34 كتاب التفسير الميسر لسعيد الكندي الصفحة




فَأْتِيَاه فقولا: إِنَّا رسولا رَبِّكَ فأَرسِلْ معنا بَنِي إِسْرَائِيلَ} أَطلِقهم {وَلاَ تُعذِّبهم} بالتكاليف الصعبة (1)، وقتل الولدان؛ {قد جئناك بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ} لاَ يتأتَّي إتيانها بقوَى البشريَّة، {والسلام عَلَى مَن اتَّبع الهدَى (47)} السلامة فيِ الدارين لَهُم، كما أنَّ عذاب الدارين لِمَن تولىَّ وكفر. والعذاب ضدُّه السلام؛ فلا يَجتمعان فيِ حقِّ شخص وَاحِد فيِ مَحياه ومَماته، بدليل قوله: {إِنَّا قَد أُوحي إلينا أنَّ العذابَ عَلَى مَن كذَّب وتولىَّ (48)} أنَّ عذاب المَنزِلَيْنِ عَلَى مَن كَذَّب وتولىَّ.
{قَالَ: فمن رَبُّكما يا موسى (49)؟ قَالَ: رَبُّنَا الذِي أعطى كُلَّ شيء} مِنَ الأنواع {خَلقه} صورته وشكله الذِي يُطابق كَماله الممكن لَهُ، أو أَعطى خليقته كُلَّ شيء يَحتاجون إِلَيْهِ، ويرتفقون بِهِ؛ وقيل: أعطى كُلَّ حيوان نظيره فيِ الخلق والصورة زوجا؛ وقيل: أعطى كُلَّ مَخلوق مَا لاَ يستقيم إِلاَّ بِهِ؛ وقيل: أعطى [كلَّ] شيء صلاحه، وهداه لِمَا يصلُحه. {ثمَّ هَدى (50)} ثُمَّ عرَّفه كيف يترفَّق بمَا أُعطي، وكيف يتوصَّل بِهِ إِلىَ بَقائه وكماله اختيارًا أو طبعا، وَهُوَ جواب فيِ غاية البلاغة، لاختصاره وإعرابه عَن الموجودات بأسرها عَلَى مَراتبها، ودلالته عَلَى أنَّ الغنيَّ القادر بالذات، المنعِم عَلَى الإطلاق هُوَ الله تعالى، وأنَّ جميع مَا عداه مُفتقر إِلَيْهِ، مُنعَم عليه فيِ حدِّ ذاته وصفاته وأفعاله. ولذلك بُهَتَ الذِي كَفَر، وأُفحِم عَن الدَّخَل (2) عليه، فلم يَرَ إِلاَّ صرفَ الكلام عَنْهُ، فقال:
{__________
(1) - ... في الأصل: «العصبة»، وهو خطأ.
(2) - ... «الدَّخَل: ما داخل الإِنسَانَ من فساد في عقل أو جسم ... »، وفيه معانٍ أخرى يمكن أن تليق بهذا السياق. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 2/ 956. مادَّة «دخل».

إرسال تعليق

أحدث أقدم

الاغلان 6

الاعلان 5