الإباضية في موكب التاريخ 1 النشأة لعلي معمر موافق للمطبوع - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 10 يناير 2022

الإباضية في موكب التاريخ 1 النشأة لعلي معمر موافق للمطبوع

 





عنوان الكتاب: الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
الإباضية في المغرب الأوسط
مزهودي
(1/1)
بسم الله الرحمن الرحيم
تَقديم
إنَّ الكشف عن التاريخ وتعريف الأجيال الصاعدة المتلاحقة به واجب وحقٌّ: واجب على كلِّ مؤهَّل لذلك، وعلى كلِّ من يعي دور التاريخ في التوجيه والتربية، وفي بناء الشخصية، وبلورة كيان الأمَّة. وحقٌّ لكلِّ فرد ينشد التعرُّف على حقيقته، وعلى أصوله وماضيه؛ حتَّى يتمكَّن من انتزاع اعتراف الآخرين به، ومن ثَمَّ يحتلُّ مكانته في عصره، ويضمن استمرار ذكره في المستقبل ... لأنَّ صياغة الحاضر تتأثَّر بالأحداث المتعاقبة المترابطة، التي وقعت في مختلف الفترات التي مرَّت بها أمَّة ما أو شعبٌ ما، وبالتَّفسير الذي يعطى لهذه الأحداث وتطوُّراتها. وبناء المستقبل يقوم أساساً على استحضار الماضي، واسترداد كلّ ما دار فيه؛ لمعرفة الملابسات التي اكتنفته، والظُّروف التي وجَّهته وسيَّرته: الظروف السياسية والاِجتماعية والفكريَّة ... ويتمُّ توجيه الحياة والتخطيط لها على هذا الأساس.
من هنا توصف مهمَّة التاريخ بأنَّها صعبة وشاقَّة ومسؤوليَّة كبيرة، تحتاج إلى تذليل عقبات، وتخطِّي حواجز، والتخلُّص من مشاكل تعيق البحث التاريخي؛ منها سوء الفهم والنقد لبعض المواقف، وتأويل بعض الرُّؤى، وعدم التوفيق في التصرُّف الحسن في المعلومات التاريخيَّة، بما يخدم التاريخ، وينصف صانعيه. وعدم القدرة على التخلُّص من الضغوط النَّفسية والاجتماعية والسِّياسية والفكريَّة، التي تمنع من كتابة التاريخ كتابة صحيحة. ومنها الافتقار إلى الصبر على فهم المسار الذي تتحرَّك فيه الأحداث والوقائع، واكتشاف المصبِّ الذي تصبُّ فيه، والأهداف التي ترمي إلى تحقيقها، وعدم الاهتداء إلى معرفة المكوِّنات الثقافيَّة والفكريَّة لمن نقل إلينا الأخبار والوقائع وهذا التاريخ.
ومنها انعدام الشجاعة لنقدٍ، يشمل كلَّ من ينقل المسائل التاريخيَّة، ولو كانوا أساطين في ذلك، ومصادرَ أساسية في هذا المجال. والخوف من الخروج عن الإجماع في تسجيل الأحداث، وتقدير المواقف، وتأويل الوقائع، ولو لوحظت واكتشفت تجاوزات وأخطاء، يحرّم السكوت على التَّنبيه إليها. ويكون تقبُّل ذلك؛ لمجرَّد أنَّ ناقليه إلينا كتَّاب كبار، ومتلقِّيه أجيال متلاحقة متعاقبة؛ فيوصف ما يتداول بأنَّه إجماع، لا يمكن التخلِّي عنه، ولو اكتشفت فيه تناقضات ومغالطات ...
ومن العقبات التي تعيق عمليَّة التأريخ الاِبتعادُ عن الشموليَّة في الرؤية والنظرة في العرض والمناقشة والتحليل ...
هذه الصعوبات تسِم الكتابة التاريخيَّة بالمسؤولية الكبيرة؛ لأنَّها تسهم إسهاماً كبيراً في توجيه مسار الأمَّة، وترسم مواصفاتها بناءً على طبيعة تلك الكتابة، وما
(1/5)
توفَّرَ أو لم يتوفَّر فيها من شروط الكتابة التاريخيَّة؛ ومن ثمَّ تتحدَّد علاقة تلك الأمَّة بغيرها: إيجابا وسلباً.
بعض هذه الأخطاء وقع فيها زميلنا وأخونا الأستاذ مسعود مزهودي في دراسته التي نال بها درجة الماجستير في جامعة القاهرة «الإباضية في المغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستميَّة إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب». وهو ما لم يساعده على تقديم صورة واضحة حقيقيَّة عن الإباضية في الجزائر. وقد قمنا بتقديم ملاحظات عن هذه الدراسة حين صدرت (1). وقد عمل أخي الأستاذ بهذه الملاحظات بعد أنْ حاول الردَّ عليها (2) وأعاد النظر في دراسته تلك، فجاءت محاولته الثانية مختلفة كثيراً عن الأولى من حيث الدقَّة في سرد الأحداث، والتروِّي في نقل الأخبار والوقائع، وحسنِ الاستفادة من المصادر والمراجع، والتأنِّي في التأويل والتفسير ... وقد امتازت هذه الدراسة بالجدِّية، وهي تعدُّ - بعد التعديل - بحقٍّ إضافة مهمَّة في تسجيل تاريخ الإباضية بخاصَّة، والتاريخ الإسلامي بعامَّة. ويمكن إجمال ذلك فيما يأتي:
1) بيَّنت هذه الدراسة مدى انتشار المذهب الإباضي في مختلف مناطق الجزائر، وفضل أتباعه الكبير في تاريخ المغرب الأوسط. وذلك في شتَّى المجالات؛ الفكريَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة.
في الجانب الثقافي والفكري أبرزت الدِّراسة الفعاليَّة التي عرفها الإباضية في التعليم والتأليف وتطوير الفكر الإسلامي، وخدمة الثقافة الإسلامية بعامَّة. والقيام بنشر ذلك في الجزائر وخارجها.
وفي الجانب الاجتماعي بيَّنت أنَّ للإباضية عملاً كبيراً في ربط أبناء المذهب برباط اجتماعي متماسك من خلال الأنظمة المقترحة والمعتمدة لتسيير الحياة، ومن خلال الهيكلة المحكمة التي تتميَّز بالشَّكل الهرميِّ، يكون المسجد في قمَّته دائماً؛ لتكون له الهيمنة والإشراف، ومحاولات جادَّة لإيجاد علاقات وطيدة بإخوانهم في الإسلام. من ذلك الإيماء لهم بالسير في طريقهم، ونهج نهجهم في المجال الاِجتماعي.
