76 كتاب التفسير الميسر لسعيد الكندي الصفحة




قَالُوا} أخذا فيِ المضارَّة لمَّا عجزوا عَن المحاجَّة: {حرِّقوه} فإنَّ النار أشدُّ مَا يُعاقب بِهِ، {وانصروا آلهتكم} بانتقام (1) [368] لَها، {إن كُنتُم فاعلِينَ (68)} إن كُنتُم ناصرين لها.
{قلنا: يا نارُ كوني بَرْدًا وسلاما} ذات بردٍ وسلام، أي: ابرُدي بردًا غير ضارِّ؛ وفيه مبالغات، جَعل النارَ المسخرَّة لقدرته مأمورة مطيعةً. روي أنَّهم بنوا حظيرة، وجمعوا فِيهَا نارا عظيمة، ثُمَّ وضعوه فيِ المنجنيق مغلولاً، فرموا بِهِ فِيهَا؛ فقال لَهُ جبريل: «هل لك مِن حاجة؟» كأنَّه يُوَدِّعه وَدَاع الخارج مِنَ الدُّنْيَا اختبارًا وابتلاءً فوق ابتلائه، ليتضَاعَف لَهُ الأجر؛ فقال: «أمَّا إِليك فلا» أي: إنَّك مخلوق مثلي لاَ تقدر عَلَى شيء من نجاتي. فقال لَهُ: «سل رَبَّكَ»، فقال: «حسبي مِن سؤالي علمه بحالي، إِنِّي وُضعت فيِ ذَلِكَ الحال اجتهادا فيِ دينه، ورِضًى لَهُ، وَهُوَ إن شاء يُميتني، وإن شاء يُحييني»؛ فأنجاه الله منها. وانقلاب النار هواء طيِّبة، ليس بِبِدعٍ فيِ قدرة الله، غير أنَّ ذَلِكَ عَلَى خلاف المعتاد، فهو إِذنْ مِن معجزاته. {عَلَى إبراهيم (69)}.
{وأرادوا بِهِ كيدا} مَكرًا فيِ إضراره، {فجعلناهم الأخسرِينَ (70)} أخسر مِن كُلِّ خاسر، لَمَّا عاد سعيهم برهانا قاطعًا عَلَى أنَّهم عَلَى الباطل، وإبراهيم عَلَى الحقِّ، وموجبا لمزيد درجته، واستحقاقهم أشدَّ العذاب.
{ونَجَّيناه ولوطا إِلىَ الأَرْض التِي باركنا فِيهَا للعالمِينَ (71)} قيل: مِنَ العراق إِلىَ الشام. وبركاته العامَّة: أنَّ أكثر الأنبياء بُعثوا فِيهِ، فانتشرت فيِ الْعَالَمِينَ شَرائعهم التِي هِيَ مَبادئ الكمالات، والخيرات الدينيَّة والدنيويَّة؛ وقيل: كثرة النعم والخصب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «بالانتقام». انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص76.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

الاغلان 6

الاعلان 5