أ غلى هدية للأخت الرضية بحث دماء المرأة لنورة المقبالية

أ غلى هدية للأخت الرضية بحث دماء المرأة لنورة المقبالية

 





الكتاب : أدب الدعوة لمحمد المعمري
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
أدب الدعوة
للشيخ محمد المعمري
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة :
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونؤمن به ونتوكل عليه من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد ...
فيا أيها الأخوة الأحبة السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته وهذا هو الدرس السابع من سلسلة هذه اللقاءات في هذا المسجد الشريف وعنوان هذا الدرس من (( أدب الدعوة )) وقد وقع بعض الإشكال عند الإعلان عن هذه المحاضرة حيث كان الإعلان عنها بعنوان سقوط الحضارات وسقوط الحضارات هو عنوان الدرس السادس الماضي ونظراً لغياب كثير من الأخوة عن تلك المحاضرة فإننا نأمل بمشيئة الله عز وجل أن نعيد ذلك الدرس السقوط الحضاري أو سقوط الحضارات في وقت لاحق بإذن الله عز وجل أما عنوان هذا الدرس فهو (( من أدب الدعوة .)).
- من أدب الدعوة خواطر مهداة إلى الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى في كل مكان ، هؤلاء الذين يتحملون همّ الدعوة الإسلامية ويحملون في قلوبهم هذه المسيرة الظافرة بإذن الله جل وعلا ، أردت من هذه المحاضرة أو من هذا الدرس أن يكون تذكيراً لي ولكم عن بعض الأمور التي ينبغي للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن يحيطوا بها علما وذلك لأن الدعوة الإسلامية تمر في هذه الأيام بمنعطف كبير لا بد أن نتهيأ جميعاً إلى الغد الباسم وإلى الغد المشرق وإلى الأمل أو الوعد الذي وعد الله سبحانه وتعالى به أولياؤه المخلصين وجنده الظافرين وقد رأيت أن تكون هذه الخواطر قصيرة ومباشرة ونسأل الله جل وعلا التوفيق والتأييد .
الهدف من الدعوة:
(1/1)
• من أدب الدعوة : أن يعرف الدعاة إلى الله جل وعلا ما هي الدعوة التي يحملونها ؟ وأن يعرف الداعية إلى ماذا يدعوا فلا يمكن أن يكون الداعية داعية بحق إذا كان يجهل ما يدعوا إليه وإذا كان لا يعرف الهدف الذي يخطو بخطواته إليه وذلك لأن الجهل بالهدف الذي يسعى إليه الإنسان يؤدي ذلك إلى أن تكون الجهود ضائعة وإلى أن تكون الخطى خطى متبعثرة لا أثر لها أما الهدف الذي يحمله الداعية إلى الله جل وعلا فيتمثل في قول الله سبحانه وتعالى :
(( إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت . وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب )) ، فهذا هو الهدف السامي الذي يسعى إليه الداعية إلى الله جل وعلا في كل مكان وفي كل زمان ، هو يسعى إلى الإصلاح في الأرض ، هو يسعى إلى رد البشرية التائهة إلى منهج الله تعالى المستقيم ، هو يسعى إلى أن يرد الناس إلى العبودية لله جل وعلا ، هو يريد من الناس أن يعودوا إلى دينهم وأن يتمسكوا بكتاب ربهم وأن يقتفوا خطى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهذا هو هدف الداعية ، الداعية يسعى إلى الإصلاح يريد من الناس أن يتمسكوا بأهداب دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ولقد كان الدعاة الأوائل الذين حملوا همّ هذه الدعوة يعرفون الهدف الذي يسعون إليه ويعرفون ماذا يدعون وماذا يعملون ، أقل مثال على ذلك موقف الداعية ربعي ابن عامر رضي الله تعالى عنه الذي وقف أمام ملك من الملوك عندما سأله ما الذي جاء بكم ؟ كان ربعي يعرف الهدف الذي يدعوا إليه هذا الهدف الذي خالط كل كيانه والذي تغلغل في أحشاء ضميره وفي كل خلايا جسمه .
(1/2)
لم يتلعثم ولم يتردد ولم يبق ذاهلاً عن هدفه بل نطق بلسان الحق المبين : ( نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة )) ، كان الهدف محدداً والرسالة واضحة وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله جل وعلا أن يحددوا الهدف الذي يريدون تحقيقه ، أن يحددوا إلى ماذا يعملون وما الذي يسعون إليه وبهذه الصورة تكون الخطوات التي يخطوها الداعية إلى الله جل وعلا خطوات ثابتة مرسومة بدقة متناهية توصله إلى الهدف المنشود بإذن الله جل وعلا .
