أهمية الدعوة ودور المرأة في القيام بواجب نشر الدعوة لأحمد الخليلي - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

أهمية الدعوة ودور المرأة في القيام بواجب نشر الدعوة لأحمد الخليلي

 





الكتاب : أمراض القلوب وعلاجها لأحمد الخليلي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
[ أمراض القلوب وعلاجها]
لسماحة الشيخ مفتي عام السلطنة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:-
الحمد الله رب العالمين ذو العزة المتين الذي خلق فسوى وأمر فنهى وله الأخرة والأولى سبحانه له الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده لا حد لغايته وأمد لنهايته يفوق حمد الحامدين ويربو على شكر الشاكرين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الخلق والأمر والحكم والقهر ( إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه) وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أرسله الله بالدعوة الجامعة والمعجزة اللامعة والحجة القاطعة والبراهين الساطعة فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح الأمة وإنجابت بطلعته الظلمة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم إلى يوم الدين.
أما بعد :......
فالسلام عليكم أيها المشايخ الكرام والأخوة الأعزة والأبناء النجباء ورحمة الله وبركاته أحييكم بهذه التحية المباركة وأحمد الله على هذا اللقاء الميمون في هذا المسجد الشريف وفي هذا البلد العريق سائلا الله سبحانه وتعالى أن يجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما وأن لا يجعل فينا ولا معنا ولا معنا شقيا ولا محروما هذا.
* معنى القلب
(1/1)
والحديث فيما يتعلق بهذا الجانب جانب أدواء القلوب وأمراضها وعلاجها حديث ذو شجون وقبل كل شيء ينبغي أن يحدد مفهوم القلب حتى نكون على بينة من الأمر فالقلب يطلق على الجسم الصنوبري المعروف الذي هو ما بين حنايا هذا الجسم والذي ينبض ونبضه دليل على هذه الحياة ويطلق أيضا على القوة الإدراكية للإنسان وهكذا جاء مصطلح القرآن الكريم عندما يتحدث عن القلوب فإنه غالبا ما يكون هذا الحديث عن هذه القوة الإدراكية في نفس الإنسان وعندما يتحدث القرآن عن مرض القلوب يعني هذا المرض المعنوي والله تعالى يقول: { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم } ويقول عز من قائل في التحذير عن موالاة اليهود والنصارى: { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على أسروا في أنفسهم نادمين } .
* أسباب أمراض القلوب
(1/2)
وأمراض القلوب أمراض كثيرة ومتنوعة أسبابها متعددة فكل معصية من معاصي الله هي سبب لوقوع الإنسان في هذا المرض الفتاك فقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إذا عصى العبد نكت في قلبه نكتة سوداء وإن تاب ورجع سقى وإن عاد زادت حتى تملأ قلبه فذلك الران), ثم تلى صلى الله عليه وسلم قول الله سبحانه وتعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } فالمعاصي كما يقال هي بريد الكفر وهي سبب الوقوع في المهالك, والاستخفاف بأمر الله سبحانه وتعالى ليس بالأمر الهين إنما هو أمر عظيم فالله سبحانه أمر ونهى وأرسل مبشرين ومنذرين وأنزل كتبه لتتلى على الناس ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ولم يأت أمر من أوامر الله سبحانه وتعالى ليبقى مجرد مثال عالق بالذهن ولكن كل أمر من أوامر الله سبحانه وتعالى إنما جاء من أجل دفع الناس إلى الإئتمان به فالله تعالى يقول: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } والله سبحانه وتعالى يقول: { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهم ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } هذه الآيات هي من ضمن الآيات التي تتحدث عن جانب من أمراض القلوب فقد تكون هذه الأمراض في أعماق النفس من غير أن يشارك عضو ظاهر من أعضاء الإنسان في إيجادها وقد تكون هذه الأمراض مسببة لأعمال ظاهرة يعملها الإنسان قد يكون هذا العمل قولا وقد يكون هذا العمل إشارة فلذلك حذر الله سبحانه وتعالى من التحقير الذي يكون من الإنسان للإنسان وسيما المؤمن فإن المؤمن ليس من شأنه أن يحقر أخاه المؤمن بأي حال من الأحوال بل نظرة المؤمن إلى أخيه المؤمن نظرة إكبار وتقدير ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1/3)
يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( المسلم أخو المسلم لا يقتله ولا يظلمه ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ولذلك جاء أول ما جاء التحذير من هذا التحقير إذ حذر الله سبحانه وتعالى من السخرية { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن } ثم أتبع ذلك ما ينتجه هذا التحقير وينشأ عنه الحديث الفجر المنحرف عن سواء السبيل إذ قال سبحانه وتعالى: { ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } ثم حذر الله سبحانه وتعالى من الظن السيئ, إذ قال: { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا } ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: { وأياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) ينهى الإنسان أن يظن بأخيه ظنا سيئا إنما على الإنسان أن يظن بالمؤمنين الظن الحسن وأن لا يحمل في قلبه ظنا سيئا تجاه مؤمن من المؤمنين فالمؤمنون شأنهم كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى والسهر) والحق سبحانه وتعالى عبر عن ذلك بالأخوة إذ قال: { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } وحذر الله سبحانه وتعالى من عمل الظاهر ينتج عن هذا الظن الخفي بين حنايا النفس وهو التجسس { ولا تجسسوا } وترون أنه سبحانه وتعالى عندما حذر من التجسس أطلق التحذير ولم يقيد بكون هذا التجسس تجسسا من مؤمن على مؤمن بخلاف الاغتياب عندما قال: { ولا يغتب بعضكم بعضا } إذ الكافر والفاجر لا غيبة لهما بخلاف التجسس فإنه ليس من شأن المؤمن أن يتجسس على أي أحد كان { ولا يغتب بعضكم بعضا } حذر من الغيبة إذ صور هذه الغيبة تصويرا يجعل النفس تشمئز
(1/4)
وتتقزز منها عندما قال { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } ثم أنه سبحانه وتعالى اتبع ذلك ما يحذر الناس من إستعلاء بعضهم على بعض إذ الناس جميعا ينحدرون من أصل وأحد فليس أحد منهم أصله ذهب والآخر أصله تراب إنما الكل ينحدرون من أب واحد وأم واحدة هم أبناء وبنات حواء وآدم { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } فميزان التفاضل بين الناس تقوى الله ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } هكذا يبين لنا القرآن هذه الأمراض التي تتفشى في نفوس العباد وكذلك من أخطر الأمراض الحسد الذي هو تمني الإنسان زوال نعمة الغير وانتقال هذه النعمة له بل ولو لم يتمن أن تنتقل إليه فإن مجرد تمني زوال هذه النعمة هو أمر مذموم جدا ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحسد (ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا) هكذا يأمرنا الرسول الكريم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم ومن أخطر الأمراض النفسية الفتاكة التي لا تبقى ولا تذر الرياء وفي مقابل الرياء الإخلاص ونجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على خطورة الرياء وما يدل على أهمية الإخلاص والله سبحانه وتعالى يقول: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ويقول الحق تبارك وتعالى : { فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } فالشرك هنا هو الرياء لأنه شرك خفي إذ الإنسان يظهر للناس أنه يعبد الله وهو في الحقيقة يعبد هواه عندما يريد أن يتقرب بعمله هذا إلى الناس ومن أجل ذلك كان السلف يسمون الرياء الشرك الخفي ويسمونه الشرك الأصغر وفي هذا يقول العلامة أبو مسلم :
وزن صالح الأعمال بالخوف والرجاء ... هما جنة للصالحات وسورو
إلى أن قال
(1/5)
وراقب وصايا الله سرا وجهرة ... ففي كل نفس غفلة وفتور
وجرد على الإخلاص جدك في التقى ... ففوقك بالشرك الخفي خبير
على أن الإنسان أن يشعر أن وراءه مراقب يراقبه هو مطلع على هذا الشرك الخفي لأنه يعلم ما يدور في ما بين أوساط الضمير من غير يخفي عليه شيء .
* وسائل العلاج
لا ريب أن وصف الداء وحده لا يكفي من غير أن يوصف الدواء فقد علمنا أن هذه الأمراض بأسرها إنما تنشأ عن عدم المبالاة بأوامر الله سبحانه وتعالى فإذن ما هو العلاج؟ وكيف يتوصل الإنسان إلى إصلاح نفسه؟ كيف يمكن لهذا الإنسان أن يصلح قلبه؟ وصلاح القلب كم تعلمون صلاح للجسم كله أي إصلاح لما يسمى بالكيان الإنساني ذلك لأن الحديث الصحيح يقول: ( ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ومرض القلب يسري في جميع الجسد وأعني بالقلب هنا القوة المدركة وأعني بالمرض هو المرض المعنوي وليس هو المرض الحسي فمرض القلب يسري في جميع كيان الإنسان حتى لا يبقى منه شيء وهو غير مريض بدلالة هذا الحديث الشريف, العلاج يعود إلى أربعة أمور لا بدا منها, أولا العقيدة, الأمر الثاني الأعمال وأقصد بالأعمال الفعل والترك, الأمر الثالث الأقوال, الأمر الرابع الأخلاق, لا بدا من استجماع هذه الأمور كلها فلننظر أولا إلى الجانب العقدي, الجانب العقدي في الإسلام يقوم على الإيمان بستة أركان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره, ولكن مع ضرورة الإيمان بكل ذلك نجد أن التركيز في كتاب الله سبحانه وتعالى على عنصرين من عناصر الإيمان من طرفيه واجتنفه من قطريه وهذا يتكرر في كتاب الله سبحانه وتعالى كثيرا في معرض الترغيب والترهيب مدى عناية النصوص الشرعية بالإيمان بالله واليوم الآخر نلاحظ أن القرآن يدعوا إلى شيء مهم يقرن هذه الدعوة بالله واليوم الآخر يقول الله سبحانه : { لقد كان فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر }
(1/6)
ويقول تعال: { لقد كانت لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } وكذلك في معرض التحذير كم في قول الله سبحانه وتعالى: { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } وكما نجد دافع الهمم إلى الخير وتثبيطها عن الشر بالقرآن مقرونين بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر نجد مثل ذلك أيضا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو فليصمت ولا يؤذي جاره ) ويقول: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته ) وهكذا يتكرر ذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مما يوحي بأهمية الإيمان بالله واليوم الآخر بإنهما عنصران مهمان في العقيدة الإسلامية وسببان مقدمان من أسباب أصلاح القلب بالعقيدة .
* معنى الإيمان بالله واليوم الآخر وأثرهما
(1/7)
الإيمان بالله يعني الإيمان بالخالق الواحد الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الذي خلق فسوى وقدر فهدى وله الآخرة والأولى سبحانه أمر ونهى ووعد وتوعد وهو صادق في كل ما يقول في وعده ووعيده ليس له أول وليس له آخر مصدر كل شيء منه, فمنه المبدأ وإليه الرجعى هو الذي خلق هذا الكون بأسره وما يسبح فيه الإنسان من نعم إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى ولا ريب أن هذا الإيمان يجعل الإنسان يستعلي على رغباته ونزواته ويقاوم شهواته ونزعاته حتى يصلح قلبه بحيث يكون هذا القلب أفاقا من هيبة الله سبحانه وتعالى فالله عز وجل يقول: { يسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } و لأن كان الكون بأسره سماؤه وأرضه علويه وسفليه خفيه وجليه ظاهره وباطنه يسبح بحمد الله ويسجد خاضعا بجلال الله فما لهذا الإنسان يشذ عن ذلك ولا يستجيب لداعي الله سبحانه وتعالى فينقاد لأمره ويذعن لحكمه ويقف عند حدوده حتى يكون أعماله كلها وفق أمر سبحانه وتعالى, والإيمان باليوم الآخر إنما هو إيمان بالمنقلب الذي ينقلب إليه كل إنسان فكأنما الحق سبحانه وتعالى منه مبدأ كل شيء وإليه منقلبه فليس لأحد من الناس منقلب إلا إلى الله سبحانه وتعالى منه المبدأ وإليه الرجعى ولا ريب أن الإنسان في منقلبه هذا محاسب على ما قدم وأخر وأعطى ومنع ومحاسب على القليل والكثير ذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمره ونهاه وهو سائله عن ما أمره به وترك ما نهاه عنه وهذا الإيمان بطبيعة الحال يؤدي إلى تقوية الإرادة النفسية في مقابل شهواتها ونزعاتها فإن الإنسان في إيمانه بالله كما علمنا يحس بدافع من نفسه يدفعه إلى الانقياد لأمر الله والإذعان لحبه والوقوف عند حدوده وعدم تجاوز شيء منها ولكن مع ذلك فإن دخوله في معترك هذه الحياة مع نزعات النفس ونزعاتها ورغباتها وشهواتها يجعله يضعف عن مقاومة هذه الرغبات وهذه
(1/8)
النزعات فتضعف أرادته أما تياراتها إلا أنه عندما يؤمن بالمنقلب وأنه سيحاسب في هذا المنقلب على ما قدم وأخر ويلقى جزاء عمله كله كاملا ليوم القيامة { يوم توفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون } لا ريب أن نفسه تتضامن مع هذا ويتقوى على إصلاح قلبه والسيطرة على نزغات نفسه ونزعاتها وشهواتها ورغباتها حتى يكون متفاعلا مع أمر الله سبحانه وتعالى في سره وجهره منقادا لحكمه مذعنا لطاعته لا يتجاوز شيئا من حدوده لأن في هذا الإيمان وصلا بين المخلوق وخالقه لأن المخلوق يشعر أنه جاء من عند الله فهو الذي خلقه فسواه وأن منقلبه إلى الله, وفي هذا الإيمان كذلك وصل ما بين العمل وجزائه وربط بين الدنيا والآخرة ويجد الإنسان أن الدنيا بجانب الآخرة لا تساوي شيئا فلذلك يؤثر مصلحته في أخرته على مصلحته في دنياه حتى يتحرر من شهواته ورغباته ومن أسر نزعاته ونزغاته ليكون حرا يعمل بمشيئة الله سبحانه وتعالى وفق أوامر الله عز وجل وهذا الإيمان بطبيعة الحال إنما هو عندما يؤمن باليوم الآخر إيمانا صحيحا كما جاء في كتاب الله والله تبارك وتعالى يخبرنا ذلك اليوم بقوله: { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } ويقول سبحانه وتعالى { يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل أمريء منهم شأن يغنيه } , ويقول سبحانه: { يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه } , ويقول تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } , ويقول أعز من قائل: { من جاء بالحسنة فله خيرا منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوهم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعلمون } , ويقول: { ومن جاء بالحسنة فله خيرا منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعلمون } , ويقول: { اتقوا يوما
(1/9)
لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } , ويقول: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } , ويقول سبحانه وتعالى في وصف حال ذلك اليوم والنهي عن التشبث بالأماني: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا } , ويقول: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب الناس هم فيها خالدون } , ويقول: { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين } ,وذلك كله يدل على أن الإنسان مجزي بعمله في الدار الآخرة فليس هناك مجال لأن يتشبت بالأماني والأوهام وليس هناك مجال لأن يزعم الإنسان أن الله سبحانه وتعالى يخلف شيئا مما أخبر به فهو تعالى أصدق القائلين وهو منجز ما وعد به وتوعد يقول الله تعالى: { لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد } , ويقول عز من قائل مبينا أن التشبث بهذه الأماني كان من شأن اليهود الذين انحرفوا عن سواء الطريق: { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق } ويقول سبحانه: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } .
* الخوف والرجاء
(1/10)
إن الإيمان الحق الذي يجعل الإنسان يستعلي على رغباته ونزواته ويتحكم في شهواته ونزعاته هو الإيمان القرآني الذي يصف الله سبحانه وتعالى ويصف اليوم الآخر اللائق بجلال الله واللائق بعدله في الدار الآخرة وهذا الإيمان هو الذي يجعل الإنسان يربط نفسه بخوف الله ورجائه فيكون راجيا وخائفا يعدل بين الخوف والرجاء فهو من ناحية ينظر إلى فضل الله سبحانه وتعالى وإحسانه فيرجو من الله أن يختم له بخواتم الصالحين فيدعو الله باستمرار أن يمن عليه بحسن الخاتمة وأن يبوأه مبوأ صدق في الدار الآخرة وأن يخلصه من أسر شهواته ورغباته حتى يكون عبدا مخلصا له سبحانه ويرجو من الله سبحانه وتعالى أن يستجيب هذا الدعاء وأن يمن عليه بهذا الفضل العظيم فينظر إلى هذا الجانب نظر الطامع برحمة الله وهو يتدارك نفسه بالمغفرة عندما تقع منه آية زلة من الزلات عملا بقول الله سبحانه { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغته وأنتم لا تنظرون وأتبعوا أحسن ما أنزل من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت من قبل لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } بجانب هذا أيضا يخشى عذاب الله سبحانه وتعالى وهو كما أنه لا ييأس من رحمة الله تعالى لا يأمن مكر الله والله سبحانه وتعالى يقول: { لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } ويقول: { فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } يجمع ما بين الخوف والرجاء, الخوف بحجزه عن الأعمال السيئة والرجاء يحفزه للأعمال الصالحة وهو يراقب نفسه ويراقب من يختلج بقلبه لعلمه أن الله سبحانه وتعالى مطلع على أمره وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء { ولقد خلقنا
(1/11)
الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } وبجانب كون الإنسان حذرا من زلات النفس وحذرا من أن ترفعه شهواته إلى سوء, ينبغي أن يكون خائفا من الله وراجيا منه, فقد جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن النجاة لمن خاف الله سبحانه وتعالى وأن الأذكار إنما هو لمن خاف الله وأن الانتفاع بكل ما في القرآن الكريم إنما ذلك راجع إلى من يخشى الله, فالله سبحانه وتعالى يقول: { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } وعندما ذكر حصيد القوم الظالمين أتبع ذلك بهذه الجملة من التذكير في فعل الله سبحانه وتعالى وبطشه عباده ففي ذلك ذكرى لمن كان يخشى الله عز وجل ويقول الله تعالى: { أما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } , ويقول سبحانه: { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } ويقول: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير } , فإذن كل الخير منوط بهذا القول إن كان خائفا من الله كان الخوف سببا لحجزه عن معصية الله سبحانه وتعالى وكذلك من كان راجيا من الله كان رجاؤه سببا لدفعه إلى الأمام في مجال العمل بما يرضى الله سبحانه وتعالى وقد جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على مكانة الخوف في الإسلام فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما أخرجه الإمام الترمذي من طريف أبو هريرة رضي الله عنه يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزلة إلا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ) من خاف أدلج أي أسرع السير إذ من شأن الإنسان عندما يخشى من ربه سبحانه وتعالى وليس الله سبحانه وتعالى عدوه إنما الشيطان هو العدو فالذي يخشى من ربه سبحانه أن يعاقبه عندما يتبع طريق الشيطان ويعلم أن الشيطان يلاحقه يسرع في طاعة الله عز وجل ويبتعد عن الشيطان كثيرا حتى يكون بمشيئة الله تعالى بعيدا عن
(1/12)
مكايد الشيطان فعندئذ يكون قد بلغ المنزل ( من أدلج) أي من أسرع السير بلغ المنزل بلغ القصد الذي يقصده فهذا يبلغ بمشيئة الله القصد ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا أن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله الجنة) فالجنة لا تنال بالأماني وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح فالله عز وجل حكم على جميع الجنس البشري بالخسران إلا الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر يقول تعالى: { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } إنما مغفرة الله لهؤلاء والجنة وعدها الله تعالى للمتقين يقول تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } ويقول تعالى: { قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار } وهذا الجانب العقدي جانب مهم ولا يمكن في هذه العجالة أن نوفيه حقه من الشرح وننتقل حتى لا نفرط في الجانب الآخر إلى الجانب الذي يليه وهو جانب الأعمال صلاح القلب بالعمل الصالح الأعمال الصالحة هي سبب لصلاح القلب بخلاف الأعمال السيئة وقد علمنا أن الأعمال السيئة سبب لفساد القلب ودواء هذا الفساد الأعمال الصالحة وفي مقدمة هذه الأعمال العبادات التي شرعها الله فالصلاة تصلح القلب يقول الله تعالى: { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }
(1/13)
ويقول تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون } ثم وصفهم بصفات متعددة واختتم هذه الصفات بالمحافظة على الصلاة كما ابتدأها بالمداومة عليها وقال: { والذين هم على صلاتهم يحافظون } وهذا عندما يقوم الإنسان للصلاة على النحو المشروع بحيث يشعر أنه ماثل بين يدي الله وأنه يناجي ربه سبحانه وتعالى فكل كلمة ينطقها في صلاته تسكب في نفسه شعورا بعظمة خالقه تعالى وتذكره بحقه عز وجل عليه وتذكره بالدار الآخرة التي منقلبة إليها وهكذا تصنع هذه الكلمات التي يقولها في صلاته وتصنع أعماله التي يأتيها في صلاته وكذلك الزكاة هي مطهرة للنفس من آثار الشح يقول الله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } فالنفس البشرية كما هو معلوم مجبولة على حب المال وهذا الحب عندما يطغى على جوانب النفس يكون داء عضالا يستعصي علاجه واستئصاله ولكن جعل الله سبحانه وتعالى العلاج مستمر وهو هذه الزكاة التي يدفعها والإنفاق الذي ينفقه في سبيل الخير فإنفاقه المال في وجوه الخير يفجر في نفسه مشاعر الرحمة ويرفق وجدانه ويرهف حسه ويجعله يشعر بضرورة معاونته لبني جنسه وضرورة معاونته لإخوانه المؤمنين فيكون دائما يتألم بآلام غيره ويفرح بفرح غيره وهكذا يتمكن من التحرر من أسر شهوة المال التي هي جامعة وهي من أخطر الأخطار لأن الحرص على الدنيا من أخطر الأخطار التي تجعل قلب الإنسان في عمى فحب الدنيا كما جاء رأس كل خطيئة وهكذا الصيام يذكر الناس بالبؤساء والمحرومين والكادحين الذين يقضون سحابة نهارهم وهم يكدحون من أجل الوصول إلى نعمه العيش التي يسدون بها جوعتهم أو من أجل الوصول إلى طمر يستترون به سوأتهم ويشعر بالرقة تجاه هؤلاء وهذا مما يجعله يتعاون معهم وكذلك الحج يربط ما بينه وما بين إخوانه المؤمنين ويصل بين نفسه ونفوسهم فيتألم لآلامهم ويحب ما يحبونه لأنفسهم وهكذا...
(1/14)
وكذلك ما شرعه الإسلام مكن معاملات كالكرم للضيف والجهاد في سبيل الله من أجل تحرير النفوس, نفوس العباد من رقبة الاستعباد والاستعباد وهكذا جميع أعمال الإسلام تدور في هذا الفلك إلى الإصلاح ويدخل أيضا الترك في ذلك فترك المعاصي على اختلاف أنواعها مما يدخل أيضا في هذا الجانب. أما الأقوال فإنها تصلح هذه النفس البشرية عندما يعود الإنسان لسانه بأن لا ينطق إلا بحق فالنطق بالحق سبب من أسباب وصول الإنسان إلى إصلاح قلبه وهذا أمر يؤدي بطبيعة الحال إلى إصلاح علانيته كما صلحت سريرته فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الإنسان بأن ينطق بالصدق وأن يتجنب الكذب يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( يطبع المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب) أي ليس من شأن المؤمن أن يكذب بحال من الأحوال فلا يمكن أن يكون المؤمن كذابا إذ الكذب ليس من شيمة المؤمن بل هو من صفات المنافقين وقد توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم عندما قال عز من قائل: { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } ويبين الله سبحانه وتعالى أن الذي يفتري الكذب ليس هو من الإيمان في شيء عندما قال: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآياتنا } فإذا تحري الصدق في الكلام من جملة إصلاح القلب الذي يؤدي إلى صلاح العلانية وكل ما يقوله الإنسان من خير من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إرشاد لغوي أو تنبيه لغافل أو تعليم لجاهل أو إرشاد لحائر كل من ذلك يؤدي بمشيئة الله سبحانه وتعالى إلى إصلاح النفس وهذا يعني أن يتجنب الإنسان القول السيء ومن ذلك النميمة وقد علمت أن الغيبة شأنها كشأن من ينهش من لحم
(1/15)
أخيه الميت والنميمة هي من أخطر الخطر فإنها تؤدي إلى القطيعة بين الناس ومن نم ففي قلبه مرض عظيم لأنه يكره أن يرى الناس على وفاق وصلح خير وصله فهو يسعى إلى تقاطعهم وتدابرهم ولذلك ينم الحديث بينهم من أجل الإفساد فتجنب النميمة من جملة أسباب صلاح القلب وكذلك تجنب الكلمات التي فيها التحقير للغير فقد علمنا تحذير الله سبحانه وتعالى وتحذير رسوله صلى الله عليه وسلم من تحقير المؤمن للمؤمن فهذه الأقوال عندما تكون على هذا النحو يكون بها صلاح القلب بمشيئة الله أما الجانب الخلقي فهو جانب مهم فأولا قبل كل شيء يجب أن يكون الإنسان مخلصا لله سبحانه وتعالى والإخلاص إنما ينشأ عن معرفة الإنسان الحق بربه عز وجل بحيث يعلم أن الله وحده هو الذي يهبه جميع الهبات الخيرة في الدنيا والآخرة وأن كل ما يأتيه من مضرة إنما هي من قبل الله فلو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله تعالى عليه وهذا بطبيعة الحال يقتضي بأن لا يراعى جانب أحد من خلق الله إنما عليه أن يراعي جانب الله فلا يراني بشيء من الأعمال والله سبحانه وتعالى بين لنا أن الرياء يحبط للأعمال يقول سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين } فهكذا شأن من يراني والله سبحانه وتعالى بين أن اليهود يراؤن بأعمالهم ويبتغون بها وجوه الناس فليس من شأن المؤمن المراءاة وما للمؤمن والمراءاة ويعلم بساط هذا الكرم هو الذي فياءه ضلال هذا الخير هو الذي من عليه بهذا الفضل فما للإنسان ولمراءاة عليه أن يكون في أعماله كلها مخلصا لوجه الله سبحانه وتعالى فالإخلاص عامل مهم كما ذكرنا في إصلاح القلب
(1/16)
بخلاف ما إذا كان مرائيا والإخلاص هو سر بين العبد و ربه كما جاء في بعض ما روي في الأحاديث القدسية الربانية أن الإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده نعم قد تظهر الآثار: آثار الإخلاص أو آثار الضدية أما نفس الإخلاص فهو سر بين العبد وربه والإنسان يبتغى بعمله وجه الله سبحانه ولا يريد شيئا من زينة هذه الحياة الدنيا ولا يريد بعمله شيئا من التقرب إلى وجوه الناس فالناس أنفسهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يملكون له هو ومن الأخلاق التي بها صلاح القلب التواضع فإن الإنسان يجب عليه أن يتواضع قبل كل شيء لربه وأن يتواضع لعباد الله هو في الحقيقة تواضع لله سبحانه وتعالى فإن الله تعالى نهاه عن الاستكبار واستكبار يقول الله تعالى: { الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ولا أبالي } هكذا جاء في الحديث القدسي الرباني فليس للإنسان أن يتطاول على الله حتى ينازع الله عز وجل شيئا من صفاته وقوله سبحانه في الحديث القدسي الكبرياء ردائي والعظمة إزاري يعني اختصاصه سبحانه وتعالى للكبرياء واختصاصه بالعظمة كما أن أحدنا لا يرضى أن ينازعه أحد في إزاره الذي هو مختص به وفي ردائه الذي هو مختص به فرداء المرء لا ينازع فيه والإزار الذي هو خاص به لا ينازع فيه فكذلك إذن الكبرياء صفة لا تليق إلا بالله وليس لأحد من خلق الله سبحانه أن ينازع الله عز وجل فيها وكذلك من الأخلاق التي تؤدي إلى صلاح القلب أن يحرص الإنسان دائما على حب الخير لغيره لا سيما إخوانه المؤمنين كما يحبه لنفسه ففي الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) أي الإنسان لا يصل إلى حقيقة الإيمان وجوهر الإيمان, ويعد حقا من المؤمنين الفائزين الناجيين حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه فالإنسان المؤمن يشعر بالراحة ويشعر بالاطمئنان ويشعر بسلامة باله عندما يشعر
(1/17)
بأن إخوانه المسلمين نالهم خير ويشعر بخلاف ذلك عندما يكون الأمر بعكس ذلك فهو يتألم لآلامهم ويفرح لأفراحهم هكذا شأن المؤمن وهذا مما ينافي الحسد فالحسد إذن داء فتاك ومرض يؤدي إلى فساد الظاهر والباطن فإن الحسد يؤدي بالإنسان إلى أن يسعى دائما في محاولة الحيلولة بين الناس والوصول إلى الخير وهذا داء يظهر أثره على كثير ممن بعدوا عن الإيمان فهم يسعون دائما إلى الحيلولة بين الناس في أعماق النعيم ويسرون عندما يرون غيرهم يكابد لأواء المشقة ويكابد عنت هذه الحياة فهؤلاء في نفوسهم مرض لذلك وصف الله سبحانه وتعالى اليهود بأنهم يحسدون الناس على آتاهم الله من فضله فليس من شيمة المؤمن أن يكون حسودا على أن الحسود عليه أن يفكر بأنه لا يضر إلا نفسه فإن الحسد نار تأكل قلبه وهو يتألم عندما يرى غيره في نعمة ويرى غيره في طمأنينة وراحة وهذا أمر خطير جدا وقد أحسن الشاعر التهامي عندما ذكر حالة الحسد وأصحابه عندما قال:
إني أرى حاسديا لحرما ... ضمنت صدورهم من الأوغاري
نظروا صنيع الله منف عيونهم ... في جنة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد ربكة مفضائلي ... وكأن برقعة وجه نهار
وسترتها بتواضعي ... فتطاولت أعناقها تعلو على الاستاري
وهكذا من شأن الإنسان المؤمن الذي يحرص على سلامة قلبه أن يحرص دائما على البعد عن هذه الأمور وهذه المخاطر, وبهذا يضمن بمشيئة الله سلامة قلبه وبهذا تكون أعماله الظاهرة مترجمة لصفاء سريرته ونقاء طويته, ونسأل الله سبحانه أن يصلح قلوبنا وأن يعمرها بالإيمان وأن يجعلنا من عباده المخلصين وممن حزبه المفلحين ومن جنده الغالبين ومن أوليائه المتقين وأن يجعلنا من ورثة الجنة النعيم وأن يغفر لنا خطايانا يوم الدين إنه تعالى على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
(1/18)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

مقالات فكرية

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   موقع الدراسة التعليم العام والمدارس الخاصة المطبقة لمنهاج وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *