أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي

 





الكتاب : أزمة الفكر وفكر الأزمة لخالد الوهيبي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
أزمة الفكر وفكر الأزمة
ماذا جرى بالضبط؟!، وما الذي أوصلنا إلى هذه الأحوال المؤسفة؟! تيه وضياع!!، ولكننا أمة تؤمن بالمبدأ والمصير!!،لا وألف لا!!، لا يمكن أن يكون الخلل في القيم ذاتها، أظن أن الخلل في التفكير، والذي لا أشك فيه أن هذا الخلل قد انعكس أثره على القيم مما ساهم بشكل كبير في تحويل الفكر إلى مجرد نظريات خالية من كل روح، وتقادمت العهود بالناس، وطال عليهم الأمد وقست منهم القلوب فسُحِب ذلك الخلل ليلقى بظلاله الكئيبة على الفكر ذاته، وتلقف بعض السفهاء ذلك ليفرضوا الحلول المستوردة على أمتنا، فكان ما كان من التيه والضياع، إننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لما لدينا من الأفكار حتى نصل إلى الحقيقة الناصعة، ولنعلم يقيناً أن مدد السماء يكون بقدر ما نحن عليه من صواب، قال الله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } محمد 7.
أزمة الفكر
مر العالم بمرحلة سموها مرحلة الحداثة وهي تمتد من ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى عام 1939م، والمرحلة التي تلتها سموها مرحلة ما بعد الحداثة، وتمتد من نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي المرحلة التي جاءت ردة فعل عنيفة لما صاحب الحرب العالمية الثانية من فظائع تشيب لهولها رؤوس الولدان، وختمت بقنبلة نووية على (هيروشيما) معلنة بداية عهد جديد، ومما ميز هذه الحقبة:
? القلق العقدي (الأيديولوجي).
? تفكيك القيم الإنسانية بفعل المذاهب المادية.
? عجز الفكر الديني النصراني عن التعامل مع الأزمة الأخلاقية التي اجتاحت المجتمعات الغربية، بل غرق هو في هذا المستنقع إلى الأذقان.
? تصاعد موجة القلق والخوف على مستقبل البشرية بسبب السباق النووي الرهيب بين القوى العظمى آنذاك، وبسبب الخواء الروحي الناشئ عن سيطرة المذاهب المادية على مسير الحياة.
(1/1)
واستمر هذا الوضع على ما هو عليه حتى انهار سور برلين الرمز الماثل لسياسة القبضة الحديدية للكتلة الشيوعية، وما هي إلا عدة سنوات حتى تهاوى الصنم الأكبر للشيوعية، وغدت أثراً بعد عين، وبدأ الحديث عن عالم أحادي القطب تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية في منظومة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، ورغم انزياح الخطر الشيوعي عن العالم، إلا أن المشكلات لم تنته بعد فهناك كثير من القوى الصاعدة في ظل هذا النظام، ومشكلات الفقر والبطالة والتخلف والاستبداد و.. و..الخ تتفاقم يوماً بعد يوم، والنظام العالمي الجديد لا يعنيه من ذلك سوى مصالحه الذاتية، فالنظام العالمي الجديد لا يحترم سوى الأقوياء فحسب ،ولا يعرف في مواجهته سوى كلمة (نعم)، أما (لا) فتعني أن تكون شريداً طريداً في المنظومة العالمية الجديدة ،عموماً لسنا بصدد الحديث عن ذلك، وإنما أردنا أن نقول ماذا يمكن أن يقدم النظام العالمي الجديد للبشرية؟!، سؤال وجيه أتحدى كل إنسان أن يقدم لي جواباً مقنعاً عنه، ويا للحقارة عندما نعلم أن النظام العالمي الجديد لا يهمه موت آلاف الأطفال في زائير، أو غرق المئات بسبب الفيضانات في بنجلاديش، أو المذابح الدموية الرهيبة بحق المدنيين الأبرياء في الجزائر أو.. أو.. الخ، بقدر ما يهتم بملابس الأميرة الفلانية ومغامراتها العاطفية، ولا شك فإن أدبيات هذا النظام تعتبر أمثال هؤلاء العالم ومثله معه، وكما قال بعضهم:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... ... نحن روحان حللنا بدنا
ويا للخسارة عندما نعلم أن تلك المغامرات قد انتهت نهاية مأساوية!!، إنها مأساة تجعلنا نهتف مرددين قول أبى مسلم!!، قلوبنا تعتصر ألماً وعيوننا تذرف دمعاً.
جمع العالم في حيزومه أترى العالم في القبر نزل
(1/2)
نعم لا شك أن تلك المغامرات قد هدت الحائرين وأطعمت الجياع وروت العطشى وكست العراة وأخذت بأيدي التائهين إلى الصراط المستقيم!!. أظن أن هذا هو الجواب لما يمكن أن يقدمه النظام العالمي للبشرية.
وقد يظن بعض الحمقى والبسطاء أن ما ذكرناه ينطلق من منطلقات عاطفية لا تراعي ما تجود به أيدي هؤلاء من خير، وما تبدعه عقول هؤلاء من تقدم هائل في مجالات المواصلات والاتصالات وغير ذلك كثير، ولا أظن عاقلاً تنطلي عليه هذه الأحابيل، فإن من شم رائحة العقل ولو مرة واحدة لأدرك أن كل هذه الإمكانيات الرهيبة قد سخرت لاستعباد البشرية وجعلها تحت سيطرتهم العسكرية والاقتصادية والثقافية، ولم يوجهوا هذه الإمكانيات لإسعاد البشرية بقدر ما وجهوها لمصالحهم الذاتية، ففي الوقت الذي تطالب فيه جمعيات الرفق بالحيوان عندهم بحماية كلب أو قطة، وتقام الدنيا ولا تقعد، نجد سكوتاً مطبقا على صادرات من بلدانهم لملابس فيها مواد تسبب السرطان، ويتم تصديرها إلى بلدان العالم الثالث تحت سمع وبصر حكوماتها، فأين حقوق الإنسان التي يتشدقون بها ويملئون الدنيا ضجيجاً وعجيجاً من أجلها؟!، إلا إذا كان المقصود بالإنسان هو الإنسان الأبيض ذي العيون الزرق فحسب، قال الله تعالى { والكافرون هم الظالمون } البقرة 254.
إن هناك تطورات قد حدثت في الساحة العالمية بعد استحداث النظام العالمي الجديد تجعلنا نعيد النظر في استمرار تسمية حقبتنا هذه بحقبة ما بعد الحداثة، ومن تلك الأمور:
(1/3)
? نبرة الوهن والضعف في أدبيات منظري الفكر الإنساني الغربي، فبعد أن كنا نسمع عن قدرة البعض عنهم على اختراق إطار السماوات بوصولهم إلى سطح القمر، وتجرؤ البعض منهم على تسمية الكتب السماوية بالكتب الصفراء البالية التي يجب أن تحنط في المتاحف، صرنا نسمعهم يتحدثون عن عدم قدرتهم على السير على سطح الكوكب الأرضي، فالمشكلات تكاد تعصف بالمجتمعات، وتنذر بالويل والثبور، لذا لم يستطع الرئيس الأميركي السابق (جورج بوش) أن يصمد أمام خصمه الرئيس (بيل كلينتون) لأنه رفع راية القضاء على الأدواء الداخلية التي تكاد تعصف بالمجتمع الأميركي، وتبعده عن مركز القيادة والصدارة في العالم، على الرغم من أن (جورج بوش) قد حقق نصراً إعلامياً ساحقاً بخروجه بمكاسب حرب الخليج الثانية، ولكن كل ذلك لم يشفع له.
? رغم أن المعلومات أصبحت في متناول كل أحد بسبب الثورة في عالم الاتصالات، فقد أحدث هذا شعوراً قوياً لدى كثير من الأمم والجماعات بالمكان والعرقية خوفاً من ضياع الهوية الثقافية في خضم هذا البحر المتلاطم، ويظهر هذا في القلق الذي أبدته فرنسا ذات الصبغة والثقافة الفرانكفونية من الحقائق الكامنة في أن: 80% من إيرادات شباك التذاكر يذهب لصالح الأفلام الأميركية في أوروبا، و40% من معدلات مشاهدة البرامج التلفزيونية لصالحها.
? انحلال الجمهوريات السابقة مما زاد الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات الجريمة المنظمة، حتى إن بعض التقارير تشير إلى امتلاك بعض العصابات لأسلحة نووية!!.
? ازدياد شمولية الأنظمة العالمية للاتصالات وتقنيات الكمبيوتر، حتى أن علم الكمبيوتر قد أفرد علماً مستقلاً في التصنيف العالمي للعلوم الذي يضم: العلوم النظرية البحتة والعلوم التطبيقية البحتة والعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية وعلم الكمبيوتر.
(1/4)
وهذه الشمولية أو ما يسمى بانفجار المعلومات قد أضعف قدرة المنتج المستقل وسلطة الكتاب وتأثير التراث المحلي والسلطة الواحدة، بل إن بعضهم بدأ يستخدم مصطلح (موت الكتاب) للدلالة على هذه الحقبة التي ستغني عن الكتب كما يقولون.
? تنادي المنظرين والمفكرين في العالم بوجوب البحث عن حل المشكلات المستعصية، وقد وضعت المشكلة الاقتصادية على رأس هذه المشكلات، وما يزال الخبراء والباحثون يطالعوننا بالجديد كل يوم حول هذه القضية ولكن دون جدوى، فلم تستطع أجهزة الـ (سوبر كومبيوتر) حلها برغم ذاكرتها الجبارة وإمكاناتها الرهيبة، مما ولد يأساً لا حدود له لدى الجماهير المسحوقة في بلدان العالم، وما روايات الخيال العلمي عن الأبطال الخرافيين إلا تعبير واضح عما يعتمل في نفوس الجماهير.
ويكفي أن شخصية (السوبرمان) التي ابتكرت إبان الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الأولى، جاءت من أوساط الشارع الأميركي الذي قاسى آنذاك المجاعة فكانت شخصية (السوبرمان) البطل القادم من كوكب آخر، والذي يحارب الأشرار ويتصدى لهم، ومن الطريف أن الناشر قد استولى على حقوق النشر لمبتكري الشخصية، فعاشا فقيرين معدمين لم ينعما بابتكارهما، ولم يستطع (السوبرمان) أن يتصدى للناشر (1) [1]!!.
(1/5)
إن عالم اليوم لا يصلح فيه ذلك التعبير البارد (ما بعد الحداثة)، والذي اقترحه أن تسمى الحقبة القادمة بـ(عصر القلق) وأظن أنه المصطلح المناسب للعصر، فنحن نعيش أوضاعاً سياسية مضطربة لذا فنحن قلقون، ونحن نعيش أزمات اقتصادية طاحنة لذا فنحن قلقون، ونعيش أوضاعاً اجتماعية سيئة لذا فنحن قلقون ونعيش أوضاعاً ... ونعيش ... إن هذه الأوضاع كفيلة بتحطيم أعتى القوى، ألا يكفي أن منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في اجتماع جمعيتها العالمية لأطباء الأمراض النفسية في دورتها العاشرة أن هناك حوالي 1,5 مليار من البشر يعانون من اضطرابات نفسية والخبر في جريدة (الوطن) العمانية (1) [2].
أين نحن؟!
يبدوأننا في زحمة الأحداث نسينا أن نذكر دورنا في صنع هذه الأحداث، وموقعنا منها بالضبط، ولكن مهلاً.. الظاهر أنه لا دور لنا على الإطلاق، بل إننا اكتفينا بالقيام بدور المتفرج على الأحداث، بل أخشى أننا كنا الكرة التي يتقاذف بها اللاعبون المهرة.
ويقضي الأمر حين تغيب تميم ... ... ولا يستأمرون وهم شهود
وإذا كان العالم يمر بما يمر به من أزمة فكرية ظهرت آثارها على وقع حياته، فإن المسلمين ـ أمة الرسالة الخاتمة ـ يعيشون واقعاً أسوأ، ذلك أن مصادر الخير بين أيديهم ورغم ذلك فهم عاجزون عن تمثل المنهج في واقع حياتهم مما أوقع بالبشرية خسائر فادحة نتيجة سيادة الجاهلية في واقع حياتهم.
كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول
إننا نسينا في غمرة تكالبنا على متاع هذه الدنيا الفانية دورنا في هذه الحياة، وكأن الجميع لم يقرع آذانهم قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } آل عمران110
وقوله تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } الأنبياء 107
وقوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } غافر40
__________
(1) كان ذلك عام 1996م.
(1/6)
وقوله تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } المجادلة 21.
ولكن رغم إدراكنا لكل هذه الحقائق مازلنا غير قادرين على تغيير واقعنا السيئ، ومن البدهيات إن الخطأ ليس في المنهج بالطبع ولكن في فهمنا للمنهج، وهنا يكمن بيت القصيد، إن أزماتنا التي نعيشها حالياً لها جذور تعود إلى مئات السنين، وإن ظللنا نبحث في مشكلاتنا دون معرفة لجذورها فسنكون كمن يريد أن يقتل أفعى ولكنه يقطع ذيلها ولا يقطع رأسها، والآن وقد تهيأت الأذهان لتقبل ما سنقول، يمكن القول برجع أسباب أزمتنا الفكرية وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى:
ـ انفصال العلم عن الحكم.
ـ سيادة عقلية التقليد والتعصب للأشخاص لا للمنهج.
ـ التهوين من قيمة العمل وسيادة الفكر الإرجائي.
ـ غياب النظرة الشمولية وسيادة النظر الجزئي.
ـ اختلال النسب والموازين في التعامل مع مصادر المنهج.
(1/7)

إرسال تعليق

0 تعليقات