصوص الوحي.
ونمضي قدماً في فروع هذه المسألة:
- الفقهاء القائلون بجواز نقل الدم قالوا بحرمة النقل إذا كان أحد الذين تجرى لهم عملية النقل أو كلاهما يحمل مرضاً في دمه يضر بالآخر، نتساءل أيضاً عن المستند الشرعي لهذا الحكم؟.
(1/7)
قد يظن البعض أنه فقط قوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم} وقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، لكن لا ننسى أن (العقل الإنساني) هو الذي اكتشف من خلال البحث في (دائرة الوجود الطبيعي) طبيعة الأمراض التي تنتقل ومقدار تأثيرها وضررها على الإنسان، فالعقل البشري (=من خلال البحث الكوني) كانت له القدرة على التحسين والتقبيح لكن باعتماد مقدمات الوحي التي تشكل إطاره المرجعي، والإطار المرجعي هنا قوله تعالى {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وقوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}.
والعجيب أن الفقهاء الذين يقولون بمثل هذه المسائل وأشباهها لا يزالون يستصحبون الصراع التاريخي بين المعتزلة والأشاعرة، ويصرون على أنه ليس للعقل دور في إعمال النص على الواقع، بينما تجدهم في الوقت نفسه يبنون أحكاماً ما كانوا ليقولوا بها لولا الجهود العقلية للمكتشفين الطبيعيين.
2. الحساب الفلكي:
قفز علم الفلك قفزات هائلة في القرون الأخيرة بفضل التقدم في العلوم النظرية التي يقوم عليها كالرياضيات والفيزياء، بحيث صار من الممكن اليوم عمل ما كان في السابق من الأمور التي لا تخطر على بال، وكان علماء المسلمين من السباقين في مضماره وكانت لهم فيه جهود لا تنكر، أضف إلى ذلك تطوير علوم الرياضيات والفيزياء وهما قوام علم الفلك، ومن علماء المسلمين الذين خلد التاريخ مآثرهم في ذلك الحسن بن الهيثم والخوارزمي.
واليوم يعتمد المسلمون في تحديد مواقيت الصلاة على الحساب الفلكي، وفي دخول وخروج الشهور القمرية (=من الناحية العملية)، لكن تبقى المشكلة في دخول وخروج شهر رمضان، فقد اختلفوا في ذلك:
- فريق يرفض تماماً أي بديل عن الرؤية البصرية، وهؤلاء كانوا على درجة كبيرة من الصراحة مع أنفسهم.
(1/8)
- وفريق يرى أن (السنة في هذا ما تثبت به الأشياء) كما يقول الفقيه الإباضي أبو المؤرج، وهؤلاء يميلون بناء على قواعدهم إلى اعتبار أي وسيلة تؤدي الغرض المطلوب مغلبين في ذلك الدلالات الاجتماعية على الدلالات اللغوية.
لذا رأى فريق من العلماء المعاصرين اعتبار الحساب الفلكي وسيلة لتحديد دخول الشهر وخروجه، وبعضهم رأى اعتباره وسيلة للحكم على شهادات الرؤية البصرية، فإذا ما خالفت الشهادةُ الحسابَ رُدَت ولم تعتبر.
المهم أن اعتبار الحساب الفلكي هو عبارة عن اعتبار العقل الإنساني الذي تجول في دائرة الوجود الإنساني الطبيعي واستخرج قواعد وأصول هذا العلم ثم أمكنه استثمارها في تحديد أوقات الصلاة ودخول الشهر وخروجه بدقة كبيرة، فَحسّن العقلُ أمر الحساب الفلكي لكن باعتماد المقدمات النصية مرجعية وإطاراً كلياً منها قوله تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون} وقوله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً}.
ففي هاتين الآيتين دعوة للناس كافة بأن يربطوا حسابهم لعدد السنين بدراسة الظواهر الكونية (=تعاقب الليل والنهار/منازل القمر).
________________________________________
[1] ملاحظة: هناك فقرات في هذا المقال من كتاب "إعمال العقل"، لؤي صافي، مع زيادات وإيضاحات.
(1/9)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *