أحكام المرأة في الحج والعمرة لمحمد الراشدي ب تخرج

أحكام المرأة في الحج والعمرة لمحمد الراشدي ب تخرج

 





الكتاب : أحكام الذكاة الشرعية لمحفوظ آل كموجا - ب تخرج
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص عام للبحث
عنوان البحث: أحكام الذكاة الشرعية.
إعداد الطالب: محفوظ بن سالم بن خميس آل كموجا.
المشرف: الشيخ إبراهيم بن راشد الغمّاري.
المناقش: أ.د. عمر محمد عبدالمنعم الفرماوي.
سبب اختيار هذا الموضوع:
1- حرصي على فهم كثير من الأحكام المتعلقة بالذكاة الشرعية والمختلف فيها بين أهل العلم والتي كنت أجهل بها خاصة ما يتعلق بطرق الذبح الحديثة، وذلك لأن الذكاة عبادة تمارس في مجتمعنا يكاد يكون بشكل يومي إن لم يكن كذلك.
2- تقوية الخبرة واكتساب المهارة العملية لتمهيد وتكوين مستقبل ناجح في مجال البحث العلمي.
خطة البحث: - اشتملت على المقدمة.
- فيه ثلاثة فصول وكل فصل يشتمل على المباحث والمطالب.
- الخاتمة.
بعض نتائج البحث:- أن الذكاة مشروعة بالكتاب والسنة، وقد حرم الله الميتة لحكم معقولة المعنى.
- أن الذكاة المجمع على إجزائها هي قطع الودجين، والمريء، والحلقوم وماعدا ذلك مختلف فيه.
- الذكاة جائزة من المسلم والكتابي والذمي، ذكرا كان أو أنثى.
- من شروط الحيوان المذكى أن يكون مباحا أكله، وأن يتم الذبح فيه على كمال الوجه بقطع العروق الأربعة على خلاف العلماء في الحد الأقل الذي يكتفى منه.
السنة الجامعية: 1426-1427هـ / 2005-2006م.
شكر وتقدير
الحمد لله الذي خلقني وسواني في أحسن تقويم، الذي منَّ علي بنعمة الإسلام، وأرشدني وهداني إلى سبيل الحق ونور الإسلام، والصلاة والسلام على رسوله الهادي، البشير بالجنة وأنعمها، والنذير من عذاب السعير وأهوالها، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الأجلاء، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
(1/1)
فإن الله عز وجل قد حكم أن لكل شيء بدايته ونهايته، وبمناسبة انتهاء عملية هذا البحث، يسرني أن أقدم برحب الصدر وسعة النفس وخالص الشكر والتقدير الخاص إلى الشيخ إبراهيم بن راشد الغماري مشرفي في هذا البحث الذي اقتطع جزءا من وقته الثمين ليتابع بقر يب سيران هذا البحث خطوة بعد أخرى، وشبرا بعد شبر حتى وضعته على هذا الخلق الجديد بعد أن كانت معلوماته أشلاء متناثرة.
إن شيخي لم يحجم عن أن يقدم لي ملاحظات علمية، وإرشادات منهجية، وتوجيهات مفيدة التي كان لها دور تشجيعي وتحفيزي أكبر في نفسي لبذل أقصى طاقة إضافية لتحقيق حلمي وطموحي في هذا العمل المتواضع والمشاهد بهذه الصورة.
كما أوجه حافل الشكر إلى مدير عام لمعهدنا الميمون الشيخ زياد بن طالب المعولي الذي منحني فرصة دراسة في هذا المعهد، وإلى كل من مد إليَّ يدالعون في تكوين هذا العمل البسيط، فجزاهم الله وإياي خير الجزاء وغفر لي ولهم جميع الذنوب، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، الذي أباح لنا كثيرا من الطيبات لا تحصى بالعدد، وحرم علينا الخبائث لحكمة رآها، ووضع عن هذه الأمة الخاتمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم منة منه وتكريما، فأحل لهم بهيمة الأنعام وكل ما كان نافعا غير ضار من جنس الحيوان. والصلاة والسلام على رسوله الكريم المنقذ لهذه الأمة من ظلمات الجهل إلى نور الهدى، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ذبح لغير الله إلى ذبح لله وحده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الحساب.
أما بعد:
(1/2)
فإن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضله على سائر خلقه ابتلاء له لينظر كيف سيقابل هذه المنة الإلهية، أيشكر أم يكفر؟ ومن مظاهر تفضيل الله له تسخير جميع ما في الأرض بأنواعه وأشكاله لمنفعته وليتحقق به استخلافه في الأرض، وليسهل به القيام والامتثال بما أمر به من تكاليف وواجبات. والقرآن الكريم خير شاهد على ما نقول، يقول المولى جل جلاله : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } ، (1) وقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً } ، (2) وقوله سبحانه وتعالى : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ } (3) 3)
ومن تسخيره تعالى ما في الأرض لمصلحة الإنسان تمكينه سبحانه وتعالى للإنسان من الحيوانات المختلفة في الأحجام والأشكال والطبائع التي تشاركه في الوجود في هذا الكون، فمنها ما يقطن في أعماق البحار والمحيطات، ومنها ما يتحلق ويسبح في الهواء طيرانا، ومنها ما يعيش في الغابات. وقد جعل الله تعالى منافع هذه الحيوانات متفاوتة بحسب حاجة الإنسان إليها، وكيفية استغلاله لها، ومن بينها منفعة الغذاء، غير أنه تعالى لم يطلق إباحة هذه الحيوانات؛ إذ الإسلام إنما يبيح الطيب دون الخبيث والنافع دون الضار، لتحقيق منفعة العباد وإبعادهم عن كل ما هو ضار.
__________
(1) سورة الإسراء الآية: 70.
(2) سورة البقرة الآية: 29.
(3) سورة الجاثية الآية: 13.
(1/3)
وقد امتازت التشريعات الإسلامية السمحاء عن الشرائع الأخرى في تحديد طرق ذبح وإزهاق روح الحيوانات المباحة أكلها، ووضعت مبادئها وشرحت أحكامها، فليست قضية ذكاة الحيوانات من الأمور العادية التي يتصرف فيها الإنسان كيفما يشاء حسب حاجته، أو مصلحته، وإنما هي الأمور التعبدية التي يجب على الإنسان المسلم الالتزام بأحكامها المبينة في الكتاب والسنة المطهرة.
هذا وقد تقدمت باختيار موضوع بحث التخرج بعنوان "أحكام الذكاة الشرعية" وسيتم البحث فيه مقارنة بين خمسة مذاهب: الإباضية، والحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. ولم يكن هذا الاختيار قائما على مجرده، بل هناك دوافع حملتني لأختاره منها:
محرم - حرصي على فهم كثير من الأحكام المتعلقة بالذكاة الشرعية والمختلف فيها بين أهل العلم والتي كنت أجهل بها خاصة ما يتعلق بطرق الذبح الحديثة، وذلك لأن الذكاة عبادة تمارس في مجتمعنا يكاد يكون بشكل يومي إن لم يكن كذلك.
صفر - أن يكون نتاجا لتقييم مستواي في ميدان التطبيق العملي بعد أربع سنوات من الدراسة.
ربيع أول - أن يكون لونا من مساهمة في البحوث العلمية، تنفعني وكل من اطلع عليه واستفاد منه.
ربيع ثان - تقوية الخبرة واكتساب المهارة العملية لتمهيد وتكوين مستقبل ناجح في مجال البحث العلمي.
وقد تم تقسيم هذا البحث على النحو التالي: المقدمة، وثلاثة فصول تشتمل على المباحث والمطالب، والخاتمة كما يلي بيانه:
الفصل الأول: تعريف الذكاة ومشروعيتها، وفيه مبحثان:-
المبحث الأول: تعريف الذكاة وفيه مطلبان:-
المطلب الأول: تعريف الذكاة لغة.
المطلب الثاني: تعريف الذكاة اصطلاحا.
المبحث الثاني: مشروعية الذكاة وحكمتها، وفيه مطلبان:-
المطلب الأول: مشروعية الذكاة.
المطلب الثاني: حكمة مشروعية الذكاة.
الفصل الثاني: أنواع الذكاة وكيفيتها في كل نوع، وفيه خمسة مباحث:-
المبحث الأول: النحر، وفيه ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: تعريف النحر لغة.
(1/4)
المطلب الثاني: تعريف النحر اصطلاحا.
المطلب الثالث: الحيوانات التي شرع فيها النحر وكيفيته فيها.
المبحث الثاني: الذبح، وفيه ستة مطالب:-
المطلب الأول: تعريف الذبح لغة.
المطلب الثاني: تعريف الذبح اصطلاحا.
المطلب الثالث: الحيوانات التي شرع فيها الذبح وكيفيته فيها.
المطلب الرابع: حكم نحر ما حقه الذبح وذبح ما حقه النحر.
المطلب الخامس: حكم قطع الودجين، والمريء، والحلق.
المطلب السادس: بعض صور الذبح المختلف فيها.
المبحث الثالث: العقر، وفيه ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: تعريف العقر لغة.
المطلب الثاني: تعريف العقر اصطلاحا.
المطلب الثالث: أنواع العقر.
المبحث الرابع: ذكاة الجنين وهو في بطن أمه، وفيه أربعة مطالب:-
المطلب الأول: خروج الجنين من بطن أمه ميتا قبل ذكاتها.
المطلب الثاني: خروج الجنين من بطن أمه ميتا بعد ذكاتها.
المطلب الثالث: خروج الجنين من بطن أمه حيا قبل ذكاتها.
المطلب الرابع: خروج الجنين من بطن أمه حيا بعد ذكاتها.
المبحث الخامس: الطرق الحديثة في إزهاق الروح، وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: طريقة التدويخ باستخدام المسدس.
المطلب الثاني: طريقة التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة.
المطلب الثالث: طريقة التدويخ باستعمال الصدمة الكهربائية.
المطلب الرابع: طريقة التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون.
الفصل الثالث: شروط الذكاة ومستحباتها، ومكروهاتها، وفيه مبحثان:-
المبحث الأول: شروط الذكاة، وفيه أربعة مطالب:-
المطلب الأول: شروط المذكي.
المطلب الثاني: شروط الحيوان المذكى.
المطلب الثالث: شروط آلة الذبح.
المطلب الرابع: شروط التذكية.
المبحث الثاني: مستحبات الذكاة، ومكروهاتها.
(1/5)
نسأل الله العلي القدير التوفيق والنجاح في تحقيق طموحاتي من هذا البحث إنه ولي ذلك والقادر عليه، نعم المولى ونعم النصير، غفرانك ربنا وإليك المصير، وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.
ا لباحث :محفوظ بن سالم بن خميس آل كموجا
معهد العلوم الشرعية – مسقط
ليلة الأحد: 2 من ربيع الثاني 1427هـ / 30 من إبريل 2006م.
المبحث الأول
تعريف الذكاة، وفيه مطلبان.
تمهيد:
... للتعريف أهمية بالغة، و ذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، إذ لا يمكن الحكم على المجهول، كما لا يمكن الحكم على شيء مختلف في تحديد ماهيته وتصوير حقيقته أي شيء هو؟ لهذا ينبغي لنا قبل أن نقتحم تفاصيل هذا البحث أن نكشف ونحدد معنى الذكاة في اللغة والاصطلاح حتى نتمكن من استيعاب الأمور على وضعها الحقيقي، لأن لكل لفظ مدلوله، ولابد من إظهار وبيان كل لفظة ومضمونها لينطلق البحث من أساس سليم إلى غاية سليمة .
المطلب الأول: تعريف الذكاة لغة.
للذكاة في اللغة عدة معان نكتفي بذكر بعض منها:
أولا: جاء في المصباح المنير(ذَكَى) الشَّخْصُ ذَكَى مِنْ بَابِ تَعِبَ وَمِنْ بَابِ عَلاَ وَهُوَ
سُرْعَةُ الفَهَمِ، فالرَّجُلُ ذَكِيٌّ عَلىَ فَعِيْلٍ وَالجَمْعُ أَذْكِيَاءٌ. (1)
ثانيا: وجاء في لسان العرب: تَذْكِيَةُ النَّارِ، رَفْعُهَا، وَالذَّكَاءُ، شِدَّةُ وَهَجِ النَّارِ، يُقَالُ: ذَكَّيْتُ النَّارَ إِذَا أَتْمَمْتَ إِشْعَالَهَا وَرَفَعْتَهَا، وكذلك قوله تعالى: { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } ، (2) أَيْ مَا ذَبَحْتُمْ عَلَى التَّمَامِ.
وَالذَّكاَءُ، تَمَامُ إِيْقَادِ النَّارِ، وَأُنْشِدَ: وَيُضْرِمُ فِيْ القَلْبِ إِضْرَامًا، كَأَنَّهُ ذَكَا النَّارِ تُرْفِيْهِ الرِّيَاحُ النَّوَافِحُ.
__________
(1) أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المصباح المنير (مكتبة لبنان)، ص80 .
(2) المائدة: 3.
(1/6)
ثالثا: والتَّذْكِيَةُ الذََبْحُ. وَالذَّكَاءُ وَالذَّكاَةُ: الذَّبْحُ؛ عن ثعلب (1) تَقُوْلُ العَرَبُ: ذَكاَةَ الجَنِيْنِ ذَكاَةُ أُمِّهِ أَيْ إِذَا ذُبِحَتْ الأُمُّ ذُبِحَ الجَنِيٌنُ. يُقَالُ: ذَكَّيْتُ الشَّاةَ تَذْكِيَةً، وَالاسْمُ الذَّكَاةُ، وَالمَذْبُوْحُ ذَكِيٌّ. (2) 4)
هذه بعض معان الذكاة في اللغة، والمعنى الذي يعنينا في هذا الباب هو المعنى الأخير، وهو الذي له تعلق بموضوع بحثنا.
المطلب الثاني: تعريف الذكاة اصطلاحا.
أولا: تعريف الإباضية:
فقد عرفها صاحب متن النيل الثميني بأنها قطع الحلقوم والمريء والودجين لمحدد ولا سن أو ظفر مع الذكر والإبراد. (3) 1)
وعرفها الأستاذ محمد الشيخ بالحاج بأنها إزهاق روح الحيوان الجائز أكله شرعا بإهراق دمه مع ذكر اسم الله عليه. (4) 2)
ثانيا: تعريف المالكية:
عرفوها بأنها قطع مميز يناكح تمام الحلقوم والودجين من المقدم بلا رفع قبل التمام. (5) 3)
ثالثا: تعريف الحنفية:
عرفوها بأنها ذبح بين الحلق واللبة وعروق الحلق هي الحلقوم، والمريء، والودجان. (6) 4)
__________
(1) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني المعروف بثعلب، ولد سنة مائتين، وتوفي لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة 291.
(2) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب (ط1/، دار صادر، بيروت لبنان 2000م)، ج6 ص38.
(3) محمد بن يوسف أطفيش، شرح كاب النيل وشفاء العليل ( مكتبة الإرشاد جدة، ط/2 1392هـ-1972م)، ج4 ص433-434.
(4) محمد الشيخ بالحاج(ابن الشيخ)، قبسات من الهدي النبوي في أحدث المعملات، (المطبعة العربية 11نهج طالبي أحمد-غرداية)، ص41.
(5) محمد عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على شرح الكبير، (بدون دار نشر، بيروت، لبنان، ط/1،1149هـ -1998م)، ج2 ص136.
(6) ابن عابدين، رد المختار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، (دار إحياء التراث العربية، ط/1، 1419هـ- 1998م) ج9 ص355.
(1/7)
رابعا: تعريف الشافعية:
عرفوها بأنها قطع حلقوم ومريء من مقدور عليه وقتل غيره بأي محل. (1) 5)
والتعريف الذي أراه أنه أحسن هو ذاك الذي ذكره الأستاذ محمد الشيخ بالحاج؛ لأنه يستغرق جميع أنواع الذكاة المشروعة، وما سوى هذا التعريف فهي تختص بالذبح وحده دون غيره من أنواع الذكاة كالنحر والعقر والتي سيأتي تفصيلها في المبحث القادم إن شاء الله.
المبحث الثاني
مشروعية الذكاة وحكمتها وفيه مطلبان.
المطلب الأول: مشروعية الذكاة.
الذكاة مشروعة، وقد ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة.
أولا: الكتاب.
1- قال تعالى وهو يذكر المحرمات: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } (2) ومحل الشاهد (إلا ما ذكيتم)أي إلا ما أدركتم فيها حياة وذبحتم وذكر اسم الله عليه، فهو حلال أكله، وقد جاء هذا الاستثناء بعد سرد المحرمات، والاستثناء من التحريم إباحة فيكون المذكَّى مباح أكله. (3)
2- وقال تعالى آمراً لبني إسرائيل بذح البقرة: { . إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } (4) 3)
3- وقوله تعالى وهو يأمر نبيه بالنحر: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (5) 4) وأمره تعالى لنبيه أمر لعباده مالم يدل على الخصوص، والذبح والنحر من أنواع الذكاة المشروعة شرعا كما سنرى في الفصل القادم إن شاء الله تعالى.
ثانيا: السنة.
__________
(1) زكريا الأنصاري، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، (دار المعرفة ، بيروت، لبنان، بدون طبعة )، ج2 ص184.
(2) سورة المايدة، الآية: 3.
(3) أبو بكر بن مسعود الكاساني بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (دار إحياء التراث العرب، بيروت، لبنان، ط/2، 1419ه- 1998م)، ج4ص155.
(4) سورة البقرة، الآية: 68.
(5) سورة الكوثر، الآية:2.
(1/8)
1- قال الرسول -صلى الله علية وسلم-من حديث شداد بن أوس: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فاحسنو القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (1) 5)
2- وعن جابر بن عبدالله-رضي الله عنه أنه قال: "نحرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية البدنة عن سبع والبقر عن سبع" (2)
فهذه الأدلة كلها تدل على مشروعية الذكاة وهي تنصب على الحيوانات المقدروة عليها فقط، أي الذكاة الاختيارية بخلاف الذكاة الاضطرارية كما سيأتي فيما بعد بإذن الله.
المطلب الثاني: حكمة مشروعية الذكاة.
وأما الحكمة من مشروعية الذكاة، فهناك حكم عديدة ذكرها العلماء.
أولا: أن الشرع إنما ورد بإحلال الطيبات قال الله تبارك وتعال: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } ، (3) وقال سبحانه: { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ } ، (4) 3)والميتة ليست من الطيبات وقد حرمت لخبثها، ولما فيها من الضرر ببقاء المواد الضارة، والدم في الجسم إما لمرض أو لاحتباس الدم فيها وأنه لا يزول إلا بالذبح والنحر، فإن ذكيت ذهب الدم الضار منها. (5)
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، ج3 ص1548، ح (1955)، وأخرجه ابن حبان كما في الإحسان، كتاب الذبائح، باب ذكر الأمر بحد الشفار والإحسان في الذبح، ج13 ص199،ح(5883).
(2) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده، كتاب الحج، باب الهدي والجزاء والفدية، ج1ص175، ح(430).
(3) سورة المائدة، الآية :4.
(4) سورة الأعراف، الآية: 157.
(5) وهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج (دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ودار الفكر، دمشق، سوريا، ط /2 ، 1411 ه- 1991م) ج 6 ص76.
(1/9)
ثانيا: أن التحقيقات العلمية الحديثة أفادت أن اللحوم المصبرة أي التي تحفظ في العُلْبَةِ من غير تذكية أسرع ماتكون فسادًا وتعفنًا وتلوثًا من اللحوم المصبرة بعد تذكيتها وإراقة دمها، بناء على هذا وحفاظا على صحتنا ووقاية لنا ولمجتمعنا من الأمراض والأوبئة فإنه يحرم علينا تناول الميتة مهما كان سبب موتها. (1)
ثالثا: لقد أثبت الأطباء أن الدم مسرح لكثير من الميكروبات والجراثيم، وبموت الحيوان بدون الذكاة يجمد الدم في اللحم، ولا يمكن فصله حينئذ عن اللحم. (2) 6)
المبحث الأول
النحر و فيه ثلاثة مطالب.
تمهيد:
إن الله سبحانه تعالى قد أنعم على الإنسان نعما كثيرة لا تحصى بالعدد فقال تعالى { :وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا } ، (3) وكرمه وفضله على سائر المخلوقات واستخلفه على الأرض فقال عز وجل: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } ، (4) من تلك النعم نعم الحيوانات المألوفة منها والوحشية فأحل له بعضها وحرم عليه غيرها لحكمة أرادها المولى جل وعلا، ثم إنه تبارك وتعالى لم يترك لهذا البشر العاقل يبحث ويتحسس عن طريق إباحة لحوم الحيوانات المبيحة أكلها بل شرع له سبل الإباحة وعلمَّه كيف يذكي تمييزا له عن السباع والطيور ذات المخالب .
وفي هذا الفصل سوف أتناول أنواع الذكاة المشروعة وهي:النحر، والذبح، وذكاة الجنين، والعقر.وإليك هذه الأنواع حسب الترتيب المذكور آنفا.
المطلب الأول: تعريف النحر لغة.
__________
(1) محمد الشيخ بالحاج، قبسات من الهدي النبوي، (مرجع سابق)، ص74-75.
(2) عبدالله بن عبدالرحيم العبادي، الذبائح في الشريعة الإسلامية، (المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، بدون طبعة)، ص146.
(3) سورة النحل: 18 .
(4) سورة الإسراء: 70.
(1/10)
للنحر في اللغة معان كثيرة، أذكر منها:-
1- يقال: نَحَرَهُ يَنْحَرُهُ نَحْرًا، ونَحَرَ البَعِيْرَ نَحْرًا: طَعَنَهُ فِيْ مَنْحَرِهِ حِيْثُ يَبْدُوْ الحُُقوم من أَعْلَى الصَّدْرِ، وجمعه نُحُورٌ لايكسَّر على غير ذلك.
2- ويوم النَّحْرِ: عَاشِر مِنْ ذِيْ الحِجَّة يَوْم الأَضْحَى لِأَّنَّ البُدْنَ تُنْحَرُ فِيْهِ.
3- المَنْحَرُ: المَوْضِعُ الذي يُنْحَرُ فِيْهِ الهَدْيُ وغيره. (1)
المطلب الثاني: تعريف النحر اصطلاحا.
... عرف بعض العلماء النحر بأنه هو عبارة عن طعن الإبل- نوقا أو جمالا- عند اللبة نهاية عنقها الطويل مما يلي الجسد بمدية أو خنجر، وغالبا ما تكون الآلة مديدة طويلة حادة، طعنا قويا نافذا إلى نياط قلبها فيقطع الودجين والحلقوم والمريء-البلعوم- مع ذكر اسم الله عند ذلك، (2)
وعرفه البعض الآخر بأنه هو طعن المميز المسلم أو الكتابي بشروطه بمسن بلبة، بلارفع قبل التمام. (3)
ويجدر بي أن نشير إلى أن التعريف الأول يظهر أنه أحسن من التعريف الثاني لما يتميز به من تفصيل نوع الحيوان الذي شرع فيه النحر وذكر محل النحر وكيفيته، وهو بمقتضى هذا التعريف يكون النحر للإبل خاصا دون غيره، ولكنه كما سنرى في اللاحق أنه يجوز نحر في غير الإبل ولعل صاحب التعريف نظر إلى الغالب فيما يكون النحر، أما التعريف الثاني فهو جامع غير مانع إذ يشمل جميع الحيوانات من غير الإبل غير أنه يتميز عن التعريف الأول لبيانه شروط الناحر.
المطلب الثالث: الحيوانات التي شرع فيها النحر وكيفيته فيها.
__________
(1) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، (مرجع سابق)، ج14ص208-209.
