آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي لبدر العبري - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي لبدر العبري

 





الكتاب: آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي لبدر العبري
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
مقدمة البحث
للحضارة الإنسانية مظاهر وآثار تتبلور في العديد من مظاهر حياتها، وتتنوع أشكالها وطرقها، ومن هذه المظاهر والآثار، والتي لها دور في تقدم الأمم والمجتمعات؛ تنوع الطرق، لذا كانت العناية بها بالغة، فسنت لذلك نظما وقيما لرقيها وتنظيمها.
والحضارة الإسلامية سباقة في هذا الميدان، انطلاقا من كتاب الله تعالى، والذي شرع للإنساية نظما تنظم حياتها، الفكرية والتربوية، والاجتماعية والاقتصادية، والسياسية والخلقية، وهذه النظم والتعاليم تعم نواحي الحياة والتي منها الطرق بأنواعها، لذا كان من النبي صلى الله عليه وسلم أن أسقطها على الواقع، وطبقها تطبيقا عمليا، فكانت سنة عملية لأمته والإنسانية.
ومن هذين المنهجين، كتاب الله تعالى، وتطبيق الرسول العظيم؛ كانت تطبيقات وتقعيدات الفقهاء في أحكام الطرق حدا وآدابا، مما كانت ثروة منهجية للمهتمين في سياسة الطرق والمرور في العصر الحديث.
لذا سيتبين لنا من خلال هذا البحث المتواضع، ونحن نستعرض التطبيقات المعاصرة لقواعد المرور؛ سيظهر لنا نظائرها في الفقه الإسلامي الشامل، والذي يدلّ على سبقه الحضاري في هذا الجانب وغيرها من مظاهر الحياة.
وقد عنونت بحثي هذا بـ آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي، وقد قسمته بجانب المقدمة والخاتمة إلى أربعة مباحث:
المبحث الأول تحدثت فيه عن تعريف الطريق لغة واصطلاحا، مع ذكر قسميه العامّ والخاص، مع بيان بعض أسمائه وأنواعه القديمة والمعاصرة، وختمته بتعريف آداب الطريق بوجه عام.
(1/1)
المبحث الثاني وفيه تحدثت عن الكليات الأربع لآداب الطريق في القرآن الكريم، فالأولى بينت فيها أنّ الطريق من نعم الله تعالى الواجب شكرها، والثانية كانت عن التحذير من مهلكات الطرق والإفساد فيه، أما الثالثة فبينت فيها وجوب اتباع الأنظمة والقوانين والأدبيات والتي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه، والرابعة كانت عن وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق، مدرجا التطبيقات العملية للنبي صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثالث فخصصته عن تطبيقات آداب الطريق المعاصرة ونظائرها في الفقه الإسلامي، حيث أن آداب الطريق المعاصرة يمكن جمعها في ستة جوانب: الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة، الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة، الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب، الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق، الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق، الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته، مدرجا بعض النظائر الفقهية، والتي تدل على البعد الحضاري للفقه الإسلامي.
المبحث الرابع: تحدثت فيه عن البعد العقدي وأثره في أدبيات الطريق ونظمه المعاصرة.
راجيا أن أكون وفقت في عرض المادة بالصورة الحسنة، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
كتبه: بدر بن سالم بن حمدان العبري
واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية / سلطنة عمان
مسقط / الموالح الجنوبية
1431هـ/ 2010م
المبحث الأول:
في التعريف بالطريق وذكر أسمائه وأقسامه
في هذا المبحث أتطرق إلى تعريف الطريق، مبينا الأسماء المتعلقة به، مع الإشارة إلى أقسامه.
(1/2)
الطريق في اللغة من طرق، وهو المطروق، والممر الواسع الممتد من أوسط الشارع (1)، وفي الاصطلاح جاء في قانون المرور بشرطة عمان السلطانية بأنّه كل سبيل مفتوح للسير العام، سواء للمشاة أو الحيوانات أو لوسائل النقل أو الجر، ويشمل الطرقات والشوارع والساحات والممرات والجسور التي يجوز للناس عبورها (2)، وجاء تعريفه في نظام المرور بالمملكة العربية السعودية بأنّه كلّ سبيل مفتوحة لسير وسائط النقل والبحر والمشاة والحيوانات (3)، وعرفه الشيرازي بقوله: سبيل مفتوح للمرور العام من مشاة وحيوانات ومركبات، بما في ذلك الشوارع والساحات والجسور أو ما يشابهها (4)، بينما عرّفه محمد علي القحطاني بقوله: الطريق هو المكان المخصص لسير الناس أو المواشي أو العربات أو السفن أو الطائرات في البر أو البحر أو الجو (5).
ونلاحظ التعريف الأخير جاء شاملا من حيث النوع في النقل فهو يشمل البر والبحر والجو، إلا أنّ هذا التعريف أقرب إلى المدلول اللغوي؛ لأننا عندما نعرف الطريق فاصطلاحا يعم الجالس والماشي والراكب والقائد للمركبة، وهذا يغلب غالبا على الطريق البري، لذا كانت التعاريف الثلاثة الأولى أدق في المعنى، وأقرب إلى المراد منه.
__________
(1) المعجم الوسيط، تأليف إبراهيم مصطفى وآخرون، ط المكتبة الإسلامية/ استانبول – تركيا، لا تاريخ، 1/ 566.
(2) قانون المرور، موقع شرطة عمان السلطانية، الإدارة العامة للمرور، www.traffic.gov.com
(3) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، أعدها: محمد علي شبيب القحطاني، ص 23، مخطوط.
