الأعمال الكاملة لبدر العبري ج 1

الأعمال الكاملة لبدر العبري ج 1

 





الكتاب : الأسرة نظرة نقدية تحليلية لعاشور كسكاس
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
الأسرة
نظرة نقدية تحليلية
إعداد : عاشور بن يوسف كسكاس
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة :
الحمد لله رب العالمين ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، ونصلى ونسلم على رسوله الأمين ورحمته المهداة لخلقه أجمعين صلوات الله عليه وسلامه، وبعد:
فكثيرا ما يشغل بالي موضوع الأسرة ، ذلك المحضن الدافئ الذي نشأت فيه ، وتلك الخليَّة الصغيرة التي درجتُ فيها ونعمتُ بحلاوة السعادة في أحضانها حتى أصبحتْ جزءا من كياني ، بل استكنَّ وجودُها في أعماقي ، بمكوِّناتها وعناصرها .. بأحداثها وتفاعلاتها .. هذه هي الأسرة التي استقرت في وجداني وأخذت مساحة من تفكيري .
كنت كثيرا ما أرجع بذاكرتي إلى الوراء ، وإذا بالصُّوَرِ والمشاهد تتوالى عليّ لتلك الأسرة التي عشت في أحضانها ، وذلك المجتمع الذي درجت تحت ظلاله ، في مشاهدَ متسارعةٍ و حلقات متتالية لاتتوقف ولا تنتهي ، قد تغيب أحيانا لدى انشغال البال ببعض الهموم ثم سرعان ما تعود إليَّ .. عاداتٌٌ وتقاليد قديمة عتيقة لكنها تعبق بعبير الماضي التليد .. روابطُ وصِلات ووشائج وقرابات تعرب عن تاريخ عتيد صنع الأمجاد ، ونقش الرجالُ على صخوره مواقفَ المجد .. تكافلٌ اجتماعي منقطعُ النظير على الرغم من ضيق اليد وضعف الحال .. مبادئُ أخلاقيةٌ مقدسة تحكم علاقة الفرد بالأسرة والأسرة بالمجتمع ،علاقة الصغير بالكبير ، والمرأة بالرجل ، والجار بالجار. الجميع يشكل تلك الخلية المتكاملة المتماسكة ولو إلى حين .
هكذا تتراءى لي الصورُ والمشاهد وأنا أُلقي نظرة إلى الماضي ، وأرسل طرفي في أعماق التاريخ أستلهم منه معاني الخير الذي سطره الأولون ، وكأنَّ المجتمع أسرةٌ كبيرة مترابطة الأجزاء ، يسير على نسق واحد وفي مسار واحد ، ونحو هدف واحد .
(1/1)
وفي أحد المشاهد تظهر لي سلطة الأب الذي يدير الأسرة بقبضة من حديد ودورالجميع السمع والطاعة . فلا عجب فهو سيدها والقيم عليها .
وفي مشهد آخر تبدو لي علاقة الصغير بالكبيرتحكمها معاني الإكبار والتقدير ، وعلاقة المرأة بالرجل ، وهي في كل حركاتها وسكناتها تعبر عن تسليم الأمر كله لسيد البيت والقيِّم عليه ، حفاظا على البيت من الانهيار، وحفاظاعلى الصغار من الانفلات ... وهكذا تمضي الحياة في رتابتها وثباتها ، هادئة بحلوها ومرِّها ، بعيدة عن المنغِّصات ، خالية من التعقيدات .
بهذا المنهج التقليدي -على عِلاَّته – رأيت الناس متقاربين في السراء والضراء ، في الأفراح والأتراح ، وفي كل المناسبات وعلى هذه الوتيرة تمر الحياة وتتعاقب الأجيال، وتتسارع الأزمان، وتتفاعل الأحداث .
ثمّ يأتي عصر "التنوير والتثقيف" وتتغير الأمور، وتجري الرياح بما لاتشتهي السفن وينهار ذلك البناء التقليدي الشامخ ، وتنتهي سلطة الفرد على المجموعة الصغيرة ، ويتنازل الرجل عن سلطاته وسطوته مكرها أو مختارا ، وينفرط العقد الذي كان متماسكا قبل حين .
يأتي الانفتاح الاجتماعي ، وتهب على المجتمع رياح التثقيف والتعليم ، وتتطور الحياة المادية ، وتكثر الحاجات والرغبات وتتغير الحياة ، لكن إلى أين ..؟
يتغير شكل الأسرة تماما ، وتتوزع المسؤوليات من جديد ، وتنهار سلطة الواحد ، وتتوزع السلطات و الأدوار من جديد .
لم يعد الرجل ، ربًّ البيت وراعيه وحدَه الذي يعمل ويكدح ويجلب الرزق للأسرة ، فللمرأة نصيب وافر من ذلك .
لم تعد الكلمة الأولى والأخيرة له وحده في البيت ، بل تعددت الآراء وتنوعت الأصوات . فللزوجة رأي ، وللأبناء آراء ، وكذلك بالنسبة للبنات .. قد تكون متوافقة ، وقد تكون متداخلة أو متناقضة ، لايهم .. المهم حرية التعبير وإثبات الذات .. فسيفساء من الآراء والمواقف و" موزاييك" من المشاهد والصور .. ... .. وماذا بعد ذلك ؟!.
(1/2)
هل حافظ هذا التغيير على تلك الروابط والوشائج؟
أم انهار ذلك البناء بخيره وشره ، وانفرط عقده وأصبحت "التعددية" لعنة على الفرد والأسرة والمجتمع ؟.
فلا الصغير يَصدر في أقواله وأفعاله من الكبير ، كلّ على حاله وحسب أهوائه واختياراته .
