أسئل ة وأجوبة في الحلقات الإيمانية لمصطفى شريفي

أسئل ة وأجوبة في الحلقات الإيمانية لمصطفى شريفي

 





الكتاب: أزمة الأمة الحقيقية لـ؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
أزمة الأمة الحقيقية
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد ...
هنا تكمن الأزمة:
كان المنظرون الإسلاميون فيما مضى يقولون أن الأمة تقف على شفا الهاوية بسبب أوضاعها المأساوية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ونحن اليوم لا نملك إلا أن نقرّ بسقوطنا في جرف الهاوية إن لم نكن في قعرها أصلاً! ومع أن أولئك المنظّرون قد اجتهدوا في تقديم تصوراتهم ورؤاهم لتشخيص حال الأمة ومحاولة إقالتها من عثرتها التي أضحت نكبة خانقة للأجيال وفاجعة مبددة للأمال إلا أن الوضع الكارثي للأمة ما يزال يتأرجح في دائرة السيء والأسوأ والأكثر سوءا!
تفاوتت تلك الرؤى والتشخيصات بين من يذهب إلى تحميل الطغيان والاستبداد السياسي مسؤولية ما جرى وما يجري للأمة، وبين من يوجه أصابع الاتهام إلى الجهل والأمية، وبين من يذهب إلى اتهام العقل المسلم بالخرافة والسلبية التي طبعت بها الأمة وحطمت إرداتها، وقد قدم المخلصون من أبناء هذه الأمة حلولاً لتلك المشكلات كل ورؤيته، إلا أن الأمة مع ذلك لم تستطع أن تستفيق من غيبوبتها المستدامة! الأمر الذي يشي بوجود نواقص ما في التشخيصات والحلول المقدمة، وهذا يدفعنا إلى اعتبار الأزمة أعمق مما نتصور، وأن الطروحات السابقة وإن كانت صحيحة في ذاتها لكنها مولدة من أمور أكبر وأعظم أسهمت في إيجاد عقلية تجزيئية غير قادرة على لملمة المفردات المتناثرة وتفعيل نظرة شمولية واسعة للكون والإنسان والحياة.
إن أهم ما يميز تلك المحاولات التشخيصية هو بنيتها القائمة على التجزيئ والتفكيك والنظر من زاوية واحدة إلى المشهد العام لأزمة الأمة وأوضاعها المأساوية، ومثل هذه النظرة الجزئية لا تعطي سوى حلول جزئية تبتسر الحقيقة وتشظيها فتغيب معها معالم الأزمة وعواملها.
(1/1)
ولأن أدركنا أن ثقافة الأمة في عصر الانحطاط الذي نعيشه قائمة على التجزيئ والتفكيك والتشظي فإنه يجدر بنا لأجل اكتشاف أصل الأزمة أن ندرك كذلك أن أهم نبع من منابع ثقافة الأمة إنما يتمثل في النصوص المقدسة التي تعدّ المحرض الأول للأمة نحو الحركة والبناء. والنص الإسلامي المقدس يتكون من شقين:
الأول هو النص القرآني الذي لا يمكن أن نزج به في أتون هذه الإتهامات لا بسبب حساسيتنا المفرطة من التعاطي مع هذا النص بصورة نقدية منفتحة بل بسبب إيماننا المطلق بأنه وحي الله تعاى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأيضاً بسبب نظرتنا الموضوعية للنص القرآني واكتشافنا أن هذا النص العظيم تربض فيه محرضات كثيرة ومحفزات أكبر لا تحارب النظرة الجزئية وتسفهها وتحذر منها وحسب بل تتعدى ذلك إلى تقديم منهج كلي شمولي متكامل تدعو الأمة إلى استجلائه والسير في طريقه المنير بعيداً عن ظلمات التجزيء والتفكيك والتشظي.
(1/2)
إذاً لم يبقى أمامنا سوى النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه من خلل وعلل ومساقط وزلل حذرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال (لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (1) [1])، وجاء عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (جهدنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لنا في الكتاب فأبى) (2) [2])، وعنه أيضاً أنه قال: (ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن) (3) [3])، وقال أبو هريرة: (خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله!، أتدرون. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى) (4) [4]).
__________
(1) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص33 من طريق أبي سعيد الخدري ورواه مسلم [7510] 72 - (3004)، وأحمد 1/ 171.