(4) فقه المرور، محمد الشيرازي، ط هيئة محمد الأمين (ص)، الكويت، الطبعة الأولى 2000م، نسخة الكترونية.
(5) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص24.
(1/3)
وللطرق أسماء ذكرها الفقهاء منها السبيل والشارع وهو الطريق الأعظم الذي يسلكه الناس عامة، والفج، وجمعه فجاج، وهو الطريق الواسع بين جبلين، والممر موضع المرور، والمسلك، والدرب ونحوه (1).
وللطريق قسمان: طريق عام وهو ما لا يحصى مستخدموه، فلا يختص به فرد معين؛ بل يشترك الناس في الانتفاع به، ويعبر عنه بالطريق النافذ أو الأعظم، أو طريق المسلمين، والنظر فيه موقوف على رأي الإمام أو نائبه؛ لأنّه من الحقوق العامة (2).
والطريق الخاص هو الذي يختص به فرد أو أفراد معينون، ولا يشاركهم فيه أحد في الانتفاع إلا بإذنهم، ومن صفاته كونه مسدودا من أحد طرفيه، ويعبر عنه بالطريق غير النافذ (3).
__________
(1) ينظر: أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص19 - 22، بتصرف.
(2) المصدر نفسه، ص 25، بتصرف.
(3) المصدر نفسه، ص26.
(1/4)
ويدخل في الطريق بنوعيه حسب التقسيم العصري عبور المشاة وهو المكان المخصص لمرور المشاة ومخطط لهذا الغرض، في الشوارع والطرق، والذي يجب على السائق الوقوف قبله ليتمكن المشاة من السير عليه بأمان (1)، والمعبد وهو قسم من الطريق معد لسير المركبات (2)، والمسلك وهو جانب من المعبد معد للسير في جهة واحدة (3)، والمسرب: قسم من المسلك محدد الجوانب، ويسمح عرضه بمرور المركبات بالتتابع (4)، والخط: هو الحيز الذي يقسم المسلك إلى مسربين ويكون: أ/ متصلاً، ب: متقطعاً، ج/ عمودياً على محور الطريق، وفي هذه الحالة يلزم التوقف عنده، حتى خلو الطريق أو تبديل الإشارة (5)، والمدرج: قسم من الطريق خاص بسير الدراجات، وينفصل عنه انفصالاً بينا (6)، والطريق العريض: طريق ذو مواصفات معينة، مخصص لمرور السيارات فقط (7)، وطريق دولي: طريق يربط الدول بعضها ببعض (8)، والتقاطع: هو مكان تلاقي طريقين على مستوى واحد، أو تلاقي طريق مع خط حديدي، مهما كانت درجة زاوية تقاطع محوري الطريقين (9)، والمفترق: هو مكان تلاقي أكثر من طريقين في مستوى واحد، مهما كانت درجة زاوية محاور الطرق. (10)
والفقهاء القدامى أيضا وضعوا أنواعا للطريق منها مثلا طريق المشاة، وطريق السقاية، وطريق الجمال، وطريق الحطابة، وطريق الحمير، وطريق الحجاج (11)، وهكذا كما هو مبين في كتب الفقه.
__________
(1) فقه المرور، مصدر سابق.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
(8) المصدر نفسه.
(9) المصدر نفسه.
(10) المصدر نفسه.
(11) ينظر: القسمة وأصول الأراضين، لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسسطائي النفوسي، تحقيق: محمد صالح ناصر، وبكير بن محمد الشيخ بلحاج، ط مكتبة الضامري، الطبعة الأولى 1992م، ص 443 - 444.
(1/5)
ومن خلال هذا المبحث يمكن أن نخلص في تعريف آداب الطريق، وهي الأدبيات والأنظمة المتعلقة بحفظ الطريق بما فيه من ممتلكات عامة، ومشاة، وركبان، ودواب، ومركبات، ويضمن بها حفظ الأرواح والأموال، والأعراض.
وفي المبحث الثاني سأتطرق إلى الكليات القرآنية في أدبيات الطريق، مع التطبيق العملي لها من قبل النبي عليه الصلاة والسلام.
المبحث الثاني:
القواعد الكلية لآداب الطرق في القرآن الكريم
لقد منّ الله تعالى على عباده بشريعة تنظم أمر حياتهم، بها يحفظون أنفسهم من الهلاك، وأموالهم من التلف، وأعراضهم من الفساد، لذا سنّ سبحانه من الأدبيات والأحكام ما تحفظ الإنسان في مجرى حياته، وهو المتولي به سبحانه بعد مماته.
ومما يميز الشريعة الربانية أنّها شريعة خالدة خلود الزمان حتى يرث الله الأرض ومن عليها، من هنا نجد الله تعالى في كتابه الكريم وضع أسسا وقواعد عامة يسير عليها الناس، وقلما يدخل في التفاصيل لهذه الأحكام والأدبيات، عدا بعض ما يتعلق بالعبادات والمواريث وشبهها؛ لأنّ العبادات من الجوانب التعبدية المحضة والتي قد لا يفقه العقل البشري سرها، وإنما يستخلص آثارها الناتجة منها، والمواريث مما يعظم فيه النزاع، ويشتدّ فيه الخلاف، لذا فصله الله تعالى تفصيلا.