وفي المجال التجاريِّ أثبتت أنَّ للإباضية علاقات تجارية مع غيرهم داخل القطر الجزائري وبعض المناطق العربيَّة والإفريقية. وقد كانوا يستغلُّون التنقُّل للتجارة في نشر الإسلام. يقول: الأستاذ مسعود مزهودي «لم يكتف الإباضية بنقل سلعهم فقط، بل نقلوا كذلك أفكارهم ومذهبهم الديني، فالمصادر الإباضية تذكر أنَّ للتجار الإباضية دوراً كبيراً في نشر الإسلام في ... بلاد السودان».
كما أبانت الدراسة عن الظروف الصعبة التي عاشها الإباضية، فأبرزت شدَّة مقاومتهم لها، وقوَّة تحدِّيهم وصدقهم في المحافظة على مبادئهم، التي هي مبادئ إسلامية.
هذه الإشارات وَسَمَت هذه الفترة أو الحقبة من تاريخ المسلمين بالمهمَّة؛ لذا يجب
__________
(1) - ينظر مجلَّة المجاهد الأسبوعي (الجزائر) ع: 1508 - ع: 1523. ومجلَّة النهضة (سلطنة عمان) ع: 433، 434، 437. كما قدَّم له أستاذنا الشيخ محَمَّد بن بابه الشيخ بالحاج ملاحظات أخرى.
(2) - ينظر مجلَّة المجاهد الأسبوعي، ع: 1514.
(1/6)
الكشف عنها لربط حلقات التاريخ الإسلامي والحركة الفكريَّة الإسلاميَّة برباط محكم لإعادة صياغة الحاضر على أسس سليمة، تعين على التعارف والتفاهم والتقارب بين المسلمين.
2) كشفت الدراسة عن جانب من تاريخ الإباضية، الذي ما يزال مجهولاً لدى كثير من الناس بعامَّة، والمثقَّفين والدارسين بخاصَّة. وهو ما تسبَّب في عدم وضوح الرؤية عن هذه الفرقة الإسلاميَّة؛ رغم كونها أقدم مذهب إسلامي نشأ في الإسلام.
3) توفَّرت الدراسة على معلومات وحقائق مهمَّة، تدعو أبناء هذا المذهب إلى الاعتزاز بماضيهم وتراثهم، وبما حقَّقه وسجَّله أسلافهم من أمجاد، يجب الاطلاع عليه، والاضطلاع بالمحافظة عليه، والتطلُّع إلى الإضافة إليه. وتشير إلى أبناء الإسلام بعامَّة إلى الاعتراف بهذا الدور الكبير الذي قام به أقطاب هذه الجماعة من أعمال كبيرة في مجال إثراء الفكر الإسلامي؛ على عكس ما وصفهم به مَن لا يتحلَّى بخصال الباحث الحقيقيَّة، ومَن يرسل الكلام على عواهنه في كتاباته وأحاديثه.
4) اشتملت الدراسة على معلومات قيِّمة عن بعض المصادر الإباضية التاريخيَّة، التي -ولا شكَّ- تفيد الدارس الجاد، وتستثير الباحث الهاوي المخلص، وتغريه، وتغازله للاهتمام بها من أجل الاستفادة منها.
كما أنارت الدراسة قضايا مهمَّة كثيرة كضياع كثير من المخطوطات الإباضية، وتسجيل مشاعر الاستياء والإشفاق على وضعية بعض المخطوطات المزرية، التي تشكو حالات الاحتضار. وبيان أنَّ الكثير منها -المحقَّق- في حاجة إلى عمل أكثر جدِّية؛ لإخراجها بطريقة علمية ليستفاد منها.
وكوجود ثغرات وفجوات كثيرة في تاريخ الإباضية، تحتاج إلى ملء، وعمل جاد من أبناءِ المذهب بخاصَّة لاستدراك ما فات. وكتجاهل بعض المؤرِّخين لتاريخ الإباضية وتراثهم كابن خلدون، الموسوعة والمرجع في التاريخ، والموثّق في الكتابة التاريخيَّة. يقول الأستاذ مسعود مزهودي: «وعلى الرَّغم من أنَّ ابن خلدون أمدَّنا بمعلومات وفيرة عن البربر إلاَّ أنَّه تجاهل الإباضية تماماً، فلم يتحدَّث عن تأسيس (سدراته) بل تعرَّض للدَّولة الرُّستميَّة في فترات متقطِّعة، وكأنَّه لم يكن لهم أيُّ دور في تاريخ المغرب ... ».
وكتأويل الدَّارسين الخاطئ لبعض أقوالهم وآرائهم، وتفسير غير صحيح لبعض الأحداث التي وقعت لهم.
وكأنِّي بالمؤلِّف يحمِّل أبناء المذهب -وبكلِّ إخلاص- مسؤولية تصحيح التاريخ، والتعريف بالمذهب، وإنقاذ التراث.
5) تمتاز الدراسة بحسن التوثيق والإحالة، وكثرة المصادر والمراجع وتنوُّعها. وهو ما زاد البحث قيمة وأهمِّية. وهي بذلك تقدّم للباحث الجاد، الذي يجري وراء الحقيقة لذاتها، تقدِّم له خدمات جلَّى في موضوع الإباضية، حيث يجد بغيته في المادة العلمية.
6) تضمَّنت الدراسة معلومات خطيرة (مهمَّة) في حاجة إلى اهتمام وتحليل ومناقشة وإثراء من الباحثين، وبعضها يعدُّ وجهات نظر خاصَّة، ناتجة عن تأويل واستنتاج خاصٍّ ... أرجو من الدارسين مناقشتها. كقوله: «ولعلَّ كثرة الوافدين إلى
(1/7)
وارجلان هي التي جعلت الإباضية ينتقلون إلى وادي ميزاب، لأنَّ الإباضية يفضِّلون العزلة وعدم الاِختلاط مع أتباع المذاهب الأخرى ... »
وكحديثه عن الاِختلافات الفقهيَّة والفتن الداخليَّة، والفرَق المنشقَّة عن الإباضية. وإشارتُه إلى "الفرثية" على سبيل المثال تحتاج إلى توضيح ومناقشة (1).
ومن أمثلة ذلك ما ورد في الملحق رقم واحد: «لائحة نظام العزَّابة في وادي ميزاب في العصر الحاضر والمعمول بها في القرى السبع ... » وردت فيه معلومات في حاجة إلى مراجعة في المصادر الإباضية، وفي الواقع المعيش في وادي ميزاب حاليًّا، لأنَّها غير واضحة، وغير مفهومة على حقيقتها، كما أثبتت في الملحق. كما أنَّ الكثير ممَّا جاء فيها، وقع فيه تعديل ومراجعة، ثمَّ إنَّ المطَّلع -غير الإباضي- على هذا الملحق لا يستطيع فهم حقيقة ما يقصده الإباضية من ذلك التنظيم وتلك القواعد والشروط. والباحث لم يذكر مصدره حتَّى يمكن التحقُّق ممَّا أورده في الملحق.
خلاصة القول: إنَّ الدراسة مهمَّة ومفيدة للدارسين والباحثين عن الحقائق، والمتطلِّعين للمعرفة والتعرُّف على الإباضية، ففي الدراسة تعريف وإثارة قضايا وتصحيح مفاهيم، وتحميل مسؤولية. والحقُّ يقال: إنَّ زميلي الأستاذ مسعود مزهودي قد نذر نفسه وأوقفها في خدمة التاريخ الإبَاضِي. وقد تنقَّل في سبيل ذلك بين مختلف أماكن وجود الإباضية، وما يظنُّ أنْ يجد فيه تراثاً إباضيًّا. وقد زار عدَّة مكتبات في الجزائر وتونس، كما قام بزيارة لبولونيا، زيادة على اتصالاته العديدة بشخصيات كثيرة، وجلوسه إلى بعض المشايخ والأساتذة للتزوُّد بمعلومات تاريخيَّة في الموضوع. كما له في هذا المجال محاولات جادَّة: جمع النصوص والوثائق، وتحقيق بعضها، وترجمة أخرى ... كما أعدَّ مشروعاً سمَّاه «دائرة معارف عن الإباضية» وقد عرضه على جمعيَّة التراث للإثراء والشروع في تنفيذه. وهو الآن يعدُّ بحثاً حول الإباضية في جبل نفوسه لنيل درجة الدكتوراه. وهو يكاد يكون متخصِّصاً في الدراسات الإباضية.
أعانه الله ووفَّقه إلى مايخدم المعرفة العلمية والحقيقة التاريخية، وما يسهم في تصحيح التاريخ الإسلامي، ويساعد على وحدة الصف، ولمِّ الشمل، وجمع الكلمة والله في عونِ المسلم ما دام يسير في طريق الخير.
باتنة يوم الأحد 22 شوال 1414 هـ/03 أفريل 1994 م.
الأستاذ الدكتور: محَمَّد بن قاسم ناصر بوحجَّام
- - -
__________
(1) - يُرجعُ في هذا الموضوع إلى كتابيْ الشيخ علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلاميَّة، والإباضية دراسة مركَّزة في أصولهم تاريخهم.
(1/8)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدِّمة
يتناول موضوع البحث «الإباضية في المغرب الأوسط من سقوط الدولة الرستميَّة إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (296 - 442هـ) (909 - 1058م)».
وترجع أهمِّية الموضوع إلى سببين:
أوَّلهما: أنَّ الإباضية هي الفرقة الإسلامية الوحيدة التي استطاع أتباعها أنْ يؤسِّسوا دولة في طرابلس بزعامة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السَّمح المعافري، والتي دامت من سنة (140هـ - 757م) إلى سنة (144هـ - 761م)، ... ودولة في "تاهرت" دامت قرابة قرن ونصف قرن من الزمن (160 - 296هـ) (776 - 909م). (1)
وثانيهما: أنَّ هذه الفرقة خلَّفت لنا تراثاً فكريًّا قيِّماً لا زال معظمه مخطوطاً، ويحتاج إلى دراسة من ذوي الاختصاص، ويعدُّ هذا البحث محاولة لدراسة إباضية المغرب الأوسط دراسة علمية وباللغة العربية. صحيح إنَّ وارجلان كتبت عنها دراسات كثيرة، لكن أغلبها كانت دراسات اقتصاديَّة لبعض المستشرقين الذين درسوا تاريخ الجزائر من وجهة نظر معيَّنة إبَّان الاحتلال الفرنسي. كما كتب عنها «علي يحي معمَّر» ضمن سلسلة كتبه «الإباضية في موكب التاريخ». كما كتب عنها الدكتور: ابراهيم فخَّار بحثاً عنوانه: «الإباضية في شمال إفريقيا» باللغة الفرنسيَّة والذي يتناول الإباضية في المغرب بشكل عام. كما أنَّ معظم المؤرِّخين والدارسين ركَّزوا في أبحاثهم على الدولة الرستميَّة. (2)
ولهذه الأسباب رأينا أنْ تتناول هذه الدراسة إباضية المغرب الأوسط وبخاصة إباضية وارجلان وسدراتة في الفترة التي تلت سقوط الدولة الرستميَّة. وبذلك تكون هذه الدراسة تكملة للدراسات السابقة. وقد زار الباحث الكثيرَ من مكتبات الإباضية الخاصَّة سواء في الجزائر أو في تونس إلاَّ أنَّه لاحظ أنَّ أغلب المصادر التاريخيَّة
__________
(1) - الفرقة الأخرى التي استطاع اتباعها أنْ يؤسسوا دولة ــ ولكن في المغرب الأقصى ــ هي الصفرية، حيث أسسوا دولة بني مدرار في «سجلماسة» جنوب المغرب الأقصى (140 - 296هـ) (757 - 909م). انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج: 11 بيروت، 1968، ص: 267 - 271.
(2) - انظر:
1 - محمود اسماعيل عبد الرَّزَّاق: الخوارج في المغرب الإسلامي، دار العودة بيروت 1976.
2 - محَمَّد عيسى الحريري: الدولة الرستميَّة بالمغرب الإسلامي (حضارتها وعلاقتها الخارجيَّة بالمغرب والأندلس) دار القلم، ط3، الكويت 1987.
3 - بحَّاز ابراهيم بكير: الدولة الرستميَّة (دراسة في الأوضاع الاقتصاديَّة والحياة الفكريَّة) مطبعة لافوميك، الجزائر 1984.
(1/10)
غير موجودة. فمعظمها قد استولى عليه المستشرقون الذين كانوا يعملون في الجزائر إبَّان الاحتلال الفرنسي.
وقد حاول الباحث الاِتصال ببعض هؤلاء للاِستفادة من المصادر التي يمتلكونها دون جدوى. وكان أوَّلهم المستشرق الفرنسي «جون لوتيو Jean Lethilleux» الذي ألَّف كتاباً يتناول تاريخ وارجلان منذ ظهورها حتَّى القرن العشرين. وقد جاءت دراسته قيِّمة، كشفت الكثير من خبايا تاريخ الإباضية. فهو يؤرِّخ لسدراتة منذ بداية القرن الأوَّل الهجري (الثامن الميلادي)، معتمداً في ذلك على مخطوط يحمل عنوان: «كتاب البراهمي في سلوك المذهب الإبَاضِي»، والذي يتناول تاريخ الإباضية في بلاد المغرب بالتفصيل، يتألَّف من خمسة مجلَّدات. ويذكر أنَّ مؤلفه "سليمان بن ابراهيم بن بانوح" (293 - 407هـ) (905 - 1016م) عاش في مدينة سدراته. والغريب أنَّ هذا الكتاب النفيس لم تذكره المصادر الإباضية القديمة، ولم تنقل عنه. بل إنَّ البرادي الذي أحصى تآليف إباضية المغرب في كتابه "الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ به كتاب الطبقات" لم يشر إليه. كما أنَّ "لوتيو" لم يذكر المكان الذي وجد فيه هذا المخطوط. ويبدو أنَّه يملكه. وقد حاول الباحث الاتصال به مراراً دون جدوى.
