أ ثر الفكرة الدينية على النشاط الاقتصادي لمصطفى بن دريسو

أ ثر الفكرة الدينية على النشاط الاقتصادي لمصطفى بن دريسو

 





الكتاب : أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع
الجامعة الأردنية
كلية الدراسات العليا
قسم اللغة العربية
أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
إعداد
محمود بن مبارك بن حبيب السليمي
المشرف
الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي
قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها بكلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية
2001م
نوقشت هذه الرسالة وأجيزت بتاريخ 26/7/2001م
أعضاء لجنة المناقشة :
الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي / رئيساً ... ... ... ... ... ...
الأستاذ الدكتور إحسان عباس / عضواً ... ... ... ... ... ...
الأستاذ الدكتور هاشم ياغي / عضواً ... ... ... ... ... ...
الأستاذ الدكتور إبراهيم السعافين / عضواً ... ... .. ... . ... ...
الإهداء
إلى من أعاد لعمان مكانتها الحضارية في خارطة الكون، فأطلق عنان النهضة المباركة، وفجّر ينابيع المعرفة، سلطان البلاد المفدّى
إلى من تحمّل قساوة البعد ومرارة الفقد، أبي
إلى من تجشمت عناء الغربة، ومشاق الاغتراب بجانبي، أم أزهر
إلى من حملته المسؤولية قبل أوانها، ماجد
إلى جميع ابنائي وفلذات كبدي
إلى من ينشد الحقيقة في رحاب الفكر الإسلامي الشامل، ذوي البصائر النيرة، والعقول المتفتحة، من لا يحجبهم عن نور الحقيقة ظلمات التقليد
أهدى ثمرة هذا البحث المتواضع
الشكر والتقدير
أجد لساني عاجزاً عن التعبير، ليس ببالغ مقام الشكر والإجلال في حق من أفاض عليّ من غزير علمه، وسعة أفقه، الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي المشرف على هذه الرسالة، المتابع لمراحل إنجازها، الذي منحني من وقته، متحملاً عناء متابعة هذا العمل، توجيهاً ونصحاً، ليشكل – بالنسبة لي- مدرسة علمية خلقية، تعكس خلق العالم النزيه، المتحلي بالموضوعية والتواضع، المتصف بالأناة والإخلاص، ما يستحق أن أقف له وقفة عرفان وتقدير.
(1/1)
كما أتقدم بوافر شكري وعظيم امتناني إلى شيخي الجليل وأستاذي الكبير الأستاذ الدكتور إحسان عباس، من غمرني بأبوته، ونثر عليّ من جواهر علمه، وسديد ملاحظاته، ورعى هذا البحث منذ أن كان فكرة، وكان لآرائه أثر واضح في هذه الرسالة. وأتوجه بالشكر الجزيل، إلى الأستاذ الدكتور هاشم ياغي، والأستاذ الدكتور إبراهيم السعافين أعضاء لجنة المناقشة الذين تفضلوا بالموافقة على مناقشة هذه الرسالة، وتقويمها، وأنا على يقين بأنه ستكون لملاحظاتهم وآرائهم صدى يضيء جوانب هذا العمل، مؤكداً عزمي على الإفادة من ملاحظاتهم، إثراء لهذه الرسالة وتهذيباً لها، والله عنده حسن الثواب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وله الشكر من قبل ومن بعد.
فهرس المحتويات
المحتوى ... الصفحة
قرار لجنة المناقشة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ب
الإهداء ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ج
الشكر والتقدير ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... د
فهرس المحتويات ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... هـ
ملخص باللغة العربية ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ح
المقدمة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ي
الفصل الأول: حول نشأة المذهب الأباضي وأصوله ... ... ... ... ... ... . ... 1-36
- أصل المذهب وجذوره ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 2-9
- نشأة الإباضية وتطورها ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 10-20
- الإباضية والصحابة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 21-27
- الإباضية والخوارج ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 28-33
- ركائز الفكر الإباضي ... 34-36
الفصل الثاني: الظواهر الكبرى في الشعر الإباضي ... 37-90
(أثر الفكر العقائدي) ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أ- الذات الإلهية
1- التوحيد والتنزيه ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 39-41
2- الرؤية ... . ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 42-53
3- الصفات ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 54-62
ب- المعاد واليوم الآخر ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... 63-77
1- حكم مرتكب الكبيرة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 64-70
2- الشفاعة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 71-74
3- الصراط والميزان ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 75-77
جـ- الولاية والبراءة ... ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 78-83
د- خلق القرآن ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 84-90
المحتوى ... الصفحة
(1/2)
الفصل الثالث: أثر الفكر السياسي ... ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 91-158
1- الإمامة وتقاليدها ... ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 92-97
2- الإمام وصفاته ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 98-100
3- أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح ... ... ... ... ... .. ... 101-141
أ- المديح الفردي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 101-109
ب- المديح الجمعي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 110-113
جـ- شخصية الإمام ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 114-120
د- صورة الإمامة ... ... ... ... . ... ... ... ... .. ... ... ... 121-123
هـ- نصح الأئمة وإرشادهم ... ... ... ... ... ... ... ... ... 124-126
و- وصف جهاد الأئمة ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 127-130
4- تحريم الخروج على الإمام العادل ... . ... ... ... ... ... .. ... 131-134
5- موقف الإباضية من الحاكم الجائر ... ... ... ... ... ... . ... 135-139
6- الموقف من التكسب بالشعر ... . ... ... ... ... ... ... ... .. ... 140-141
7- أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء ... . ... ... ... ... .. ... 142-158
أ- رثاء الأئمة ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 142-148
ب- رثاء الإمامة ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 149-152
جـ- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية ... ... ... ... ... ... 153-158
الفصل الرابع: ظواهر أخرى ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 159-200
- شعر الزهد والسلوك وتأثره بالفكر الإباضي ... ... ... . ... 160-178
- الحماسة في الشعر الإباضي ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 179-188
- الشكوى في الشعر الإباضي ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 189-194
- قدسية المكان عند الشاعر الإباضي ... ... ... ... ... ... . ... 195-200
الفصل الخامس: السمات الفنية ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 201-293
- التجربة وأثر الفكر الإباضي فيها ... ... ... ... ... ... ... ... 202-212
- بناء القصيدة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 213-228
المحتوى ... الصفحة
- اللغة والأسلوب ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 229-293
أولاً: المؤثرات العامة
1- القرآن الكريم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 232-240
2- الحديث الشريف ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 240-242
3- التراث الشعري ... ... ... .. ... ... ... .. ... ... ... 243-253
4- بين الشعر والتاريخ ... ... ... ... ... ... ... ... ... 254-259
ثانياً: ظواهر لغوية وأسلوبية ... . ... ... ... ... ... ... ... ... 260-293
1- ألفاظ وأساليب تراثية ... .. ... ... ... ... ... ... ... 260-262
2- ألفاظ ومصطلحات إباضية ... .. ... ... ... ... ... 263-273
3- التكرار ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 274-281
4- التوازي والتقسيم ... . ... .. ... ... ... ... ... ... ... 282-285
(1/3)
5- الأسلوب الخطابي ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... 286-293
الصورة الشعرية ... ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -305
الخاتمة ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -313
المصادر والمراجع ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -334
الملخص باللغة الإنجليزية ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -337
الملخص
أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
إعداد : محمود بن مبارك بن حبيب السليمي
المشرف: الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي
... سعت هذه الدراسة إلى الكشف عن أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين بغية التعرف على منطلقات الشاعر العماني، ومدى ارتباطه بالبيئة العمانية وخصوصيتها الفكرية. ومن أجل ذلك حاول الباحث إعطاء لمحة عن هذا الفكر لبيان مدى حضوره في نتاج الشاعر وأسلوبه.
... إن الأصل في هذه الدراسة قائم على معرفة معالم هذا الفكر وملامحه الكلية، لاستشراف أثره في الشعر العماني على وجه التعيين، دون إغفال للجانب الفني والأسلوبي.
... وقد ركز الباحث على أهم المقولات الفكرية التي تمثل هوية المذهب الإباضي بما يهيء لإدراك عمقها التاريخي، لما تركته من سمات بارزة في إبداع المبدعين.
... وعنيت الدراسة بإلقاء الضوء على نشأة المذهب الإباضي وأصوله التاريخية، وركائزه الفكرية وأثر ذلك في شعر شعراء هذه الفترة الزمنية، وتوصل الباحث إلى أنّ حادثة التحكيم، وما نجم عنها تركت أثرا بينا في نفوس عدد من الشعراء الإباضيين الذين استلهموا عددا من نصوصهم الشعرية من هذه الحادثة كما اتضح من خلال الفصل الأول.
(1/4)
... بينما تكفل الفصل الثاني ببحث أثر الفكر العقائدي في نتاج الشعراء الإباضيين في الزمان المحدد، وتوصل الباحث إلى أنه قد تفاوت هذا الانعكاس بين رأي عقائدي وآخر، ففي حين بدا تأثر الشاعر الإباضي بمسألة الرؤية والصفات والتوحيد والتنزيه، فأخذت قضية الرؤية حيزا في شعرهم بين قصائد مستقلة، وانعكاس غير مباشر ضمن أغراض أخرى كما كشفت ذلك الدراسة، نجد أن هذا الأثر يخف في القضايا الخلافية الأخرى، مثل خلق القرآن والشفاعة والصراط والميزان.
... وجاء الفصل الثالث للحديث عن أثر الفكر السياسي، منتظماً في عدة مباحث درست أثر ذلك الفكر في الشعر، من خلال تأثيره في قصيدة المديح والرثاء على وجه الخصوص، سواء كان ذلك في المديح الفردي الذي تكفل بالإفصاح عن صفات الأئمة وصورتهم في المجتمع الإباضي، أو المديح الجمعي الذي رسم صورة أئمة الإباضية الأوائل، وهي صفات تعكس البعد السياسي للفكر الإباضي، ضمن تجسيد لملامح الأئمة الإباضيين وصفاتهم، وكما وصف الشاعر الإباضي شخصية الإمام، فإنه عكس صورة الإمامة ذاتها، فجسَّدها ووضح محاسنها. واسترعى انتباه الباحث قضايا وظواهر أثرت وتأثرت بالفكر الإباضي متمثلة في شعر الزهد والسلوك والحماسة والشكوى والمكان كما جاء في الفصل الرابع.
... وتخصص الفصل الخامس لدراسة أهم الخصائص الفنية التي اتسم بها الشعر الإباضي المتصل بجوانبه الفكرية، ومن خلال ذلك أمكن التعرف على مدى ارتباط التجربة الشعرية عند عدد من الشعراء الإباضيين بالانتماء الفكري، المتجذر في نفوسهم المتصل بعقيدتهم، واتضح أن عددا منهم أوجد نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة، ووظف كثير منهم فنه لخدمة فكره ومجتمعه، لتنطلق تجاربهم الشعرية ولغتهم وصورهم من بنيتهم الثقافية وخلفيتهم الفكرية.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
(1/5)
يتميز الشعر العماني بسعة عطائه، وقوة انتمائه وخصوصية تفاعله، والشعر العماني – على وجه الخصوص- مرتبط أشد الارتباط بالبيئة العمانية وخصوصيتها الفكرية، وغير الفكرية. والجانب الفكري يعد أحد جوانب العمل الشعري وذلك إذا استطاع الشاعر أن يصهر الفكرة عبر القيم الشعورية والتعبيرية.
... وهذا البحث لم يسبق معالجته من هذه الزاوية، وقد يكون في ذلك شيء من الصعوبة، لكن الباحث يرجو أن يوفق في العمل على إخراجه مقبولاً، فإن استيضاح أثر الفكر في الأدب عموماً وفي الشعر خاصة، أمر يستدعي مزاوجة بين شيئين يبدوان متباعدين.
