أعمالي في الثورة للشيخ إبراهيم بيوض موافق للمطبوع - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

أعمالي في الثورة للشيخ إبراهيم بيوض موافق للمطبوع

 





الكتاب : أعجبتني صداقتها لسعد الحجي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبة ومن والاه.
يقول رب العزة سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً" سورة الكهف: 28.
وبعد: فقد امتن الله تعالى على المؤمنين, وذكرهم بنعمه عليهم, بأن جميع قلوبهم على الصفاء, وردها بعد الفرقة إلى الألفة والإخاء, فقال: "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً" سورة آل عمران: 103.
لذلك فإنه تحقيقاً لوصف الله تعالى للمؤمنين بالأخوة, وتطبيقاً لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين أصحابه, وانسجاماً مع أهداف الوزارة في الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة, وإشاعة روح المحبة والإخاء والتعاون بين أفراد المجتمع, وسعياً نحو تحقيق دور إدارة التنمية الأسرية في استمرار العطاء, وتطوير الأداء, ومعالجة متطلبات العصر, والاهتمام المباشر بقضايا المجتمع, وشريحة الشباب منه بصفة خاصة, وضمن إطار الشريعة الإسلامية السمحاء, فإننا نقدم هذه المجموعة القصصية الهادفة لتكون هدية لكل من يبحث عن الصداقة الحقيقية, المبنية على أسس صحيحة.
وهي قصص مستوحاة من الواقع, عاشت أحداثها طالبات في المرحلتين المتوسطة والثانوية, وصاغتها بقلمها الباحثة الشرعية بالإدارة, الفاضلة: سعاد اظبية, لتجسد من خلالها قيمة الصداقة, ولتوجه الطالبة إلى المعايير الصحيحة في اختيار الصديقة, ولتحذر من الانزلاق في صداقات تجر الحسرة والندامة.
? وفي الختام نرجو أن نكون قد وفقنا في تحقيق هذه الرسالة السامية من خلال هذه القصص, وفي دعم القيم الاجتماعية البناءة.
? والله تعالى نسأل أن يجزي خيراً كل من ساهم في إخراج هذا الكتاب, إنه خير مسؤول , والسلام عليكم ورحمة الله.
سعد أحمد الحجي
(1/1)
مدير إدارة التنمية الأسرية
البلسم الشافي
وجهها بشوش يبعث على الشعور بالارتياح والاطمئنان والسرور في النفس, هذه العبارة كثيراً ما كنت أرددها في نفسي كلما التقيتها في الصباح الباكر عند الحضور للمدرسة, فهي زميلة لي بنفس المرحلة الدراسية التي أدرس فيها, ولكنها في فصل آخر, تعرفت عليها عن طريق زميلة لي بفصلي, فهي قريبة لها, وكانت تشاركنا اللقاءات عند اجتماعنا أثناء الفُسح, وتتبادل معنا أطراف الحديث عن المذاكرة والمواقف الحياتية البسيطة من حولنا, وكنت أشعر بإحساس غريب تجاهها كلما رأيتها, أفسره بأنه شعور بالأخوة, وكنت أرتاح للتحدث معها ومناقشتها في مواضيع مختلفة, وأشعر حينها بتقارب آرائنا ونظرتنا وحكمنا على الأمور, فقد صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: "الأرواح جنود مجندة, ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" (رواه البخاري ومسلم).