أما ما يتعلق بحياة الناس السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والتربوية ونحوها، فهذه ماهيتها ترجع إلى حياة الناس ووجودهم، ومدى تأثرهم ببعضهم البعض، واكتشافهم لبعض السنن الكونية، مسخرينها في تقدمهم واستغلالهم لمكتشفاتهم المعاصرة، لذا كانت شريعة الله تغرس الأدبيات الكلية، والخطوط العريضة، والتي يجب أن يسير عليها الناس، لتنتظم حياتهم، وتستقيم أفعالهم، أما كيفية إنزالها فقد ترك لعقولهم المجال الواسع لوضع الخطط الكفيلة للجمع بين حياة الناس وتعاليم الله تعالى؛ لأنّها أساس لاستقامة واستمرارية الوجود البشري.
(1/6)
وإذا جئنا إلى الطريق وآدابه نجد الله تعالى وضع فيه كذلك القواعد الكلية، والأدبيات السامية، ما ينظم أمر الطريق، ويحفظ مرورهم وسيرهم فيه، ثمّ نجد تطبيقات عملية من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وذلك وفق العصر الذي عايشوه، بما يحويه من طرق سير تناسب زمانهم، وهي تدخل عموما في الكليات القرآنية.
ومن خلال اطلاعي البسيط لبعض الأطروحات المعاصرة في آداب الطرق وأحكام السير والمرور، أجد تكرارا كبيرا في عرض هذه القواعد والأدلة على التطبيقات العملية، لذا رأيت أنّ أتحدث عنها أولا؛ ليدرك القارئ الكريم هذه القواعد مستحضرا لها، ثم أجنبه التكرار المخل، والإسهاب الممل أثناء عرض التطبيقات العملية.
ومن خلال استقرائي البسيط لآيات الله تعالى والتي تدخل عموما في هذا الباب يمكن أن نضعها في أربع كليات:
الكلية الأولى: الطريق من نعم الله تعالى الواجب شكرها.
الكلية الثانية: التحذير من مهلكات الطرق والإفساد فيه.
الكلية الثالثة: وجوب اتباع الأنظمة والقوانين والأدبيات والتي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه.
الكلية الرابعة: وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق.
أما إذا جئنا إلى الكلية الأولى فنجد الله تعالى يمتن على عباده بنعم عظيمة، وأعظمها هذه الأرض، والتي سخرها لهذا الإنسان، ويسر سبلها له، يقول تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (1).
__________
(1) الحجر/ 19 - 21.
(1/7)
وبين سبحانه من خلال فصة سبأ نعمة الأمن في الطريق، وإنها أساس تقدمهم اقتصاديا، واطمئنانهم نفسيا، يقطعون الليالي والأيام في وقت قصير، وهم آمنون في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فاستقام حالهم، وكثرت القرى وتقاربت، فقلت المسافة، وانتعشت الحياة، قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (1)، فليست العبرة بسعة الطريق بقدر توفر نعمة الأمن والاطمئنان فيه، فيخرج الإنسان ليقضي حوائجه آمنا مطمئنا، لذا عندما أفسد أهل سبأ في الأرض، فقدوا نعمة الأمن في سيرهم وترحالهم، وشعروا ببعد المسافة، وأبدلوا بالأمن خوفا، وبالتقدم تخلفا، وبالاستقرار اضطرابا، فتأثرت معيشتهم، وسقط بنيانهم، قال تعالى: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (2).
وما كان من رحلتي الشتاء والصيف بين مكة والشام إلا آية من آيات الله تعالى، فيقطعون القيافي والقفار بأمن واطمئنان، فلا يشعروا بقساوة السفر وشدته، فانتعش الجانب الحيوي والاقتصادي في مكة والشام، قال تعالى: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (3).
فالطرق وأماكن السير من نعم الله تعالى الناطقة بعظمته، والدالة على وجوده سبحانه، فإذا كان معها الأمن كانت عنصر خير وبناء وتقدم للأمم والمجتمعات البشرية، لذا نجد اليوم أنّ تطور المجتمعات المتقدمة من أسبابه سعة الطرق وتقدمها، بجانب توفر الأمن فيها.
__________
(1) سبأ/ 18.
(2) سبأ/ 19.
(3) قريش/ 1 - 4.
(1/8)
ومن أعظم الإفساد في الطرق، والذي يخلخل عنصر الأمن وروحه الاستهتار بآدابها، والغرور والكبر فيها، فتكون هذه الطرق بدلا من أداة تقدم للأمم أداة ذعر وخوف ورجعية، لما تفقده هذه الأمم من أرواح غالبها من الشباب، والذين هم سواعد بنائها ورقيها.
وإذا جئنا إلى التطبيق العملي للنبي صلى الله عليه وسلم نجده يشيد بأمر أمن الطرق أيما إشادة، ففي الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا يا رسول الله: ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فاعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (1)، وزاد الهيثمي في مجمع الزوائد قال: وأحسبه قال: وإرشاد الضال (2).
وقد ورد في هذه الرواية أدبيات أخرى باختلاف طرقها، جمعها ابن حجر الشافعي بقوله:
جمعتُ آداب من رام الجلوس على الطر يق من قول خير الخلق إنسانا
افش السلام وأحسن في الكلام ... وشمّت عاطسا وسلا ما ردّ إحسانا
في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث ... لهفان اهد سبيلا واهد حيرانا
بالعرف مر وانه عن نكر وكفّ أذى ... وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا (3)
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الاستئذان، باب (2)، حديث رقم: (5875)؛ ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات، وإعطاء الطريق حقه، حديث رقم: 114 – 2121.
(2) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، المجلد الثامن، كتاب الأدب، باب الجلوس على الصعيد وإعطاء الطريق حقه، حديث رقم: 12935.