... وبما أن الشعر مرتبط أشد الارتباط بثقافة الشاعر، ومنطلقاته الفكرية، فإنّ مثل هذه الدراسة تعد مهمة للتعرف عن قرب إلى هذا الفكر من جهة، ومدى حضوره في نتاج الشاعر وأسلوبه وقاموسه من جهة أخرى.
... والأصل في هذه الدراسة قائم على معرفة معالم الفكر الإباضي وملامحه الكلية، واتخاذها مدخلا عريضا لاستشرافها في الشعر العماني على وجه التعيين، بزمانها المحدد، دون إغفال للجانب الفني والأسلوبي.
... ولذلك لابد لهذه الدراسة من أن تطوف بالأحداث الجسام، التي شهدتها الأمة في عصر الفتنة، إذ كانت هذه الأحداث، تمثل تيارات سياسية ودينية انثبق منها الفكر الإباضي. وليس في مقدور الباحث أن يحيط بهذا الفكر من جميع جوانبه، ولكن عليه أن يسعى إلى الإلمام بأهم الأصول الفكرية للمذهب قبل الشروع في دراسة أثر الفكر في الشعر العماني.
... ومن أجل ذلك سيركز الباحث على أهم المقولات الفكرية التي تمثل هوية المذهب، كما تمثل رمز أصالته، بما يهيء لإدراك عمقها التاريخي، لما تتركه من سمات بارزة في إبداع المبدعين.
(1/6)
... ومن الطبيعي أن الفكر الإباضي يلتقي في كثير من أصوله مع فكر فرق إسلامية أخرى، وذلك ناشئ عن وحدة المصدر الذي تستمد منه كل تلك الفرق مبادئها وأفكارها، وما دام البحث محصوراً في الفرقة الإباضية، فلا ضرورة لبيان ما تفترق عنها الفرق الأخرى من مبادئ، لأننا إذا نجحنا في بناء أهم عناصر المنظومة الفكرية الإباضية، فإن ذلك كفيل بإبراز المواقف الخلافية لدى الفرق الأخرى.
... إن الفكر الإباضي مرتبط بفكر إسلامي شامل، فهو جزء من نسيجه، يخضع لمجموعة من الأنساق الفكرية، تختلف أو تتفق في رؤاها وتوجهاتها مع الآخر، لكنها تبقى محكومة بالمنظومة الفكرية العليا التي تنطلق من خلالها.
... وقد سعى البحث للإجابة عن التساؤلات التالية:
- من هم الإباضية؟ ومن هو إمامهم ومؤسس مذهبهم الحقيقي؟ وما الضّيرُ في أن يُنْسبَ المذهب إلى عبد الله بن إباض، وهو واحد منهم؟ ولماذا لم ينسبوا إلى جابر بن زيد، في حين أنهم يرونه المؤسس الأول لمذهبهم، والمقعّد لفكرهم؟ ثم هل الإباضية فرقة من الخوارج كما تورد ذلك كتب المقالات؟ ولماذا يرفض الإباضيون إلحاقهم بالخوارج، وينفرون من الانتساب إليهم؟ وما الفرق بين الإباضية والخوارج؟ ومن هم الخوارج في نظر الإباضية؟ وما أهم أصول الفكر العقائدي والسياسي عند الإباضية؟ وإلى أي مدى أثر الفكر عند الشاعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين؟
... كل هذه الأسئلة وغيرها لا بد من التعرض لها، لأنها تشكل أهمية كبرى في فهم صيرورة الفكر الإباضي من جهة، ولأنها أمور شغلت بال الأدباء والشعراء الإباضيين عبر القرون من جهة أخرى.
... وتقوم خطة الدراسة على منهجين:
المنهج الأول: منهج تحليلي تاريخي، يُعنى برصد معالم الفكر الإباضي التي انعكست آثارها في الشعر العماني خلال الفترة المذكورة.
(1/7)
المنهج الثاني: منهج تحليلي أسلوبي وفيه يتم استشراف آفاق تجلي الفكر في الشعر وبيان أثره من خلال المزج بين الدراسة الفكرية وأثرها في الشعر، اعتمادا على النصوص الشعرية، للكشف عن أهم الموضوعات الفكرية التي انعكست آثارها في تلك النصوص.
... وفضلاً عن المصادر المعنية بالفكر عموما التي عاد إليها الباحث، وهي تمثل منظومة الفكر الإباضي، وتراثه المطبوعة والمخطوطة، فإن الباحث انصبَّ اهتمامه على استقراء النصوص الشعرية خلال قرنين من الزمان، توزعت بين دواوين مستقلة ومجموعات شعرية، ومختارات أدبية.
... وانتظمت خطة البحث في خمسة فصول وخاتمة.
... تكفل الفصل الأول بإلقاء الضوء على نشأة المذهب الإباضي وبيان أهم أصوله العامة.
... أما الفصل الثاني فقد عني ببحث أثر الفكر العقائدي، فدرس ذلك ضمن الظواهر الكبرى فيه ، وهي:
- الذات الإلهية.
- المعاد واليوم الآخر.
- الولاية والبراءة.
- خلق القرآن.
... وجاء الفصل الثالث للحديث عن أثر الفكر السياسي، منتظما في عدة مباحث درست أثر ذلك الفكر في الشعر متمثلاً في العناوين التالية:
- الإمامة وتقاليدها.
-الإمام وصفاته.
- أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح.
- شخصية الإمام.
- صورة الإمامة.
- نصح الأئمة وإرشادهم.
- وصف جهاد الأئمة.
- تحريم الخروج على الإمام العادل.
- موقف الإباضية من الحاكم الجائر.
- الموقف من التكسب بالشعر.
- أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء.
- رثاء الأئمة.
- رثاء الإمامة
- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية.
وتخصص الفصل الرابع لدراسة "قضايا وظواهر أخرى" تركت بصمات واضحة في نتاج الشعراء الإباضيين متمثلة في الموضوعات التالية:
- شعر الزهد والسلوك بين التأثر والتأثير.
- الحماسة في الشعر الإباضي.
- شعر الشكوى.
- قدسية المكان عند الشاعر الإباضي.
وجاء الفصل الخامس لدراسة أهم الخصائص الفنية التي اتسم بها الشعر الإباضي المتصل بجوانبه الفكرية ضمن المحاور التالية:
(1/8)
- التجربة وأثر الفكر الإباضي فيها.
- بناء القصيدة.
- اللغة والأسلوب.
- الصورة الشعرية.
... وانتظمت هذه المباحث في مطالب جزئية عالجت فيها خصوصيات هذا الشعر وانطلاقاته الفكرية، مستعرضا خصوصية التجارب الشعرية لعدد من الشعراء الإباضيين، ومن ثم درست اللغة الشعرية مركزا على المؤثرات الدينية والحضارية، التي شكلت هذه اللغة وكيف تعاملوا معها، مع الإشارة إلى بعض الظواهر اللغوية البارزة في شعرهم، في محاولة لرصد بعض الأساليب والتقنيات اللغوية التي تعامل معها الشعراء الإباضيون في هذه الفترة.
... وأنهيت البحث بخاتمة تضمّنت أهم النتائج التي تم التوصل إليها، على ضوء دراسة الظواهر الكبرى للفكر الإباضي في شعر إباضية عمان في الزمن المحدّد.
... وإذا كان جمع المادة الشعرية المتصلة بالبحث أحد الصعوبات التي أخذت وقتاً وجهداً من الباحث، فإنّ تلك الصعوبة تهون في مقابل الصعوبات الأخرى، المتمثلة فيما اقتضته منهجية الدراسة بفصولها، ومباحثها، وذلك عندما جمع الباحث في دراسة "المكان عند الشاعر الإباضي" بين الجانبين الموضوعي والفني، مع حذر الباحث من الإمعان في هذا التداخل، كي لا يؤدي إلى كسر المنهجية، مع إيمانه الراسخ، أن هذه التقسيمات تؤدي كلها في النهاية لخدمة غرض الباحث في بيان ما تركه الفكر الإباضي من أثر لدى الشاعر العماني، موضوعياً وفنياً، فضلاً عن تركيز الدراسة على نتاج شعراء معينين، نظراً لانعكاس الفكر الإباضي في شعر أحدهم أكثر من غيره.
... وختاماً، فإن الباحث اعترافا بالجميل، يؤكد أنه ما كان لهذه الدراسة أن تصل إلى هذا المستوى، لولا توجيهات أساتذة فضلاء، وعلماء أجلاء، منحوه من وقتهم، ولم يبخلوا بسديد توجيهاتهم، وفي مقدمتهم شيخي الجليل، وأستاذي الفاضل العلامة الدكتور إحسان عباس، الذي فتح لي أبواب بيته العامر، ومكتبته الزاخرة، وعلمه الغزير، ما غمرني بأبوبته، مفيضا عليّ من نصائحه، وسديد ملاحظاته.
(1/9)
... كما أنه من الواجب علي أن أتقدم بوافر شكري وعظيم امتناني إلى أستاذي الجليل، المشرف على هذا البحث، والمتابع لمراحل إنجازه، الذي طالما أزعجته فتحملني، الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي، حيث لم يأل جهداً، ولم يدّخر نصيحة فشكل –بالنسبة لي- مدرسة علمية خلقية، حين وجدته يعكس خلق العالم النزيه، المتحلّي بالموضوعية والتواضع، المتصف بالأناة والإخلاص ما يستحق أن أقف له وقفة عرفان وجميل.
... وأوكد أن إيجابيات هذه الرسالة، نتيجة حقيقية، لمضمون تلك التوجيهات، ودلالة تلك العناية، بينما سلبياتها، من نصيب الباحث وحده، الذي يلتمس العذر من أساتذته في تجشمه لموضوع بكر، لم تسبق معالجته، وحسبه أن قدّم دراسة، تثير عدداً من التساؤلات، قد تكون فاتحة لدراسات وبحوث قادمة، بمشيئة الله.
... كما أنه من الواجب الإشارة إلى أن الباحث، ينتظر ملاحظات لجنة المناقشة، التي سيكون لها أكبر الأثر في تقويم سقطاتها، وتهذيبها، بما يخدم موضوع الرسالة، سائلاً المولى عز وجل مزيداً من العناية والرعاية، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ رئيس قسم اللغة العربية وآدابها
تحية طيبة وبعد
... فان رسالة الطالب (محمود بن مبارك بن حبيب السليمي) التي يقدمها للمناقشة للحصول على درجة الدكتوراه، صالحة للمناقشة.
ولكم التقدير والاحترام
أ.د. عبد الجليل عبد المهدي (المشرف)
أ.د. إحسان عباس (عضواً)
أ.د. هاشم ياغي (عضواً)
أ.د. إبراهيم السعافين (عضواً)
الفصل الأول
حول نشأة المذهب الإباضي وأصوله
- أصل المذهب وجذوره.
- نشأة الإباضية وتطورها.
- الإباضية والصحابة.
- الإباضية والخوارج.
- مدخل تاريخي:
-1-
أصل المذهب وجذوره
(1/10)
... شكلت موقعه صفين عام 37هـ (1) وما نتج عنها منحنى جديدا في التاريخ الإسلامي، حين أفضت إلى قضية التحكيم، وإلى ما نجم عن التحكيم نفسه، إذ وقف ضد التحكيم جماعة كبيرة من أنصار الإمام علي ورأوا في قبوله التحكيم – وهو إمام منتخب- مساواة له بموقف خصمه، وذهبت إلى أن التحكيم ليس من حق البشر بل من حق الله سبحانه وتعالى، ورأت رفض التحكيم كما رأت الاستمرار في قتال الفئة الباغية (2) منبّهة على ما ينطوي عليه الموقف من خديعة ومكر، كان الإمام عارفاً بها حتى قال لما رفعت المصاحف "والله ما كتاب الله يريدون" (3)
__________
(1) انظر: ابن سعد: الطبقات: 3/32، 4/255، 256، ابن خياط: التاريخ: 116.
(2) أبو الخطاب: عمر بن الحسين بن دحية الكلبي، أعلام النصر المبين. 84، 85.
(3) المصدر نفسه، 113.
(1/11)
... وعلى أثر هذا التحكيم، انفصل عن جيش الإمام علي مجموعة من القراء، لأنهم رأوا أن قبول التحكيم خطأ ارتكبه الإمام وهو يتحمل تبعة موافقته باعتباره رأس الحكومة الإسلامية، ونظرا لاعتقادهم أن منصب الخلافة بات شاغرا بفعل الموافقة على التحكيم، الذي أفقد الخليفة حقه في الإمامة (1) فقد اجتمعوا في بيت عبد الله بن وهب الراسبي (2) وقرّروا اختياره أميرا عليهم (3) واعتزلوا ناحية النهروان (4) ونسب اليهم مقتل الصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت، على يد مسعر بن فدكي الذي كان قد انضم إلى راية أبي أيوب الأنصاري قبل موقعة النهروان، كما يروي ذلك البلاذري والأشعري. (5)
... وتذهب رواية المؤرخ الإباضي الشماخي، إلى أنه عندما وصل مسعر بن فدكي إلى أهل النهروان أنكروا ما فعله، وهمّوا بقتله، ففرّ منهم، وبرئوا منه، فخرج يستعرض الناس. (6) وكان عبد الله بن وهب "كارها لذلك كله، وكذلك أصحابه" (7)
... ويمكن للباحث أن يستنتج مما تقدم أموراً منها:
__________
(1) القلهاتي: الكشف والبيان، 2/241، وانظر: محمود اسماعيل، قضايا في التاريخ، 8.
(2) عبد الله بن وهب الراسبي (ت38هـ) ولد بعمان من قبيلة الأزد، هاجر إلى المدينة عام 9هـ، صحابي جليل، عرف بالعلم والصلاح والعبادة، شارك في فتوح العراق، وفي صفين، ولما حصل التحكيم، رفضه مع من رفض بايعه المحكمة، وقتل مع من قتل من أهل النهروان. انظر معجم أعلام الاباضية من ق1-ق15هـ الجزء الثالث 580-583.
(3) انظر هاشم بن غيلان: السير والجوابات، مخطوط، 160، أبو قحطان، السير، مطبوع: ج1، 107، الفكهاني: الكشف والبيان، 2/239. البرادي: الجواهر/ 129.
(4) الشماخي: السير، 1/50.
(5) البلاذري: الأنساب، 2/361، الأشعري، مقالات الإسلاميين، 43 الطبري: تاريخ 3/121 وانظر: السابعي: ناصر، الخوارج والحقيقة الغائبة، 127.
(6) الشماخي: السير 1/50.
(7) الأشعري : مقالات الإسلاميين، 43.
(1/12)
- أن مسعر بن فدكي لم يكن من الذين انحازوا إلى النهر بداية وأن ما قام به لا يمثل الاتجاه الذي سار عليه المحكمة وأن فعلته قد تبرّأ منها المحكمة، بدليل الروايات التي تشير الى طرده.
- ولا يمثل مسعر بن فدكي المحكمة في تصرفه، وبما أن كثيرا من الروايات تلقي على هذه الحادثة السبب في موقعة النهروان، فقد تكون هذه الحادثة مدبرة للإيقاع بين الإمام والمحكمة. (1)
... فالإباضية لا يقرون بالروايات التي تلقي بمسؤولية قتل عبد الله بن خباب على المحكة أهل النهروان، إذ يرون أن العصابة المعترضة ليست منهم، وهم براء من ذلك. (2)
... على أن رؤية الإباضية إلى هذه المسألة رؤية وسطية، تأخذ بالأحوط، فيعدونها فتنة بين الصحابة، يعذر فيها الجميع، نظرا للثقة في سلامة نية كل طرف، وحسن الظن بكل فريق، لاعتقاد كل فريق أن مسلكه هو الحق" (3) ولكنهم يطالبون بأن توزن الفتن الواقعة في صدر الإسلام كفتنة الدار والجمل وصفين، بميزان واحد، باعتبارها أحداثاً بين الصحابة، والظروف فيها متشابهة، والقائمون فيها من الجانبين طلاب حق، سواء أخطأوا فيه أم أصابوا" (4) أما أن يُكفَّرَ بعضُهم، ويُخْرَجَ من الملة، مع الإقرار بسلامة نيتهم، فإنه أمر لا يقبلون به.
__________
(1) انظر محمود اسماعيل، قضايا في التاريخ الإسلامي، 55، وسامي صقر: الإمام جابر بن زيد، ر.ج، 35.
(2) اطفيش: محمد بن يوسف، شرح لامية ابن النظر، مخطوط، ج2، 766.
(3) علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 380.
(4) المصدر نفسه، 381.
(1/13)
... ونظراً لما تمثله هذه الحادثة في نفوس الشعراء الإباضيين، فقد انعكس في نتاجهم تأثيرها على شعرهم، مما يدل عل بقائها حية في نفوسهم، وتجلّت هذه الحادثة أكثر ما تجلّت لدى الشاعر العماني أبي مسلم الرواحي (1) فقد استلهم منها عددا من قصائده التي جاءت مطبوعة بطابع البعد الفكري، كما يبدو في قصيدتيه "النهروانية" و"أشعة الحق" (2)
... إننا لسنا بحاجة للحديث عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي أوجدت هذا النص، ولكننا نتحدث عن الأساس الذي شكل منطلقاً للشاعر بما يكشف عن البنية الثقافية والمنطلقات العقائدية والخلفية التاريخية التي جعلته يمجّد هذا الفكر، ويستمد من ذلك العطاء، فاستطاع أن يجعل الشعر خادما للعقيدة أو ما يُسمّى عند النقاد بالتلازم بين الفن والعقيدة (3) . ومن يقرأ هذا النص لا يستطيع أن يتجاوز مجموعة الحقائق التاريخية بروآها الجدلية والسياسية، وما تختزنه ذاكرة التاريخ، دون الولوج في خضم تلك الحقائق والمعطيات التاريخية، والقناعات الفكرية للشاعر.
... وليس المهم في هذا النص مجموع الأفكار، بل ما فيه من بنية فنية تنتظم هذه الأفكار، على حد قول لوسيان جولدمان "المهم ليس الفكرة في حد ذاتها، بل المهم إدخالها في نسق عام، أو جعلها أساساً لنسق جديد" (4)
__________
(1) الرواحي: ابو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم بن صالح البهلاني الرواحي (1273هـ/1856م-1339هـ/1920م) عالم، قاض، مؤلف، محقق، شاعر، ولد بوادي "محرم" من أعمال مدينة "سمائل" في داخلية عمان، لقب بأعلم الشعراء، وأشعر العلماء، نبغ في الشعر، وفاق أقرانه، له عدد من المؤلفات المطبوعة والمخطوطة. للمزيد ينظر: الخصيبي: محمد ابن راشد، شقائق النعمان، 3/205.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، 204-218.
(3) د. إحسان عباس، شعر الخوارج، 204.
(4) انظر: عبد الهادي عبد الرحمن، سلطة النص، 65.
(1/14)
... وقد استطاع الشاعر أن يوائم بين صراحة التعبير وحرمة الشخصيات في قصيدته، ففي خطابه لبني هاشم عموما وللإمام أبي الحسن على وجه الخصوص، تتبدى مظاهر الحسرة والتفجع والتأثر بمقتل سادات النهروان، مستهلاً ذلك بالحديث عن افتراق الصحابة، وثبات عصابة قليلة على الحق، ثم ينتقل إلى معاتبة بني هاشم حيث يقول:
تحزّبت الأحزابُ بعدَ محمدٍ ... فكلّ إلى نهج رآهُ يصيرُ
وقرّت على الحقِّ المبين عصابةُ ... قليلُ وقلّ الأكرمينَ كثيرُ (1)
ثم ينتقل لمخاطبة بني هاشم بقوله:
بني هاشمٍ عمدْاً ثللتم (2) عروشكُمْ ... وفي عبد شْمس نجدةُ وظهورُ
على غيرِ ذنبٍ غير إنكار قسطهمْ ... وللجور من نفس المحقِّ نكيرُ
قتلتم جنوداً حكمّوا لله لا سوَى ... وقالوا عليّ لا سواهُ أميرُ
فيالدماء في حروراء غودرتْ ... تمورُ وأطباقُ السّماء تمورُ (3)
فالشاعر أبو مسلم الرواحى يرى أنّ أهل النهروان قتلوا ظلما، ولم يكن لهم من ذنب سوى رفض التحكيم، والتمسك بخلافة الإمام علي، وهم بذلك قد قضوا على أهم أنصارهم.
ويشير الرواحي إلى مكيدة رفع المصاحف قائلاً:
على أنْ علتّ فوق الرّماحِ مصاحفٌ ... ونادَوْ إلى حُكْم الكتابِ نصيرُ
مكيدةُ عمرو حيثُ رثّتْ حبالُه ... وكادت بحورُ القاسطينَ تغورُ (4) (5)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 208.
(2) ثللتم: الثلل، الهلاك، وُثلّ عرش فلان، هدم وزال، وثلّ الله عرشهم: أي هدم ملكهم، ينظر: اللسان، مادة: ثلل.
(3) المصدر نفسه، 210.
(4) المصدر نفسه، 270.
(5) رثّت حباله، رث: أي بليت وأخلقت، وحبل رث أي بال، ينظر: لسان العرب، مادة رثث.
(1/15)
ويحذر الشاعر الخليفة من هذا التحكيم، ومغبة الموافقة عليه، في نبرة عتابية، مضيفا هالة من التقدير والإجلال لشخص الإمام، ومبينا أهم الملاحظ التي يؤاخذ الإباضية الإمام عليا فيها، فهو وإن كان صحابياً جليلاً لكنه بشر، يصيب ويخطئ، وهذه مسألة مهمة عند الإباضية، ولذا نرى الشاعر يكرر النداء للإمام علي في ثمانية أبيات متتالية، وهو يسترجع تلك الأحداث وكأنه أحد شهودها، مبينا منطلقات خصمه، وسوابقه، منهياً خطابه بالإشادة بالإمام علي والتساؤل عما ألجأه إلى التحكيم قائلاً:
أبا حسنٍ ذرها حكومة فاسقٍ ... جراحاتُ بدرٍ في حشاه تفورُ
أبا حسنٍ أقدم فأنت على هُدى ... وأنت بغاياتِ الغويِّ بصيرُ
أبا حسنٍ لا تُعطينَّ دنيةً ... وأنت بسلطان القدير قديرُ
أبا حسنٍ لا تنس أحداً وخندقاً ... وما جرّ عير قبلها ونفيرُ
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ... ... ...
فمالك والتحكيمُ والحكمُ ظاهِرُ ... وأنت عليٌّ والشّآمُ تمورُ (1)
ويعقد الشاعر مقارنة بين موقف الإمام علي من معاوية وصحبه، حينما أوقف القتال، وبين موقفه من "المحكمة" "حزب الله" كما سماه:
أتغمدُه عن عبد شمس وحزبها ... ويلفح حزبَ الله منه سعيرُ (2)
ويأسف الرواحي على ما آل اليه أمر الإمام بعد مقتل أهل النهروان، حيث لم تقم له قائمة تذكر، ولم يجد من أهل العراق إلا التسويف والمماطلة على كثرة محاولاته، وتعدد خُطبه فيهم، وكأن قلوبهم صخور جامدة:
تنازعُها سلَّ السيوفِ فتلتوي ... وتخطبُ فيها والقلوبُ صخورُ (3)
وهنا يتخيل الشاعر تذكّرَ الامام علي أصحابه من أهل النهروان، الذين لم يتخلفوا عن دعوته قط. بل طالما لبوا نداءه، ومن ثم اتخذ أبو مسلم من هذا الموقف متكأ لمعاتبه الإمام أبي الحسن على إراقته دماء أولئك المؤمنين فيخاطبه، ويقيم معه حواراً مباشراً وصريحا حين يقول:
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 210.
(2) المصدر نفسه، 211.
(3) المصدر نفسه، 211.
(1/16)
نشدت دويَّ النّحلِ لما فقدتَهمْ ... ويعسوبُ ذاك النحلِ عنه خبيرُ (1)
عليّا أمير المؤمنينَ بقيةَ ... كانّ دماءَ المؤمنين خمورُ
سمعناك تنفي شركهم ونفاقهم ... فأنت على أيّ الذنوب نكيرُ
وما الناس إلا مؤمنُ أو منافقُ ... ومنهم حجودُ بالإله كفُورُ
وقد قلتَ ما فيهم نفاقُ ولا بهم ... حجودُ وهذا الحكمُ منك شهيرٌ
فهل أوْجبَ الإيمانُ سفكَ دمِائهم ... وأنت بأحكام الدّماء بصيرُ
تركتهم جزرَ السباع عليهم ... لفائفُ من إيمانهم وستورُ
مصاحفُهم مصبوغةُ بدمائِهم ... عليهنًّ من كَتْبِ السّهام سطورُ
وكنْت حفيّايا ابنَ عمّ محمدٍ ... بحفظِ دماءٍ ما لهنَّ خطيرُ
وكنت حفيّا أن يكونوا بقيةً ... لنصرك حيث الدائرات تدور (2)
ويخاطب أبو مسلم، في موقفٍ آخر من يعيب على الإباضية توليهم لأهل النهروان، عادا من يقدح في أهل النهروان كمن يقدح في دين الله ويعيبه، لإنهم حجة الله في أرضه مستخدماً لفظة أهل الإستقامة، وهو مصطلح إباضي:
يا منْ أعاب على الأبرار نخلتهم ... أعبتَ ويلكَ دينَ الله عن بصرِ
هم حجةُ الله أهلُ الاستقامةِ ما ... خامَتْ عزائُمهمْ عن آيةِ الزّمرِ (3)
محكمين بَراءُ من معاويةِ ... ومن عليِّ ويا ليت الأخير بري (4)
ويتمنّى الشاعر عدم حصول التحكيم رادا أسبابه لما يخفي وراءه من ضغائن، وما يحمله من أحقاد وما يتلبس وراءه من ثأر قديم، فيقول:
ليت الحكومة ما قامت قيامتها ... وليتها من أبي السّبطين لم تصر
ملعونةُ جعلتها الشام جُنّتها ... من ذي الفقار وقد أشفت على الخطرِ
عجّتْ بتحكيمِ عمرو بعد ما حكمت ... همدانُ فيها بحكم البيضِ والسّمُرِ
تباً لها رفعت كيداً مصاحفها ... ومقتضاهُنَّ منبوذُ على العفرِ
__________
(1) يعسوب: اليعسوبُ أمير النحل وذكرها وهو السيد والرئيس والمقدم، وأصله فحل النحل، ينظر لسان العرب: مادة: عسب.
(2) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 211.
(3) خام: أي نكص وجبن، ينظر: لسان العرب مادة: خَيَمَ.
(4) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 215.
(1/17)
مهلاً أبا حسنِ إن التي عرضتْ ... زوراءُ في الدين كنْ منها على حذر
ضغائنُ اللاّتِ والعُزّى رقلن بها ... تحت الطّليق وعُثمانيّة الأشر (1)
ويشير الشاعر إلى تعلق معاوية بشبهة الثأر لعثمان، الذي تقاعس عن نصرته في وقت الحاجة اليه، حتى إذا ما قُتل، استعمل هذه الحادثة حُجّة للمطالبة بدم عثمان، وهي كلها تعلقات لا تخفى على ما كان يهدف من ورائها يقول:
ما لابن هندٍ بثار الدار من غرض ... له مرامٌ وليتَ الدارَ في سقرِ
لقد تقاعدَّ عنها وهي مُحْرَجةٌ ... حتّى قَضت فقضى ما شاء من وطَرِ
ينوح في الشّام ثكلى ناشراً لهمٌ ... قميصَ عثمانَ نوْحَ الوُرق بالسّحرِ
حتّى إذا لَفَّ أولاها بآخرها ... بشبهة ما تُغطيّ نقرة الظّفرِ
أتاكَ يقرعُ ظنبوب الشقاق له (2) ... روقان في الكفر من جهلِ ومن بطرِ
يدير بين وزيريه سياستهُ ... عمرو وأبليس في ورد وفي صدَرِ (3)
ويخاطب الإمام عليا، متسائلاً كيف انطلت عليه خطة التحكيم وهو أعلم أهل الأرض قاطبة، فيقول:
متى جهلتَ أبا السبطين خطّتهُ ... وأنت أعْلم أهل الطين والوبرِ
حاكمته بعد ما ألحمته قرماً ... بعقر سبعين ألفاً عقرة الجُزرِ
حاكمته بعد عمّار وروحته ... إلى الجنان وبعد السادة الطهّرِ
حاكمتهُ بعَد حكم الله فيه بما ... يشفى الغليلَ وقد أيقنتَ بالظّفرِ
أقمت في البغي حدّ الله أولها ... ففيم تستنُّ بالتحكيم في الأخرِ (4)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، 125.
(2) الظنبوب: حرف الساق اليابسِ من قِدمَ، وقرع لذلك الأمر ظنبوبه، تهيّء له، لسان العرب مادة: ظنب.
(3) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، 216.
(4) المصدر السابق، 216.
(1/18)
ثم يعاتبه على قبوله التحكيم مع أنه أعلم الناس بالدماء وأحكام البغاة، ويتساءل عن فائدة مقاتلة معاوية بعد ذلك، إذ يرى الشاعر أنه بعد الرضى بالتحكيم لم يصبح هنالك معنى للقتال لكل من رضي به أو عارضه، لماذا؟ لأن أبا مسلم الرواحي، كغيره من الإباضية المصوبين للمحكمة، يرى أن التحكيم قد أفقد الإمام حقه في الإمامة، حيث يقول:
فيم الحكومةُ أخزى الله ناصبَها ... لم يترك اللّهُ هذا الحكمَ للبشرِ
ولستَ في ريبةِ مما عنيت به ... ولا القضاءُ قياسيٌ على صورِ
فما قتالك يعد الحكم راضيه ... وما قتاُلك من لم يرض بالنّهرِ
وما قتالُ ابْن صخر بعدما انسكبتْ ... خلافة الله في بلعومه البخرِ
حكّمته في حدودِ الله ينسفُها ... نسف الزّعازعِ مندوفاً من الوبرِ (1)
وعاتب الإمام على طاعته لأمر الأشعث بن قيس الكندي ومشورته، متحدثا عن سوابقه التاريخية (2) كما يعاتب الإمام على قتله المحكمة موضحا أن الأسباب التي تذرّع بها القوم لقتلهم أسباب واهية لا تقوم دليلاً ولا تصحّ عذرا، يقول:
هانتْ عليكَ جباهٌ ظلت ترضخُها ... لطالما رضختها سجدُة السَّحرِ
لم تقتل القومَ عن سوءٍ بدينهمُ ... وإنما الأمر مبنيٌّ على القدرِ
قتلتهم برواياتٍ تقيمُ بها ... عُذْر القتال وليست عُذْر معتذرِ
ما ذو الثديّة إلا خدعةٌ نُصبتْ ... للحربِ توهم فيها صحةُ الخبرِ
وما حديثُ مروق القوم معتبرُ ... فيهم لمن سلك الإنصافَ في السيرِ
خلعت نفسك بالتحكيم منخدعاً ... وأنت أولى بها من سائر الفطرِ
فحكموا الله واختاروك أنت لها ... فكان قولهم نوعاً من الهذرِ (3)
-2-
نشأة الإباضية وتطورها :
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 216.
(2) ينظر: المصدر السابق، ص 216، 217.
(3) المصدر السابق، ص 217.
(1/19)
... الإباضية فرقة تتواصل بفكرها مع فكر المحكمة الأوائل، لها فكرها الذي تعتمد عليه، وأساسها الذي تنطلق منه، وقد عرفوا فيما بينهم بـ "الجماعة المؤمنة" أو جماعة المسلمين، أو أهل الدعوة أو أهل الاستقامة" (1)
... إن مما يميز هذه الحركة أنها لم تسلك سلوكاً متطرفاً، بل ظلت وفية لمسلك الاعتدال الذي تبناه المحكمة الأوائل، وكان على رأس هذه الحركة أبو بلال المرداس بن حدير التميمي (2) الذي كانت سيرته مثالا للالتزام بالمبادئ والأفكار التي آمن بها، ودعا إليها، وتتلخص في إنكار العنف، وعدم استعراض المسلمين المخالفين بالسيف (3) ، وهو أول من سن في العقدة" (4) سياسة حربية إنسانية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم، - صلى الله عليه وسلم - (5)
__________
(1) الكندي: أبو بكر احمد بن عبد الله بن موسى، كتاب الاهتداء، 237.
(2) المرداس بن حدير، المعروف بمرداس بن أدية التميمي (ت 61هـ 670م) تابعي من أئمة المذهب الإباضي الأوائل، لازم الإمام جابر بن زيد وأخذ عنه، شارك في صفين وأنكر التحكيم، انشأ جماعة سرية منظمة من أربعين شاريا، أنكر على الخوارج تعرضهم للناس بالسيف، قتل مع أصحابه وهم يصلون الجمعة، بعد هدنة متفق عليها، بينه وبين عباد بن أخضر الذي بعثه عبيد الله بن زياد سنة 61هـ. انظر: معجم أعلام الإباضية 4: 860-863.
(3) الأزكوي: محمد بن جعفر، جامع الأزكوي، 1، 322 .
(4) القعدة: مصطلح أطلق على زعماء الإباضية ومؤسسي مذهبهم، الذين رفضوا سلوك الخوارج في استعراضهم دماء المسلمين وأموالهم. أنظر: د.عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، 64 وما بعدها.
(5) د. محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، 85..
(1/20)
وحين رأى السياسة الظالمة التي انتهجها عبيد الله بن زياد والي بنى أمية، قال عبارته المشهورة "إنه والله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم" (1)
... وكانت بين أبي بلال والإمام جابر بن زيد الأزدي (2) علاقة حميمة، ربطت بينهما حتى قيل "إنه كان يستشيره في خططه، وكانا يخرجان معا من البصرة إلى مكة لطلب العلم من الصحابة (3) وذلك بعد أن انضم الإمام جابر إلى هذه الحركة فأصبح رئيسها والمؤسس الحقيقي لها.
... وهكذا نجد أن المحكمة بقيادة أبي بلال، ثم جابر بن زيد، الذي تسلم القيادة من أبي بلال هم أصل الحركة الإباضية. (4)
__________
(1) المبرد: الكامل، 3: 258.
(2) جابر بن زيد الأزدي العماني البصري (أبو الشعثاء) (18هـ-93هـ) إمام محدث تابعي، من عمان، مؤسس المذهب الإباضي، من فقهاء عصره المعدودين، ولد بقرية فرق من أعمال نزوى في عمان، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وثقات الأنصار والمهاجرين، عاصر كثيرا من العلماء مثل: الحسن البصري وعمرو بن دينار وغيرهما، روى عنه الإمام الربيع مسنده عن طريق أبي عبيدة، مسلم بن أبي كريمة التميمي. كما روى عنه البخاري والترمذي والنسائي. انظر: دليل أعلام عمان، 45. معجم أعلام الإباضية، 2،217-222.
(3) محمد ناصر، منهج الدعوة 88 نقلاً عن الرقيشي، مصباح الظلام، مخطوط، 77.
(4) حسين غباش، عمان الديمقراطية، 41.
(1/21)
... ويذهب الدكتور عوض خليفات إلى أن الإمام جابر بن زيد كان

إرسال تعليق

0 تعليقات