(2) الخطيب البغدادي نفس المصدر ص21 - 33. وقد نقل شعيب الأرنؤوط في تعليقه على "سير أعلام النبلاء" للذهبي ج3ص81 قول ابن القيم في "تهذيب السنن" 5/ 245 ما نصه: (قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن الكتابة) اهـ.
(3) أبو داود 3648، وابن أبي شيبة في "المصنف" برقم 2991.
(4) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص34.
(1/3)
وهذه الحقيقة الغائبة عن الأذهان أو المغيبة عن كثير من الناس إنما هي نابعة عن قراءة واعية للنص القرآني الذي لفت انتباه الأمة إلى ظاهرة معاداة أهل الضلال للقرآن الكريم ومطالبتهم بنص بديل عنه! يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يونس: 15، وبدأ هؤلاء في حياكة أحاجي وطلاسم يحاكون بها "الحديث" القرآني! يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} لقمان: 6. وقد نجح هؤلاء للأسف الشديد في صرف الناس عن القرآن الكريم، يقول تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} الفرقان: 30. القرآن الكريم هو "الحديث" الإلهي الذي قال فيه الله تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} الزمر: 23، ومن لا تنفعه هداية "الحديث" القرآني فأي حديث بعده يمكن أن يهديه؟ يقول تعالى {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} الأعراف: 185.
(1/4)
ويقول عز وجل: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} الجاثية: 6.
وقد كانت هذه الرؤية القرآنية التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم ماثلة في أذهان فقهاء الصحابة الذين استمرعندهم ذلك الموقف المعارض من تدوين الروايات والأخبار، فقد رُويَ عن أبي بكر الصديق أنه جمع الناس فقال: (إنكم تحدثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث تختلفون فيها، والناس من بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه) (1) [5]). أما عمر بن الخطاب فقد جاء أنه طفق يستخير الله شهراً، ثم قال: (إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً) (2) [6])، ثم كتب في الأمصار (من كان عنده شيء من الروايات فليمحه) (3) [7])، وروى عنه أنه أحرق مجموعة من الروايات وقال: (مثناة كمثناة أهل الكتاب) (4) [8]). وكان من شدة احتياطه في منع كتابة الروايات الآحادية أنه يخرج مع رسله إلى الآفاق ويسير معهم في الطريق ليقول لهم: (إنكم تاتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا شريككم) (5)} رمضان {).
__________
(1) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص3.
(2) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص49.
(3) ابن سعد "الطبقات الكبرى"ج1ص206
(4) ابن سعد "الطبقات الكبرى" ج5ص140
(5) الخطيب البغداي "شرف أصحاب الحديث" ص87.
(1/5)
بل قد وصل به الاحتياط في منع الحديث إلى درجة حبس مجموعة من كبار الصحابة لإكثارهم من التحديث فقد روي أنه بعث إلى عبدالله بن مسعود وإبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال لهم: (ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فحبسهم! بالمدينة حتى استشهد) (1)} محرم شوال {).
وروي عن عبدالله بن مسعود أنه أحرق صحيفة بها بعض الأحاديث ثم قال: (اذكر الله رجلاً يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) (2) [11])، وأراد معاوية أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه) (3) [12]).
مزاحمة النص القرآني:
__________
(1) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص87.
(2) ابن عبد البر "جامع بيان العلم وفضله" ص92.
(3) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص35، أبو داود3647.
(1/6)
"مثناة كمثناة أهل الكتاب" إن هذه المقولة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب (1) [13]) على قصرها وقلة ألفظاها إلا أنها تكتنز بمعاني تفيض منها الحكمة العمرية التي تشربت من معين القرآن الكريم، فاليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل وأضافوا إليها من أقوال أحبارهم ورهبانهم ما يصد عن سبيل الله واتباع سبيل المرسلين، وقد أدرك عمر أن النهي القرآني عن مضاهة الكتاب العزيز إنما جاء تحذيراً من الوقوع في خطأ أهل الكتاب، لأن السير في نفس الطريق الذي اتبعه أولئك سيؤدي بالأمة إلى نفس النتائج المهلكة التي وصلت إليها أمة اليهود والنصارى من ضلال وتيه وحيرة ورجوع إلى الوثنية، وهذه القراءة العُمَرية الواعية للتاريخ إن دلت على شيء إنما تدل على الفكر القرآني الوقاد الذي ينطلق منه عمر المتمثل في قوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} الأحزاب: 62.