والمعروف أنَّ معظم التراث الإبَاضِي ــ خاصة ما يتناول الجانب التاريخي منه ــ موزَّع بين عدد كبير من المستشرقين الذين استقرُّوا في الجزائر، واستطاعوا في ظلِّ الاستعمار أنْ ينهبوا كلَّ شيء حتَّى الكتب. فالمستشرق "سموقورزفسكي Z. Smogorzewski" اقتنى عدداً كبيراً من المخطوطات الإباضية. وتذكر المراجع الحديثة أنَّ هذه المجموعة توجد في جامعة "كراكوفا" ببولندا. وقد سافر الباحث إلى هذه المدينة لكن مدير المكتبة بها نفى وجود هذه المجموعة.
واستطاع الباحث أنْ يتَّصل بالمستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي Tadeusz Lewicki" الخبير في الدراسات الإباضية، والذي يعدُّ أحسن من كتب عن تاريخهم، فأخبرنا بأنَّ مجموعة "سموقورزفسكي" موجودة اليوم في جامعة "لفوف" ( Lwow) في الاتحاد السوفياتي سابقاً، ولم يسمح لأحد الاطلاع عليها.
ومن الأمور التي اعترضت سبيل الباحث في هذه الدراسة أنَّ الموضوع يتناول تاريخ جماعات، وليس تاريخ دولة. ولذلك فالعثور على مادة تاريخيَّة كافية تغطِّي جوانب الموضوع أمر صعب.
بالإضافة إلى أنَّ البحث في تاريخ الإباضية يعتمد بالدرجة الأولى - طبعاً - على المصادر الإباضية التي انفردت بالحديث عن هذه الجماعات، وأغلب هذه المصادر تنقل على بعضها البعض. كما أنَّ ضعف الإباضية في هذه الفترة التي تعرَّضوا فيها لشتَّى ألوان الاضطهاد، قلَّل من نشاطهم السياسي فعادوا إلى مرحلة الكتمان، حتَّى يجنِّبوا أنفسهم التقتيل. وأدَّى ذلك إلى إغفال المصادر السنِّية والشيعية لهم. كما أنَّ الإباضية في هذه الفترة لم يكونوا في حاجة للمصادر التاريخيَّة بقدر ماهم في حاجة لكتب الفقه خشية زوال مذهبهم الذي كافحوا من أجله الكثير، فلذلك قلَّت كتبهم التاريخيَّة.
وقد قسَّمنا الموضوع إلى مقدِّمة وخمسة فصول. تناولنا في الفصل الأوَّل انتقال الإباضية من تاهرت إلى وارجلان وسدراتة بعد سقوط الدولة الرستميَّة. فبدأنا بنبذة
(1/11)
تاريخيَّة عن مدينة وارجلان وسدراتة قبل سقوط الدولة الرستميَّة. ثمَّ تحدَّثنا عن فِرار الإباضية إلى هاتين المدينتين ومدن أخرى، ثمَّ تطرَّقنا إلى الاختلافات المذهبيَّة والفتن الداخليَّة التي حدثت في وارجلان، وأثرها على المجتمع الإبَاضِي، ثمَّ أنهينا الفصل بالحديث عن هجرة الإباضية إلى منطقة وادي ميزاب مع بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي).
أمَّا الفصل الثاني فخصَّصناه لدراسة علاقات الإباضية مع دول المغرب. فتحدَّثنا عن علاقاتهم بالفاطميين التي تميَّزت بكثرة الثورات كثورة النكارية وثورة الوهبية. ثمَّ تناولنا علاقاتهم ببني زيرى وبني حماد، وبإخوانهم في إفريقيَّة والمشرق.
أمَّا الفصل الثالث فقد خُصِّص للحياة الاقتصادية حيث تناولنا الأهمية التجارية لوارجلان وسدراتة ومواطن الإباضية الأخرى. وتحدَّثنا عن النشاط الاقتصادي فيها، والطرق التجارية في المغرب الأوسط خاصة الطرق التي تربط بين وارجلان ومدن المغرب كلِّه وبلاد السودان، والمبادلات التجارية بين مدن المغرب ووارجلان وبلاد السودان. وبيَّنا مدى امتداد نشاط الإباضية التجاري في المغرب الأوسط كله. ثمَّ ختمنا الفصل بالحديث عن المستوى الاقتصادي الذي حقَّقه نشاطهم التجاري.
وفي الفصل الرابع تناولنا بالدراسة نشأة نظام العزَّابة، فتناولنا شروط العضويَّة في مجلس العزَّابة، والآداب التي يجب أنْ يتَّصف بها الأعضاء، ومهام كلِّ عضوٍ، وأبرزنا الدور الذي لعبه هذا النظام في الحياة الاجتماعية.
أمَّا الفصل الخامس فقد خصِّص للحياة الثقافية، حيث تعرَّضنا إلى نظام التعليم عند الإباضية الذي يعدُّ جزءاً من نظام العزَّابة، وتناولنا بالتفصيل هذا النظام من حيث تصنيف التلاميذ والطلبة، والمشرفين على التعليم وأوقات الدراسة، وسير حلقة التدريس، وطريقة الامتحانات، ثمَّ ختمنا هذا الفصل بالحديث عن علماء الإباضية ودورهم في الحياة الثقافية، وما أسهموا به في حركة التأليف.