(1/2)
فنحن نشترك في بعض الصفات كالهدوء والاتزان, وفي بعض الهوايات مثل حب القراءة والاطلاع، ونمارس أنشطة تدعم مثل هذه الهوايات مثل نشاط المكتبة, وعند غيابها عن المدرسة لظروف ما، أشعر وكأنني فقدت شيئاً, وهي كذلك, وفي اليوم التالي لغيابها وعند حضورها أسرع إليها لتحيتها والسؤال عنها والاطمئنان عليها وقضاء أمتع الأوقات معها, ونودع بعضنا في نهاية اليوم الدراسي على أمل اللقاء في الغد بمشيئة الرحمن, وفي أحد الأيام حضرتُ إلى المدرسة وأنا أشعر ببعض الآلام في منطقه البطن وبضعف عام في جسدي, ولم أعره اهتماماً في بداية الأمر, ولكن لشدته أخبرت والدتي فحضرت للمدرسة واستأذنت لي وأخذتني للطبيب, وبعد إجراء الكشف الطبي وتشخيص مرضي, قرر الطبيب ضرورة إجراء عمليه جراحية لإزالة الزائدة الدودية, وبفضل من الله تكللت العملية بالنجاح, وما أسعدني حقاً هو وقوف صديقتي بجانبي طوال فترة مرضي, وحرصها على زيارتي بانتظام مع والدتها , وكانت تعينني على دراستي، وذلك من خلال الاستفسار اليومي من زميلاتي في الفصل عما فاتني من المواد والدروس, وتسجيل كل ملاحظة ومتابعتها معي, ومساعدتي في إنجاز واجباتي ومذاكرتي دون تأخير, فكانت حلقة الوصل بيني وبين مدرساتي وزميلاتي في الفصل, وكانت تطمئِن الآخرين عني, واستطاعت أن تتفق مع مدرساتي في الفصل علي تنظيم وترتيب جدول الاختبارات, لأداء ما فاتني خلال فترة غيابي, وكانت والدتي فرحة بصداقتنا, وكثيراً ما كانت تردد عبارات الثناء والمديح والتقدير والمحبة لها, مستشهدة بقول رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه" (رواه الترمذي وأحمد والدارمي).
(1/3)
وبعد أن عوفيت بفضل من الله ومنّه انتظمت في الدراسة, والتقيت بمدرساتي وزميلاتي, وحظيت منهن بحسن الاستقبال, وبالأخص صديقتي الحبيبة التي فرحت كثيراً بلقائها، وهي كذلك, ومن يومها لم نفترق عن بعضنا, وتشعر كلتانا تجاه الأخرى بأنها جزء منها, لا يمكن أن تستغني عنها, ومكملة لها, وتعمقت أواصر الصداقة بيننا بمباركة والدتينا, وكنا نسأل الله دوماً بأن تستمر بيننا هذه الصداقة, وتحيط بها وتظللها مشاعر المحبة والإخاء والتقدير والاحترام, ودائما ما كنت أردد بيتاً جميلاً من الشعر هو:
... ... محبة الصالحين بلسم قلبي ... ... إنها للنفوس أعظم واقي
يوم لا ينسى
تعرفت عليها في بداية العام الدراسي عندما جلست بجانبها في الفصل, ولفتتْ انتباهي بكثرة حركتها وجرأتها وتعليقاتها الساخرة, وتعبيرات وجهها التي تثير ضحك من حولها, وتشيع في المكان نوعاً من المرح والسعادة.
(1/4)
واسمها كثيراً ما كان يتردد على ألسنة الطالبات والمدرسات, حيث لم تكن متقيدة بالقيود أو التعليمات المدرسية, وكان لديها الكثير من المواقف والمشاكل مع الأخريات, وأعتقد في لحظة ما بأن هذه الطالبة هي التي أبحث عنها كصديقة تساعدني في تغيير نفسي وطباعي التي مللت منها، كخجلي وانطوائيتي وسلبيتي، التي كانت دائماً تثير غضب من حولي، وخاصة والديّ وأخواتي, وأحسست حينها أنها هي التي ستجعل مني إنسانة جديدة ألفت انتباه من حولي في المجتمع, وأمام زميلاتي في المدرسة, ولأنه كثيراً ما كان يراودني شعور بأنني ظُلِمتُ من قبل الآخرين بسبب هدوئي وصمتي, وعدم دفاعي عن حقوقي, سواء مع زميلاتي أو مع مدرساتي, لذلك رأيت فيها نموذجاً للحرية والانطلاق, وحاولت التودد إليها ببعض الهدايا, واقتربت منها حتى أصبحت كظلها لا أفارقها أبداً, وبدأت بلفت انتباه من حولي نحوي, وذلك بمشاركتي لها في المشاغبة, وكثرة الحركة, وكنت أشعر بفرحة كبيرة عندما يتردد اسمي في كل موقف أو مشكلة على مستوى المدرسة, وكثرت شكاوى مدرساتي واستغرابهن لهذا التغير المفاجئ للأسوأ, والذي كنت اعتبره تغييراً نحو الأفضل, وإن كنت أشعر بين الحين والآخر برفض نفسي شديد له, ولكن كان يغلب عليّ الشعور بالسعادة لأنني استطعت أن أنتقم لنفسي من الآخرين.