(3) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، وذلك نقلا عن فتح الباري، 11/ 11.
(1/9)
فصار بهذا أربعة عشر أدبا، وهي بمجموعها داخلة في الحفاظ على أمن الطرق، وحفظا لسلامة المارة، ومراعاة لسيرهم في قضاء حوائجهم، فإن خرجوا فيلاقون مجتمعا مثقفا يعطي الطريق حقه، فيلاقونهم بالسلام والأمان فتستقر نفوسهم، بل حتى في أبسط الأمور فإذا عطسوا شمّتوا، وإن أساؤا نبهوا، فيحسن من يلاقونهم معهم قولا، ويعينونهم فعلا، وينصرونهم إذا ظُلموا، ويأمنونهم في أعراضهم وأرواحهم، ويحفظونهم في أموالهم، فبهذه الأدبيات التي أشاعها النبي صلى الله عليه وسلم بين قومه عمّ الأمن والاطمئنان في طرق المسلمين، لذا لم نجد غرابة أن تتقدم المدينة وحواضر المسلمين، وأن يشعر الناس في عهد بالأمن في ديارهم وطرقهم، وهو القائل عليه السلام: كلّ المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه. (1)
فهذه الأدبيات أشاعها النبي صلى الله عليه وسلم وفق الزمن الذي عاش فيه، وذلك شكرا لنعمة الله تعالى أن سير للناس أمر معاشهم، وسهل لهم انتقالهم، وثانيا حفاظا على نعمة أمن الطريق من عبث العابثين.
ونحن اليوم أولى أن نحقق هذه الأدبيات وفق ما يسمى بـ "السلامة المرورية"، والتي سنتحدث عنها أكثر في المبحث الثاني.
__________
(1) رواه الإمام أبو داود من طريق أبي هريرة، كتاب الأدب، باب الغيبة، حديث رقم: 4882، وابن ماجة من الطريق نفسه، كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله، حديث رقم: 3933.
(1/10)
أما إذا أتينا إلى الكلية الثانية فاعتبرت الشريعة الحفاظ على الطرق وأمنها، وعدم الإفساد فيها قبل أن يكون مطلبا شرعيا، اعتبرته جزء من مفرزات وآثار عقيدة المسلم، فهو نابغ من تعظيمه لله تعالى وشكره له، من هنا أدبيات الطريق في الشرائع السماوية ليست أمرا دنيويا فحسب؛ بل هو أمر أخروي يُحاسب عليه الإنسان يوم القيامة، فالإفساد في الطرق من الكبائر الشنيعة، والتي لا تقل شناعة عن ترك الصلاة والصيام والزكاة، بل لا معنى لهذه الشعائر وهو يفسد في طرق المسلمين، ويخل بأمنهم، فالدين كلّ لا يتجزأ، وشريعة شاملة لا تقتصر على المساجد فحسب؛ بل تعم نواحي الحياة بما فيها الطرق، وفي الوقت نفسه لا تنحصر على الأوراد والأذكار؛ بل تعمّ الأقوال والأفعال التي يمارسها الإنسان في سلوكياته وأفعاله، ويدخل فيها تعامله مع الطرق.
من هنا الإفساد في الطرق جريمة شرعية يترتب عليها العقاب الأخروي، وهذا ما دلّ عليه آيات الكتاب العزيز، فالذي لا يبالي بأدبيات الطريق لا شك سيلقي بنفسه وإخوانه من المارة والمشاة والركبان وغيرهم في الهلاك، والله تعالى يقول: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (1)، فليس من الإحسان العبث في الطريق، وعدم التقيد بأدبياته، وعكس الإحسان الإساءة، والإساءة من الكبائر الموبقة والتي تؤدي كثيرا إلى نتائج وخيمة، وعلى رأسها إزهاق الأرواح البريئة والتي قال الله تعالى فيها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (2)، فكم من أرواح أزهقت بسبب طيش الطائشين، ولعب المتلاعبين، واستهتار المستهترين، فضلا عن ترمل نساء بلا ذنب، وتيتم أطفال بلا جرم، وضياع أموال وأوقات بسبب هذه السفه الطائش.
__________
(1) البقرة/ 195.
(2) النساء/ 93.
(1/11)
فأدبيات المرور أو قواعد السلامة المرورية تحفظ الإنسان من الهلاك في الطرق، والإخلال بها إيقاع للنفس في التهلكة، وهذا يدخل – كما قرره العديد من الفقهاء المعاصرين – في الانتحار أو القتل العمد، ويترتب عليه آثاره من أحكام، يقول أحمد الخليلي عندما سئل عن حكم تعدي السرعات المحددة: قلنا أكثر من مرة بأنّ هذه السرعة الخارجة عن الاعتدال تعد من الانتحار، بل هي أشد جرما، وأعظم إثما من الانتحار؛ لأنّ المنتحر يقضي على حياة نفسه، وهذا الأرعن الذي لا يبالي بنفسه ولا بغيره يقضي على حياة نفسه وحياة الآخرين، فهو يتحمل إثم كلتا الجريمتين (1).
أما المسلم المؤمن الحق فهو الذي يمشي على الأرض هونا، مراعيا آداب الطرق، وقواعد السلامة فيها، لأنّه يعلم أنّ هذا داخل في عبادته لله تعالى، ومسؤول عنه يوم القيامة، قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (2)، فهم يمشون على الأرض هونا، خاليا من الكبر والغرور، ولو حاول المفسدون السخرية منهم بتقيدهم بأنظمة وسلامة الطريق قالوا: سلاما، لأنهم يعملون بذلك رضا لرب العالمين، وحفظا لأرواح الآمنين، وسعيا في إظهار النظام والخير للناس أجمعين.