__________
(1) ابن سعد "الطبقات الكبرى" ج5ص140
(1/7)
والأمة الإسلامية للأسف الشديد انتقلت إليها عدوى أهل الكتاب وأصيبت بمس من تحريفات أهل الملل التي عبثت بنصوصها المقدسة، ولأن القرآن الكريم كان عصياً على العابثين بسبب تكفل الله عز وجل بجمعه {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} القيامة: 17، وتكفله تعالى بحفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9، تحولت طاقات المغرضين إلى تراث النبي صلى الله عليه وسلم من أفعال وأقوال، وهم بذلك طبقوا سنة أهل الكتاب بحذافيرها، فأهل الكتاب اعتبروا تراث أنبيائهم الذي حكاه الأحبار والرهبان نصاً مقدساً معتمداً في التشريع، أما في الإسلام فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إلى الاقتداء بأفعاله الشارحة لبعض التشريعات التي جاء به القرآن الكريم، فلهذا نجده يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ويقول أيضاً: (خذوا عني مناسككم)، أما كلماته فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تقييدها وكتابتها قائلاً (لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (1) [14])!
ولأن سنة الله تعالى لا تتدبل {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} الأحزاب: 62، فقد أصيبت أمة الإسلام بما أصيبت به الأمم السابقة من تيه وضلال وحيرة، ولولا بقاء النص القرآني خالصاً من التحريف والتزييف لما بقى من الإسلام سوى اسمه في سجلات التاريخ وأرشيف الأمم البائدة.
__________
(1) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص33 من طريق أبي سعيد الخدري ورواه مسلم [7510] 72 - (3004)، وأحمد 1/ 171.
(1/8)
ومع ذلك ينبغي تذكر أن (العوارض التي غشيت الدين وصرفت قلوب المسلمين عن رعايته، وإن كان حجابها كثيفاً، لكن بينه وبين الاعتقادات الصحيحة التي لم يحرموها بالمرة تدافع وتغالب لا ينقطع، والمنازعة بين الحق والباطل كالمدافعة بين المرض وقوة المزاج، وحيث أن الدين الحق هو أول صبغة صبغ الله بها نفوسهم، ولا يزال وميض برقه يلوح في أفئدتهم بين تلك الغيوم العارضة، فلا بد يوماً أن يسطع ضياؤها وينقشع سحاب الأغيان، وما دام القرآن الكريم يتلى بين المسلمين وهو كتابهم المنزل، وإمامهم الحق، وهو القائم عليهم يأمرهم بحماية حوزتهم، والدفاع عن ولايتهم، ومغالبة المعتدين، وطلب المنعة من كل سبيل، لا يعين لها وجهاً، ولا يخصص لها طريقاً، فإننا لا نرتاب في دعوتهم إلى مثل نشأتهم ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم، فيتقدمون على من سواهم) (1) [15]) في جميع المجالات الحضارية العلمية والسياسية والاقتصادية والإجتماعية.
إزاحة النص القرآني:
نكون متفائلين جداً إن زعمنا أن مكانة النص القرآني لم يتم اغتصابها وتسليمها إلى أطنان المرويات التي تم سكها وتعليبها ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي عرفت فيما بعد باسم "السنة النبوية"، وواقع الأمة يشهد أن هذا التفاؤل ليس في محله وأن الذي حدث على حين غفلة من الأمة أن القرآن الكريم قد فقد مكانته التشريعية في ضمير الأمة تدريجياً، والعجيب أن هذا الأمر الجلل مر على الأمة مروراً عابراً وهي في سبات الرواية المخدّر للعقول والمعطّل للألباب إلى أن أضحى هذا الأمر جزءاً من ثقافة الأمة التي لم يستفزها قول البربهاري المحدث الحنبلي (إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن) (2) [16])!
__________
(1) محمد عبده "الإسلام دين العلم والمدنية" ص20 - 21.
(2) حسن البربهاري "شرح السنة" ص89.
(1/9)
وقد ابتدأت محاولات إزاحة النص القرآني مع تلفيق روايات جمع وتدوين القرآن الكريم حيث زعم أهل الحديث أن القرآن الكريم جمعه رجل واحد وهو زيد بن ثابت، وأن زيداً رفض بدايةً اقتراح أبي بكر وعمر له بجمع القرآن وقال: (كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟) (1) [17])، بل إن أهل الحديث قد فتحوا باباً للطعن في القرآن الكريم حين رووا في قصة جمع زيد بن ثابت القرآن قول زيد (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} التوبة: 128، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه) (2) [18]). وفي رواية أخرى أن الآية التي فقدها كانت من سورة الأحزاب (3) [19])!