ولا المرأة تتحرك وفق توجيهات زوجها وتبعا لأوامره .. و"عاشت الحرية" .. وغابت الذاتية والتسلط .. فالناس سواسية كأسنان المشط ولو اختلفت الأجناس والتخصصات وتباعدت الأعمار والأقدار؟
هذا ولكل قاعدة استثناء ، فإذا كانت الأسرة ـ النموذج الأول ـ تبدو متماسكة البنيان فلا يخلو أمرها من ثغرات ، ولا ينجو جدارها من تشققات . وإذا بدت لنا الأسرة الحادثة على هيئة من التفكك والانحلال فلا يخلو أمرها من جوانب الخير. ولا تعدم الأسرة البركة في السابق واللاحق ، لكننا نطمح إلى المزيد من الخير والصلاح ونصبو إلى تحقيق الأفضل لنضمن المزيد من السعادة للأسرة المنشودة .
وبقدر الوعي الصحيح تقِلُّ الأخطاء ويتحقق النماء .
وبقدر الإخلاص لله والعودة الصادقة لشرعه تنزل البركة في الأعمال ونفوز بتأييد الله ورضاه .
الأمر ليس سهلا كما يظنه الكثيرون ممن فقدوا معايير التقييم الصحيح ، ولكنه ليس مستحيلا أمام أصحاب العزائم العالية وذوي الهمم القوية الصامدة إذا خلصت النيات .
وهنا نسأل : هل يمثل النموذج الأول الصورة الصحيحة للأسرة ؟ ثم أيضا نسأل : هل النموذج الثاني الجديد بدعة مستحدثة أطلت على المجتمع دون سبق إعلام ؟
أم أنه يمثل التجديد المطلوب الآن ، وهو القادر على تحقيق حاجات الإنسان ومطالبه؟
ونعود للسؤال مرة أخرى : هل النموذج الأول شكل من أشكال التعسف والتسلط وإلغاء الآخروتفرد الرجال بالقرارات دون سواهم ؟ وهل هو صورة معتمة قاتمة عن الأسرة نال منها التقادم والبِِلى ما جعلها تنهار بسهولة أمام كل حادث وجديد ..؟
(1/3)
من خلال هذا البحث الصغير سأحاول الغوص في أعماق الموضوع ، وأتتبع حركات الأسرة وهي تصعد أحيانا وتنزل أخرى .
ومن خلال العودة إلى الأسرة في أيامها السالفة والمعاصرة أحاول أن أميط اللثام على التطبيقات المشرقة وأزيل الصدأ الذي غطى بهاءها وأفقدها رونقها وروعتها لنستلهم منها نموذجا صحيحا للأسرة في حياتنا المعاصرة .
وسأحاول أن أكشف عن الأعطاب التي أصابتها ،وعن أسبابها ليتسنى لنا وصف الدواء وإيجاد البديل الصحيح .
هذا جهد المُقِلِّ .. أفكار أطرحها ، وآراء أعرضها للشباب الصاعد الطامح إلى حياة هنيئة وأسرة سعيدة لعله يجد فيها شيئا مما ينيرله الطريق في هذه الحياة المدلهمة ، ويساعده على بناء حياة ينعم فيها بالدفء والسكن والمودة .
هذه تجربة تنبع من قلب مفعم بالحب لكل مسلم ، أقدمها هدية للشباب المؤمن الصادق التقي . سائلا المولى عز وجل أن يجبر نقصها و أن يضاعف لي حسناتها ويتجاوز لي عن سيئاتها إنه أهل التقوى وأهل المغفرة ، وهو نعم المولى ونعم النصير { إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } (1)
والحمد لله رب العالمين .... مسقط : محرم 1425 هـ / مارس 2004
أبورضوان .
المبحث الأول : الإنسان في ميزان الإسلام .
أولا : العلاقة بين الرجل والمرأة :
( في نظر الإسلام و التشريعات الوضعية )
لست أدري كيف تكون حياة بلا زواج ولا أسرة ؟!
وهل يكون تواصل وبقاء لهذا الإنسان على هذه البسيطة دونه ؟.
وهل يمكن أن يكون للحياة متعة خارج إطاره ؟!
الإسلام العظيم شرع الزواج ، ونظم علاقة الرجل بالمرأة بطريقة محكمة دقيقة تضمن التوازن في هذا الكون وتحفظ له استقراره.
اعتبر الإسلام الزواج نموذجا حيا لمؤسسة إسلامية تقوم على أركان متينة، وله سقف وقاعدة ، فيها يضمن الإنسان لنفسه من الدفء والسعادة ما يحميه من الاندثار والذوبان .
__________
(1) : هود 88
(1/4)
وهذا القرآن الكريم يحرض على الزواج ، ويرغب فيه ، ويسن له قوانين ، ويشرع له ضوابط وأحكاما وآدابا ، ويجعله سببا لكل استقرار ، وموئلا للسكن والأمن النفسي وراحة البال والمودة . قال تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً
لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (1)
وقال أيضا: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } (2)
كما حث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الزواج في أحاديث عدة ، منها :
" يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج" (3)
وقوله عليه السلام :" تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" (4) وفي حديث آخر: " تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة " (5) . وفي رواية عن أبي هريرة :" انكحوا فإني مكاثر بكم " (6) . إن الزواج تشريع رباني عظيم ، يهدف إلى تحقيق التوازن في الانسان . والتوازن عنصر جوهري في حياته ، ومشكلةجوهريةكثيرا ما تطرح حولها أسئلة محيرة: كيف يوفق الإنسان بين تطلعاته وأشواقه الروحية ، وبين حاجاته المادية ؟
ثم ، كيف يحافظ على العفة دون أن يتخلى عن الحب ودون أن يحرم من لذة السكن الروحي والنفسي ؟
وكيف يُضبط الحب الجنسي لإنسان لا يمكن أن يكون حيوانا ولا يستطيع أن يكون ملاكا ؟
الإسلام الحنيف يجيب على هذه الأسئلة ، بل ويشرع للرجل والمرأة على السواء المنهج السليم لتحقيق ما يصبو إليه هذا الإنسان من سعادة في هذه الحياة الدنيا .