(1/5)
واستمررنا على تلك الحال حتى جاء ذلك اليوم الذي لا أنساه أبدا, واليوم الذي استطعت من خلاله مراجعة نفسي ومحاسبتها حساباً شديداً لهذا التغيير السيء, الذي أثار غضب أهلي عليّ ونفورهم مني, ذلك اليوم الذي رأيت فيه والدي منكسي الرأس, وهما في غاية الإحراج بسبب انفعال ناظرة المدرسة عليهما، لتصرف قمت به أنا وصديقتي, يتمثل في الاستهزاء والسخرية الشديدة والتعليقات القاسية الخارجة عن حدود الأدب على إحدى مدرساتنا بهدف إضحاك الطالبات, والذي سمعته المدرسة مباشرة أثناء دخولها الفصل دون إحساسنا بوجودها لكثرة اندماجنا في التمثيل والتقليد لها مما أثار غضبها وغضب ناظرة المدرسة التي عاقبتنا بدورها بشدة أمام المدرسة كلها بفصلنا لمدة ثلاثة أيام واستدعاء والدينا, وعلى الرغم من إحساسي بالغضب والحرج والكره لنفسي إلا إنه لا يعتبر شيئاً مقارنة برؤيتي والدي وهما متأثران بما يسمعانه, وبالجرأة السيئة التي وصلت إليها, التي جعلت الآخرين يظنون السوء بي وبطريقة تربية والدي لي, علماً بأني تلقيت تربية طيبة, ولكن سرعة اندفاعي, وسوء تقديري للأمور, ورغبتي بكسب اهتمام ومحبة الآخرين لي بطريقة خاطئة هي الأمور التي دمرتني, ولم أدرك حينها أن التغيير الصحيح لا يكون إلا باتباع الطرق الصحيحة والمقبولة والمشروعة, وهو ما كانت والدتي وأختي الكبرى ترشداني إليه, ولكن نفسي ترفضه كبرياءَ.
وعندما رجعت للمنزل لم تعد والدتي تكلمني، على الرغم من التأنيب الشديد الذي تعرضت له في طريق عودتي من المدرسة معها للمنزل, وظللت على هذه الحال مدة أسبوع, لا أتجرأ أن أنظر لوالديّ أو أشاركهما في أي شيء خجلا من مواجهتهما. حتى جاء ذلك اليوم الذي خرجت فيه من غرفتي ووجدت والدتي منهارة تبكي بعد إغلاقها سماعة التليفون وتصرخ بوجهي قائلة: أنت السبب فيما أنا فيه.
(1/6)
فحاولت الاستفسار منها فلم تجبني, وقامت أختي الكبرى بتوضيح الموقف، وأخبرتني أن صديقة والدتي اتصلت بها تستفسر عن صحة ما سمعته من زميلاتها في العمل, المرتبط بمشكلتي في المدرسة, وأخبرتني أن زميلات الوالدة يسخرن من تربيتها لنا. ومن شدة ما سمعت أسرعت نحو غرفتي, وأغلقت الباب خلفي, وأجهشت في بكاء شديد, نادمة على ما فعلت, متحسرة على ما وصلت إليه الأمور, مدركة أن ما أقدمت عليه من سلوك سيء لم يؤثر بي وحدي, ولكنه طال أسرتي جميعها, لأنه مرتبط بموضوع التربية والأخلاق, ولم أفق من وضعي هذا إلا بعد ما سمعت أختي الكبرى تطرق الباب تستأذنني بالدخول, ففتحت لها باب الغرفة, فدخلت وسلمت علي بلطف, وراحت تهدئ من روعي, وتناقشني في الموضوع, وفي كيفية الخروج من هذا الوضع للأفضل, وحينها علمت وأدركت أن التغيير لابد أن يحدث من داخلي أنا، وليس من غيري, تطبيقاً لقوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" سورة الرعد: 11.
