123 كتاب التفسير الميسر لسعيد الكندي الصفحة




ومنهم الذِينَ يُؤذون النبيَّ ويقولون: هُوَ أُذُنٌ} يسمع كلَّ ما يُقال لَهُ، ويُصدِّقه. سُمِّي بالجارحَة للمبالغة، كأنَّه من فَرْطِ استماعه صار آلةً للسَّماع؛ كما سُمِّي الجاسوس عَيْنًا؛ وإيذاؤهم لَهُ وَهُوَ قولهم فِيهِ: «هُوَ أُذنٌ» قصدوا بِهِ المذمَّة، وأنَّهُ مِن أهل سلامةِ القلوب والغِرَّة (1)، ففسَّره الله تعالى بِمَا هُوَ مدحٌ لَهُ وثناءٌ عليه فقال: {قل أُذُنُ خيرٍ لكم} كقوله: رجل صِدْقٌ، يريد الجودة والصلاح؛ كأنَّه قيل: نَعَم هُوَ أُذُنٌ، ولكن نِعْمَ الأُذن؛ ويجوز أن يريد هُوَ أُذنٌ فيِ الخير والحقِّ، وفيما يَجب سَماعه وقبوله، وليس بأُذنٍ فيِ غير ذَلِكَ؛ ثُمَّ فَسَّرَ كونه أُذن خير بأنَّه {يُؤْمِنُ بالله} أَي: يصدِّق بالله لِما قَام عنده مِنَ الأدلَّة، {ويُؤمن للمؤمنين} ويَقبل مِنَ المؤمنين الخُلَّص وعدَّى فعل “الإيمان” بالباء إِلىَ الله، لأَنَّهُ قصد بِهِ التصديق بالله الذِي هُوَ ضِدُّ الكفر بِهِ، وَإِلىَ المؤمنين باللاَّم، لأنَّه قصد السّماع مِنَ المؤمنين، وأن يسلِّم لَهُم مَا يقولونه ويصدِّقه لكونهم صادقين عنده، ألا تَرى إِلىَ قوله: {وَمَا أنت بمؤمن لنا} (2) كيف ينبو عَن ينبؤ عَن (3) الباء. {ورحمة للذين آمنوا منكم} أَي: هُوَ رحمة للمؤمنين حيث استنقذهم مِنَ الكفر إِلىَ الإيمان. {__________
(1) - ... «وَفيِ الحديث: “المؤمن غِرٌّ كريم”، أي ليس بذي نُكر، فهو ينخدع لانقياده ولينه، وَهُوَ ضدُّ الخَبِّ، يقال: فتى غٍرٌّ، وفتاة غِرٌّ ... ومنه حديث الجَنَّة: “يدخلني غِرَّة الناس، أي البُلْهُ الذين لم يجرِّبوا الأمور، فهم قليلو الشرِّ منقادون». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 971.
(2) - ... سورة يوسف: 17.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كيف ينبو عن الباء»، أي أنَّ السياق لا يحتمل إدخال الباء عَلَى الضمير “نا”، فلا يليق أن يقول: «وما أنت بمؤمن بنا».

إرسال تعليق

أحدث أقدم

الاغلان 6

الاعلان 5