194 كتاب التفسير الميسر لسعيد الكندي الصفحة




ولئن أخَّرنا عَنْهُم العذابَ} عذاب مَا وُعِدوا بِهِ، {إِلىَ أمَّة معدودة} إِلىَ جماعة مِنَ الأوقات معلومة أو قلائل، والمَعنَى: إِلىَ حينٍ معلومٍ، {ليقُولُنَّ مَا يَحبِسُه} مَا يمنعه مِنَ النزول، استعجالا له عَلَى وجه التكذيب والاستهزاء، {أَلاَ يومَ يأتيهم} العذابُ {ليس مصروفاً عَنْهُم، وحاق بهم} وأحاط بهم {مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ(8)} (لَعَلَّهُ) بالعذاب الذِي كَانُوا يستعجلون؛ وإنَّما وضع: «يستهزءون» موضع «يستعجلون» لأَنَّ استعجالهم كَانَ عَلَى وجه الاستهزاء.
{ولئن أذقنا الإنسان} هُوَ للجنس، {مِنَّا رحمة} نعمة، {ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّهُ ليئوس} شديد اليأس من أن تعود إِلَيْهِ مثل تلك النعمة المسلوبة، قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر وَلاَ تسليم لقضائه، {كفور(9)} عظيم الكفران لِمَا سلف لَهُ مِنَ التقلُّب فيِ نعمة الله، نسَّاء لَهُ.
{ولئن أذقناه نعماءَ بعد ضرَّاءَ مسَّته} كصِحَّة بعد سقم، وغنًى بعد عدمٍ؛ وفي اختلاف الفعلين نكتة لاَ تخفى بالنعم إِلاَّ معتربها[كَذَا]. {ليقُولَنَّ ذهب السَّيِّئَاتُ عنِّي} أي: المصائب التِي ساءتني، {إِنَّهُ لفَرِحٌ} أَشِرٌ بَطِرٌ، {فخورٌ(10)} على الناس بِمَا أذاقه الله من نعمائه، وقد شغله الفرح والفخر عَن الشكر؛ والفرح: لذَّة فيِ القلب، (لَعَلَّهُ) يبتلي بها المشتهي. والفخر هُوَ: التطاول عَلَى الناس، بتعديل المناقب، وذلك منهيٌّ عَنْهُ.
{إِلاَّ الذِينَ صبروا} فيِ المحنة والبلاء، {وعَمِلوا الصالحات}، وشكروا فيِ النعمة والرخاء، وطبعوا أنفسهم للطاعة عَن طبعها الأصلي، {أُولَئِكَ لَهُم مغفرةٌ} لصغائر ذنوبهم، {وأجرٌ كبيرٌ(11)} عَلَى صبرهم، أكبرمن كلِّ أجر فيِ الدُّنْيَا، ولو أُعطِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أجراً، فأجره فيِ الآخِرَة أكبر عَلَى مقابلة العذاب الكبير.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

الاغلان 6

الاعلان 5