فالقرآن حسب أهل الحديث جمعه شخص واحد، وأن بعض آياته لم توجد إلا عند رجل واحد، وأن المصحف أودع عند رجل واحد، وورثه عنه رجل واحد، ثم ورثته عنه امرأة!، فانتفى عن القرآن صفة التواتر، وسقطت حجيته، وانتهز أعداء الإسلام الفرصة ليطعنوا في القرآن وآياته ويشككوا في عصمته عن التحريف والتغيير والتبديل.
__________
(1) البخاري 4986.
(2) البخاري 4986.
(3) البخاري 2807.
(1/10)
وزعم أهل الحديث أيضاً أن القرآن الكريم كان متناثر الآيات مبعثر السور مات النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلم الأمة كيفية مواضع آياته وترتيب سوره! وقد نسب هؤلاء إلى أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر أنه جاءها رجل عراقي (فقال: أي الكفن خيرٌ؟ قالت: ويحك، وما يضرّك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف. قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل) (1) [20])، ورووا أيضاً أن الزبير بن العوام قال: (أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة، فقال أشهد أني سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعيتها. فقال عمر: وأنا أشهد، لقد سمعتها. ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن، فألحقوها في آخرها. قال ابن حجر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم) (2) [21]). وقال ابن حجر أيضاً: (كان القرآن كله كتب في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور) (3) [22])، وقال السيوطي: (وأما ترتيب السور: فهل هو توقيفي أيضاً، أو هو باجتهاد من الصحابة؟ خلاف. فجمهور العلماء على الثاني) (4) [23]).
__________
(1) البخاري 4993.
(2) السيوطي "الإتقان" ج1ص123.
(3) ابن حجر العسقلاني "فتح الباري" شرح الحديث 4986، ج10ص15.
(4) السيوطي "الإتقان" ج1ص124.
(1/11)
بل قد وصل الأمر بأهل الحديث إلى رواية روايات تزعم وقوع الزيادة والنقصان في القرآن الكريم، وبمصطلح تقني أدق "تحريف القرآن"، فقد زعموا أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية من القرآن الكريم وإنما هي زيادة من الصحابة في أوائل سور القرآن الكريم (1) [24])!، وزعموا كذلك أن قوله تعالى {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} الليل:2 - 3، إنما أصلها هكذا (والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى)، فقد رروا ان أبا الدرداء جاء إلى أصحاب عبدالله بن مسعود فسألهم عن قراءة عبدالله بن مسعود لقوله تعالى {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} الليل: 1، فقال علقمة: (والذكر والأنثى). قال أبو الدراداء: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} الليل: 3، والله لا أتابعهم) (2) [25]). وزعموا كذلك أن عبدالله بن عباس كان يقرأ القرآن يزيد ويغير آياته! حيث زعموا أنه كان يقرأ قوله تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} الكهف: 79. بتغير كلمة {وَرَاءهُم} بكلمة (أمامهم، وزيادة كلمة "صالحة" قبل {غَصْبًا} فقد زعموا أن سعيد بن جبير قال: (كان ابن عباس يقرأ "وَكَانَ أمامهم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة غَصْبًا") (3) [26]). وأنه كان يزيد عبارة "كافراً وكان" في قوله تعالى {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} الكهف: 80.
__________
(1) ابن كثير "التفسير" ج1ص28 في تفسير آية البسملة من سورة الفاتحة.
(2) البخاري 4944، ومسلم [1916] 282 - (824).
(3) البخاري 4725.
(1/12)
فقد زعموا أن سعيد بن جبير قال أن عباس (كان يقرأ "وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كافراً وكان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ") (1) [27]).
وزعموا كذلك أن هناك آيات من القرآن الكريم قد تم حذفها من المصحف! حيث نسبو إلى عمر بن الخطاب القول: (كان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلاناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله) (2) [28]). وقد جاء تفصيل هذه الآية في رواية أخرى نسبوها إلى أبي بن كعب وأنه قال: (كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)) (3) [29]). آية أخرى زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم هي ما نسبوه إلى عمر وأنه قال: (ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (4) [30]). آية أخرى يروي أهل الحديث أنه تم مصادرتها من المصحف الشريف وهي ما نسبوه إلى أم المؤمنين عائشة وأنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نسخن: بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن مما يقرأ في القرآن) (5) [31]). بل أنهم زعموا ان عبدالله بن الزبير كان يحرض عثمان على تغيير القرآن الكريم بحذف أحد آيات سورة البقرة! فرووا أن ابن الزبير قال: (قلت لعثمان بن عفان {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} البقرة: 240، قال: قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئاً منه من مكانه) (6) [32]).