ولا يفوتني هنا أنْ أقدِّم الشكر الجزيل إلى كلِّ إباضية وادي ميزاب وعلى رأسهم "الحاج سعيد مَحمَّد أيُّوب" الذي وضع مكتبته الخاصَّة تحت تصرُّفي، وقدَّم لي كلَّ المساعدات الممكنة. كما أشكر المشرفين على مكتبة "القطب"الخاصَّة في "بني يزقن" بغرداية، ومكتبة الطلبة بمدينة "العطف" ومكتبة الإباضية في الجزائر العاصمة، وأشكر الحاج يوسف الباروني في جزيرة "جربة" بتونس. كما أوجِّه الشُّكر إلى المستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي" وزوجته "كوتيلا" اللذين استقبلاني في منزلهما أحسن استقبال، وزوَّداني ببعض أبحاثهما، كما زوَّداني بالنصائح والتوجيهات القيِّمة. كذلك أشكر المستشرق الفرنسي ( Pierre Cuperly) مدير مركز الأبحاث الكنسية بالجزائر العاصمة. كما لا يفوتني أنْ أوجِّه جزيل الشكر إلى أساتذتي الأفاضل بجامعة القاهرة الذين أشرفوا على هذه الدراسة وهم: الأستاذ الدكتور: "عصام الدين عبد الرَّؤوف الفقي" الذي يرجع له الفضل في تسجيل هذا الموضوع، والأستاذ الدكتور: "عطيَّة أحمد محمود القوصي" الذي تابع الباحث أثناء جمع مادة البحث. وأكثر الشكر، والعرفان بالجميل أوجهه إلى أستادي الفاضل الدكتور: "حسن أحمد محمود" الذي تابع الباحث في أصعب مرحلة وأهمِّها على الإطلاق وهي مرحلة الكتابة، وأعطاني من وقته الثمين ما أخرج البحث بهذه
(1/12)
الصورة. كما أوجِّه شكري إلى لجنة المناقشة التي تكوَّنت من الأستاذ الدكتور: "سعيد عبد الفتَّاح عاشور"، والأستاذ الدكتور: "حسن علي حسن"، ولا يفوتني في الأخير أنْ أوجِّه شكري الجزيل إلى زميلي الأستاذ: "محَمَّد ناصر بوحجَّام" والشيخ الفاضل: "محَمَّد بن بابه الشيخ بلحاج" الذيْن أبدَيا لي ملاحظاتهما القيِّمة. كما أشكر "جمعيَّة التراث" بالقرارة التي قدَّمت لي الدَّعم لطبع هذا الكتاب.
والله الموفِّق
تكوت في 2 - 4 - 1993م
(1/13)
تقييم المصادر والمراجع
1 - المصادر الإباضية:
«كتاب سير الأئمَّة وأخبارهم»: لأبي زكرياء يحيى بن بكر: يعتبر هذا المصدر من المصادر الإباضية الهامَّة ذلك أنَّ مؤلِّفه عاش في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وبداية القرن السادس الهجري (العاشر والحادي عشر الميلادي) في مدينة وارجلان، ثمَّ غادرها متَّجها إلى مدينة "تَامْلُسْت" التي تقع جنوب شرق تونس للدراسة على يدي الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي. وقبل وفاة شيخه بفترة قصيرة انتقل إلى وادي أريغ في المغرب الأوسط وسكن في قرية تسمَّى "تِينْ وَالْ". وفي سنة 474هـ (1081م) عاد إلى وارجلان ثانية واستقرَّ بها نهائيًّا. ويذكر أنَّه ألَّف كتابه هذا سنة 500هـ (1106م).
يتكوَّن المصدر الهام من جزأين، الجزء الأوَّل حقَّقه إسماعيل العربي سنة 1979م. أمَّا الجزء الثَّاني فقد حقَّقه عبد الرحمن أيُّوب وصدر عن الدار التُّونسيَّة للنشر سنة 1985م. ويعتبر هذا المصدر من المصادر الهامَّة التي لا يستغني عنها الباحث في التاريخ الإبَاضِي نظراً لأهمِّية الفترة التي عاصرها المؤرِّخ. وقد استفاد منه الباحث كثيراً وفي مختلف فصول الرسالة، فأعطانا معلومات تاريخيَّة مفصَّلة عن انتقال الإباضية إلى وارجلان. كما أفادنا بما كتبه عن ثورة الوهبيَّة في عهد بني زيري. إلاَّ أنَّه لم يعطنا أيَّة تفاصيل عن مدينة سدراته التي عرفنا أهمِّيتها وحضارتها الراقية من خلال الحفريات الأثرية التي أجريت ... بالمنطقة حديثاً.
«كتاب السير»: لأبي الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان بن عبد الله الوسياني (عاش في القرن 6 هـ / 12م). ويعتبر هذا المؤرِّخ خليفة لأبي زكرياء. ويعتبر كتابه (1) الذي يتكوَّن من جزأين موسوعة تاريخيَّة مكتملة للإباضية. فهو يتناول تاريخ الإباضية منذ الدَّولة الرستميَّة إلى عهده. وقد استفاد منه الباحث كثيراً خاصة تراجمَه المهمَّة لعلماء الإباضية، بالإضافة إلى تناوله الحياة الاجتماعيَّة والثقافيَّة في التجمُّعات الإباضية سواء في إفريقية أو في المغرب الأوسط، كما أفادنا في دراسة علاقات الإباضيَّة بإخوانهم، ودراسة حركة التجارة، والأسواق، والمبادلات التجاريَّة بين الإباضية وبلاد السُّودان. كما أفادنا كثيراً في دراسة الحياة الثقافيَّة من خلال وصفه لمجالس العلم، والمناظرات الفقهيَّة التي كانت تتمُّ في الحلقات العلميَّة. كما بيَّن لنا الدَّور الذي لعبه العزَّابة في الحياة عامَّة. غير أنَّ هذا
__________
(1) - توجد نسخة من المخطوط بدار الكتب المصريَّة تحت رقم: 9113ح. وقد اعتمد الباحث على نسخة لصاحبها الحاج سعيد محَمَّد أيُّوب بمدينة غرداية - الجزائر.
(1/14)
المصدر الهام لا يزال مخطوطاً إلى يومنا هذا. (1)
«الدليل والبرهان»: لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مياد السدراتي الوارجلاني (ت 570هـ/1175م). وهو أحد علماء الإباضية المشهورين في وارجلان. ألَّف عدَّة كتب في الفقه الإبَاضِي، نذكر منها كتاب "العدل والإنصاف في أصول الفقه" الذي يتكوَّن من ثلاثة أجزاء، وكتاب "مرج البحرين في المنطق والهندسة والحسابات"، وكتاب "الدليل والبرهان في عقائد الإباضية" الذي يتكوَّن من ثلاثة أجزاء. ويُعرف كذلك باسم "الدليل لأهل العقول". وبالإضافة إلى تآليفه الفقهيَّة والرياضيَّة، فقد كان شاعراً. ولا زالت قصيدته الطويلة المسمَّاة بِـ"القصيدة الحجازية" والتي يصف فيها رحلته إلى الحجِّ مخطوطة. وقد استفاد الباحث فقط من كتابه "الدليل والبرهان" حيث ذكر المسائل التي خالف فيها النكارية الوهبية. ولعلَّ أهمَّ كتاب لهذا العالم والذي لا يزال مفقوداً والمعوَّل عليه في كشف الكثير من غموض التاريخ الإبَاضِي هو كتاب "فتوح المغرب الأقصى" ويسمَّى كذلك "المُغرب في تاريخ المغرب" وهو كتابه الوحيد في التاريخ. وقيل: إنَّه موجود في إحدى مكتبات ألمانيا الشرقية إلاَّ أنَّه لم يعثر عليه هناك. ويعلِّق الإباضية أملاً كبيراً على هذا المصدر الذي يحتمل جدًّا أنَّه أرَّخ لمدينة وارجلان التي عاش فيها. ويرجَّح أنْ يكون هذا المصدر ضمن مجموعة "سموقورزفسكي" التي هرَّبها من الجزائر إبَّان الاحتلال الفرنسي، وهي الآن حبيسة في مكتبة جامعة "لفوف Lwow" في الاِتحاد السوفياتي. ولم يُسمح لأحدٍ بالاطلاع عليها حسب ماذكره لنا المستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي".