وأيقنت أن سلوك السخرية والاستهزاء بالآخرين وإثارة المشاكل لا يمكن أن يلفت الانتباه لي أو يثير إعجاباً بي, لكنه يثير الاستنكار والاستهزاء والسخرية مني, واستخفاف الآخرين بي, وأيقنت حينها أنه لم يقف بجانبي في محنتي تلك إلا زميلة واحدة لي في الفصل, كثيراً ما كنت أسخر منها واستهزأ بها وبمستواها الدراسي المتميز, وبحب الآخرين لها, الحب بمعناه الحقيقي وليس المزيف الذي كنت أتطلع إليه, وصدق الله تعالى إذ يقول: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان" سورة الحجرات: 11.
(1/7)
أما من اعتقدت أنها صديقتي المقربة, والتي شاركتها تصرفاتها السيئة, فقد تخلت عني وتنصلت من فعلتها, وأصبحت تلقي باللائمة علي أثناء تعرضنا للتوبيخ والعقاب من إدارة المدرسة, وتزعم بأنني أنا التي شجعتها على هذا التصرف السيء, لذلك قطعت عهداً على نفسي بأن أتغير بإذن الله تعالى نحو الأفضل, ولن يكون ذلك إلا باتباع الخطوات التالية:
1. الالتجاء لله تعالى, والتقرب إليه, والتوبة, التماساً للأجر والثواب والتوفيق لكل خطوة أخطوها بعد التوكل عليه سبحانه وتعالى.
2. قطع صلتي بها كصديقة, واعتبارها زميلة لي فقط, وتوجيه النصح والإرشاد لها بمحبة ولطف حتى تتغير للأفضل.
3. الاهتمام بالطرق والوسائل الصحيحة التي تساعدني على التغير الإيجابي, وتكسبني الثقة بالنفس, وتزيد من تحصيلي العلمي واللغوي الذي يساعدني –عند لقائي بالآخرين- على إدارة الحديث, ويعلمني كيفية بدء الحوار الهادف, ومتابعة المناقشة المفيدة, والتعامل مع المجتمع بأدب واحترام, وهذا ما يمكن تحصيله من خلال تكثيف القراءة المفيدة في المجلات والكتب التربوية الإسلامية التي تناسب سني واهتماماتي, وبذلك أتغلب على مشكلة الانطواء والخجل بالطرق الصحيحة.
(1/8)
وبناء على ذلك فقد تغيرت كثيراً للأفضل, وهذا بشهادة جميع من حولي, وأصبحت إنسانة جديدة، بفضل الله تعالى, تحرص على الوقت, وتهتم بالدراسة, وتحترم الآخرين, ووفقت في التعرف على الصديقة الصالحة التي تساعدني وتدفعني لتطوير سلوكي, وتستغربون إذا قلت لكم أن هذه الصديقة هي من كنت استهزأ بها سابقاً, وساعدتني كثيراً دون مقابل سوى حبها لي في الله, فالحمد لله الذي أكرمني بأسرة كريمة متفهمة, وصديقة صدوقة رائعة, وأعدكم أنني لم أنسى صديقتي السابقة وسأذكرها دائماً بالدعاء والنصح لها من قلب محب بأن تتغير للأفضل, فهي تستجيب تارةً وترفض أخرى, ولكن كلي أمل بالله تعالى بأن يعينني على مساعدتها لتتغير نحو الأفضل, وذلك بمساعدة صديقتي الحالية, وصدق الله تعالى في كتابه العزيز إذ يقول: "قال سنشد عضدك بأخيك" سورة القصص: 35.
قرار جريء
إنني طالبة في المرحلة المتوسطة, متفوقة في دراستي, محبوبة من الجميع في المدرسة والأسرة بفضل الله, ولدي مجموعة كبيرة وطيبة من الصديقات اللاتي أحبهن ويحببنني, ولكني كنت أجد نفسي أكثر قرباً وانجذاباً لإحداهن, وذلك لتوافقي معها في أمور كثيرة, من حيث التميز الدراسي, والتفوق والمنافسة التي كنت أعتقد سابقاً بأنها طبيعية بين صديقين في نفس العمر والمرحلة, وكثيراً ما كانت مدرِّساتنا يُشِدْن بنا و ويَذْكُرن صفاتنا الإيجابية معاً أمام الطالبات, مما كان يدعونا إلى التقارب أكثر, وأصبحنا صديقتين حميمتين.