__________
(1) البخاري 4725.
(2) البخاري 6830.
(3) الحاكم "المستدرك" 3554/ 691 وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح). انظر "المستدرك" ج2ص450.
(4) البخاري 6830.
(5) مسلم [3597] 24 - (1452).
(6) البخاري 4530.
(1/13)
ومن غرائب ما يروونه في حق القرآن الكريم زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينسى القرآن ويتعلمه مرة أخرى من الصحابة!، حيث زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع (رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: يرحمه الله لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا) (1) [33]). وزعموا كذلك أن أفضل الصحابة قراءة للقرآن كان كثير اللحن فيه، وأنه تعلم اللحن في القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم! حيث رووا عن عمر أنه قال: (أبيٌّ أقرؤُنا وإنا لندع من لحن أبيّ، وأبيٌّ يقول: أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء) (2) [34]).
تقديس الرواية على حساب القرآن:
__________
(1) البخاري 5038.
(2) البخاري 5005.
(1/14)
استفاد أهل الحديث من الخلط الحاصل في أذهان الناس بين مفهوم "السنة" ومفهوم "الحديث والرواية"، وقاموا باسم "السنة" بإزاحة القرآن الكريم من أمام "الرواية"، في ذات الوقت بدأ أهل الحديث في نهم غريب البحث والتتبع لكل ما يشم منه رائحة النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الجمع الروائي غير الواعي صار غرضاً سهلاً للمغرضين ليدسوا فيه ما شاءوا، ولإضفاء الشرعية على عجائب وغرائب المرويات قام أهل الحديث بسك وتعليب الروايات التي تجعل من الأحاديث مساوية في حجيتها للقرآن الكريم، وأنها تأسس لسقف تشريعي مساو للسقف التشريعي للقرآن الكريم، وقد أفرد الخطيب البغدادي لهذه الدعوى فصلاً في كتابه "الكفاية" وعنونه بـ (باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب العمل ولزوم التكليف) (1) [35]) أورد فيه روايات نسبها أهل الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وزعموا أنه قال: (ألا أني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا أني قد أوتيت القرآن ومثله، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه) (2) [36]). وأنه صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك رجل متكئ على أريكته يحدث بالحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه حلالا أحللناه، وما وجدناه حراماً حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله عز وجل) (3) [37]). وأنه قال كذلك: (بحسب امرئ قد شبع وبطن وهو متكئ على أريكته لا يظن أن لله حراماً إلا ما في القرآن، وأني والله قد حرمت ونهيت ووعظت بأشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر) (4) [38]).
__________
(1) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص8.
(2) المرجع السابق ص8.
(3) المرجع السابق ص8.
(4) المرجع السابق ص8.
(1/15)
وأن حسان بن عطية قال: (كان جبرئيل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه آياها كما يعلمه القرآن) (1) [39])، وأن إسماعيل بن عبيدالله يقول: (ينبغي لنا أن نحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نحفظ القرآن) (2) [40]).
ثم في مرحلة تالية زعموا أن القرآن يأتي في الدرجة الثانية بعد الأحاديث، فقالوا: (أن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن) (3) [41])، وقالوا أيضاً: (السنة قاضية على الكتاب، ليس الكتاب قاضياً على السنة) (4) [42])، وساقوا لذلك حججاً منها (أن رجلاً قال لعمران بن الحصين ما هذه الأحاديث التي تحدثونها؟ وتركتم القرآن. قال: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا وحين وقتها كذا، وصلاة المغرب كذا، والموقف بعرفة، ورمي الجمار كذا، واليد من أين تقطع ههنا أم ههنا أم من ههنا، ووضع يده على مفصل الكف، ووضع يده عند المرفق، ووضع يده عند المنكب، اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم) (5) [43]). وفي هذا خلط واضح بين "الأحاديث" وهي الروايات التي ينفرد هذا الفرد أو ذاك بروايتها ولم يروها عن النبي صلى الله عليه وسلم الجمع الغفير من الأمة، وبين السنة العملية التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلم عملياً أمام جميع الصحابة، وتناقلتها الأجبال جيلاً بعد جيل، رجالهم ونسائهم شيبتهم وأطفالهم، وهي نابعة من تشريعات القرآن الكريم، وهذا الخلط المتعمد إنما قصد به التمويه لترسيخ ثقافة الرواية في عقل الأمة ووجدانها.