__________
(1) - الروم 21
(2) - النور 32
(3) - رواه مسلم و النسائي . وذكره ابن حجر في الفتح : 9/ 5066 باب :"من لم يستطع الباءة فليصم."
(4) - ابن ماجه : نكاح 1 . أبو داود نكاح 3 . النسائي نكاح 11
(5) - أخرجه عبد الرزاق والبيهقي .
(6) - سنن ابن ماجه ( 1863 )
(1/5)
وأين الأديان الأخرى من هذا التشريع الرباني العظيم. بل ، وأين التشريعات الوضعية والمحاولات البشرية من هذه الرؤية الفاحصة العميقة . ولو ألقينا نظرة سريعة على كل التشريعات الأرضية لرأينا فيها التداخل والتناقض وغلبة الأهواء . وهي في مجموعها لا تحفظ توازنا ، ولا تسد خللا ، ولا تقيم مجتمعا قويا مترابطا متكاملا.
المناهج الوضعية : تناقض وضياع :
وفي عرض سريع للرؤى الوضعية في هذا الموضوع نجد ما يلي:
* أما المسيحية (1) ، فهي تنظر إلى الزواج من زاوية واحدة فقط . ترى أن الدين يتطلب العفة المطلقة . ولا يتم ذلك إلا بالرهبنة وترك النساء مطلقا.
لا زواج في المسيحية الأصلية ، وقد دعي الرجل إلى العفة المطلقة .
" لقد أمرتم بألا ترتكبوا فاحشة الزنا . وأقول لكم :كل من ينظر منكم إلى امرأة بشهوة فقد زنا بها في قلبه " (2)
هذه التعليمات تحث الإنسان على النضال من أجل العفة المطلقة . أي أنه لا يحق للرجل أن يمس المرأة مطلقا ولو بنظرة خاطفة تعقب شهوة في النفس . وهذا يخالف طبيعته التي خلق عليها .
يقول القديس بولس في إحدى رسائله تحريضا على هذا المبدإ وتنفيرا من الزواج :
" إن غير المتزوجين معنيون بالرب كيف يرضونه . وأما المتزوجون فمعنيون بالدنيا ، أي كيف يرضون زوجاتهم" (3)
لكن سرعان ما تتنازل المسيحية عن موقفها أمام الضرورة البشرية . فتقر بالزواج وتسمح به باعتباره شرا لا بد منه ، هذا في الدرجة الثانية التي تلي درجة الامتناع المطلق عن الزواج .
__________
(1) - المسيحية تشريع سماوي لكنه تعرض إلى عملية كبيرة من التحريف حتى غلبت عليه الأحكام الوضعية .
(2) - إنجيل متى :ج5: 37/38
(3) - العهد الجديد
(1/6)
" من الخير للرجل ألا يلمس امرأة " (1)
وعند الممارسة في الواقع المعايش تتنازل المسيحية مرغمة وتضع مبادئ ضيقة في حدود صارمة .
يقول بولس :" ولكن ، لكي يتجنب (الرجل) الوقوع في الزنا فلا بد أن يكون للرجل امرأة ، وأن يكون للمرأة رجل " .
فالزواج عند المسيحية ليس حلا قائما على أساس من مبدأ كما هو الشأن في الإسلام ، لكنه حل فرضه الواقع " أن تتجنب الزنا "
على حد قول القديس بولس (2) وهذاتنازل عن المبدإ أمام ضرورة الممارسة في واقع الحياة.
وقد شهدت نظرية منع الزواج عند المسيحية تطورا متطرفا عند البعض وصلت إلى حد الخصي (3) .
__________
(1) - بولس ( القديس ) "رسول الأمم " من أعظم رجال التاريخ المسيحي . ولد في طرسوس في آسيا الصغرى . درس في القدس ونشأ نشأة يهودية . تحول إلى المسيحية وعمل في سلكهم وأصبح أنشط المبشرين بالمسيحية في القرون الأولى . حكم عليه بلإعدام من طرف اليهود وقطع رأسه بالسيف لأنه روماني . تتلخص آراؤه في الرسائل .( انظر العهد الجديد ) . وتعتبر جزءا من الكتب المنزلة . ( راجع الموسوعة العربية الميسرة ص : 440 ، دار النهضة ، لبنان ، المجلد الأول .
(2) - سبق التعريف به .
(3) - الخصي : خصاه خصيا وخِصاء : سلَّ خصيتيه ونزعهما ، فهو خاص . وقد نهى الإسلام عن فعل ذلك في أحاديث كثيرة للرسول - صلى الله عليه وسلم - .
(1/7)
والكنيسة نفسها لم تحرم الإخصاء إلا في آخر القرن التاسع عشر.كما وقعت محاولة لإلغاء عزوبة القسيس فرفض الفاتيكان هذه المحاولة .هذا من ناحية المبادئ، أما من ناحية الواقع فلم تنجح هذه المحاولة وبقي الأمر على ما هو عليه من ممارسة العمل الجنسي بطرق مستترة أحيانا ، وبأشكال متعددة تحت شعارات متنوعة أحيانا أخرى. (1)
* أما الزواج في نظر المادية الشيوعية فلا ضوابط له . (2) وهو على نقيض الكنيسة تماما . أو لعله أخذ منحى غريبا .
يقول أنجلز (3) :"كل امرأة لجميع الرجال ، وكل رجل لجميع النساء".
فالمادية كمبدأ تسمح بالحرية الجنسية كاملة ، وترفض الزواج ، لكن لسبب مختلف تماما عما عرفناه عند المسيحية .
"كل امرأة لجميع الرجال وكل رجل لجميع النساء". هذا هو مبدأ المادية . فالزواج الفردي منظور إليه باعتباره إخضاع جنس للجنس الآخر، وهو سبب الصراع الطبقي .
__________
(1) 14 - وكثيرا ما تطالعنا وسائل الإعلام عن الجرائم الجنسية التي يرتكبها رجال الكنيسة في السر تكشفها الأيام من حين لآخر . من ذلك تلك الأحداث التي طفت على السطح في قضية القس الذي ارتكب جرائم جنسية فضيعة في أميركا ، وقد بلغت القضية الفاتيكان وزارها وفد أمريكي للاعتذار وحصرها في إطار محدود والتكتم عليها حفاظا على ماء الوجه وذلك سنة 2002م.
(2) - المادية الشيوعية هي نظرية مادية بحتة لا تخرج عن إطار المادة ، وهي من الإفرازات الفكرية لماركس .
(3) 16- فريدريك إنجلز ( 1820 – 1895 ) إشتراكي ألماني أسهم مع كارل ماركس في وضع أسس النظرية الاشتراكية الحديثة وفي صياغة البيان الشيوعي الشهير 1848 . ( انظر الموسوعة العربية الميسرة )
(1/8)
ولحل مشكلة الإباحية وما يترتب عليها من اتساع ظاهرة الأطفال غير الشرعيين ، يرى أنجلز أنه يجب العناية بجميع الأطفال على مستوى واحد. وبهذا يزول القلق من هذه الناحية . وكأن أنجلز هنا يرى أن هذه العناية حل لمشكلة الأطفال الذين تجهل أنسابهم . ولعل هذا الحل - في رأيه - يخفف من وطأة العار الذي يلحق بالمرأة وشرفها . (1)
وفي نظر الماديين فإن الرأسمالية تكبت العلاقات الجنسية من أجل أن تستخدم الطاقة الجنسية في ميادين أخرى .
كاستعمال المرأة في مجالات الترويج لموضات الأزياء وأنواع الزينة (الماكياج) والإعلانات لمنتجات الشركات وحفلات الرقص والغناء والترويج لدور الرذيلة وغيرها.
غير أن المذهب المادي نفسه لم ينجح في رفع لواء العزوبة والامتناع عن الزواج ، باعتبار الزواج قيدا وعبودية فرد لآخر، لذلك فقد تقهقر إلى الوراء . وبعد كثير من الخبرات السلبية مع الحرية الجنسية أعيدت في الاتحاد السوفييتي - سابقا - مؤسسة الزواج . وهذا اعتراف ضمني بفشل المنهج الذي يتبعه الماديون في مجال الزواج والأسرة .
وقد اتخذت المادية مبدأ الإباحية ورفع القيود عن الغرائز بناء على فلسفتها في الحياة القائمة على مبدأ :"السعي من أجل المتعة والهرب من الألم". وهو مبدأ الحياة الأساسي عند فلاسفة الفكر المادي .
__________
(1) 17 - وأي عار هذا ، والمرأة تعتبر نفسها حقا لكل الرجال.لكن الحقيقة غير هذه. فمهما حاولت هذه الفلسفات الوضعية الملحدة أن تطمس الفطرة التي خلق عليها الإنسان فلن تفلح. وتبقى المرأة تشعر في داخلها أن عرضها ينتهك وكرامتها تهدر. غير أنها لا تعي ذلك إلا بعد فوات الأوان. ويلاحظ كثيرا أن النساء في العالم الغربي أصبحن يطالبن بإعادة مؤسسة البيت ، ويسعين إلى الزواج القانوني .غير أن شعور المرأة الغربية بهذ ... ه الحاجات الملحة يأتي متأخرا وبعد فوات الأوان ، بعد أن تذبل زهرة شبابها .
(1/9)
وللمقارنة بين الفكر المادي والتشريع الديني فإننا نجد الهوة شاسعة بينهما في الوسائل والغايات :
فالمادية تؤكد دائما على ما هو مشترك بين الحيوان والإنسان ، بينما الدين يؤكد على ما يفرق بينهما .
والفكر المادي يقيم الوحدة (أو الاستمرارية) بين الحيوان والإنسان ، بينما الدين يعيد إقامة هذا الاختلاف .
وبما أن الحيوان لا نظام له في التزاوج والتكاثر فإن الماديين يرون ضرورة ذلك للإنسان .
وجاء الدين ليفرق بين الإنسان والحيوان . فالإنسان سيد هذا الكون ومستخلف فيه، فلا بد أن يكون مغايرا تماما للحيوان في الوظيفة والأداء والمبادئ والأهداف . هذا الحيوان الذي خلق مسخرا للإنسان ووسيلة لخدمته وإسعاده في هذه الحياة .
والفرق شاسع بين الإنسان العاقل المفكر المدبر ، وبين الحيوان الذي يفترس ، ويتسافد ، ويعيش في قطيع ، ويسعى إلى اللذة بلا ضوابط ويهرب من الألم .
قال الله عز وجل { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)5( وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)6(وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)7( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُون َ } (1)
ففي الآية استعراض لخلق الله الذي سخره للإنسان ، منها الحيوانات التي لا حياة للإنسان بدونها . فمنها ما هو للركوب و حمل الأثقال والزينة ، ومنها ما هو لتلبية ضرورات البشر من الأكل والشرب والدفء ، ومنها ما هو للترويح على النفس عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح.
لهذا خلقت الحيوانات ، للخدمة والتسخير، ولم تخلق للعبادة والتكليف .
__________
(1) 18 - النحل:5/8.
(1/10)
وفي آية أخرى جاء قوله تعالى : { وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ } (1)
لهذا خلقت الحيوانات ، فهل يمكن أن نسوي بين الجانبين؟!
ولا يسوي بينهما إلا من فسدت فطرته وانطمست بصيرته فعميت عن الحقيقة الساطعة والحجة الباهرة . وصدق الله العظيم القائل: { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } (2)
صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين المتقابلين ليتضح الفارق بينهما. - الفريق الأول كالأعمى لا يرى ، وكالأصم لا يسمع معطل الحواس .
- الفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع ، فيهديه بصره وسمعه .
القضية واضحة بيِّنة لا تحتاج إلى أكثر من التذكر. وهي بديهية لا تقتضي التفكير { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار ِ } (3) .
ثانيا :مكانة الرجل والمرأة في ميزان الإسلام
تشهد الدنيا كلها أن الرجل والمرأة هما عصب الحياة وشريانها. فهما ، وإن خلقا من نفس واحدة ، جاءا مختلفين متمايزين في الطبيعة الخَلقية والنفسية والوظيفية في الحياة ، إلا أنهما يتكاملان ويتطلعان إلى هدف واحد بتكاملهما . منها :
- بناء أسرة متينة البنيان قوية الأركان تحقق السعادة في الحياة .
- القيام بوظيفة التناسل والتكاثر لتحقيق استمرارية الحيلة .
- تحقيق الهدف الأسمى ، ألا وهو استخلاف الله في أرضه وعبادته بحق .
{ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } (4)
ولهذه الأهداف وغيرها وضع الإسلام الإنسان ، ذكرا وأنثى ، في مكانة سامقة ومرتبة عالية رفيعة .
__________
(1) 19- النحل:80
(2) 20 - هود: 24
(3) - الحشر 2
(4) 22 - النساء :1
(1/11)
إنه مقام الخلافة في الأرض والسيادة بين سائر المخلوقات .
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ً } (1)
فالإنسان هو السيد في هذه الأرض بدون منازع . بوأه الله عز وجل هذا المقام بعد أن هيأه لذلك . جعل فيه من الإمكانات الجسدية والقدرات الفكرية والعواطف الوجدانية مايؤهله لهذه المكانة ، وحمله من المسؤوليات ما تنوء بحملها الجبال الراسيات .
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } (2)
هذا هو مقام التكريم الإلهي لمن اختاره خليفة في أرضه. فقد كرمه بعد أن خلقه في أحسن تقويم وسواه على أجمل مثال :
- كرّمه بالفطرة التي تجمع بين المادة والروح ، وبين الطين والنفخة :
- { ( الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) } (3)
- كرّمه بالاستعدادات الفطرية التي تعطيه القدرة على السير في هذا الكون في مقام الخلافة والسيادة . { وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (4)
- كرّمه بذلك الاستقبال الذي حظي به في هذا الوجود ، بذلك الموكب من الملائكة يسجدون له بأمر الله تعالى .
- كرّمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزّل قرآنا يُتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
لكن هذا التكريم إنما حصل ليقوم الإنسان بما كلفه الله عز وجل به. أن يكون قيّماً على نفسه ،متحملاً تبعة تصرفاته في الاعتقاد والقول والعمل ، متحملاً جزاء ما يفعل من خير ، وعاقبة ما يصدر منه من سوء .
__________
(1) 23 -الإسراء : 70
(2) - الأحزاب : 72
(3) - الانفطار : 6/7
(4) - النحل : 78
(1/12)
قال تعالى: { يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (1)
وقال أيضا : { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُون َ } (2)
هذا هو الإنسان المتمثل في الزوجين الذكر والأنثى .
لكن ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، هل الذكر كالأنثى كما يدعيه دعاة المساواة بين الجنسين ؟ وهل المساواة بينهما تعني التسوية بينهما في كل شيء سواء بسواء؟ أم الأمر يختلف عن ذلك ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
ثالثا : وليس الذكر كالأنثى
تقوم الأسرة على جنسين مختلفين . { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى } (3)
"وهذا التمايز غير مرتبط بنقص كما يظن الجاهل، بل بقدرات مغايرة وظيفيا وبيولوجيا . وفي هذه القدرات العضوية لا يتساوى الجنسان ، لأنه لا مجال للمقارنة ، مثلا : بين بطن فيه طفل ، وبطن يستثقل وجبة دسمة ، وبين جهاز عضلي متطورفي جهاز مناعي ضعيف عند الرجل ، وبين جهاز عضلي بسيط في جهاز مناعي قوي عند النساء . وأخيرا ليس آخرا بين حجم جسدي وآخر ". (4)
__________
(1) - النور : 55
(2) - الروم : 44
(3) - آل عمران : 36
(4) - د. هاني يحيى نصري : الفكر والوعي بين الجهل والوهم والجمال والحرية . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . بيروت .
(1/13)
لكن تكاملهما يكمن في اختلافهما إذا ما أحسن الإنسان التصرف ووضع كل جنس نفسه في موضعه الصحيح . بل جاء الإسلام ليقرر التكافؤ بين الرجال والنساء ولم يقرر التساوي بينهم للأسباب التي ذكرناها آنفا . بل قد تبلغ المرأة من المكانة العالية بتوظيف قدراتها الباطنة في المجال التربوي مثلا ما لا يبلغه الرجال بقواهم الظاهرة وعضلاتهم المفتولة . فلا غرو ، فإن الصفات الظاهرة التي يتفوق بها الذكر على الأنثى والتي تُرى بالعين المجردة ، لا تلغي القدرات البيولوجية الباطنة للمرأة والتي تبرزها عين العلم لهذا المخلوق العجيب . وقد أبدى كثير من علماء الاختصاص استغرابهم من مطلب المساواة ، لا من التكافؤ مع الرجل من بعض النساء " اللواتي يردن أن يستبدلن بعظمة غريزتهن عقلا تافها كعقل الرجال " حسب تعبير "نيتشه " نفسه . (1)
فلو حاول الذكر ، مثلا أن يخرج عن سمته وطبيعته لما تم به التكامل مع الجنس الآخر . وكذلك الشأن بالنسبة للمرأة ، لو حاولت الخروج من طبيعتها الأنثوية لما وجد الرجل فيها ما يكمل نقصه ويحقق تكامله .
لذلك فقد شدد الإسلام على كل جنس أن يحافظ على جنسه وأن يدعم خصائصه ، وحذره من أن يُدخل على فطرته أو جسده ما يحوله إلى جنس آخر. فلعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال و اعتير ذلك الفعل كبيرة تخرج المرء من رحمة الله .
قال ابن عباس:" لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء " (2) . زاد أبو داود من طريق يزيد بن أبي زياد عن عكرمة : فقلت له : ما المترجلات من النساء ؟ قال :" المتشبهات بالرجال". (3)
__________
(1) - مرجع سابق . ص 132
(2) 32- جزء من حديث رواه البخاري :5886 ، باب :62 . فتح الباري: مجلد : 10 مكتبة دار السلام الرياض.
(3) 33- المرجع نفسه.
(1/14)
وفي رواية أخرى عن ابن عباس :" أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال" (1)
إن الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة كثيرة ومتنوعة وطبيعية جدا. فكل خلية من خلايا جسم المرأة تحمل طابعها ، وكذلك بالنسبة لأعضائها . وكل خلية منها تعمل لتحقيق أنوثتها وتدعيمها ، بل وحمايتها من الخروج عن طبيعتها . وكل خلية في جسم الرجل تعمل لتحقيق ذكورته وتدعيمها وحمايتها من الخروج عن طبيعتها. وكل عنصر في داخله أو في طبيعته يحمل نواقص لا يكملها إلا العنصر الآخر ، وجواذب تدعو الجنس الآخر للالتحام به ، وإكمال نقصه ، بحيث لا تهدأ نفس أي عنصر إلا في ظل العنصر الآخر . لذلك سارع الإسلام إلى سن الزواج الشرعي على أساس من التنظيم وبطريقة تحقق ذلك التكامل وذلك الامتزاج .
عن ابن أبي نُجَيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قدرأن ينكح فلم ينكح فليس منا " (2) ومن هنا أغلق الباب أمام العمليات العشوائية التي يسعى فيها كل عنصر للالتحام بالعنصر الآخر تحت تأثير التجاذب الغريزي .
شرع الإسلام الزواج ، وجعله سكنا وراحة ومودة . في كنفه تشعر المرأة بدفء الرجولة الصحيحة ، وينعم الرجل بدفء الأنوثة الطاهرة .
يقول الله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (3)
وقال أيضا : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } (4) . واللباس هنا في معنى الدفء والستر . أي أن هذه الصلة بين الزوجين تستر كلا منهما وتقيه .
__________
(1) 34 - سنن ابن ماجه .( حديث1904 . باب المخنثين .)
(2) - سنن الدارمي : ( باب الحث على التزويج )
(3) 36 - الروم : 21
(4) 37 - البقرة : 187
(1/15)
وقال - صلى الله عليه وسلم - :" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " (1) . وقد خص الرسول صلى الله عليه وسلم الشباب بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ.
جعل الإسلام النكاح سنة فطرية اقتضتها نواميس الحياة ، وعززها الوحي الإلهي ، وهوسنة من سنن الأنبياء ومن جاء بعدهم من الصالحين لما يترتب عليه من فوائد عظيمة .
جعله الله سكنا للنفس ، وراحة للبال ، ومتعة طيبة للزوجين . إذ لا يمكن للإنسان أن يسعد في هذه الحياة الدنيا إلا به .
ومن فوائده الكثيرة :
- كسر الشهوة وإحصان الفرج والحفاظ على الطهر.
- ابتغاء الولد لتستمر الحياة جيلا بعد جيل .
- تدبير أمور الحياة ليضطلع بها كل من الذكر والأنثى سواء بسواء ،كل بحسب اختصاصاته التي خصه الله بها .
- تحقيق التوازن في هذه الحياة ، وذلك بمجاهدة النفس وتحقيق الاستقرار لها .
إن في غياب شريعة النكاح يصبح الناس أشبه بالحيوانات . لا ضوابط ، ولاقيم ، ولامبادئ . عندها يفسح المجال للهمجية الجنسية ، فتشيع الفاحشة ، وتسود الإباحية ،وتضيع المكاسب فلا تجد النفوس استقرارها ، ولا تتمتع براحتها .
عندئذ تصبح معول هدم بدل أن تكون آلة للبناء وعاملا للإنماء.
لكن كيف يكون هذا الزواج ناجحا ليؤدي وظيفته المطلوبة منه على أكمل وجه ؟.
ثم ما هي الأسس التي يقوم عليها ، والقاعدة التي ينطلق منها ؟.
ثم هل للأمة وعي يكفيها للاضطلاع بهذه المهمة خير قيام ؟.
هنا نحاول أن نطرح القضية بمنهج تحليلي، وننظر إليها بعين النقد لاستخلاص الفوائد والعبر. ثم نحاول أن نطرح بعض البدائل (2) .
__________
(1) 38 - رواه البخاري :كتاب النكاح ، باب2 ،حديث:5065
(2) - البَدل من الشيء : الخلف والعوض . ج ، أبدال . البديل : العوض والخلف . ج ، أبدال وبدلاء . ( المعجم الوسيط ،
باب الباء ) .
(1/16)
من خلال تصور جديد لمنهجية بناء الأسرة السعيدة مستلهمين معانيه من روح القرآن الكريم وسنة المصطفى الأمين - صلى الله عليه وسلم - ، دون إهمال لتجارب الناس في هذه الدنيا وخبراتهم في واقع الحياة .
القوامة :
التعريف : القوَّام ، اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر . يقال : هذا قيِّم المرأة وقوَّامها ، للذي يقوم بأمرها ويهتمّ بحفظها . (1) القوَّام : الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه .
يقال : قوَّام وقيَّام وقَيُّوم وقَيِّم ، وكلها مشتقة من القِيام المجازي ، لأن شأن الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدبر أمره . (2)
القيِّم : هو الذي يقوم بأمر غيره . والقوَّام ، والقيَّام مبالغة منه (3)
تعليل القوامة : وقد أشارالرازي إلى أن الله تعالى لما أثبت للرجال سلطة على النساء ونفاذ أمرهم عليهن بيَّن أن ذلك معلل بأمرين :
أحدهما : قوله تعالى : { بما فضل الله بعضهم على بعض } وذكر أن حصول هذه الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة وغيرها .