(1/9)
لكني لاحظت في الفترة الأخيرة أننا عندما كنا نناقش مع بعضنا في بعض الأمور التي تخصنا كانت صديقتي تصرُّ على التمسك برأيها, وترفض بشدة مصاحبتي لغيرها, وتخاصمني فيما رفضت اتباعها وسيطرتها عليّ, ورغبة مني في عدم خسرانها كنت أوافقها على ذلك, على الرغم من عدم اقتناعي به، وللعلم فأنا إنسانة تربيت في ظل أسرة عودتني على أن أكون ذات شخصية مستقلة, واثقة من نفسها, قيادية في المواقف التي تتطلب ذلك, ولكنني كنت معها أتغير وأصبح إنسانة أخرى خوفاً من فقدانها, وكثيراً ما كانت تردد بأننا صديقتان, ويجب أن نتشابه في كل شيء, حتى أصبحنا كالتوأمين, وهو اللقب الذي تحب زميلاتنا مناداتنا به لتشابهنا في كل شيء, حتى في الأدوات المدرسية, وما كان يزعجني هو إحساسي بأنني إنسانة مسلوبة الإرادة معها, مُسيّرة وفق إرادتها وليس وفق إرادتي, لذلك كنت أشعر بالضيق الشديد, وبأنني أسير في اتجاه معاكس لطبيعتي, ومنافٍ لرغبتي.
وفي يوم من الأيام, وبينما كنت قادمة إليها أثناء الفرصة, حيث كانت تقف مع مجموعة من زميلاتها سمعتها وهي تضحك على درجاتي في مادة اللغة العربية وتتباهى بأنها تفوقت عليّ, وتردد على مسامعهن أنها هي التي تساعدني في المذاكرة, وتستهزئ بلباسي المدرسي وبحجابي، وبعدم خروجي للكثير من المحلات والأماكن الترفيهية التي تذهب إليها، وبعدم سماعي ومشاهدتي البرامج والمسلسلات والأغاني التي تحبها هي, مما جعلني أتضايق كثيراً منها, يضاف إلى ذلك رفضها اشتراكي في إقامة إفطار جماعي في المدرسة, وقيامها بتقسيم الأدوار بين الطالبات المشاركات دون اهتمام بوجودي, ولاحظت والدتي ضيقي من ذلك عند حضورها في آخر الدوام لتوصيلي إلى البيت, ولاحظت انفعالي بقوة عند الحديث, واستفسرت عن سبب ذلك فأوضحت لها الأمر.
(1/10)
وبعد تناول الغداء مع الأسرة, انفردت بي والدتي, وحدثتني بشفقة ونصح, وأوضحت لي بأني في علاقتي مع صديقتي ابتعدت كثيراً عن مفهوم الصداقة, حيث أصبحت العلاقة بيننا علاقة سيطرة وتملك، لا علاقة صداقة وتناصح واحترام متبادل, وأوضحت لي أنه لا يجوز أن أكون نسخة مكررة من صديقتي, ثم زودتني بكتاب قيّم يوضح معنى الصداقة وأسس اختيار الصديقة, والعلاقة الصحيحة التي يجب أن تكون بين الصديقات, واستمتعت بقراءته, واستفسرت عما صعب علي, وأرشدتني حفظها الله إلى كيفية التصرف لعلاج مثل هذه المواقف, وفي اليوم التالي التقيت مع صديقتي في الفصل, وألقيت عليها السلام, وجلست في مكاني, وتفاجأتْ كغيرها من اختلاف أدواتي المدرسية عنها, ولما حاولت الاستفسار عن ذلك التغيير أجبتها بأنني إنسانة مستقلة وذات كيان ووجود ورأي ولست تابعة لها, ثم فسرت لها المعنى الحقيقي للصداقة وهو: "أنها علاقة اجتماعية نفسية سلوكية صادقة, تحيط بها وتقويها مشاعر الحب والتقدير والاحترام المتبادل, وليست السيطرة وسلب الآخرين حرية تصرفهم أو آرائهم النابعة من رغبتهم، وليست تنفيذ ما يأمر به الطرف الآخر".