__________
(1) المرجع السابق ص12.
(2) المرجع السابق ص12.
(3) المرجع السابق ص14.
(4) المرجع السابق ص14.
(5) المرجع السابق ص15 - 16.
(1/16)
بعدها بدأت عجلة الضخ الإعلامي تدور مروجة لثقافة الرواية ومحاربة كل ما من شأنه يرجع هيبة القرآن الكريم ومكانته، وكانت البداية في التنفير من العقلاء الذين طالبوا بالإبقاء على هيبة القرآن وهيمنته التشريعية، وقالوا: (إذا حدّثت الرجل بالسنة، فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن. فاعلم أنه ضال مضل) (1) [44]). ورووا أن الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق كان يناظر رجلاً، فقال الشيخ: حدثنا فلان. فقال له الرجل: دعنا من حدّثنا إلى متى حدّثنا. فقال له الشيخ: قم يا كافر، ولا يحل لك أن تدخل داري بعد هذا) (2) [45]). وكل من انتقد المنهج الحديثي وحزبه يتم حشره في قائمة الزنادقة والخارجين عن الملة، فقد قيل لأحمد بن حنبل: (يا أبا عبدالله، ذكروا لابن أبي فتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبدالله وهو ينفض ثوبه فقال:: زنديق! زنديق! زنديق! ودخل البيت) (3) [46]).
__________
(1) المرجع السابق ص16.
(2) الحاكم "معرفة علوم الحديث" ص2.
(3) المرجع السابق ص4.
(1/17)
ولإضفاء القدسية على النهج الحديثي قام أهل الحديث بسك وتعليب الروايات التي تضفي القدسية عليهم وعلى مروياتهم، فقد نسب هؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال أناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة) (1) [47]). وعلق أحمد بن حنبل على هذه الرواية بالقول: (إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم) (2) [48]). وقالوا أن أهل الحديث هم (حزب الرسول وأتباع الوحي وأوعية الدين، وخزنة العلم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فقال: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} التوبة: 100، وكفى بالمحدّث شرفاً أن يكون اسمه مقروناً باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره متصلاً بذكره) (3) [49]). وزعموا أن أعداء الدين لا يخافون من القرآن الكريم قدر خوفهم من الحديث والأسانيد التي يروى بها! فقد قال أبو نصر أحمد بن سلام: (ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد) (4) [50]).
__________
(1) المرجع السابق ص2.
(2) المرجع السابق ص2.
(3) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص6
(4) الحاكم "معرفة علوم الحديث" ص4.
(1/18)
وحين انتشرت ثقافة الرواية في الأمة بدأ أهل الحديث يأصلون لعلم الحديث وبدأوا يتحدثون عن عظمة علم الحديث وفضله على بقية العلوم –ومنها القرآن بالطبع- وجعلوا الحديث وأهله هما عماد الإسلام وركنه المتين الذي لولاهما لبطلت شريعة الإسلام وانهار قوامه، وزال الإيمان من دونهما، فقالوا أن (علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولهم، ويُعنَى به محققو العلماء وكَمَلتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسفلتهم، وهو من أكثر العلوم تولجاً في فنونها) (1) [51]). وقالوا أيضاً: (لما كان ثابت السنن والآثار، وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار ملجأ المسلمين في الأحوال، ومركز المؤمنين في الأعمال، إذ لا قوام للإسلام إلا باستعمالها، ولا ثبات للإيمان إلا بانتحالها، وجب الاجتهاد في علم أصولها ولزم الحث على ما عاد بعمارة سبيلها) (2) [52]). وقالوا أيضاً: (لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها) (3) [53]). حتى قال أحد متأخريهم: (لا يستطيع من يدرس موقف العلماء منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة من الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة وتمييز صحيحها من فاسدها إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا رحمهم الله هم أول من وضعوا قواعد للنقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال وتتيه به على الأمم) (4)
__________
(1) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث" ص15.
(2) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص3.
(3) المرجع السابق ص3.
(4) مصطفى السباعي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" ص108 ..
(1/19)
[54])، وقال أيضاً: (بتلك الجهود الموفقة التي سردناها عليك بإيجاز استقام أمر الشريعة بتوطيد دعائم السنة التي هي ثاني مصادرها التشريعية، واطمأن المسلمون إلى حديث نبيهم فأقصي عنه كل دخيل) (1) [55]).
ولا نعلم لأي شيء نطمأن هل للروايات التي تزعم تحريف القرآن والزيادة والنقصان في آياته أم الروايات التي سنرى لاحقاً أنها كانت وراء تخلف الأمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً مع انها مروية في أصح كتب أهل الحديث!
الإشكالات السياسية التي خلقتها الرواية:
لا يشك أي مؤمن بعظمة الإسلام أن القرآن الكريم يأسس لمناهج إلهية تروم تحقيق الخير والسعادة للبشرية، وفي الإطار السياسي نجد أن القرآن الكريم قد أرسى قواعد كلية مطلقة يستطيع الإنسان من خلالها بناء صروح المنظومات السياسية التي تليق بأوضاعه الزمانية والمكانية وأعراف المجتمعات التي يعيش فيها، وهذه القواعد هي:
القاعدة الأولى: الحاكم يجب أن يكون من المؤمنين.
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} النساء: 59.
ويقول تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء: 83.
وهذه القاعدة تشير إلى وجوب كون الحاكم من جماعة المؤمنين، وهي كما يُلحظ لا تشترط أن يكون الحاكم أكثر الناس زهداً وورعاً، وإنما تؤكد على وجوب أن يصدق عليه صفة الإيمان، وهو التزام الصواب ومجانبة الإنحراف والوفاء قولاً وعملاً.
القاعدة الثانية: أهمية العلم والقدرة البدنية في الحاكم.
__________
(1) المرجع السابق ص122.
(1/20)
يقول تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} البقرة:247.
وقد مرّ العالم الإسلامي بفترات عصيبة حين تولى أمرها الجهلة والضعفاء بدنياً.
القاعدة الثالثة: مساواة البشر في حظوظ وصولهم إلى درجة الحكم.
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات: 13.
(1/21)
تؤكد هذه القاعدة على مبدأ المساواة البشرية فهي بالتالي تلغي أسس التفاضل الجاهلية التي كانت سائدة في المجتمعات البشرية المختلفة كالقبلية والعرقية والمادية، فالمسلمون جميعاً سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أي بمقدار تحليه بأخلاق وآداب الإسلام، ومن هذا المنظور السامي فإن القرشية والعلوية والأموية والعرقية لا أصل لها في الإسلام، بل إن القرآن ينسب هذه النوعية من المفاضلة حسب الأعراق إلى الشيطان الرجيم، حيث أورد على لسانه إقراره السافر عن سبب عصيانه لأمر الله وهو اعتبار أصله أفضل من أصل آدم، حيث قال: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} الأعراف:12. وقد قال تعالى قاطعاً السبيل أمام شبهة التفاضل العرقي {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} الأحزاب: 40، فالقرابة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تغني في ميزان الله شيئاً بل أنها تحقق فوضى الوسائط، ولو كانت تغني من الحق شيئاً لأغنت ابن نوح وزوجته، وزوجة لوط، ولأغنت أبا لهب من الحريق واللهب، وحين نزل قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} الشعراء: 214، جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتفخذ أفخاذ قريش فخذاً فخذاً حتى أتى إلى بني عبدالمطلب فقال: (يا بني المطلب إن الله أمرني أن أنذركم، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً) (1) [56]).
القاعدة الرابعة: الشورى هي أساس اختيار الحاكم وتدبير أمور الحكم.
__________
(1) الربيع بن حبيب برقم 1005.
(1/22)
يقول تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الشورى: 38.
وقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} آل عمران: 159.
وهي قاعدة كلية غير مقيدة بصور الممارسات البشرية السابقة، بل هي موكلة لطبيعة المجتمع الإسلامي الثقافية والاجتماعية المتغيرة زمانياً ومكانياً، فقد تكون محصورة في فئة معينة ذات مواصفات قياسية خاصة كالعلم والتقوى والحكمة كما هو الحال مع تعيين عمر بن الخطاب لستة شخصيات مرموقة في الدولة الإسلامية تختار من بينها فرداً يقود الأمة، أو قد تتم من خلال مجالس بلدية أو مجالس شورى تمثل عقلاء الأمة ومثقفيها، أو قد يكون مفتوحاً كما هو الحال مع الانتخابات العامة للمفاضلة بين الأفراد الذين تتحقق فيهم مواصفات الترشح لمنصب الحاكم، وهذا كله يفهم من خلال أمره تعالى باعتبار عرف المجتمع إذا لم يتصادم مع قواعد الشريعة حيث يقول عز وجل {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف: 199.
القاعدة الخامسة: العدل أساس الحكم.
يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} النساء: 58.
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة:8
ويقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} النحل: 90.
ويقول تعالى: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} الشورى: 15.
(1/23)
القاعدة السادسة: تحريم الظلم.
يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} يونس: 13.
ويقول تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} الشورى: 42.
القاعدة السابعة: وجوب تحكيم شرع الله.
يقول تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} المائدة: 48.
ويقول تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} المائدة: 49.
ويقول تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة: 44.
ويقول تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} المائدة: 45.
ويقول تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} المائدة:47.
القاعدة الثامنة: عدم الركون إلى الظلمة.
يقول تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} هود: 113. حيث يؤكد تعالى على تحريم الظلم وتحريم الركون إلى الظلمة.
(1/24)
ويقول تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة: 2.
ويقول تعالى: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} العصر: 3، حيث يأمر عز وجل بالتعاون على البر والتقوى ويحرّم التعاون على الإثم والعدوان
والحكومات الظالمة المتعسفة ذات النزعة الاستبدادية لا يجوز الركون إليها ولا إعانتها على ظلمها.
هذه هي القواعد القرآنية الكلية في الشأن السياسي وهي ولا ريب قواعد مطلقة تصلح لكل زمان ومكان، إلا أن الأمة الإسلامية للأسف الشديد لم تعش من بعد عهد الخلقاء الراشدين إلا أحقاباً متتابعة من الظلم والقهر والاستبداد، إلى درجة حدت بكبار علماء الأمة ومفكريها إلى نسبة الشورى إلى الغرب والأوربين بدل نسبتها إلى الإسلام والقرآن، فقد قال (السيد محمد رشيد رضا في معرض ملاحظاته على مماهاة المسلمين المعاصرين له إبّان الحرب العالمية الأولى بين الشورى والحكم الدستوري: لا تقل أيها المسلم إنّ هذا الحكم المقيّد بالشورى أصل من أصول الدين ونحن قد استفدناه من الكتاب المبين ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا من معاشرة الأوربيين والوقوف على حال الغربيين. فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكّرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام) (1) [57]).
__________
(1) رضوان السيد "سياسات الإسلام المعاصر" ص262.
(1/25)
فما الذي غير وجه التاريخ الإسلامي من صورة العدل والمساواة القرآنية إلى صورة الظلم والقهر والاستبداد؟ قد يجيب البعض قبل أن يأخذ برهة كافية للتفكير أن السبب في ذلك هو اتباع الأهواء والابتعاد عن سنة الكتاب والسنة وسيرة الراشدين من الخلفاء، وعلى ما في هذا الجواب من وجوه صحيحة إلا أنه يظل ناقصاً ما لم نقرر حقيقة أن الروايات الحديثية التي تسلطت على السنة النبوية وأزاحة الكتاب الكريم وحلت محله في التراتيبية التشريعية هي العائق الأكبر أمام الرجوع إلى "الكتاب والسنة وسيرة الراشدين من الخلفاء"، فقد استطاع المستبدون الأوائل من بني أمية الذين انحرفوا عن مسيرة العدالة والمساواة والشورى الإسلامية القرآنية وبالتعاون مع الرعيل الأول من أهل الحديث المؤسسون أن يرسخو في الأمة ثقافة الرضوخ للطغيان والقبول بالهوان والتسليم لأصحاب الشوكة والسلطان، وأسسو كذلك لمرحلة عنصرية في التاريخ الإسلامي تعامل بعض قبائله وعوائله على أنها محفوفة بالرعاية الربانية ومشمولة بالرضا الإلهي وانه يلزم التسليم والرضوخ لأهواءها ونزواتها!
كانت البداية باختراع فكرة وجوب أن يكون الحاكم قرشياً، فسكّ أهل الحديث الروايات في تأصيل هذه الفكرة وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين) (1) [58])، وأنه قال: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلهم وكافرهم لكافرهم) (2) [59])، وهذه الروايات تعبر عن الأصل السي

إرسال تعليق

0 تعليقات