200 كتاب التفسير الميسر لسعيد الكندي الصفحة




فقال الملأ الذِينَ كَفَرُوا من قومه}: يريد الأشراف، لأَنَّهُم يملؤون القلوب هيبةً، والمجالس أبَّهةً؛ أو لأَنَّهُم ملأٌ بأحلام (1) والآراء الصائبة لظاهر الحياة الدُّنْيَا، {مَا نراك إِلاَّ بشرا مثلنا} لا مزيَّة لك علينا تخصُّك بالنبوَّة، ووجوب [246] الطاعة، لأَنَّهُم نظروا إِلىَ البشريَّة الظاهرة، ولم ينظروا إِلىَ سرِّه الخفيِّ الذِي خصَّه الله بِهِ دونهم؛ {وَمَا نراك اتَّبَعَك إِلاَّ الذِينَ هُم أراذِلنا} أضعفنا فيِ الرأي؛ أو الجسم أو المال أو الرئاسة، لأَنَّ نظرهم كَانَ مقصورا عَلَى ظواهر الأمور دون حقائقها. {بَادِيَ الرأي} أي: اتَّبعوا ظاهر الرأي؛ من غير رؤية ونظر؛ ولو تَفَكَّروا مَا اتَّبعوك، واسترذالهم لَهُم لِمَا ذكرنا، ولتأخُّرِهم عَن الأسباب الدنيويَّة، لأَنَّهُم كَانُوا جُهَّالاً، مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ إِلاَّ ظاهرا من الحياة الدُّنْيَا؛ فكَانَ الأشرف عندهم من لَهُ جاه ومال، كما نرى المتَسَمِّينَ بالإسلام يعتقدون ذَلِكَ، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم. وَلَقَد زال عَنْهُم أنَّ التقدُّم فيِ الدُّنْيَا لاَ يُقرِّب أحدا مِنَ الله، وإنَّما يُبعده؛ وَلاَ يرفعه بَل يضعه. {وَمَا نَرى لكم علينا من فضل} فيِ مال وَلاَ رأي، وَلاَ قوَّة وَلاَ جاه وَلاَ علم؛ {بَل نَظُنُّكُم كاذبِينَ (27)} أي: نوحًا؛ نوحًا فيِ الدعوة وأنتم فيِ الإجابة؛ يعني: تواطأتم عَلَى الدعوة والإجابة، تسبيبًا للرئاسة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب كما في تفسير أَبِي السعود: «مُلِئوا بالأحلام والآراء الصائبة». أبو السعود: تفسير أبي السعود، مج2/ج2/ص200.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

الاغلان 6

الاعلان 5