همّ الدعوة ومن يحمله:
(1/3)
• ومن أدب الدعوة : أن لا يجعل الدعاة إلى الله جل وعلا الدعوة مرهونة بأفراد أو بفرد في المجتمع وذلك لأن همّ الدعوة لا يحمله فرد ولا يحمله أفراد وإنما همّ الدعوة الإسلامية لا بد أن يكون في ضمير كل مؤمن آمن بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً ، أما أن توكل أمور الدعوة وترهن بأفراد أو بفرد في المجتمع فإن هذا يعرض الدعوة لكثير من المخاطر فإن الفرد معرض إلى المرض ، معرض للموت ، معرض للانحراف والعياذ بالله ، معرض إلى أن لا يعرف أو أن يقف في منتصف الطريق وكثير من العوارض تصيب الإنسان بطبيعته لأنه آدمي خلقه الله سبحانه وتعالى وهو مركب فيه النقص فلا ينبغي أن تكون الدعوة إلى الله جل وعلا مرهونة بأفراد أو مرهونة بفرد تمرض بمرضه وتموت بموته وتتأثر بما يجري له إنما همّ الدعوة لا بد أن يحمله كل فرد في المجتمع الإسلامي وأن يعرف الفرد أنه محاسب أمام الله جل وعلا عن هذه الدعوة عن كل صغيرة وعن كل كبيرة ، أليس من المؤسف أيها الأخوة أن نرى في بلاد شاسعة لا يحمل همّ الدعوة إلاّ فرد واحد ، عليه تلقى كافة التكاليف وكل المسؤوليات تكون على كاهله بينما يقف الآخرون قاعدين ينظرون إليه ولا يحركون ساكناً ، إنّ هذا لا ينبغي أن يكون بحال من الأحوال في أمر الدعوة بل يجب أن يعمل الجميع ويجب أن يسعى الجميع ويجب أن تكون أمور الدعوة موجودة ومركوزة في ذهن وفي قلب كل مؤمن كما أن الدعوة إذا كانت محمولة في أذهان وقلوب المؤمنين فإن ذلك أدعى لثباتها وأدعى لأن تكون دعوة ناجحة مؤثرة وكما قال الشاعر :
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به *** رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها
فكلما اجتمع همّ الدعوة في قلوب أفراد كان ذلك أدعى لنجاحها وأدعى لاستمرارها .
الهداية الربّانية
(1/4)
• ومن أدب الدعوة : أن لا يتصور الداعية أن الناس كتلة من الشر لا تنفك وأن الناس لا خير فيهم وأن هؤلاء العصاة الفجار الكفرة لا خير فيهم ، إنّ بذرة الخير موجودة في كل إنسان ولكن هذه البذرة بذرة الخير يقع فيها أو فوقها ركام كثيم من الباطل ومن الشهوات ، وكلما استطاع الداعية أن يزيح هذا الركام ويستطيع أن يصل إلى لب ذلك الإنسان فإن بذرة الخير تظهر في ذلك الإنسان وسرعان ما يتحول من حال إلى حال فلا ينبغي أن ننظر إلى الناس نظرة شك ونظرة ريبة وأن نتصور أن هذا الإنسان العاصي لا يمكن أن يهتدي بحال من الأحوال ولا يمكن أن يعود إلى الطريق المستقيم لا وإنما ننظر إليه نظرة شفقة بجانب أننا نتبرأ منه لأنه عمل معصية ولكن البراءة لا تحمل الإنسان على أن يترك ذلك الفرد في باطله وكفره وعناده بل إن البراءة هي التي تدفع الإنسان إلى أن يدعوا ذلك الفرد ، أن يشفق عليه ، أن يشفق على المصير الذي سيصير إليه ولذلك يدعوه ويبين له طريق الحق ويبين له مغبة ما هو فيه وألاّ يتصور أن ذلك الإنسان لا يمكن أن يهتدي بحال من الأحوال ، إن الهداية ليست بيد الدعاة فالداعية لا يملك الهداية ، لا يملك أن يهدي إنساناً وإنما هو مبلّغ وداعية يوضح للإنسان الطريق ، ويوضح لهم السبيل ، أما الهداية فهي من اختصاص الله جل وعلا هو يهدي من يشاء ويضل من يشاء : (( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )) قال بعض المفسرين إن هذه الآية نزلت عندما مات أبو طالب عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حزن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على وفاته وكان حريصاً على إسلامه ولكنه مات على كفره فحزن فنزل قول الله عز وجل (( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )) فالهداية لا يملكها الفرد ولا يملكها الداعية وإنما يملك التبليغ ويملك الإرشاد ويملك التوجيه ويملك النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما أمر الهداية فموكول إلى الله جل وعلا .
(1/5)
أثر الكلمة الطيبة:
• ومن أدب الدعوة : أن لا يستهين الإنسان بالكلمة الطيبة فإن الكلمة الطيبة لا تموت أبداً .
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله جل وعلا لا يظن أن تبلغ ما تبلغ يرفعه الله بها درجات )) الكلمة الطيبة لا تموت هذه الكلمة الطيبة التي تنبع من قلب الإنسان المؤمن الحي ذو الضمير المتيقظ ، هذه الكلمة لا تموت وإنما تبقى تتجلجل في أرجاء هذا الكون حتى تؤثر في إنسان لاحقاً أو يؤجر عليها عند الله جل وعلا يوم القيامة فلا يستهين الإنسان الداعية بهذه الكلمة الطيبة ولا يتصور أن جهده المخلص يذهب هباءاً منثورا ، وإنما لا بد أن يأتي ذلك اليوم الذي تنبت فيه الكلمة الطيبة التي ألقاها تؤتي ثمارها ويكون لها أثرها ، ولرب كلمة واحدة قالها الإنسان في محاضرة أو في درس أو في نصيحة أو في مقالة أو في رسالة أو في أي مكان من الأمكنة يهدي بها الله سبحانه تعالى إنساناً بعد مرور سنوات طويلة لا يظن أن تبلغ ما بلغت ولكنها ما دامت كلمة طيبة مخلصة نابعة من قلب وضمير متيقظ مخلص لله جل وعلا فإن هذه الكلمة تؤتي ثمارها ولو بعد حين .
التضحية:
(1/6)
• ومن أدب الدعوة : أن يعرف الدعاة إلى الله جل وعلا أن الدعوات التي تنجح هي الدعوات التي يضحي الأفراد من أجلها ، يموتون من أجل أن تحيا الدعوة ، يتعبون من أجل أن تنتشر هذه الدعوة ، يضحون بكل غالٍ ونفيس من أجل أن ترتفع راية هذه الدعوة ، هذه هي الدعوات التي تنجح وهذه هي الدعوات التي يكتب لها القبول ويكتب لها الاستمرار والنجاح ، أما الدعوات التي تكون مجرد ثرثرة باللسان أو مجرد أفكار يحملها بعض الناس في أدمغتهم ولكن لا يوجد تضحية ولا يوجد البذل ولا يوجد الإخلاص لهذه الدعوة فإن هذه الدعوة دعوة ميتة وما أروع تلك الكلمات التي قالها أحد الدعاة في هذا المجال حيث يقول : (( وما كانت ألف خطبة وخطبة ، ولا ألف رسالة ورسالة لتلهب الدعوة في قلوب الناس كما ألهبتها قطرات الدم الزكيّ المهراق ، إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها وغذيناها بدمائنا دبّت فيها الروح وكتبت لها الحياة )) ، نعم إن الدعوات التي تنجح هي الدعوات التي يضحي الأفراد من أجلها ويبذلون كل غالٍ ورخيص من أجل أن تحيا ويقدمون أرواحهم في أكفهم من أجلها والذين يرحبون بالموت الزئام من أجل أن تحيا هذه الدعوة ، فهذه هي الدعوات التي تنجح ولو نظر أحدنا إلى ما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم وهم يحملون هذه الدعوة ويسيرون معها في مسيرتها لرأى كيف تكون التضحية ولرأى كيف هي الدعوة الناجحة وكيف هي الدعوة الصحيحة ، أما كما قلت : أن تكون هذه الدعوة مجرد أفكار ، مجرد ثرثرة ، مجرد كلمات وخطب عنترية فإن هذا لا يغير من الأمر شيئا ، لا بد من التضحية ، لا بد من البذل وأن يرحب الإنسان بكل ما يناله من أذى في سبيل هذه الدعوة ، لا يحسب الداعية أن أمر الدعوة أو أن طريق الدعوة إلى الله عز وجل مفروش بالورود وبالرياحين وبالياسمين وبالراحة والاطمئنان ، كلا إن أمر الدعوة إلى الله جل وعلا وطريقه مفروشاً بالأشلاء والدماء والعقبات
(1/7)
والعراقيل وكثيراً من الصعوبات لا بد أن يتهيأ الداعية لها وأن يعرف أن هذه الدعوة لا بد لكي تنجح من أن يمر الداعية بمحن وامتحان ومصاعب ومتاعب كما تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الدعاة ، ما لاقاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليس بالأمر الهين وأشد الناس بلاءاً الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسخر منه ويستهزأ به ، كانت الدعوة دعوة سرية في بداية الأمر وظل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بهذه الدعوة السرية إلى أن أمره الله تعالى بإظهارها وإعلانها : (( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين . إنا كفيناك المستهزئين )) فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تتطلبه منه الدعوة الجهرية وكان قد هيأه ربه جل وعلا لهذا الامتحان الصعب فكان أن وقف على جبل الصفا ونادى في قريش : واصباحاه حتى اجتمع النفر الكثير من قريش ومن زعمائهم ومن لم يستطع الحضور أرسل خادمه أو عبده لينظر ما عند محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الوادي لكنتم مصدقين . قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .
(1/8)
بدأ الإعلان بالدعوة وبدأت المحن والمصائب والمصاعب تتلاحق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك اللحظة التي أعلن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم نداء الدعوة قام أحد المشركين وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أول امتحان : تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ وظل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ، اؤذي في نفسه صلى الله عليه وآله وسلم واؤذي في أهله وأولاده واؤذي في أصحابه ولكن الدعوة لا تقف وتستمر ما دام الداعية إلى الله جل وعلا يعرف الطريق الذي سلكه ويعرف أن الدعوة لا بد فيها من صعوبات ، لاقى النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من صنوف الأذى والابتلاء ولا بأس بأن نعرض بعض ما تعرض له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليكون نبراساً للدعاة إلى الله جل وعلا بما يصيبهم في طريق الدعوة ، من ضمن ما نال الرسول صلى الله عليه وسلم السبّ والشتم ، سُبّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشتم ، قالوا عنه بأنه كاهن وقالوا عنه بأنه مجنون وقالوا عنه بأنه صابئ وقالوا عنه بأنه جاء بما يخالف ما جاء به الأجداد والأولون وقالوا عنه ما قالوا ولم يتركوا كلمة من كلمات السباب والشتام إلاّ ألحقوها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنهم من شدة بغضهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام أنهم كانوا لا يسمونه باسمه كانوا لا يقولون محمداً من الحمد وهم لا يريدون ذلك لرسول الله من شدة بغضهم له فكانوا يقولون مذمم كما ورد في الصحاح ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ينظر إلى هذه الجزئيات الصغيرة التي يلقيها هؤلاء القوم الكافرون وإنما كان يلقاها بقلبه الواسع وبنظره الثاقب فكان لا ينظر إلى أسفل رجليه وإنما كان ينظر مرفوع الرأس إلى المستقبل الواعد المشرق فكان يقول لأصحابه وهو يتعرض لتلك الكلمات ، كلمات السباب والشتم فيقول لأصحابه مسلياً لهم وله : ألا تعجبون كيف يصرف الله عني أذى قريش وسبهم ، هم يشتمون
(1/9)
مذمماً وأنا محمد فكأن تلك الكلمات الجارحة التي يلقيها القوم المشركون لا تصيب شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه محمد وهو محمود في السماء والأرض ولكنها تصيب شخصاً آخر اسمه مذمم والنبي صلى الله عليه وسلم تعرض للابتلاء البدني فكم وضعوا الشوك في طريقه وأمام بيته ، وكم ناله من الأذى في يوم من الأيام كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في صحن الكعبة إذ جاء رجل يدعى عقبة ابن أبي معيط ، وجاء بسنا جزور ( كرش إبل ) وأفرغ محتواه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد ، ويظل ساجداً لا يرفع رأسه إلى أن تأتي ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها فتزيل الأذى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وتدعو على من فعل ذلك ، وفي يوم من الأيام أيضاً كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي بجنب الكعبة فقام إليه عقبة هذا وأمسك بتلابيب الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يخنقه ويقتله حتى أثّر ذلك في عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفلته حتى جاء أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفكه من ذلك اللئيم وقال له : أتقتلون رجلاً أن يقول ربيّ الله ، وفي يوم من الأيام كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ماراً في شيء من سكك مكة فأخذ سفيهٌ من سفهاء قريش حفنة تراب وقذف بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه فيدخل عليه الصلاة والسلام بيته فتراه إحدى بناته فتبكي وتزيل عنه التراب الذي يتساقط من شعره ووجهه ولحيته وتبكي والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لها : لا تبكي يا بنية فإن الله ناصرٌ أباك أو فإن الله مانعٌ أباك ، وكم تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم بما لا يتعرض إليه أي إنسان وكذلك أصاب الأذى أصحابه رضوان الله تعالى عليهم فقتل منهم من قتل وشرد منهم من شرد واؤذي من اؤذي وأبعد عن أهله وماله ووطنه من أبعد ولكن كل ذلك لم يكن ليصدهم عن هدفهم الواضح ولم يكن ليجعل العراقيل في طريقهم وينحرفوا عن منهج الدعوة
(1/10)
وإنما استمروا على هذه الدعوة وكلما زاد العذاب والتشديد زاد تمسكهم بهذه الدعوة وزاد إصرارهم على المضي في الطريق الذي رسمه لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى عندما بلغ بهم الإيذاء مبلغه ذهب أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والنبي عليه الصلاة والسلام متوسد برده في صحن الكعبة وذلك الصحابي قد بلغ بهم الإيذاء مبلغه واشتد بهم الاضطهاد اشتداداً عظيماً فيقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا فإن الله يستجيب دعاءك فينتفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأنه غضبان ويقول لأصحابه يريد أن يعلمهم درساً من دروس الدعوة إلى الله جل وعلا وأن هذه الدعوة لا بد فيها من الصبر والتضحية فيقول لهم : لقد كان من قبلكم يؤتى بالرجل فتحفر له حفرة فيوضع فيها ثم يؤتي بالمنشار فينشر من رأسه ما دون عظمه ولحمه وعصبه ما يرده ذلك عن دينه ، فوالذي نفسي بيده ليبلغن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون ، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغرس في قلوبهم الصبر والثبات وأن يغرس في قلوبهم التضحية وأن يعلمهم أن الدعوات التي تنجح والتي يكتب لها القبول والاستمرار هي الدعوات التي يكون أصحابها مضحين بكل غالٍ ونفيس من أجل هذه الدعوة ومن أجل هذا المنهج الذي يسيرون عليه ، ومن ضمن ما أصاب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من الإيذاء والابتلاء ما تعرضوا له عندما ضاقت الحيل بقريش ولم يجدوا أمراً يصدّ أولئك الأفذاذ عن مبتغاهم وعن هدفهم وعن طموحاتهم ، رأوا أن يسلكوا طريقاً آخر حتى يقضوا على أنفاس هذه الدعوة ، فكان أن فرضوا حصاراً اقتصادياً على الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ففرضوا عليهم الحصار الاقتصادي فكان لا يصل إليهم الطعام ولا يصل إليهم الشراب واستمر ذلكم الحصار ثلاث سنين في شِعب بني عامر وكانت أصوات
(1/11)
النساء والأطفال تسمع من وراء الشِعب وهم يتضورون جوعاً لا يجدون ما يقتاتون به ولعل أصدق تصوير لما لاقاه أولئك الرجال وأولئك الدعاة من العنت والشدة في ظل الحصار الاقتصادي الذي فرضه المشركون على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ما حكاه لنا سعد ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه عن ذلك الحصار وعما بلغه بهم الأمر فيقول سعد رضي الله تعالى عنه : خرجت ذات ليلة لأتبول في الصحراء فسمعت قرقعة تحت البول فأخذتها فإذا هي جلدة بعير يابسة فأخذتها وغسلتها بالماء وأقمت عليها ثلاثة أيام كانت أكبادهم تستسيغ مالا يستساغ وتقبل مالا يُقبل وتأكل مالا يؤكل وذلك لما وصل إليهم الأمر والشدة ولكنّ كل ذلك لم يكن ليردهم عن دينهم ولم يكن ليصدهم عن طموحاتهم وعن آمالهم وعن أهدافهم بل كان ذلك تمحيصاً لهم وترسيخاً للإيمان الذي في قلوبهم وكان ذلك قد رسخ الإيمان في قلوبهم ففتحوا الأمصار بعد ذلك ، فمن هنا يظهر أن الدعوات التي تنجح هي الدعوات التي يضحي الدعاة إلى الله عز وجل من أجلها .