(2) محمد الشيخ بالحاج، قبسات من الهدي النبوي، (مرجع سابق)، ص53.
(3) الحبيب بن طاهر، الفقه المالكي وأدته، (مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان، ط/ 1، 1422هـ-2001م)، ج3ص29 ، والخرشي على مختصر سيد خليل العدوي، (بدون دار نشر ولا طبعة)، ج3ص15.
(1/11)
الذي يطلع على الكتب التي كتبت عن الذكاة، يجد أن العلماء صنفوا الحيوانات على حسب أنواع الذكاة التي تناسبها وتصلح فيها، وذلك حسب طبيعة الحيوان وخلقته أو بورود نص فيها، وهذا التصنيف منطقي إذ ليست كل الحيوانات يناسبها النحر والذبح، فمنها ما يقبل النحر بوجه خاص وورد النص في ذلك، ومنها ما يقبل الذبح وورد النص في ذلك أيضا، ومنها ما يقبل النوعين على حد سواء، ونحن هنا سنتحدث عن الحيوانات التي شرع فيها النحر فقط ونؤجل الحديث عن النوعين الباقيين إلى بابيهما إن شاء الله تعالى.
أما الحيوانات التي يشرع فيها النحر هي:- الإبل والزرافة، ومن الطيور كالنعامة.ويلحظ أن النحر مشروع في الحيوانات ذات طويلة العنق لأن النحر أسرع لموتها.
وكيفية النحر أن تنحر الإبل-وهو المشهور بهذا النوع- قائمة على قوائمها الثلاث معقولة قائمتها الرابعة حتى إذا طعنت سقطت، وإذا وجبت جنوبها سلخت، (1) والدليل على ذلك ما جاء في قوله تعالى: { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } . (2)
المبحث الثاني
الذبح، ويشتمل على خمسة مطالب.
المطلب الأول: تعريف الذبح لغة.
1- ذَبَحَ: الذَبْحُ:قَطْعُ حُلْقُوْمِ مِنْ بَاطِنِ عِنْدَ النَّصِيْلِ، وهو موضع الذَبْحِ من الحلق. والذَبْحُ: مصدر ذَبَحْتُ الشاة؛يقال: ذَبَحَهُ يَذْبَحُهُ ذَبْحاً، فهو مَذْبُوْحٌ و ذَبِيْحٌ من قوم ذَبْحَى وذَباَحَى.
2- والذَّبِيْحَةُ: الشاة المَذْبُوْحَةُ، وشاة ذَبِيْحَةٌ، والذِّبْحُ: اسم ما ذُبِحَ.
3- والذَّبْحُ: الشق والمِذْبَحُ السكين. (3)
__________
(1) انظر الحبيب بن طاهر،الفقه المالكي وأدلته،(مرجع سابق)ج3ص17-19،ومحمد الشيخ بالحاج،قبسات من الهدي النبوي،(مرجع سابق)ص53
(2) سورة الحج الآية: 36.
(3) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب،(مرجع سابق)، ج6ص17-18.
(1/12)
وهذه المعاني الأربعة شملت معظم عملية الذكاة فقد أشارت إلى المُذَكَّى وموضع الذكاة في المذبوح، وآلة الذكاة، وفعل الذكاة نفسه، وهو ما يعني وجود علاقة بينها وبين الموضوع الذي نحن بصدده.
المطلب الثاني: تعريف الذبح اصطلاحاً:
لقد ذكرت عندما تكلمت عن تعريف الذكاة الاصطلاحية في مطلع هذا البحث - تعريفات المذاهب وهي كلها تنطبق على تعريف الذبح ولا داعٍ لتكرار ذكرها هنا ولكن سأذكر واحداً منها وهو ذلك التعريف الذي وصفناه بأنه أحن من غيره.
فالذبح هو: إزهاق روح الحيوان الجائز أكله شرعاً بإرهاق دمه مع ذكر اسم الله عليه. (1)
المطلب الثالث: الحيوانات التي شرع فيها الذبح وكيفية الذبح فيها.
يكون الذبح واجبا متعينا في الغنم كالماعز والخروف، ومن الطيور الدجاج والبط والحمام وغيرها كثيرة، والوحوش المقدور عليها، وأما البقر فيجوز فيه وجهان الذبح والنحر إلا أنه يندب فيه الذبح ويكره النحر، ومثل البقر في جواز الأمرين وأفضلية الذبح للجاموس وبقر الوحش إذا قدر عليه، والحمر والخيل والبغال الوحشية.
ويكون الذبح بقطع الحلقوم والمريء والودجين على خلاف العلماء فيما يكفي قطع هذه العروق بمدية طاهرة باليد اليمنى مستقبلاً بها القبلة، بعد إضجاعها برفق ولين على شقها الأيسر، ذاكراً اسم الله عليها عند حركة يده – بسم الله، الله أكبر قصد تحليله. (2)
المطلب الرابع: حكم نحر ما حقه الذبح وذبح ما حقه النحر.
أشرت فيما سبق أن هناك من الحيوانات ما شرع فيها النحر، وما شرع فيها الذبح، ومنها ما يجوز فيها النحر والذبح على حد سواء، و السؤال بعد هذا، هل يجوز العكس بين الحالتين الأولتين أو لا يجوز؟ المسألة فيها قولان بين أهل العلم:
__________
(1) محمد الشيخ بلحاج، قبسات من الهدي النبوي، (مرجع سابق)، ص41.
(2) انظر الحبيب بن طاهر، الفقه المالكي وأدلته، (مرجع سابق)، ج3 ص17، ومحمد الشيخ بلحاج، قبسات من الهدي النبوي، (مرجع سابق)، ص45-46.
(1/13)
القول الأول: أنه يجوز ذلك، ذهب إلى هذا الجمهور من الشافعية، (1) والحنابلة، (2) والإباضية وهو قول الإمام جابر بن زيد (3) وبه أخذ أشهب (4) 5) من المالكية، وأجاز الحنفية (5) مع الكراهة لما فيه من مخالفة السنة.
واستدل هذا الفريق بما جاء عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله علية وسلم أنه قال:"ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل" (6) 7) ويتبين بهذا الحديث أن الأمر بالنحر في البدنة ليس لعينه بل لإنهار الدم وافراء الأدواج وقد وجد ذلك.
القول الثاني: أنه لا يجوز العكس بين الحلتين ويمثله الإمام مالك (7) 1) الذي خالف جمهور العلماء فقال بمنع عكس الحالتين في غير موضع الضرورة.
__________
(1) عبدالله بن الشيخ الحسن الكهرجي، زاد المحتاج بشرح المنهاج، (المكتبة العصرية –صيدا – بيروت، لبنان، ط/2، 1407هـ- 1978م)، ج4ص378.
(2) عبدالله بن قدامه المقدسي، الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل،( المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط/5، 1408-1988م) ج1ص480.
(3) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق) ج4ص430.
(4) القرطبي، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4 ص 110.
(5) الكاساني، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص155.
(6) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، ج3 ص1558،ح(196) .
(7) القرطبي، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4 ص110.
(1/14)
ومما استدل به الإمام مالك في دعم ما ذهب إليه، ما جاء في أمره الله تبارك وتعالى في البدن بالنحر حيث قال عز من قائل: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (1) 2) فإذا ذبح فقد ترك المأمور به فلا يحل، وأمر في البقر والغنم الذبح حيث قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } ، (2) 3) وقال تعالى: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم } ، (3) 4) والذبح بمعنى المذبوح كالطحن بمعنى المطحون. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ.
الرد:
رد عليه القطب (4) 5) من الإباضية بما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه نحر الإبل والبقر، وذبح الغنم. جاء عن جابر بن عبدالله أنه قال: "نحرنا مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-عام الحديبية البدنة عن سبع والبقرة عن سبع" (5) 6) غير أنه يحتمل أن يقَّدر؛ وذبحنا البقرة عن سبع.
الطلب الخامس: حكم قطع الودجين والمريء والحلقوم.
اختلف العلماء اختلافا واسعا في الحد الأدنى الذي يُكتفى منه قطع هذه العروق الأربعة.
القول الأول: أنه يكتفى بقطع الحلقوم والمريء فقط وليس واجب قطع الودجين ولكنه يستحب قطعهما، وعليه مذهب الشافعية، (6) 7) والحنابلة إلا أن الحنابلة يرون قطع الودجين أولى خروجا من مأزق الخلاف. (7) 8)
القول الثاني: أنه يجزي قطع ثلاثة من الأربعة بدون تعيين وهو قول الإمام أبي حنيفة، وبه كان يقول أبو يوسف أولاً ثم رجع إلى وجوب قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين.
__________
(1) سورة الكوثر، الآية: 2.
(2) سورة البقرة، الآية: 68.
(3) سورة الصافات، الآية: 107.
(4) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4ص430.
(5) أخرجه الإمام الربيع في مسنده،كتاب الحج، باب الهدي والجزاء و الفدية، ج1 ص175ح (430)، وأخرجه ابن حبان كما في الإحسان،كتاب الحج، باب الهدي، ج9 ص310 ح(4004).
(6) الكرهجي، زاد المحتاج، (مرجع سابق)، ج4 ص377 .
(7) ابن قدامة المقدسي، الكافي، (مرجع سابق)ج1ص479-480.
(1/15)
وعلل أبو حنيفة أن الأكثر تقوم مقام الكل في كثير من الأحكام وأي ثلاثة قطعها فقد قطع الأكثر منها ويحل بها المقصود وهو إنهار الدم المسفوح في إخراج الروح، وأما تعليل أبي يوسف هو أن المقصود من قطع الودجين هو إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر إذ كل واحد منهما مجرى الدم، أما الحلقوم بخلاف المريء فإنه مجرى النفس، والمريء مجرى العلف والماء فلابد من قطعهما. (1) 1)
القول الثالث: أنه لا يجزي إلا بقطع من كل واحد منها أو أكثره، وهو قول محمد بن الحسن ورواية عن أبي حنيفة، لأن كل فرد منها أصل بنفسه لانفصاله من غيره ولورود الأمر بفريه فيعتبر أكثر كل فرد منها. (2) 2)
القول الربع: أنه لا يجزي إلا بقطع الحلقوم والودجين وهو المشهور عند الإمام مالك، فقد سئل الإمام مالك أرأيت إن ذبح فقطع الحلقوم ولم يقطع الأوداج، أو فرى الأوداج ولم يقطع الحلقوم أيأكله؟ قال مالك لا يأكله إلا باجتماع منهما جميعا. (3) 3)
القول الخامس: أنه لا يجزي إلا بقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهو قول أبي يوسف، (4) 4) وهو يتفق مع ما ورد في المصنف من كتب الإباضية. (5) 5)
__________
(1) محمود بن أحمد العيشي، البيانة في شرح الهداية، (دار الفكر، بيروت لبنان، ط/2، 1411هـ - 1990م)، ج10 ص661.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) القرطبي، بداية المجتهد، (مرجع سابق)، ج4 ص112.
(4) الكاساني، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص157.
(5) أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي، المصنف، (وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان(بدون طبعة)، 1404هـ-1984م)،ج9ص186.
(1/16)
القول السادس: أنه لا يجزي إلا بقطع الأربعة جميعا، وهو قول أكثر علماء الإباضية كما جاء منهم، والمشهور أنه لابد من قطع الأوداج والحلق والحلقوم، والمرد بالحلق المريء، (1) 6) ورواية عن مالك. (2) 7)
وبما أن مشروعية التذكية من أجل تطييب اللحم مع مراعاة راحة الحيوان المذكى؛ يتبين رجحان القول الذي يشترط في الذبحة قطع الحلقوم والمريء والودجين جميعاً، فإن ذلك أبلغ في إراحة المذبوح من شدة معاناة آلام الموت، وأكثر تطييا للحم بإنهار دمه من كلا ودجيه، وهي الكيفية التي انعقد الإجماع على إجزائها في الذبح، وذلك أحوط في العمل بما دلت عليه السنة من فري الأوداج؛ لصدق مفهوم الأوداج على هذه الأربع كلها. (3) 1)
المطلب السادس: بعض صور الذبح المختلف فيها.
1- الذبح من القفا.
هذه المسألة وقع فيها خلاف بين العلماء إن وصل الذابح إلى ما يجب قطعه في الذبح إن بدأ ذبحه من القفا إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز أكل ما ذبح من القفا أو من إحدى صفحتي العنق، لأنه قطع للنخاع قبل تمام الذكاة، قال بهذا المالكية، (4) 2) والإباضية (5) 3) سواء وقع ذلك عن طريق العمد أم الخطأ إلا إن كان بسبب انقلاب الآلات للقفا لتحرك المذبوح مع نية الذبح في المكان الشرعي لأن التذكية أمر تعبدي .
__________
(1) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مكتبة مسقط، مسقط عمان، ط:5، 1425هـ - 2004م) ج4 ص511- 512، وأطفيش،شرح النيل،(مرجع سابق)ج4ص436.
(2) القرطبي، بداية المجتهد، مرجع سابق، ج4 ص112.
(3) راجع أحمد بن حمد الخليلي، الذبائح والطرق الشرعية في إزهاق الروح، بحث في مجلة الفقه الإسلامي العدد العاشر، ح1 ص170.
(4) الدسوقي، حاشية السوقي، (مرجع سابق)، ج2 ص156.
(5) محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع (وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، بدون ذكر الطبعة، 1408هـ - 1988م) ج27 ص14.
(1/17)
القول الثاني: أن الذبيحة تحل إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء، وهو قول الشافعية، (1) 4) والحنابلة (2) 5) حيث جاء منهم ذبح الذبيحة من قفاها فأتت السكين موضع ذبحها وفيها حياة مستقرة حلت الذبيحة؛ لأنها ماتت بالذبح .
القول الثالث: أن ما ذبح من قفاه مكروه إن بقيت فيه الحياة حتى وصل الذبح إلى أن تتوقف الذكية على قطعه وإلا حرم، ذهب إلى هذا الحنفية، (3) 1) وعللوا الكراهية بما في ذلك من زيادة الألم.
2- قطع جميع الرأس والنخاع.
وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه إن تعمد وتمادى الذابح في الذبح حتى قطع الرأس وفصله لم تؤكل، وإن لم يتعمد ذلك وإنما سبقت السكين أكلت، وهو قول اللخمي من المالكية، (4) 2) والإباضية، وبه أخذ الإمام الربيع بن حبيب كما عزاه صاحب شرح النيل. (5) 3)
القول الثاني: أنه تؤكل وإن تعمد؛ لحصول الذكاة المشروعة، وزيادة الألم المنهي عنه بعد ذلك لا يمنع الإجزاء، وهو قول ابن القاسم من المالكية. (6) 4)
القول الثالث: ذهب الحنفية (7) 5) إلى أنه يكره ذلك من غير تحريم، وتعليلهم أن في ذلك زيادة تعذيب للحيوان، وهو قول مذهب الشافعية (8) 6) فقد قالوا: إذا ذكيت الذبيحة ذكاة معتبرة وقطع رأسها في تمام الذبح فهي حلال، وفي الشاة المخنوعة أن هذا الفعل مكروه والذبيحة حلال.
__________
(1) الكرهجي، زاد المحتاج، (مرجع سابق)، ج4 ص378.
(2) ابن قادمة المقدسي، الكافي، (مرجع سابق)، ج1 ص480.
(3) عبد الغني الغنيمي الميداني، اللباب في شرح الكتاب، دار المعرفة، بيروت لبنان، ط:1، 1418هـ - 1998م)، ح2 ص200.
(4) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)، ج3 ص421.
(5) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4 ص440.
(6) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)، ج3 ص421.
(7) الكاساني، بدائع الصنائع، ج4.
(8) محيي الدين بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب، (دار الفكر بدون ذكر الطبعة)، ج9 ص91.
(1/18)
3- التراخي في الذبح:
يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي "لا أعلم خلافا بين أهل العلم في عدم جواز التراخي في الذبح من أجل الاستراحة، وذلك بأن يشرع الذابح في ذبح الحيوان ثم يتركه فترة من الزمن ثم يعود إليه بما في ذلك من إطالة تعذيبه وإنما اختلفوا فيما إذا رفع يده عن الذبيحة ثم عاد إليها سريعا، فالأكثرون على أنها تؤكل". (1) 1) ...
... وفي مذهب المالكية (2) 2) إن رفع يده قبل تمام الذبح ثم عاد ليكمل الذكاة لم تؤكل الذبيحة إن طال الرفع، سواء إن رفع يده اختياراً أو اضطراراً فإن أعاد السكين أو نحوه من آلة الذبح من قرب بعد الرفع أكلت الذبيحة سواء رفع يده اختياراً أو اضطراراً، والقرب والبعد يرجع إلى العرف، فالقرب مثل أن يسن السكين أو يطرحها ويأخذ أخرى من حزامه أو قربة، وهذا كله إن كان أنفذ بعض المقاتل بأن قطع بعض الودجين، أما إن لم يكن أنفذ ذلك بأن كان لو تركت الذبيحة لعاشت فإنها تؤكل مطلقاً رجع عن قرب أو بعد؛ لأنها ابتداء ذكاة مستقلة حينئذٍ، لكن إن عاد عن بعد فلا بد من النية والتسمية رفع اختياراً أو اضطراراً.
المبحث الثالث
العقر وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: تعريف العقر لغة:
من معاني العقر لغة نذكر ما يلي:
1- عَقَرَه: أي جرحه، فهو عَقِيرٌ وعَقْرَى مثل: جَرِيح وجَرْحَى وعقر الفرس والبعير بالسيف عَقْرَاً: قطع قوائمه؛ وفرس عَقِيرٌ مَعْقُورٌ، وخيل عَقْرى.
2- وعَقَرَ الناقة يَعْقِرُها ويَعْقُرُهَا عَقْرَاً وعَقَّرَهَا إذا فعل بها ذلك حتى تسقط فنحرها مستمكناً منها. (3)
__________
(1) راجع أحمد بن حمد الخليلي، الذبائح والطرق الشرعية في إزهاق الروح، بحث في مجلة الفقه الإسلامي العدد العاشر ج1 ص188.
(2) الدسوقي، شرح الدسوقي، (مرجع سابق) ج2 ص152.
(3) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، (مرجع سابق)، ج10 ص223- 225.
(1/19)
والمعنى الذي له ارتباط بموضوع هذا المبحث هو المعنى الأول، وذلك لأن العقر يكون بجرح الحيوان في أي موضع من جسمه في حالة تعذر الوصول إلى المذبح، وهو ما يشير إليه هذا المعنى.
المطلب الثاني: تعريف العقر اصطلاحاً.
فقد عرفه المالكية بأنه جرح مسلم مميز وحشياً غير مقدور عليه إلا بعسر، شرد أو تردى بحفرة، بمحدد أو حيوان علم كيفية الاصطياد من طير أو غيره كالكلب، فمات قبل إدراكه حياً. (1)
... ومن المعلوم أن هذا النوع من الذبح مشروع في الذكاة الاضطرارية فقط أي في حالة العجز عن الذكاة الاختيارية سواء كان المذبوح أصله متوحشاً أو إنسياً متوحشاً أو وقع في مكان يصعب الوصول إلى المذبح كما سنرى في أنواع العقر في المطلب القادم إن شاء الله.
المطلب الثالث: أنواع العقر.
... يتبين من المطلب السابق أن للعقر نوعين: النوع الأول عقر ما كان أصله وحشياً والنوع الثاني عقر ما كان أصله أهلياً، وتفصيل هذين النوعين كما يلي:
النوع الأول: عقر ما كان أصله وحشياً.
__________
(1) أحمد الصاوي، بلغة السالك بأقرب المناسك، (دار الفكر بدون ذكر الطبعة، دمشق، سوريا)، ج1 ص293- 294.
(1/20)
... والحيوان الوحشي كالظباء والوعول والبقر الوحشي والحمار الوحشي والطيور الوحشية، وحكم هذا النوع إن لم يقدر عليه بإمساكه وتذكيته كما تذكى الحيوانات الإنسية أنه حيثما أمكن من مقاتلته قصد تحليله مع ذكر اسم الله عليه عند الرمي يحل أكله بعد ذلك إذا أخرج قطعاً بعد موته ويدل على ذلك حديث رسول -الله صلى الله عليه وسلم- من رواية الشعبي عن عدي بن حاتم عندما قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركت وقد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله؛ وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب يوما ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكله" (1) 1)
...
النوع الثاني: عقر ما كان أصله أهليا.
... فلو ند إنسيٌ من الإبل والبقر والغنم وتعذرت السيطرة عليه بأي وسيلة، فإن العلماء اختلفوا في حكمه على قولين:
القول الأول: أنه يعامل معاملة الوحشي كالصيد، وهو قول الجمهور من الحنفية، (2) 2) والشافعية، (3) 3) والحنابلة. (4) 4)
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة، ج3 ص1408، ح(5484).
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4 ص161.
(3) محيي الدين بن شرف النووي، روضة الطالبين وعمدة المتقين، (المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط:3، 1412هـ- 1991م )، ج3 ص240.
(4) ابن قامة المقدسي، الكافي، (مرجع سابق) ج1 ص281.
(1/21)
وحجة الجمهور حديث رافع بن خديج قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أصاب القوم غنماً وإبلاً، فند منها بعير فرمي بسهم فحبسه الله به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا" (1) 5) وسواء ند البعير أو البقر في الصحراء أو في المصر فذكاتها العقر لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر عليهما.
القول الثاني: ذهب الإمام مالك وابن القاسم وابن حبيب (2) من مذهبه إلى أنه لا ينتقل عنه الحكم الأهلي ولا يكون الاصطياد تذكية له بل يجب أن يذكى بالذبح أو النحر، وهو قول الإباضية (3) كما يفهم من كلامهم أنه لا يؤكل إلا إن أدركه حياً فذكاه ففي مثل هذه الحالة تؤكل.
وأما فيما يتعلق بالذبيحة المتردية، فلو تردى الحيوان في بئر أو غيرها ولم يصل الذابح إلى حلقه أو لبته فطعنه في غير محل الذكاة ففيه قولان:
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش، ج3ص1414، ح(5509).
(2) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)، ج3 ص420.
(3) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4 ص446.
(1/22)
القول الأول: أنه يباح لحمه عند الجمهور من الحنفية، (1) 3) والشافعية، (2) 4) والحنابلة، (3) 5) وابن حبيب من المالكية؛ (4) 6) لأنه كالصيد لكونه في معناه لتعذر الذكاة الاختيارية الذبح والنحر، وهو أحد قولي مذهب الإباضية (5) 7) حيث جاء في كلامهم أنه يجوز أكله إن لم يقدر على موضع الذبح والنحر عند الضرورة، واستدلوا بحديث : " ما بدا لكم، فاصنعوا هكذا " (6) 8) ومعنى هكذا الرمي .
القول الثاني: أنه يمنع التغذي بلحمه، وإليه ذهب الإمام مالك وابن القاسم، (7) وبه أخذ أكثر الإباضية (8) على أنه لا يحل أكله لأنه لم يدركه في موضع الذكاة وهو المنحر واللبة.
المبحث الرابع
ذكاة الجنين وهو في بطن أمه وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: خروج الجنين من بطن أمه ميتاً قبل ذكاتها.
... يبدو أنه لا خلاف بين الفقهاء (9) من أنه لا يحل أكل هذا الجنين في هذه الحالة ويعتبر ميتة شأنه مثل أي حيوان مباح أكله مات دون إدراك ذكاته، أو مثل الذي ذبح على النصب أو ما أهل لغير الله؛ لأن الذكاة إنما شرعت من أجل إراقة الدم المسفوح المحرم والذي هو من الخبائث، فلا بد من فصله عن اللحم الطيب، ولا ينفصل الدم

إرسال تعليق

0 تعليقات