كما أوضحت لها أن اختيار الصديقة له أسس وضوابط وآداب اجتماعية وشرعية أهمها:
1. أن تكون الصديقة ملتزمة بتعاليم ديننا الإسلامي.
2. أن تكون صادقة وأمينة.
3. أن تكون متفهمة لصديقتها, وتسمع منها.
4. أن تكون مؤتمنة على أسرار صديقتها.
5. أن يكون حبها وصداقتها في الله.
6. النصح عند الحاجة دون طلب.
7. التوافق في الأهداف، والتقارب في الهوايات.
8. الانقياد للحق, وأن تصوب لي أخطائي إن كنت على خطأ.
9. أن تحفظ غيبتي وتحترمني أمام الآخرين.
10. أن تحب لغيرها ما تحب لنفسها من الخير, وتكره لغيرها ما تكرهه لنفسها من الشر.
11. أن تكون إنسانه مبدعة ناجحة, حتى ينعكس ذلك على الطرف الآخر بالخير والمصلحة والفائدة.
12. أن تكون لبقة, وحريصة على الكلمة الطيبة والخلق الحسن.
(1/11)
13. أن تكون ملمة بآداب الحوار وحق الاختلاف.
14. أن تكون بشوشة بسامة.
15. أن تكون متواضعة تحترم الآخرين, ولا تتكبر ولا تتعالى عليهم بما منحها الله تعالى من قدرات وصفات تميزها عن غيرها.
16. أن تكون حافظة وكاتمة لأسرار صديقتها, حتى في وقت الخلاف, ولا تشمت وتفرح لمصائب غيرها.
17. أن تحفظ غيبة صديقتها وتدافع عنها إذا ما رأت من يتكلم عنها بسوء.
18. أن تقدم النصيحة بمحبة ورغبة في الإصلاح ورحمة دون تعالٍ أو تكبر أو غرور.
19. أن تكون حسنة الظن بصديقاتها, وتسأل عنهن باستمرار.
مع التأكيد على أن هذه الصفات لابد أن تتوافر في الطرفين وليس في أحدهما دون الآخر. وبناء على ذلك تجاهلتها لفترة من الزمن لم أصاحبها فيها على الرغم من محبتي لها, وكنت أرى مدى ضيقها بذلك, وبما أن والدتها مدرسة معنا في نفس المدرسة سألتني عما بيني وبين ابنتها ففسرت لها السبب, وبأنني هجرتها مؤقتاً حتى تتأثر وتتغير وتنظر لهذه العلاقة نظرة إيجابية, فأثنت والدتها علي ودعت الله بأن يحفظني من السوء, وقالت لي: إنها تتشرف بأن تكون صديقة لابنتها.
كلمات في الصداقة والصديق
إن الإنسان اجتماعي بطبعه, لا يستطيع أن يعيش وحدة دون أصدقاء, والصداقات على نوعين:
الأول: إيجابي يطور ويسعد من يحسن الاختيار, ويحقق له الإشباع النفسي الذي ينشده.
الثاني: سلبي يدمر ويضيع من يسيء الاختيار.
وعليه فلا بد أن يتوافر للإنسان قبل اختياره الصديق قدر من الفطنة والذكاء والحرص والوعي وحسن التقدير حتى ينجح.
ومعلوم أن الصديق يؤثّر على عقيدة صديقه وقناعته الفكرية والسلوكية والاجتماعية والنفسية, فكم من صديق جر الويلات لصديقه أو كان سبباً في انحرافه, وعندها لا ينفع الندم.
وفي المقابل كم من صديق ساعد صديقه علي الخير, وساهم في تطوير إمكانياته وسلوكياته للأفضل.
(1/12)
ومن خلال الصداقة يتم تبادل الآراء والخبرات والخطط الحالية والمستقبلية, وتبث المشاعر والأحاسيس والهموم, ويتم قضاء أمتع الأوقات.
ولابد أن نعلم بأن المظهر الخارجي للآخرين لا يمكن الاعتماد عليه وحده عند صداقتهم, وإنما لابد من التأكد من سمعتهم الطيبة, والاحتكاك معهم في بعض المواقف الفعلية التي تكشف مدى صلاحيتهم للصداقة.
والآن ابنتي الغالية تدبري معي الآتي:
? قال تعالى في محكم كتابه العزيز: "إنما المؤمنون إخوة" سورة الحجرات:10.
? وقال أيضاً: "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً" سورة آل عمران: 103.
? وقال أيضاً: "الأخِلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون" سورة الزخرف: 67-68.
? وقال أيضاً: "ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً" سورة الفرقان: 27-29.
? وقال أيضاً: "فما لنا من شافعين ولا صديق حميم" سورة الشعراء:100-101.
? وقال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير, فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه, وإما أن تجد منه ريحاً طيبة, ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة" متفق عليه.
? وقال: "الرجل على دين خليله, فلينظر أحدكم من يخالل" حديث صحيح رواه الترمذي وأبو داود.
? وقال أيضاً: "إياكم والظن, فإن الظن أكذب الحديث, ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً" رواه البخاري ومسلم.
? وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "صديقك من صَدَقك لا من صدّقك".
? وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "عليك بإخوان الصدق, فعش في أكنافهم, فإنهم زين في الرضاء وعدة في البلاء".
وقال الشاعر:
(1/13)
أنت في الناس تقاس ... ... بالذي اخترت خليلا
فاصحب الأخيار تسعد ... ... وتنل ذكراً جميلا
صحبة الخامل تكسو ... ... من يؤاخيه خمولا
ويقول الشاعر لبيد بن ربيعة.
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... هو المرء يصلحه القرين الصالح
ويقول الشاعر:
ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يصلح من شأنه
فإنما الدنيا بسكانها ... وإنما المرء بإخوانه
ويقول الأمام الشافعي:
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها ... ... صديق صدوق صادق الوعد منصفاً
والمثل العربي يقول: "الرفيق قبل الطريق".
وقال الأوزاعي:
"الصاحب للصاحب كالرقعة في الثوب إن لم تكن مثله شانته".
وقال صالح بن عبد القدوس:
"شر الإخوان من كانت مودته مع الزمان إذا أقبل, فإذا أدبر الزمان أدبر عنه".
وقال الإمام الغزالي:
إذا طلبت رفيقاً ليكون شريكك في التعلم, وصاحبك في أمر دينك ودنياك, فراع فيه الشروط الذي يصلح بها للأخوة والصداقة, وهي خمسة:
1. العقل: فلا خير في صحبة الأحمق, فإلى الوحشة والقطيعة يرجع آخرها, وأحسن أحواله أن يضرك وهو يريد أن ينفعك, والعدو العاقل خير من الصديق الأحمق الجاهل.
2. الصلاح: فلا تصحب فاسقاً, فإن من لا يخاف الله لا تؤمن غوائله, ومشاهدة الفسق والمعصية على الدوام تزيل من القلب كراهية المعصية وتهون عليه أمرها.
3. حسن الخلق: فمن ساء خلقه لا يملك نفسه عند الغضب والشهوة.
4. لا تصاحب حريصاً: فصحبته على الدنيا سم قاتل, لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء من حيث لا يدري.
5. الصدق: فلا تصحب كذاباً يقرب منك البعيد, ويبعد عنك القريب.
الخاتمة
أيتها البنت الحبيبة:
الآن وبعد الانتهاء من قراءة هذا الكتيب:
هل وجدت نفسك في علاقتك مع صديقتك أنها تسير بمسارها الصحيح أم لا؟
إن كان الجواب بلا, فراجعي نفسك وحاسبيها على التقصير, وقوّمي انحرافها, مستعينة بالله تعالى, مطبقة ومتبعة تعاليم ديننا الحنيف.
واعلمي أن (الصاحب ساحب) فإما إلى الفلاح والنجاح, وإما إلى الحسرة والندامة.
(1/14)
والسلام عليكم ورحمة الله
(1/15)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *