23 كتاب التفسير الميسر لسعيد الكندي الصفحة




ثُمَّ أشار إِلىَ وجه إحداث الكائنات، وتدبير أمرها بِأَن قصد العرش، فأجرى مِنْهُ الأحكام والمقادير، وأنزل مِنْهُ الأسباب عَلَى ترتيبٍ ومقادير حسب مَا اقتضته حكمته، وتعلَّقت بِهِ مشيئته، فقال: {الرحمنُ عَلَى العرش استوى(5) لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فيِ الأَرْض وَمَا بينهما وَمَا تَحت الثرى(6)} ليدلَّ بذلك عَلَى كمال قدرته وإرادته، وَلَمَّا كَانَت القدرةُ تابعة للإرداة، وهي لاَ تنفكُّ عَن العلم عَقَّب ذَلِكَ بإحاطة علمه تعالى، بِجَلِيَّات الأمور وخفيَّاتها (1) عَلَى سواء، فقال:
{وإن تَجهرْ بالقول فَإِنَّهُ يعلم السرَّ وأخفى(7)} السرُّ: مَا أكنَّته الصدور؛ وأخفى مِنَ السرِّ مَا سَتُكِنُّه بعد، ولم تكن أكنَّته؛ وفيه تنبيه عَلَى أنَّ شرع الذكر والدعاء، والجهر فيما (2) ليس لإعلام الله، بَل لتصوير (3) النفس بالذكر، ورسوخه فِيهَا، ومَنعها عَن اشتغال بغيره، [و]هضمها بالتضرُّع والجُؤَار (4) .
__________
(1) - ... هكذا كتب الناسخ، ثُمَّ شطَّب عليه وكتب: «وخفائها». ويبدو أنَّ الصواب ما أثبتناه.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فيهما».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لتضوير»، من التضوُّر، وَهُوَ «التلوِّي والصياح من وجع الضرب أو الجوع»، أي لَعَلَّهُ يقصد إذلال النفس وقهرها. راجع: ابن منظور: لسان العرب، 3/556.
(4) - ... «جأر يجأر جأْرًا وجُؤارا: رفع صوته مع تضرُّع واستغاثة». ابن منظور: لسان العرب، 1/390.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

الاغلان 6

الاعلان 5