رحابة الصدر والقلب الواسع
(1/12)
* ومن أدب الدعوة أن يتحلى الداعية إلى الله عز وجل بالقلب الواسع وبالرحمة والشفقة على الناس وأن لا يكون فظاً غليظ القلب : (( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك )) فلا يضيق الداعية على مشكلات الناس ولا يضيق قلبه على حوائجه بل يكون واسع الصدر واسع القلب يتحمل ما يصدر من الناس وما يحتاجون إليه فلا يتبرم ولا يسخط وإنما يتحلى بالأدب الإسلامي الرفيع فهو القائد الذي يقود الناس إلى الخير وهو المبشر الذي يدعو الناس إلى البشرى وهو الذي يريد من الناس أن يصلوا إلى رضوان الله جل وعلا ، فينبغي أن يكون الذي يحمل هذه الأهداف السامية ذا قلب سامٍ وذا قلب رحيمٍ مشفق لا يتبرم ولا يتسخط ولا يغضب على الناس ، أوتي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم برجل قد جلد أكثر من خمسين مرة على الخمر فأمر به فجلد في المرة الحادية والخمسين فقال له أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم : أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به على الخمر ، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقل ذلك ولا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتبرم من هذا الإنسان ولم يسخط ولم يغضب عليه رغم تكرار المعصية منه بل كان ينظر إلى هذا الفرد على إنه فرد منحرف لا بد أن يعالج ولا بد أن توضح له السبيل ويجب أن لا يترك للشيطان ليزيد انحرافه حتى يغيب عن باله أصل الإيمان فدعاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتبرم ويظهر ذلك جلياً أيضاً في قصص كثيرة جاءت في سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كذلك الشاب الذي جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في مجلس يغص بكبار الصحابة فيأتي ذلك الشاب مندفعاً ويجلس بإزاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول يا رسول الله إإذن لي بالزنا فينتفض كبار الصحابة على هذا المطلب العظيم الذي يطلبه هذا الشاب وكادوا أن يفتكوا به فنهاهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقال للشاب : أدنوا فدنا فقال
(1/13)
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الداعي الرحيم ذي القلب الواسع المشفق قال لذلك الشاب : أترضاه لأمك قال : لا ، قال : كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ، أترضاه لأختك ، قال : لا ، قال :كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم ، أترضاه لخالتك ، قال : لا ، قال : كذلك الناس لا يرضونه لخالاتهم ، أترضاه لعمتك ، قال : لا ، قال : كذلك الناس لا يرضونه لعماتهم . وهكذا فبعد أن قال له الرسول صلى الله عليه وسلم وفتح ذهنه على معاني كان من فرط جهله قد غفلها ، فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيرته ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على قلب ذلك الشاب ودعا له ، فيقول ذلك الشاب : ما دخلت في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ وأحبّ شيء إليّ الزنا فما قمت من عنده إلاّ وأبغض شيء عندي الزنا ، هكذا بتربية رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو قوبل ذلك الشاب بالغلظة وبالفظاظة وفتك به الصحابة الذين كانوا يغارون على حدود الله جل وعلا لكان هذا الشاب له شأن آخر ، ولكن الرحمة والشفقة والمعاملة الطيبة والجدال بالتي هي أحسن وبالتدرج في بيان الطريق المستقيم كان لكل ذلك أثره الطيب في نفسية ذلك الشاب .
(1/14)
أيضاً قصة ذلك الأعرابي الذي جاء يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل غلظة وبكل فظاظة يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له : (( أعطني من مال الله الذي عندك فيأمر له الرسول صلى الله عليه وسلم بعطاء فيقول له : هل أحسنت ؟ قال : لا أحسنت ولا أجملت ، فيؤثر ذلك في أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم ويكاد الغضب يبلغ مبلغه فيهم ويفعلوا به شيئاً ، فينادي الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الأعرابي إلى بيته فيعطيه عطاءاً آخر فيقول له : هل أحسنت ؟ قال : نعم أحسنت وأجملت ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : لقد كان في قلوب أصحابي شيء على ما قلته هلا أخبرتهم بذلك ، فعندما خرج إلى باقي الصحابة رضوان الله عليهم قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي وحكى لهم ما حدث له فقال للأعرابي : هل أحسنت ؟ قال : نعم أحسنت وأجملت ، فيبين الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته المبدأ الذي يسيرون عليه والمنهج الذي يقتفون أثره فيقول لهم إنما مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل ضل بعيره فكلما لحقه الناس زاده ضلالاً ونفورا فجاء صاحب الإبل فقال لهم : خلوا بيني وبين ناقتي فما زال به حتى أمسكها ، وبهذه الصورة كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يبين للدعاة إلى الله جل وعلا ما ينبغي أن يكونوا عليه .