وثانيهما : قوله عز وجل : { وبما أنفقوا من أموالهم } (4)
وقوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } (5) . تمثل الآية أصلا تشريعيا كليا تتفرع عنه الأحكام التي تلت هذه الآية مما أشرنا إليه في موضعه .
وقد منح الله عز وجل القوامة في المؤسسة الأسرية للرجل . ومن أسباب هذه القوامة :
- تفضيل الله للرجال بمقوِّمات القوامة وما تتطلبه من خصائص ودربة .
- تكليف الرجل بالإنفاق على هذه المؤسسة الأسرية .
__________
(1) - الفخر الرازي : التفسير الكبير . المجلد الخامس ، ص 90
(2) - مجمد الطاهر ابن عاشور : التحرير والتنوير ، ج 5 ص 37 الدار التونسية للنشر والتوزيع .
(3) - الطباطبائي : الميزان في تفسير القرآن . المجلد الرابع ، ص 343
(4) - الرازي : مرجع سابق . ص 90
(5) - النساء 34
(1/17)
- صيانة هذه المؤسسة من التفسخ ، وحمايتها من النزوات العارضة وطريقة علاج هذه النزوات ـ حين تعرض ـ في حدود مرسومة.
وقوله تعالى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } (النساء:34) ذو إطلاق عام ، أي مطلق الرجال يمتلكون ما يجدر بهم أن يتحملوا مسؤولية القوامة على عموم النساء ، ولا يختص الأمر بقوامة الزوج على زوجته فحسب .
وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الإنساني ، تبين لنا أن هذا التفضيل لم يكن
حادثا في زمان دون آخر ، بل ظهرت آثاره على مرِّ العصور والأجيال حتى اكتسب صبغة أحقية هذا الفضل للرجال على النساء ، لأن حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرة ، وإن كانت تقوى وتضعف بحسب الظروف المحيطة بها .
كما أننا لا ننسى أن الله تعالى قد اختص كل جنس بميزات تجعله يفضل بها على الآخر . فالرجال مثلا ، إن كانوا قد فُضِّلوا بزيادة قوة العقل فيهم، فإن النساء يفضلن على الرجال بقوة العاطفة فيهن . وهذا التفضيل جاء مناسبا لحياة النساء ، هي حياة إحساسية عاطفية مبنية على الرقة والعاطفة واللطافة .
ونحن هنا في هذا المجال لا نريد أن نؤكد على مشروعية قوامة الرجل على المرأة أو تثبيته ، فإن هذا مما جاء به النص الصريح ولا مجال لرده أبدا ، إنما بحثنا ينصب على بيان المعنى الصحيح للقوامة التي اختص الله تعالى بها الرجال على النساء . وإننا إذا تتبعنا ممارسات الرجال في هذا الإطار نراهم قد تعسفوا كثيرا في هذه القوامة ، وفسروها بما يخدم مصالحهم ويمنحهم السلطة المطلقة في التحكم في المرأة وحرمانها من كل الحقوق المشروعة .
فقد رويت آثار كثيرة تعطي صلاحيات واسعة للرجل على حساب المرأة وعلى حساب كرامتها أيضا ، وهذه النصوص تحتاج إلى إعادة النظر في نسبتها لقائليها ، كما تحتاج إلى إمعان النظر في تأويلها. من ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
(1/18)
ما نسب لعلي كرم الله وجهه أنه قال في المرأة :" لا تطلعوا النساء على حال ، ولا تأمنوهن على مال ، ولا تذروهن إلا لتدبير العيال . إن تُرِكن وما يُرِدن أوردن المهالك ، وأفسدن الممالك . ينسين الخير ، ويحفظن الشر. يتهافتن في البهتان ، و يتمادين في الطغيان " .
وقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :" أكثروا لهن من قول : لا ، فإن نعم تغريهن على المسألة . قال : أستعيذ بالله من أشرار النساء ، وكونوا من خيارهن على حذر " (1)
و جاء في موضع آخر ": ولا يعلَّم الخط امرأة ولا جارية ، فقد ورد النهي بذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تعلموا نساءكم الكتابة ولا تسكنوهن الغرف ، ولكن علموهن سورة النور " (2) وكأن المرأة هنا لا يعنيها من القرآن الكريم سوى سورة النور. والحال أنها مخاطبة بنص القرآن كله ، مثلها كمثل الرجل على السواء .
وقيل إن المرأة التي تتعلم الخط كمِثل الحيَّة تَسقي سما ". (3)
وجاء في رواية نسبت للرسول - صلى الله عليه وسلم - :"أعدى عدوِّك زوجتك التي تضاجعك وما ملكت يمينك " (4)
__________
(1) - المستطرف ، مرجع سابق .
(2) - د .علي زيعور : ميادين العقل في الفلسفة الإسلامية الموسعة ، ص334 المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت . كما أني بحثت عن مصدر لهذا الحديث فلم أجده ، وتتبعته في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث ولم أعثر عليه . هذا ومما يضعفه ، أننا نجده في بعض الكتب أثرا مرويا عن عمر بن الخطاب ، وما أظن رجلا عظيما مثله يتصرف مع المرأة بهذا الشكل ، والله أعلم .
(3) - مرجع سابق ، ص334 .
(4) - رواه اليلمي في مسند الفردوس عن أبي مالك الأشعري : ( نقلا من كتاب : كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتُهِر من الأحاديث على ألسنة الناس ص 168 . اسماعيا بن محمد العجلوني الجراح . مكتبة العلم الحديث ، الطبعة العالمية 2001 .)