__________
(1) الفتاوى، أحمد بن حمد الخليلي، الكتاب السادس، الطبعة الأولى، 1431هـ / 2010م، ط مكتبة الأجيال/ سلطنة عمان، ص230.
(2) الفرقان/ 63.
(1/12)
والذي لا يتقيد بأدبيات الطريق وأنظمة السلامة فيه يعتبره القرآن مغرورا متكبرا، وهي كبائر تنمي عن خبث النفس، وفساد الباطن، تحبط ما عمله من صالحات، فما الذي يدفعه إلى مخالفة الأنظمة التي سنها العقلاء لحفظ روحه وأرواح أخوانه إلا الفخر بالنفس والغرور بها، قال تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (1)، فمشي المرَح يدخل فيه القيادة والمشي في الطرق بلا مراعة لأنظمتها، ولا تقيد لقوانينها، وهؤولا يبغضهم الله ويمقتهم، وبغض الله لا يكون إلا لمن ارتكب محرما، وجرما فاحشا، فعلى هؤلاء القصد في المشي، ولا يكون إلا باتباع الأنظمة، والتقيّد بالأدبيات والقوانين، قال تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (2).
وهذه الكلية أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيقها في المجتمع، فحث على الحفاظ على سير الطرق واحترامها، وبين الثواب المترتب على ذلك، وحذّر من الإفساد والعبث فيها، بل بين أنّ الحفاظ على الطرق جزء من إيمان الإنسان بالله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الطريق عن الأذى، والحياء شعبة من الإيمان (3)، وهو تطبيق لكليات القرآن التي لم تفرق بين الإيمان والعمل، بل هما في الجملة شيء واحد، فحفاظ المسلم على قوانين المرور، ورفعه الأذى عنه جزء من إيمانه، وثمرة من ثمرات توحيده لله تعالى.
__________
(1) لقمان/ 18.
(2) لقمان/ 19.
(3) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي هريرة، وعزاه إلى مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة، وقال: صحيح، المجلد الثالث، فصل في المحلى بأل من حرف الألف، حديث رقم: 3096.
(1/13)
بل أمر عليه الصلاة والسلام أمرا صريحا برفع الأذي عن طرق المسلمين حيث قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين (1)، وفي رواية: نح الأذى عن طريق المسلمين (2)، وإزالة الأذى من الأعمال التعبدية التي يثاب عليها فاعلها، يقول عليه الصلاة والسلام: من عارضه شوك –أي في الطريق- فأخرجه شكر الله له وغفر له (3)، فإذا كان هذا مجرد شوكة قد تدمي جزء من الجسد، فما بالكم بالأنظمة التي لا تحفظ جزء فحسب بل أرواحا وأسرا، ومجتمعات وأمما، وعلى هذا اعتبر عليه الصلاة والسلام كلّ من لا يبالي بالطرق هو ضامن شرعا للآثار الناتجة من سوء تصرفه حيث قال: من ربط دابة على طريق المسلمين فأصاب فهو ضامن (4)، واليوم الذي لا يبالي بالسلامة المرورية لا في مركبته، ولا في سيره، هو أيضا ضامن شرعا للآثار المترتبة على تسويفه وتهوره.
وكما أنّه حث عليه الصلاة والسلام على رفع الأذى عن طريق المسلمين أيضا حذر من إيذائهم، ومن جملة إيذائهم إيذائهم في طرقاتهم، فقال عليه السلام: لا تؤذوا المؤمنين (5).
فهذه التطبيقات العملية من قبله عليه الصلاة والسلام تحوي من الدلالة الكبرى على الحفاظ على الطرق ومنع الإفساد بها، ونحن اليوم أولى أن نحقق هذه التطبيقات العملية، لأنها من صميم ديننا، وسنسأل عنها يوم نلقى الله تعالى.
__________
(1) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي برزة، وعزاه إلى مسلم وابن ماجة، وقال: صحيح، المجلد الأول، فصل حرف الألف، حديث رقم: 1157.
(2) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي برزة، وعزاه إلى أبي يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وقال: صحيح، المجلد السادس، باب حرف النون، حديث رقم: 9257.
(3) رواه الربيع في مستده، حديث رقم: 731.
(4) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال من طريق النعمان بن بشير، حديث رقم: 40112.
(5) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عطاء عن ابن عباس، باب الظاء، أحاديث عبدالله بن عباس.
(1/14)
وإذا جئنا إلى الكلية الثالثة وهي وجوب اتباع الأنظمة والقوانين والأدبيات التي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه، حيث أنّ الطرق في تأريخها ذات تطور باختلاف الآلة المستخدمة فيها، فالطرق التي تُجر فيها الحمير والبغال تختلف عن الطرق التي تُقاد فيها السيارات، والثانية تختلف عن طرق القطارات وهكذا، لذا كانت هناك أدبيات مشتركة بين الأزمان، وهناك مستجدات بما يناسب الزمان والمكان.