اليأس والقنوط في الدعوة:
(1/15)
• ومن أدب الدعوة إلى الله جل وعلا أن لا ييأس الداعية من استقامة الناس وتوبتهم بل يدعوهم دون كلل ويبين لهم طريق الصواب ويعظهم بالموعظة الحسنة ويبين لهم أن باب التوبة مفتوح وأن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم وأن رحمة الله سبقت غضبه ، يبين لهم ذلك ولا يبعدهم ولا يسد أمام وجوههم باب التوبة الذي فتحه الله تعالى لهم فباب التوبة مفتوح إلى أن تخرج روح الإنسان فلا يملك أحد أن يصد الناس عن التوبة ولا أن يبالغ في ما هم فيه من عصيان وانحراف فيصور لهم كأنهم لا يمكن أن تقبل لهم توبة ولا يمكن أن يستقيموا ليس الأمر كذلك وإنما الداعية إلى الله جل وعلا هو الذي يستطيع أن يضع كل شيء في ميزانه أن يدعوا إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ولكنه أيضاً في الوقت ذاته عليه أن لا يهون على الناس المعاصي فإن كثيراً من الناس يسترسلون في الترغيب أو يسترسلون في الترهيب فتراهم مثلاً يهونون على الناس المعاصي يريدون بذلك ترغيبهم إلى الخير وترغيبهم إلى التوبة فكلما جاءه إنسان وقد عمل كبيرة من الكبائر قال له : سهلة أو ما فيه مشكلة أو أن هذا أمر سهل يسير ، الداعية إلى الله عز وجل بهذه الصورة يكون قد هوّن المعصية على الناس ، إن الله عز وجل حدّ حدوداً يجب أن لا تتعدى والله عز وجل يغار على حدوده ويغضب على من يقترف شيئاً من الكبائر والمعاصي ، فلذلك ينبغي للداعية أن لا يهوّن على الناس المعاصي ، ولا يقول لهم : إن المعصية أمرها هيّن أو أمرها سهل يريد بذلك أن يرغبهم في التوبة وإنما هو يرغبهم إلى التوبة ويبين لهم أن طريق أو باب التوبة مفتوح ولكن دون أن يهوّن من أمر المعصية .
الداعية ومواكبته لثقافة عصره:
(1/16)
• ومن أدب الدعوة : أن يكون الداعية ملماً بثقافة عصره وأن يكون محيطاً بما يجري حوله من أحداث وما يموج في هذا العالم من تيارات وما يحدث في هذا الكون من أمور ، لا يمكن للداعية أن يدعوا إلى الله جل وعلا وهو يجهل المحيط الذي يدعوا به ويجهل الأفكار المنتشرة والتيارات الفكرية التي تلقي سهامها في كل لحظة بين بني جنسه وبين من يدعوهم ، إن مثل هذا الداعية كمثل من يحرث في البحر فإن الحرث لا يؤثر في الماء بل ينبغي للداعية إلى الله جل وعلا أن يحيط علماً بما يجري في هذا العالم ، أن يقرأ الصحف ، أن يتابع الأخبار أولاً بأول ، أن يعرف ما يجري من أمور وما يخطط من مخططات ، أليس من المؤسف أن نرى قطاعاً كبيراً من الدعاة إلى الله جل وعلا يعتبرون الاهتمام بالأخبار أو قراءة الصحف نوعاً من الترف الفكري أو أمراً هامشياً في حياة المؤمن أو أنه يضيّع الوقت بما هو أعلى وأكمل ، إن هذا تصور ضئيل للدعوة إلى الله عز وجل فهو تقصير في هذه الدعوة وتقصير في فهم هذه الدعوة نفسها ، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان منذ أول وهلة يبيّن لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أن هذه الدعوة دعوة عالمية ، هذه الدعوة ليست محصورة بأناس دون آخرين ولا بقوم دون غيرهم ولا بجنس دون جنس ولا ببقعة دون بقعة وإنما هذه الدعوة دعوة عالمية ، فهذه الدعوة كنور الشمس ، فنور الشمس عندما يطل ضوءه لا يفرق بين إنسان وإنسان ، ولا يفرق بين بقعة وبقعة بل ينتشر ضوء الشمس في كل مكان فكذلك دعوة الإسلام دعوة عالمية تتخطى الحدود والحواجز وتتخطى الأقاليم والأجناس لتسع البشرية كلها وتسع الإنسانية جميعها فلا ينبغي أن يتقوقع الداعية في محرابه ويترك أمر العالم ولا يدري ما يجري فيه وينعزل عن مجريات أحداث العالم ويظن أن ذلك في مصلحة دعوته ، إن مصلحة الدعوة في أن يفقه الداعية إلى ما يدعوا إليه وفي المحيط الذي يدعوا فيه وبالتالي يكون لدعوته أثر ولدعوته
(1/17)
تأثير .
الحذر من الحيل النفسية
• ومن أدب الدعوة : أن يحذر الداعية من الحيل النفسية والتي تجعل منه فرداً بلا عمل وإنساناً بلا إنتاج وداعية بلا تأثير ، كثير من الدعاة يعيشون في غابة من الأوهام وفي غابة من الخيالات وفي كم هائل من الأمراض النفسية التي تعوقهم عن أمر الدعوة وتجعلهم لا يدرون ما يأتونه وما يذرونه فتختلط عليهم الأمور ولا يتبين لهم ما يصلح الدعوة وما يفسدها فتراهم عندما يكلفون بعمل يتصورون أنهم لا يستطيعون عمل ذلك الشيء ويتصورون أنهم أناس لا يحيطون بأي شيء وبأنهم لا يستطيعون فعل أمر ، هكذا توحي إليهم شياطينهم ونفوسهم الأمارة بالسوء ، (( إن الشيطان للإنسان عدوٌ مبين )) ،
((
(1/18)
إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا )) إن الشيطان يسول للإنسان أموراً كثيرة وله مداخل على الإنسان يدخل إليها لكي يفسد على الإنسان عمله ويفسد على الإنسان دعوته لا يتصور الإنسان أنّ الشيطان يأتي للإنسان يسوّل له الشر مباشرة يقول له : إفعل المعصية الفلانية أو اقترف الذنب الفلاني وإنما الشيطان له مداخله وأساليبه ربما زين للإنسان الخير ولكنه يريد بذلك أن يوقعه في الشر ربما زين للإنسان الطاعة فيوقعه في الرياء أو ربما يبعد الإنسان عن المعصية ويوقعه أيضاً في الرياء ، الشيطان له كيد عظيم والمؤمن الذي يعتصم بالله جل وعلا لا يكون للشيطان سبيل إليه فهو معصوم من الله جل وعلا من كيد هؤلاء الشياطين ، (( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )) فليس للشيطان سلطان على الأقوياء من المؤمنين وعلى الذين يتمسكون بحبل الله تعالى المتين وإنما له سلطان أي الشيطان له سلطانه على الضعفاء الذين يتيحون المجال واسعاً لكي يدخل إليهم من خلالها ، والداعية الحصيف هو الذي يراعي هذه الجوانب كلها ولا يعيش في غابة من الأوهام وفي غابة من الخيالات ولا يدري ظاهر الأمر من باطنه ولا قبيل الأمر من دبيره ، وقد جاءت آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تحذر الإنسان من كيد الشيطان (( إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريدا . لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيباً مفروضا . ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبينا . يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلاّ غرورا )).
الدعوة والتنويع في الأساليب:
(1/19)
• ومن أدب الدعوة : أن ينوّع الداعية في أساليب الدعوة فالدعوة لا تنحصر في أسلوب أو أسلوبين أو ثلاثة وإنما للدعوة أساليب كثيرة وهذا أمر متروك للداعية اللبيب الذي يعرف كل مرحلة ما يصلح لها من أساليب والذي يعرف ما يصلح لكل فرد فبعض الناس يظن أن أمر الدعوة إلى الله عزوجل في إلقاء الخطب أو إلقاء المحاضرات أو عمل الدروس ويتصور أن الدعوة هي هذه فحسب ولا يظن بفكره الضئيل أن هناك جوانب كثيرة تخدم الدعوة لا بد من طرقها فترى هؤلاء الذين يظنون أن أمر الدعوة في هذه الأمور إذا لم يستطع إلقاء خطبة أو إلقاء محاضرة أو فعل درس يقعد لا يعمل شيئاً ولا يخدم الدعوة بشيء بحجة أنه لا يجيد ذلك ، أمر الدعوة إلى الله عز وجل له أساليب كثيرة جداً ، الدعوة تخدم بكل مجال وبكل ما يستطيعه الإنسان أن يفعله قد يخدم الإنسان الدعوة بلسانه وقد يخدم الدعوة بماله وقد يخدم الدعوة بقوته وقد يخدم الدعوة بوظيفته ومنصبه وقد يخدم الدعوة في أي مكان من الأمكنة التي هو فيها ، أيضا قد يخدم الدعوة بمجالات كثيرة فالهدية أسلوب من أساليب الدعوة كأن تهدي إنسانا شريطا نافعا أو كتابا نافعا يتعلم منه أو تهديه هدية ولو أمراً ماديا فإن في هذا أثرا بالغا في قلوب الناس أو أن تكتب رسالة لإنسان تريد أن تنصحه فهذا أسلوب من أساليب الدعوة وقد فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من ذلك ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما كان خليفة للمسلمين فأخبر عن رجل استرسل في الشراب أي في شرب الخمر ولم ينتهي عن ذلك فدعا عمر بن الخطاب كاتبه وقال له : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من عمر ابن الخطاب إلى فلان ابن فلان ( بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا اله إلا هو إليه المصير ) وقال ادفع الرسالة لذلك الشخص فلما بلغته الرسالة وقال لا تدفعوا إليه الرسالة إلا بعد أن تجدوه
(1/20)
ليس به سكر فلما دفعت إليه الرسالة قرأها وقال : بشرني ربي وبكى بكاءًا حارا وأحسن توبته وأقلع عن المسكر بكتابة برسالة بعثها إليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فهذا أسلوب من أساليب الدعوة وهناك أساليب كثيرة جدا المهم أن لا يحصر الداعية الدعوة في أسلوب أو اثنين أو ثلاثة فللدعوة أساليب كثيرة .
الإنفاق في سبيل الله:
• ومن أدب الدعوة : أن يعوّد الدعاة أنفسهم على الإنفاق في سبيل الله وعلى بذل الأموال من أجل الدعوة فالدعوة إلى الله جلّ وعلا تحتاج إلى مال وتحتاج إلى تكاليف ولا يمكن أن يأتي الشيوعي لينفق على أمر الدعوة الإسلامية ولا يمكن أن ياتي المجوسي لينفق على أمر الدعوة ولا يمكن أن يأتي المشرك لينفق على أمر الدعوة وإنما ينفق على أمر الدعوة المؤمنون الدعاة المخلصون الذين يتحملون همّ هذه الدعوة هم الذين تقف الدعوة منتصبة قائمة وبجهودهم الذاتية يكون لهذه الدعوة أثرها واستمراريتها فلا بد أن يعوّد الدعاة على الإنفاق في سبيل الله وعلى بذل الأموال سواءاً كانوا رجالاً أو نساءاً أن يعوّد الإنسان على بذل الإنفاق .
التفاؤل والتشاؤم في الدعوة:
(1/21)
• ومن أدب الدعوة إلى الله جلّ وعلا : أن يكون الداعية متفائلا ينظر إلى الغد بابتسامة أمل ويسير إلى الغاية بروح القائد الشجاع وبنفسية العزيز المنتصر دون أن يعتريه يأس أو يستحوذ عليه قنوط إن التفاؤل من سمات الداعية الناجح لأن التشاؤم يجعل الإنسان ينظر إلى الغد بمنظار مظلم وينظر إلى الغد بيأس وقنوط وينظر إلى الغد على أنه غدٌ لا يمكن أن يتبدل فيه شيء بينما الداعية المتفائل هو ذلك الذي ينظر إلى الغد بهذه النظرة المتفائلة بالغد الباسم المشرق مهما استحكمت عليه الأمور ومهما ضاقت عليه الدروب ومهما ادلهمت الخطوب فإن ذلك يجعله ينظر بتفاؤل إلى واقع الدعوة ولعل في سيرة رسول صلى الله عليه وسلم ما يوضح ذلك ويبينه فعندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام في أحلك الظروف في هجرته من مكة إلى المدينة عندما أحاط به المشركون وكان في ظروف عصيبة في تلك اللحظة قال لذلك الرجل الذي كاد أن يصل إليه :كيف بك إذا لبست سواريّ كسرى ؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر بتفاؤل لا يعيش في تلك اللحظة الحرجة التي هو فيها وكذلك موقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفي أن نضرب لذلك مثلاً واحداً من سيرة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وكيف يكون التفاؤل الحق فبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان الخليفة هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وعندما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم عظم الخطب واشتد الحال ونجم النفاق وارتدت قبائل كثيرة من العرب وحلّت الفتن بين الناس وكان الحال كما قال عروة بن الزبير : كان الناس كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم وقلة عددهم وكثرة عدوهم ، ولكن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يكن ينظر بتشاؤم إلى هذه الأحوال بل كان متفائلاً فهو الذي كان يقول : أينقص الدين وأنا حيّ وهو الذي قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الذي جاء يعاتبه على قتال مانعي الزكاة فقال أبو بكر الصديق رضي
(1/22)
الله تعالى عنه كلماته الحية قال لعمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه : (( مهٍ )) يا عمر رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك أجبار في الجاهلية خوّارٌ في الإسلام ماذا عسيت أن أتألفهم بسحر مفتعل أم بشعر يفترى هيهات هيهات مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي فوالله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي فوالله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فوالله لو منعوني عقال بعير كان يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ، فهذا التفاؤل الذي كان يملأ جوانب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دفعه إلى هذه الشجاعة وإلى هذا الثبات وإلى أن ينشرح صدره لهذه الأمور العظيمة فما نظر إلى الأحوال التي وقعت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنظرة الإنسان المتشائم بل كان ينظر إلى غدٍ وينظر إلى مستقبل باسم وإلى الأمل الواعد بنصرة الله جل وعلا وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله عز وجل كلما أدلهمت بهم الخطوب وكلما ضاقت الدروب وأيقنوا بالهلاك لاح لهم فجر النصر وكانوا على ثقة بنصر الله تعالى لهم : (( كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله لقوي عزيز )) . (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور )) ، (( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون )) . (( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز )) . (( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).
وفي الختام
(1/23)
نسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا وأن يبصرنا بعيوبنا وأن يجعلنا من جنده الغالبين وحزبه المنصورين إنه على كل شيء قدير ، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوما واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوما ، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروما ، اللهم إنا ضعفاء فقونا ، وإنا أذلاء فأعزنا ، وإنا فقراء فأغننا ، أغننا بحلالك عن الحرام وبطاعتك عن الآثام وبك عمن سواك يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم أبرم في هذه الأمة أمر صلاح ورشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(1/24)

إرسال تعليق

0 تعليقات