«طبقات المشائخ في المغرب»: لأبي العبَّاس أحمد الدرجيني (توفي في منتصف القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي). يتألَّف هذا المصدر الإبَاضِي الهام من جزأين. نشره إبراهيم طلاَّي دون تحقيق. وقد استفاد الباحث من هذا المصدر الشامل واعتمد عليه اعتماداً كلِّياً في مختلف فصول البحث لأنَّه أرَّخ للإباضية منذ نشأة المذهب الإبَاضِي في العراق. ورغم أنَّه ينقل كثيراً عن أبي زكرياء، إلاَّ أنَّه أتى بتفاصيل أكثر خاصَّة وأنَّ كتابه جاء بطريقة الطَّبقات، وميزة هذا المصدر أنَّه ذكر وصفاً دقيقاً لشيوخ الإباضية وعلمائهم، مبرزاً دورهم في الحركة الإباضية. وهذا ما أغفلته المصادر السنية والشيعية التي غالباً ما تتعرَّض للإباضية في حالة قيامهم بثورات ضدَّ الدول القائمة في بلاد المغرب. كما زوَّدنا هذا المصدر بمعلومات عن نشاط الإباضية في حركة التجارة. كما قدَّم لنا معلومات قيِّمة عن الحياة الاجتماعيَّة؛ ووصف لنا نشأة نظام العزَّابة بدقَّة كبيرة، ووضَّح دوره في الحياة الاجتماعيَّة. كما وصف حلقات العلم ونظمها.
«الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ به كتاب الطبقات»: لأبي الفضل بن القاسم ابن إبراهيم البرادي (عاش في القرن 9 هـ / 15م). ويتَّضح من عنوان هذا المصدر أنَّ
__________
(1) - حاول الأستاذ إسماعيل العربي تحقيقه سنة 1985م، وصدر جزء من المخطوط محقَّقاً عن ديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر، إلاَّ أنَّه شوّه المصدر لأنَّه اختار مقتطفات من المخطوط وحقَّقها في كتاب لا تتعدَّى صفحاته المائة، رغم أنَّ المخطوط تتجاوز ورقاته الثلاثمائة.
(1/15)
مؤلِّفه جعله ذيلاً وتكملةً لكتاب الطبقات للدرجيني، بإضافة ما أهمله هذا الأخير من أحداث. وختم كتابه بإحصاء تآليف أهل المغرب والمشرق. وقد أفادنا هذا المصدر فيما يخصُّ نظام العزَّابة، إذ أفاض في شرح قانون العزَّابة وآدابهم. كما أفادنا في الفصل الخاص بالحياة الثقافية، إذ أحصى لنا البرادي ما ألَّفه شيوخ الإباضية من كتب في مختلف أنواع العلوم. كما أفادنا في دراسة التعليم ومراحله وآداب حلقة العزَّابة، وفئات التلاميذ، والعلوم التي تدرَّس لهم.
«السير»: لأحمد بن عبد الواحد الشماخي (ت 928هـ / 1521م)؛ يعدُّ الشماخي من العلماء البارزين، ألَّف عدَّة تصانيف في مختلف أنواع العلوم. وقد اشتهر بكتاب السير الذي يؤرِّخ فيه للإباضية منذ نشأتهم في المشرق الإسلامي. فكتابه هذا هو موسوعة شاملة لتاريخ الإباضية. وقد ركَّز في كتابه على إباضية جبل نفوسة. وقد استفدنا منه استفادة جمَّة في مختلف ... فصول البحث.
«سير العزَّابة»: لأبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي (عاش في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي). ويتناول هذا المخطوط قانون نظام العزَّابة فقط. ولذلك فقد اعتمدنا عليه اعتماداً كلِّياً في الفصل الخاص بنظام العزَّابة.
وإلى جانب هذه المصادر التي اعتمدنا عليها اعتماداً كلِّياً هناك مصادر إباضية ثانويَّة اعتمدنا عليها أحياناً مثل مخطوط «سير مشائخ نفوسة» لمقرن البغطوري (عاش في القرن 6هـ / 12م)، والذي يؤرِّخ فيه لإباضية جبل نفوسة فقط، إلاَّ أنَّه أفادنا في حديثه عن تنقُّل علماء الإباضية بين مواطن إخوانهم، وسفر الإباضية للتجارة في بلاد السودان أو إفريقيَّة.
كما استفدنا من مخطوط «كتاب المعلَّقات» لمؤلِّفٍ مجهول في الحياة الاقتصاديَّة بحديثه عن الأسعار والأسواق، ومخطوط «كتاب الألواح» لأبي العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر الذي أفادنا بأخبار عن شيخ وارجلان في فترة البحث أبي صالح جنون بن يمريان. كما استفدنا من «عقيدة التوحيد» لأبي زكرياء يحيى الجناوني (توفي في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي) حيث أوضح لنا مراحل الإمامة عند الإباضية وشروطها. كما استفدنا من كتاب «سير الحلقة» لأبي عبد الله محَمَّد بن بكر مؤسِّس نظام العزَّابة ... (345 - 440هـ) (956 - 1048م) والذي ذكر فيه قانون العزَّابة وقوانين التعليم عند الإباضية. كما استفدنا من كتاب «فرق الإباضية الست وما زاغت به عن الحقّ» لأبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني حيث أورد لنا الفرق التي انشقت عن المذهب الإبَاضِي، وشرح آراء كلّ فرقة. كما استفدنا من «كتاب السير» لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471/ 1078م) خاصة في تناوله لنظام العزَّابة.
2 - المصادر السنِّية والشيعيَّة:
«عيون الأخبار وفنون الآثار»: للدَّاعي المطلق إدريس عماد الدين القرشي (ت 872هـ / 1467م). يعتبر القرشي من مؤرِّخي الشيعة، الذي أتى بوصف دقيق لقيام الدولة الفاطميَّة في بلاد المغرب. وقد اعتمدنا على السُّبع الخامس من هذا المصدر.
(1/16)
وهو الجزء الذي تناول فيه قيام الخلافة الفاطميَّة في بلاد المغرب، وانتقالها إلى مصر. فأفادنا بتفاصيله الدقيقة عن ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد، إذ تتبَّع قيام هذه الثورة وأرَّخ لها خطوة فخطوة، وهذا ما لم نجده في مصادر أخرى. كما ضمَّ المصدر وثائق هامَّة مثل خطب الخلفاء التي أوردها كاملة.
«معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان»: لعبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله الأنصاري المعروف بالدبَّاغ (ت 696هـ / 1196م). أفادنا كثيراً هذا المصدر خاصَّة الجزء الثالث والرابع منه عن انضمام مالكيَّة القيروان لثورة أبي يزيد، وأعطانا تفاصيل دقيقة عن تحضير المالكيَّة للثورة، وكشف لنا مدى ... كراهيَّة المالكيَّة للمذهب الشيعي، وأثرُ هذه الثورة على الأوضاع السياسيَّة ... والاجتماعية والاقتصادية.
«أخبار بني عبيد وسيرتهم»: لأبي عبد الله محمَّد الصنهاجي (ت 628 هـ / 1230م). أفادنا هذا المصدر خاصة في الفصل الثاني إذ أعطانا هو الآخر تفاصيل دقيقة عن ثورة أبي يزيد.
«كتاب العبر»: لعبد الرحمن بن خلدون (ت 808هـ / 1406م). يتَّفق المؤرِّخون على أنَّ ابن خلدون هو المصدر الأوَّل الذي يجب الاعتماد عليه في دراسة تاريخ المغرب باعتباره موسوعة تاريخيَّة شاملة. ورغم كلِّ ذلك فالباحث لم يستفد منه كثيراً سِوى أنَّه انفرد بالحديث عن تأسيس مدينة وارجلان، وأمدَّنا بمعلومات عن منطقة وادي ميزاب ووادي أريغ، وعن القبائل التي كانت تسكن هذه المناطق. ويلاحظ أنَّ ابن خلدون تجاهل الإباضية تماماً، حتَّى أنَّ تناوله للدولة الرستميَّة جاء موزَّعاً بين صفحات كتابه، ولم يفرد لها باباً مثل بقيَّة الدول المغربيَّة. كما أنَّه لم يكتب شيئاً عن مدينة سدراتة، وتطرَّق فقط إلى القبيلة، وحتَّى ما كتبه عن ثورة أبي يزيد جاء ملخَّصاً بينما نجد أنَّ ابن الأثير (رغم أنَّه مشرقي) اهتمَّ بها في كتابه أكثر من ابن خلدون.
«البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب»: لابن عذاري (توفي بعد سنة 721هـ / 1321م). يأتي هذا المصدر بعد ابن خلدون من حيث الأهمِّية التاريخيَّة ورغم ذلك فهو لا يؤرِّخ للإباضية عامَّة، وأفرد صفحات قليلة للحديث عن ملوك تاهرت. وقد أفادنا هذا المصدر فيما ذكره عن ثورة أبي يزيد وانضمام مالكيَّة القيروان إلى صفوفه، وعن تحوُّل بني زيري من المذهب الشيعي إلى المذهب السنِّي.
«الكامل في التاريخ»: لابن الأثير (ت 630هـ / 1233م). رغم أنَّ ابن الأثير مشرقيٌّ إلاَّ أنَّه قد اهتمَّ اهتماماً كبيراً بتاريخ المغرب. ويعتبر أحسن من كتب عن ثورة أبي يزيد بعد القرشي. فقد أورد تفاصيل دقيقة لم نجدها في مصادر أخرى سواء مشرقيَّة أو مغربيَّة.
«المغرب في ذكر بلاد إفريقيَّة والمغرب»: للبكري (ت 487هـ / 1113م). يعتبر كتاب البكري من المصادر الجغرافيَّة الهامَّة خاصَّة وأنَّه قريب من فطرة البحث، بالإضافة إلى اهتمامه الدقيق بوصف الطرق التجارية، والأسواق، وحركة التجارة، والسلع الصادرة والواردة، والأسعار والموازين والمكاييل، كما وصف المدن المغربيَّة وبلاد السودان وصفاً دقيقاً. وقد اعتمدنا عليه اعتماداً كبيراً في الفصل
(1/17)
الخاصِّ بالحياة الاقتصادية.
«صورة الأرض»: لابن حوقل (توفي في النصف الثاني من القرن4هـ/10م). أهمُّ ما يميز كتاب ابن حوقل أنَّ صاحبه عاش في فترة الدولة الفاطميَّة في بلاد المغرب. وقد أفادنا كثيراً في دراسة الحياة الاقتصادية في العصر الفاطميِّ حيث أتى بمعلومات دقيقة عن التجارة والمحاصيل الزراعية، وهو الذي أخبرنا باستعمال الصكوك في المعاملات التجارية.
«المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس»: للشريف الإدريسي ... (ت 548 هـ / 1154م) أفادنا في دراسة الطرق التجارية، والنشاط التجاري في بلاد المغرب والتبادل التجاريِّ بين مدن المغرب وبلاد السودان. وهو الجغرافي الأوَّل الذي ذكر بأنَّ أهل وارجلان كانوا يضربون الدنانير باسم بلادهم. كما أفادنا هذا المصدر بالدور الذي لعبته وارجلان في حركة التجارة.
«كتاب الجغرافية»: لابن سعيد المغربي (ت 685 هـ / 1286م). أفادنا هذا المصدر الجغرافي بمعلومات قيِّمة عن دور تجَّار وارجلان في تجارة العبيد. بالإضافة إلى أنَّه أخبرنا بأنَّ وارجلان كانت تتكوَّن من عدَّة مدن، وأنَّ قاعدتها هي مدينة "تمارية". كما أعطانا تفاصيل عن موقع "كوكو".
وإلى جانب هذه المصادر فقد استفدنا كثيراً من المراجع العربيَّة والأجنبيَّة خاصَّة الأبحاث التي قام بها المستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي" بالإضافة إلى ما كتبه فرحات الجعبيري وعوض محَمَّد خليفات عن العزَّابة، وما كتبه علي يحيى معمَّر عن الإباضية ضمن سلسلة كتبه "الإباضية في موكب التاريخ".
(1/18)
الفصل الأوَّل
الإباضية في وارجلان وسدراتة
1 - وارجلان وسدراتة قبل سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة.
2 - فرار الإباضية إلى وارجلان وسدراتة.
3 - الانقسامات المذهبية، والفتن الداخليَّة.
4 - انتقال الإباضيَّة إلى وادي ميزاب.
(1/19)
1 - وارجلان وسدراتة قبل سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة:
كانت وارجلان في القرن الثاني والثالث والرابع للهجرة (الثامن والتاسع والعاشر الميلادي) مركزاً هاماًّ من مراكز الإباضية في المغرب الأوسط. ولا يقصد بِ"وارجلان" اسم المدينة فقط، بل كذلك اسم المنطقة المحيطة بها.
هذه المنطقة التي تحدُّها شرقاً بلاد الزاب (1)، وغرباً منطقة وادي ميزاب (2) وجنوباً مدينة سدراتة وقراها. أمَّا شمالاً فلم نستطع تحديده نظراً لعدم وجود تجمُّعات سكنية تابعة لوارجلان. ويتبيَّن لنا ذلك من خلال المصادر الجغرافيَّة. فياقوت الحموي (ت 625 هـ) مثلا ً يذكر أنَّ وارجلان كورة بين إفريقيَّة وبلاد الجريد (3)، وأنَّ عاصمة هذه الكورة تسمَّى "فجوهة" (4). أمَّا ابن سعيد (ت 685 هـ) فيذكر أنَّ اسم قاعدتها تمَّاريَّة. (5) بينما يصفها الحميري (ت ق 8هـ) بأنَّها عبارة عن سبعة مدائن مسوَّرة حصينة قريبة من بعضها البعض (6).
وإلى جانب هذه المدن نذكر مدينة "أجْلُو" (7) وهي تقع قرب بلاد أريغ (8)،
__________
(1) - هي بلاد على طرف الصحراء قريبة من بلاد الجريد التونسيَّة تبعد عن القيروان بعشر مراحل، أهمُّ مدنها مدينة "طبنة" كان ينزلها الولاَّة في عصر اليعقوبي (ت 284 هـ) بالإضافة إلى مدينة "باغاية" ومدينة "بسكرة" التي تبعد عن قلعة بني حمَّاد بمرحلتين. وصف بلاد الزاب كلُّ من صاحب كتاب الاستبصار واليعقوبي بأنَّها كثيرة النخل، بها مدن كثيرة.
انظر. مؤلِّف مجهول: كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد، مطبعة جامعة الإسكندريَّة (د. ت) ص: 171، اليعقوبي: صغة المغرب المأخوذة من كتاب البلدان، نشره دي خوية بريل 1850، ص: 11.
(2) - تبعد منطقة وادي ميزاب عن وارجلان بـ: 190 كيلومتر في اتِّجاه الغرب. وتسمَّى كذلك منطقة بني مصعب نسبة لمصاب بن يادير من زناتة. وهي منطقة صحراوية جبليَّة. انظر: اطفيَّش: الرسالة الموسَّعة في تاريخ وادي ميزاب (مخطوط)، ورقة 25.
(3) - هي بلاد تعرف بهذا الاسم كما تعرف باسم بلاد قسطيليَّة، تضمُّ أربعة مدن هي نفطة وتوزر وقفصة وبلاد نفزاوة. انظر: مؤلِّف مجهول: المصدر السابق، ص: 155 - 156.
(4) - ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج 4، منشورات مكتبة الأسدي، طهران 1965، ص: 920.
(5) - ابن سعيد المغربي: كتاب الجغرافية، تحقيق إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعيَّة الطبعة الثانية الجزائر 1982، ص: 126.
(6) - محَمَّد بن عبد المنعم الحميري: كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عبَّاس مكتبة لبنان ط2 بيروت 1984، ص: 600.
(7) - تقع هذه المدينة قرب مدينة "بلدة عمر" ضواحي مدينة تقرت الحالية، والتي تبعد عن وارجلان بِ: 190 كيلومتر.
(8) - تقع بلاد أريغ شرق وارجلان طولها نحو مسيرة خمسة أيَّام بها حروث، ونخل كثير، ومياه كثيرة تنبع على وجه الأرض، ولها سوق كبيرة تعقد يوم الجمعة. وأرض تبعد عن أشير عاصمة بني زيري بمرحلتين.
انظر: الإدريسي: المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس، نشره دوزي ودي خوية، المطبعة الشرقية أمستردام 1969،ص:85،.ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 126.
(1/20)
التي وصفها الإدريسي بأنَّها «أرض متَّسعة وحروث ممتدَّة وفواكه وبساتين» (1). وبقربها تقع مدينة "تَجْدِيتْ" التي وصفها صاحب "رسالة العامَّة" فقال: «إنَّه كان فيها من أهل الدعوة ــ أي الإباضية ــ والعلماء والطلبة ما لم يوجد في غيرها» (2). وقصارى القول فإنَّ وارجلان كانت اسماً لإقليم كبير، عُرف بعدَّة أسماء في المصادر، مثل: وارجلان، واركلا، ... وارقلا، واقلان.
وتعتبر مدينة وارجلان من المدن الصحراوية القديمة في بلاد المغرب الأوسط. أمَّا سكَّانها الأصليُّون فهم الأثيوبيُّون أو القرمانيُّون الذين كانوا يسكنون وسط القارَّة الإفريقيَّة. (3)
وأمَّا وجود البربر في منطقة وارجلان، فيرجع إلى الغزو الروماني، والحروب الدينيَّة الدامية التي جرت في بلاد البربر، ممَّا تسبَّب في هجرة البربر إلى هذه المدينة. يذكر كلٌّ من التيجاني والقلقشندي أنَّه بعد الحروب تلك الدامية، وقع الصلح بين الرومان والبربر على أنْ تعود المدن والبلاد الساحليَّة للروم والجبال والصحاري وأطراف البلاد للبربر. (4)
ويضيف اليعقوبي أنَّ عدداً من قبائل البربر هاجرت سجلماسة قادمة من إفريقيَّة، وخصَّ بالذكر قبيلة نفوسة ولماية، أمَّا قبيلة "لمطة"، فقد هاجرت ــ كما يقول: ــ إلى جبال "هكان" (5).
ويذكر ابن خلدون في حديثه عن مواطن قبيلة هوارة (6) أنَّ منهم من غادر نواحي طرابلس التي سكنوها أوَّل الفتح إلى الصحراء، وجاوزوا "لَمْطَة" من قبائل الملثَّمين فيما يلي بلاد "كَوْكَوْ" (7) من السودان. ويضيف بأنَّ اسمهم يعرفُ بِ
__________
(1) - الإدريسي: نفس المصدر، ص: 85.
(2) - عبد الله بن يحيى الباروني: رسالة سلَّم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمَّة الدِّين، مطبعة النجاح، القاهرة 1324هـ ص: 24.
(3) - ... Le gouverneur général d’Alger: Notes pour servir à

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *