31 كتاب التفسير الميسر لسعيد الكندي الصفحة




وَألقيتُ عليك مَحَبَّة مِنِّي} أي: مَحبَّة كافيَة منِّي، قد زرعتها فيِ القلوب، بِحيث لاَ يكاد يصبر عنك مَن رآك؛ فلذلك أحبَّك فرعون. ويجوز أن يتعلَّق «منِّي» بـ «ألقيت» أي: أَحببتُك، ومَن أحبَّه الله [351] أحبَّته القلوب؛ وظاهر اللفظ أنَّ اليمَّ ألقاه بساحله وَهُوَ شاطئه، لأَنَّ الماء يَسحله (1)، فالتقطه مِنْهُ. {ولِتُصنَعَ عَلَى عَينِيَ (39)} ولِتُربَّي بكلاءتي، أي: وليكون عملك عَلَى عَينٍ منِّي، لئلاَّ تُخالَف بِهِ عَن أمري.
{إذ تَمشي أُختك فتقول: هل أدلُّكم عَلَى مَن يكفُلُه} وذلك أنَّه لاَ يقبل ثديَ المراضع؛ فجاءت أخته متفحِصَّة خبره، فصادفتهم يَطلبون لَهُ مُرضعةً يَقبَل ثديَها؛ فقالت: هل أدلُّكم ... ؟ فجاءت بأمِّه فَقَبِل ثديَها؛ {فَرَجَعناك إِلىَ أمِّك} وفاءً بقولنا: {إِنَّا رادُّوه إليكِ} (2)، {كي تقرَّ عينها} بلقائك، {وَلاَ تَحزن} هِيَ بفراقك، أو أنت عَلَى فراقها. وفائدة هَذِهِ المنَّة العظيمة من قوله: {وَلَقَد مَنَنَّا عليك مرَّة أُخْرَى ... } إِلىَ { ... وَلاَ تَحزن} وذلك أنَّ فرعون حاذرَ زوالَ مُلكِه عَلَى يد رجل مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ، فكَانَ يقتل أبناءهم، ويستحيِي نساءهم؛ فأمر الله تعالى أمَّ موسى لمَّا خافت عليه القتل ــ كما يقتل غيره مِن أبناء بَنِي إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ مِنْهُم ــ أن تُلقيه فيِ التابوت ويُلقِيه فيِ البحر، وليُلقه البحر بالساحل، ويأخذه عدوُّ الله وعدوُّه، وليرجع بِهِ إِلىَ أمِّه لتربِّيه بأمان مِنَ القتل، لئلاَّ يعرفوه أنَّه مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ. فانظر إِلىَ هَذِهِ الحكمة الباهرة، لأَنَّ الله غالبٌ عَلَى أمره إِلىَ أن {قالت امرأة فرعون: قرَّتُ عينٍ لي ولَكَ لاَ تقتلوه عَسَى أن ينفَعَنا أو نتَّخذه ولدا وَهُم لاَ يشعرون} (3).
{__________
(1) - ... في الكشَّاف: «لأنَّ الماء يسحله، أي يقشره». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 49.
(2) - ... سورة القصص: 7.
(3) - ... سورة القصص: 9.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

الاغلان 6

الاعلان 5