لذا رأينا القرآن الكريم لم يتحدث عنها بصورة تفصيلية بل أرجع ذلك إلى عقول الناس وأعرافهم، ونحن اليوم مع تشعب الطرق، وخطورة الآلة المركوبة؛ أجمع العقلاء على إيجاد أدبيات تحفظ أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم، سواء تعلقت هذه الأدبيات بالآلة المركوبة، أو بالشخص الماشي أو الراكب، أو القائد للمركوب، أو بالطريق ذاته، وسواء كانت الأدبيات من قبل جهات معينة، أو توصيات لمؤتمرات، أو بما يراه الحاكم أو النائب عنه في الجهة المعنية مناسبا؛ فكانت هذه القوانين ملزمة العمل بها، ومخالفتها ليست مخالفة قانونية فحسب؛ بل هي مخالفة شرعية يترتب عليها الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي، لقاعدة: ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، ولقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وهذا ما دلّ عليه قوله وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (1).
__________
(1) النساء/ 59.
(1/15)
وأولو الأمر ليس بالضرورة أن يكونوا الحكام ذاتهم؛ بل أيّ جهة معتمدة تسهر لحفظ حياة الإنسان المادية والمعنوية، فهي تدخل في دائرة أولي الأمر، لذا عصيانها ما دام لم يخالف نصا شرعيا هو عصيان لله تعالى، ويُعتبر من الذنوب المخالفة لحقيقة الإيمان كما بينا آنفا، وإذا كانت هذه الأدبيات عالمية يجب اتباعها ما دامت لحفظ الإنسان ذاته ولو من قبل جهات غير مسلمة؛ لأنّ الحفاظ على الروح الإنسانية، ومنع إلحاق الضرر بها مطلب شرعي، كما أنّ الحفاظ على الممتلكات الذاتية والعامة أيضا مطلب شرعي، من هنا حرّم الله تعالى إعطاء السفهاء أموالا كالسيارات يفسدون بها في المجتمع، وبها يزهقون أرواحهم، ويلحقون الضرر بهم، قال تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (1).
__________
(1) النساء/ 5.
(1/16)
والنبي صلى الله عليه وسلم في تطبيقاته العملية بين ذلك حيث قال: السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره، ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة (1)، بل أنّ مبايعته لأصحابه كانت على هذه القاعدة، فعن جرير قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، والنصح للمسلمين (2)، وعلى هذا جرى أصحابه، فعن عبدالله بن عكيم قال: بايعت عمر بيدي على السمع والطاعة فيما استطعت (3)، وذلك لأنّ هذا الحاكم أو تلك الجهة كانت مخولة من قبل الشعب لتقضي بينهم فيما يحقق مصالحهم، وفي المقابل على المحكومين أو الشعب السمع والطاعة، وإلا كان حكمها عبثا، وإلزامها فوضى، وهذا داخل في دائرة كليات الشرع الحنيف، فإن خرج فلا سمع ولا طاعة ولا كرامة.
ولا ينكر عاقل لبيب في إنّ أدبيات وقوانين السلامة والمرور اليوم داخلة في كليات الشريعة الغراء، لذا كان الالتزام بها فريضة شرعية، ومخالفتها معصية يترتب عليها كما أسلفنا الثواب والعقاب، فلا يجوز شرعا ولا قانونا مخالفة هذه الأنظمة، وهي في جملتها مخالفة لطاعة الله والرسول.
__________
(1) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من ابن عمر، وعزاه إلى الشيخين والأربعة، وقال: صحيح، المجلد الرابع، فصل في المحلى بأل من حرف السين، حديث رقم: 4827.
(2) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال، المجلد الأول، كتاب الإيمان والإسلام، في البيعة من مسند عمر، حديث رقم: 1514.
(3) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال، المجلد الأول، كتاب الإيمان والإسلام، في البيعة من مسند عمر، حديث رقم: 1497.
(1/17)
أما الكلية الرابعة وهي وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق، فلأنّ في المجتمع شواذ لا ينصاعون لقانون، ولا يتهيبون ليوم الوعيد، فلا يبالون بأنظمة السير وقوانينه، فكم فتكوا من أرواح، وكم شتتوا من أسر، فهؤلاء من السفهاء الذين لا يجوز شرعا ولا قانونا أن يملّكوا أموال المسلمين، وفي المقابل يجب وضع العقاب الناجع لهم إن لم تجد النذر والنصح.
ولهذا شدد الله تعالى في أمر المفسدين في الأرض، ووضع لهم العقوبات الزاجرة حيث قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).
ونلاحظ من خلال المنهج الرباني في علاج الإفساد في الأرض حيث نجده أقرب إلى العقوبات البدنية منها المالية، لما لها من أثر عميق في النفوس، خلافا للعقوبات المالية، فهي وإن كان لها أثر إلا أنّها سريعة الزوال والنسيان، مع أنّ بعض المستهتترين بالطرق منهم من عنده القدرة المالية ممن لا يبالي بالعقوبة أصلا، لذا نجد المخالفات المرورية في ازدياد، والحوادث في صعود، رغم مضاعفة العقوبات المالية، بينما كانت العقوبات البدنية علاجا حكيما للمجتمعات المسلمة ردحا من الزمن، فشارب الخمر مثلا لن يستطيع أن يمشي في الأسواق حاملا دابته ورائحة الخمر تفوح منه؛ لأنّه يعلم مصيره عند الجهة المعنية، بينما اليوم كم من الحوادث الناتجة بسب الكحول المسكر!!!
__________
(1) المائدة 33 - 34.