(1/19)
وفي رواية أخرى ": استعينوا على النساء بالعُري ، فإن المرأة إذا عَرِيَت لزمت بيتها " (1)
بهذه النصوص وغيرها استطاع الرجل أن يحكم الخناق على المرأة ، ويخضعها لإرادته ، ويسخرها لمصالحه حتى أضحت بحكم التقادم الزمني حقا مكتسبا له . ولا أدلَّ على ذلك من واقع الأمة المرير في فترات الجهل والتخلف وغياب النظرة القرآنية من أذهان الناس .
إن هذه الصفات التي يتفاضل بها جنس على آخر هي من تقسيم الله عز وجل للجنسين كي يتم الاتحاد والتكامل . فلكلٍّ مواهب فطرية ، وحظوظ وقدرات ذاتية ، وطاقات عقلية ووجدانية . والله تعالى هو الذي وهبهم ذلك كله بإرادته واختياره وحكمه ، فلا معقب لحكمه عز وجل. وقد جاء التحذير للرجل والمرأة على السواء من الاعتراض على هذا التقسيم لأنه العدل كله ، فقال :
{ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } (2) . فضل الله عز وجل الرجل بفضائل وميزه بصفات الرجولة ، وفضل المرأة وميزها بسمات الأنوثة . وفي هذاالتفضيل لجنس على آخر يكمن العدل والتسوية في الخلق والروعة في التكامل . وقد شاء المولى عز وجل أن يجعل الزوجين في الإنسان شطرين للنفس الواحدة ، وهل يتحقق السكن للنفس وأحد الشطرين مُهان باستعلاء الشطر الآخر ، مستذل بالتعسف ، مستعبد بالطغيان ؟.
وهل تهدأ الأعصاب ، وتحصل الطمأنينة للضمير والراحة للجسد إلا في التكامل والنقاء ؟ وبذلك يتحقق الطهر والصيانة لتقوم بذلك خلية المجتمع الصغرى ، وتكون بذلك سببا للامتداد في الحياة والتواصل .
__________
(1) - رواه الطبراني في الأوسط عن أنس . وجاى برواية أخرى : ">:" استعينوا على النساء بالعري فإن إحداهن إذا كثرت ثيابها وأحسنت زينتها أعجبها الخروج " .( مرجع سابق )
(2) - النساء 32
(1/20)
إن حياة الرجال في حاجة إلى قوة في العقل والبدن ،وصلابة في الأعصاب تمكِّنهم من الخروج لكسب الرزق وتوفير المعاش ، كما تؤهلهم للقيام بوظيفة الحماية والرعاية الدائمة لأفراد الأسرة .
أما حياة النساء فهي تحتاج إلى أن تُمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها . فإن من وظيفتها أن تحمل وتضع وترضع وتكمل مشوار المعاناة مع ابنها الصغير حتى يكبر ويشتد عوده ويستقل بذاته . وهي وظائف ضخمة فطرية مغروزة في أعماق المرأة وليست هيِّنة ولا يسيرة . وهذا ما لا يقدر عليه الرجال لأنهم لم يُخلقوا لذلك . وكُل ٌّ ميسر لما خُلِق له .
ثم إن الله تعالى ربط هذه القيومية بشروط وضوابط :
1 - أمر الله تعالى الرجل أن يوظف طاقاته البدنية والعقلية في تعامله مع المرأة بالرحمة والمودة ، فقال : { وجعل بينكم مودة ورحمة } .
2 - وأقنعه أن المرأة تكمل شطره الثاني ، بل هي جزء منه فلا يقسو عليها ، ولا يوظف طاقاته البدنية لإذلالها واستصغارها فقال : { وخلق منها زوجها } .
وقال : { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } (1) أي لا تضاروهن في العشرة لتتنازل الزوجة للزوج عن حقوقها أو بعض منها على وجه القهر والإذلال . (2)
وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسَرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، وقد جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - :" واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع ، فاستوصوا بالنساء خيرا ". (3)
__________
(1) - النساء 19
(2) - قال ابن عباس : أي لا تضاروهن ، يعني الرجل له امرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به ( مختصر تفسير ابن كثير .ج 1 ص 368 ) مرجع سابق .
(3) - صحيح البخاري . باب الوَصاة بالنساء .الحديث رقم : 5185
(1/21)
وكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث يرمز إلى التعامل مع المرأة برفق يتناسب مع تركيبتها الجسدية والنفسية المائلة إلى العاطفة والرقة . ولعل في الاعوجاج المذكور في الحديث يكمن كمالها . 3 - وفيه أيضا مداراة المرأة وسياستها بأخذ العفو منها ، والصبر على ما يبدو للرجل اعوجاجا . فإن في الرقة واللين اللذين تتصف بهما المرأة يجد الرجل سكنه وراحته مما لا غنى له عنه ليحقق سعادته و يهنأ بالسكن النفسي وراحة البال . فالمنفعة هنا متبادلة بين الجنسين ، وتحقيق السعادة أمر مشترك بينهما يصنعانها بالتعاون بينهما . فلا غرو ، فإن النساء شقائق الرجال .
4 - ثم بيَّن المولى عز وجل للرجل أن هذه القوامة لا تخوِّله الحق في إلغاء شخصية المرأة في البيت والمجتمع ، وليس من شأنها إلغاء حقوقها المدنية من ممارسة للحياة الاجتماعية والمهنية في الحدود المشروعة ، مما لا يتنافى مع قدراتها البدنية والنفسية ، كالتعلُّم والتعليم والتمريض والعلاج ، وغير ذلك من الأعمال التي يحتاج إليها الفرد والمجتمع .
5 - كما لا تلغي هذه القوامة ما منحهن الله تعالى من حرية الإرادة ، وحرية التعبير والتصرف وحرية الحركة والعمل ، ما لم يكن خروجا عن الطبيعة أو دخولا في اختصاصات الرجال .
(1/22)
6 - كما أن هذه القيومية لا تُبطل ما للمرأة من الاستقلال في الإرادة الفردية . فلها أن تفعل في نفسها ما تشاء من غير أن يحق للرجل أن يعار

إرسال تعليق

0 تعليقات