(1/18)
لذا نجد الله تعالى بين أنّ الإفساد في الأرض لا بد أن يُدفع بقوة، وأن تكون العقوبات صارمة، ومنها الإفساد في الحوادث، وليت شعري أيّ إفساد أعظم وأكبر من إفساد طفل بريء ينتظر أباه فيرجع أشلاء متفرقة، وأيّ إفساد أشدّ وأطغى من أبوين ضعيفين أكلهما الدهر، وقلوبهما متعلقة بابنهما، فيرجع إليهما معوقا مقعدا بسبب هذه الحوادث الأليمة، من هنا يجب أن يكون العقاب مناسبا لحجم الفساد، وإلا كان لا فائدة منه، فلو علم هؤلاء المفسدون في طرق المسلمين أنّ عقابهم بدني مؤلم، أو نفي من الأرض لما جرّهم بعد ذلك إلى العودة إليه، ولكانوا عبرة لغيرهم، وفي الأخير سنضع العلاج السليم في مكان الجرح الدامي.
والرسول صلى الله عليه وسلم في تطبيقاته العملية بين أنّه يجب أن يُؤخذ على أيدي المسيء بقوة حيث قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهنّ عن المنكر، ولتأخذنّ على أيدي المسيء، ولتأطرنّه على الحق أطرا، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم –أي بني إسرائيل- (1).
وطبيعة الحال أنّ الأخذ بيد هؤلاء قد يكون باللسان وهذا على الجميع فعله، لتكون ثقافة السلامة المرورية سائدة بيننا، ولنذّكر بعضنا البعض بها، فكما يُقال "كلنا شرطة" أي نتعاون جميعا في تحقيق السلامة المرورية بأنظمتها وأدبياتها.
__________
(1) أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد من طريق أبي موسى الأشعري، المجلد السابع، كتاب الفتن، باب وجوب إنكار المنكر، حديث رقم: 12153، وعزاه إلى الطبراني وقال: ورجاله رجال الصحيح.
(1/19)
أما الأخذ بهم كعقوبة مادية أو بدنية حسب النظام المعمول به فهي ترجع إلى الجهات المختصة لا عموم الناس، وهذا ما بينه النبي عليه السلام عمليا من خلال قوله: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (1)، يقول أبو حامد الغزالي: فعلى الولاة تكليف الناس القيم بها –أي القادرين على منع المفسدين في الطرق باليد ممن لهم صفة رسمية- وليس للآحاد إلا الوعظ فقط (2).
والحاصل أنّ الإرشادات المرورية، والتذكير بأدبيات السلامة في الطرق داخل جملة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتذكير بها يعم الجميع، فلا تقتصر على رجال المرور فحسب؛ بل تعم جميع شرائح وفئات المجتمع، والرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آداب الطريق الذي مر ذكره في الكلية الأولى سنّ للجلوس في الطرق من الأدبيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه ضمنا الراكب والماشي والسائق للمركوب، فالكل يعمهم هذا الأمر.
وبهذه الكليات الأربع تكون الطرق مصدر رحمة وأمن، وينتج عنها انتعاش اقتصادي، وتطور ميداني، وبها تُحفظ أرواح الناس، وتُصان أعراضهم وأموالهم، وفي المبحث الثاني أتطرق إلى التطبيقات العملية المعاصرة، لندرك أهميتها وفق الكليات الأربع التي أسهبنا الحديث حولها.
المبحث الثالث:
التطبيقات المعاصرة لآداب الطريق ونظائرها الفقهية
اجتمعت عقول العقلاء في العالم على وجوب إيجاد أدبيات ونظم توافق الطرق المعاصرة، مع إلزامية تطبيقها، وعقوبة من يخالفها؛ لأنها أساس استقامة الطريق، وحفظ أرواح الناس.
__________
(1) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق أبي سعيد، وعزاه إلى أحمد ومسلم والأربعة، وقال: صحيح، المجلد السادس، تتمة باب حرف الميم، حديث رقم: 8687.
(2) إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي، ط دار الفكر /بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م، 2/ 292.
(1/20)
ولا يمكن بطبيعة الحال أن أستعرض جميع هذه الأدبيات والنظم في هذا البحث المتواضع، وذلك لكبر حجمها، وكثرة تفصيلاتها، لذلك كانت هناك كتب مختصة لبيانها (1)، ومواقع تحوي محتوياتها، وهي في الجملة داخلة في الكليات الأربع السالف ذكرها في المبحث الثاني، لذا أشير إلى نماذج منها، لأبين مدى تأصيلها الفقهي، ونظائرها في الفقه الإسلامي.
ومن خلال نظري الضعيف لهذه الأدبيات يتبين لي أنّها تشمل ستة جوانب:
الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة.
الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة.
الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب.
الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق.
الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق.
الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته.
وفيما يلي أذكر نماذج لكل جانب مبينا تقسيمات بعضها، ذاكرا بعض نظائرها الفقهية:
__________
(1) مثلا: قواعد المرور، وهو منشور في موقع المرور بشرطة عمان السلطانية.
(1/21)
الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة: وتُعرّف المركبة بأنّها وسيلة من وسائل النقل أو الجر، أعدت للسير على عجلات أو جنزير، وتسير بقوة آلية أو جسدية (1)، والآلة تختلف باختلاف الزمان، فهناك البغال والحمير والخيول والإبل، واليوم السيارات بأنواعها، والناقلات الكبيرة كالحافلات والشاحنات، بجانب القاطرات والطائرات، قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (2)، ونقتصر هنا على المسُتخدم اليوم غالبا في الطريق الشائع ومنها: السيارة، والدراجة الآلية، والدراجة العادية، والمقطورة، والقاطرة، والمركبة الخاصة، ومركبة التأجير، ومركبة الأجرة والتأجير، والحافلة، والشاحنة، والمعدة، وسيارة الطوارئ، وسيارة التعليم، وسيارة ذات الاستعمال الخاص، والجرار (3)، ومن أدبياتها العامة:
1. أن تكون مسجلة ومرخص قيادتها من قبل الجهات المعنية (4).
2. توفر في المركبة أدوات السلامة الرئيسة نحو: القاعدة "شاسية"، والمحرك "موتور"، ومنبه للصوت واضح، وعداد السرعة ونحوها (5).
3. لا يجوز ترك المركبات أو الحيوانات أو الأشياء المحمولة في الطريق بحالة ينجم عنها تعريض حياة الغير أو أموالهم للخطر، أو تعطيل حركة المرور، أو إعاقتها (6).
4. التأكد أنّ المركبات تلبي الحد الأدنى من معايير السلامة (7).
5. التأكد من شغل المصابيح بما فيها الإشارات، ومصابيح الرجوع للخلف. (8)
6. متابعة مستوى المياه في كلّ عين من عيون البطارية، بشرط تزويدها بالماء المقطر لا العادي (9).
__________
(1) قانون المرور، مصدر سابق.
(2) النحل/ 8.
(3) قانون المرور، مصدر سابق.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه.
(7) موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(8) المصدر نفسه.
(9) المصدر نفسه.
(1/22)
7. فحص المركبة بشكل دوري، والتأكد من سلامة الفرامل والإطارات خاصة (1).
8. التقيد بنسبة التعميم في المركبة، لما لها من أثر في وضوح الرؤية، ونسبتها في سلطنة عمان 30% (2).
9. التأكد من سلامة مطفأة الحريق (3).
فسلامة المركبة أساس من أسس أدبيات السلامة المرورية، وهو جملة داخل في القواعد الفقهية العامة، كقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة الضرر يزال، لذا قرر الفقهاء أنّ حمولة المركوب أكثر من طاقته، مما يحدث له ضررا، وبالتالي يعمّ هذا الضرر المارة ومستخدمي الطريق، اعتبروا من فعل ذلك ضامنا (4)، وقد مرّ ذكر حديث: من ربط دابة على طريق المسلمين فأصاب فهو ضامن (5)، وجاء عن أبي عبدالله الصادق: قال: من أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن (6).
__________
(1) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع سلامة المركبة، 25 - 31/ 3/1989م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(2) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، www.traffic.gov.om
(3) المصدر نفسه.
(4) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص 48.
(5) راجع المبحث الثاني.
(6) الكافي، حديث رقم: 350، 7/ 3.
(1/23)
فعلى هذا إذا كان صاحب الآلة يعلم أنّ في سيارته عيبا لا بد من المسارعة في إصلاحه، هنا لا يصح شرعا قيادتها في طرق المسلمين إلا بقدر الضرورة، مع الحذر الشديد، وتسويفه في الأمر يجعله ضامنا لكل ما يترتب عليها من أثر، يقول: الشيرازي من علماء المذهب الجعفري: "مسألة: من ركب حيوانا من جمل وناقة وما أشبه ذلك، فلو فعل ما أضر الحيوان بشخص ضمن الراكب ذلك الضرر، ولو فعل شخص ثان ما جعل الحيوان يضرّ براكبه أو بشخص آخر ضمن ذلك الثاني الضرر، ومن ركب حيوان حيوان غيره إذا أضرّ الحيوان ضمن، وهكذا الحكم في وسائل النقل الأخرى (1)، وسُئل أحمد الخليلي إذا تهاون الإنسان في قيادة سيارته بحالة سيئة كأن تكون الإطارات والعجلات ليست جيدة، هل يعتبر مهملا في هذه الحالة؟ فأجاب: نعم، ما دام ذلك مظنة للخطر، أو يؤدي إليه فإنّه يكون مهملا، وهو مسؤول أمام الله تعالى، وأمام الخلق عما نتج عن ذلك، والله أعلم (2).
ويندب له شرعا فحصها والنظر فيها بين فترة وأخرى، إلا إذا كان يعلم أنّ بها ضررا فيجب عليه هنا فحصها رفعا للضرر، وإلا كان ضامنا لما ينتج عنها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض (3)، حيث أنّ للإبل الحق في أن تؤخذ نصيبها من الراحة والطعام والشراب؛ لأنّ في هذا حفظا لها ولسلامة من يقودها ويركبها، والحال كذلك مع المركبات المعاصرة.
الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة: ويُعرّف السائق أو القائد بأنّه كلّ شخص يتولى قيادة مركبة أو حيوان من حيوانات الجر أو الحمل أو الركوب (4)، ولا بدّ من طبيعة الحال أن يكون عارفا بالقيادة عاقلا، ويضاف إليه من الأدبيات المعاصرة:
__________
(1) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية.
(2) الفتاوى، مصدر سابق، 6/ 239.
(3) رواه مسلم من طريق أبي هريرة، حديث رقم: 1926.
(4) قانون المرور، مصدر سابق.
(1/24)
1. أن يكون حاملا لرخصة القيادة من الجهات المعنية حسب الآلة المركوبة التي يقودها، سواء كانت الرخصة خفيفة، أو ثقيلة، أو رخصة قيادة معدات أو دراجات آلية، وتكون سارية المفعول (1).
2. يحضر قيادة أية مركبة على الطريق بدون تروٍ، أو بسرعة، أو تحت تأثير خمر أو مخدر، أو بطريقة تشكل خطورة أو تعرض حياة الأشخاص أو أموالهم للخطر (2).
3. اتباع السرعة المحددة دوليا في الطريق والمتعارف عليها، ولا يجوز مجاوزتها (3).
4. لا يجوز ل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *